Site icon

مقالات مترجمة l الشرق الأوسط في المنظار الروسي: الحرب، ترامب، ومستقبل النفوذ الأميركي، ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي

15 أيار مايو 2026

في مقال مطوّل نشره الكاتب الروسي أوليغ ساروف بتاريخ 10 أيار/مايو 2026 على موقع مؤسسة الثقافة الاستراتيجية، تحت عنوان «الصراع في الشرق الأوسط وأنصار ترامب في سياق الإنتخابات الأميركية»، تُقدَّم قراءة سياسية حادة تربط بين الحرب في الشرق الأوسط، والأزمة الداخلية في الولايات المتحدة، والتحولات الجارية في النظام الدولي.

المقال لا يكتفي بسرد تطورات الصراع، بل يتعامل معه كجزء من مشهد أوسع يعكس ــ وفق رؤية الكاتب ــ إعادة تشكّل تدريجية لموازين القوة العالمية، وتراجع قدرة الولايات المتحدة على التحكم الكامل في مسارات الأحداث الدولية.

منذ البداية، يطرح الكاتب أطروحته المركزية بوضوح، إذ يعتبر أن إدارة ترامب «تورطت في حرب لم تكن الولايات المتحدة بحاجة إليها»، وأن الإشكال الأساسي لا يكمن فقط في الدخول إلى الحرب، بل في غياب تصور واضح لكيفية إنهائها أو تحديد أهدافها النهائية. وفي هذا السياق تتكرر داخل النص فكرة محورية تلخص رؤيته، حين يكتب أن «أخطر ما في أي حرب هو ألّا تعرف كيف تنهيها»، في إشارة إلى أن غياب الهدف الإستراتيجي يجعل الصراع مفتوحاً على إحتمالات سياسية معقدة.

ويقدّم المقال مقارنة ضمنية بين الفاعلين الإقليميين والدوليين، إذ يصوّر إسرائيل ــ في رؤية الكاتب ــ كطرف يمتلك تصوراً أوضح لأهدافه الإستراتيجية، بينما تبدو واشنطن أكثر تأثراً بالإعتبارات الإعلامية والإنتخابية والداخلية. ويشير النص إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو نجح في دفع الولايات المتحدة نحو مسار تصعيدي في مواجهة إيران، ضمن حسابات إقليمية أوسع.

وفي إستعادة للتاريخ القريب، يقارن الكاتب بين الوضع الحالي وتجربة العراق، معتبراً أن الفارق الجوهري يتمثل في أن الولايات المتحدة آنذاك كانت تتحرك من موقع تفوق واضح، بينما تبدو اليوم ــ بحسب النص ــ أقل قدرة على فرض مسار الحروب بالشكل نفسه، وأكثر عرضة للتعقيد والتآكل السياسي.

ويبرز في المقال تصور متشائم لمسار النفوذ الأميركي، إذ يشير إلى أن صورة واشنطن الدولية تتعرض لإختبار صعب في ظل الحرب، وأن قدرتها على إقناع الحلفاء والمجتمع الدولي بمشاريعها باتت أكثر تعقيداً. ويذهب النص إلى طرح فكرة مفادها أن التوترات الحالية لا تؤثر فقط في ميزان القوى، بل في “الهيبة السياسية” للولايات المتحدة نفسها.

كما يتناول المقال الموقف الخليجي، مشيراً إلى أن دول المنطقة، رغم حرصها على تجنب الصدام مع واشنطن، قد تعيد في المدى البعيد تقييم شكل إعتمادها الأمني والسياسي على الولايات المتحدة. وفي السياق نفسه، يقدّم قراءة للموقف الأوروبي بوصفه أكثر تحفظاً تجاه الإنخراط المباشر، ليس فقط لأسباب عسكرية، بل أيضاً نتيجة تعقيدات داخلية تتعلق بالتركيبة الإجتماعية والسياسية في القارة.

أما إيران، فتُقدَّم في النص بوصفها نموذجاً مختلفاً في إدارة الصراع. فبدلاً من تصويرها كنظام يعتمد على مركز واحد يمكن ضربه لإسقاطه، يرى الكاتب أنها بنية مؤسساتية معقدة قادرة على إمتصاص الضغوط والإستمرار. وفي هذا الإطار، يلفت المقال إلى أن إستمرار النظام لا يعتمد فقط على القيادة، بل أيضاً على شبكة مؤسسات وتوازنات داخلية تمنحه قدرة على التكيف مع الصدمات.

الحرب من أجل البقاء في العقل الإيراني

يتوسع الكاتب في تفسير طبيعة المواجهة مع إيران، معتبراً أنها تُدار ضمن منطق “الحرب من أجل البقاء” كما تفهمه طهران. فبحسب هذا التصور، لا تنظر قطاعات مؤثرة داخل الدولة الإيرانية إلى الصراع بإعتباره مواجهة سياسية قابلة للتسوية التقليدية، بل كمعركة وجودية تتعلق ببقاء الدولة والنظام في آن واحد.

ومن هذا المنظور، تصبح مفاهيم مثل الصمود والتضحية وتحمل الكلفة العالية للحرب جزءاً من البنية السياسية والفكرية التي تشكلت تاريخياً داخل الجمهورية الإسلامية، وهو ما يفسر ــ وفق قراءة المقال ــ قدرة النظام على الإستمرار رغم الضغوط المتراكمة والعقوبات والعمليات العسكرية والأمنية.

ترامب والإنتخابات: الحرب كعامل داخلي

يربط المقال بشكل مباشر بين مسار الحرب والوضع الداخلي الأميركي، معتبراً أن إدارة ترامب تواجه تحديات متزايدة مع إقتراب الإستحقاقات الإنتخابية. فالحرب، بحسب النص، تتحول إلى عنصر ضغط سياسي داخلي، في ظل إنقسام داخل القاعدة الإنتخابية الجمهورية بين تيارات تدعم التصعيد وأخرى تميل إلى تقليص الإنخراط الخارجي.

ويشير الكاتب إلى أن هذا الوضع قد يفتح المجال أمام خصوم ترامب السياسيين لإستثمار التوترات الحالية، بما قد يؤدي إلى إضعاف موقعه داخل المشهد السياسي الأميركي، أو تحويله إلى رئيس محدود القدرة على التأثير في المسار العام للسياسة الخارجية.

المزاج الروسي: عالم يتغير

بعيداً عن التفاصيل المباشرة، يعكس المقال ما يمكن وصفه بـ“المزاج التحليلي” داخل جزء من النخبة الروسية، والذي يرى أن النظام الدولي الذي تبلور بعد الحرب الباردة لم يعد ثابتاً، وأن العالم يدخل مرحلة إنتقالية تتعدد فيها مراكز القوة والنفوذ.

ويبدو واضحاً في النص وجود ميل لتفسير الأزمات الدولية بوصفها مؤشرات على تراجع القدرة الأميركية على إدارة النظام العالمي بنفس الكفاءة السابقة، مقابل صعود حالة من التعددية وعدم اليقين في العلاقات الدولية.

ما بعد الحرب: الرقابة الرقمية والتحولات الكبرى

في خاتمة المقال، يوسّع الكاتب زاوية التحليل لتشمل المستقبل، محذراً من أن الحروب والصراعات الجارية قد تسهم في تسريع إنتقال العالم نحو أنماط أكثر كثافة من الرقابة الرقمية والتحكم التكنولوجي.

ويرى النص أن الأزمات الكبرى لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية فقط، بل تؤثر أيضاً في طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، من خلال توسيع أدوات المراقبة الرقمية وإعادة تعريف حدود الخصوصية والسيطرة. وبغض النظر عن الإتفاق أو الإختلاف مع هذه الرؤية، فإنها تعكس إتجاهاً فكرياً متزايداً يربط بين التحولات الجيوسياسية والتحولات التكنولوجية في آن واحد.

قراءة مفتوحة

في المحصلة، يقدم المقال رؤية روسية نقدية حادة للمشهد الدولي، تدمج بين تحليل الحرب في الشرق الأوسط، وتقييم الدور الأميركي، وقراءة التوازنات الإقليمية والدولية، وصولاً إلى إستنتاجات واسعة حول مستقبل النظام العالمي.

لكن هذه القراءة تبقى ــ في نهاية المطاف ــ إحدى زوايا النظر الممكنة، وليست حكماً نهائياً على الواقع، ما يترك للقارئ إمكانية تقييمها والحكم عليها.

_________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….https://kanaanonline.org/2022/10/27/%d9%85%d9%84%d8%a7%d8%ad%d8%b8%d8%a9-%d9%85%d9%86-%d9%83%d9%86%d8%b9%d8%a7%d9%86-3/

Exit mobile version