Site icon

من صفحات التاريخ || الأرستقراطية السوفياتية: كيف تحوّلت النخبة التي رعتها الدولة إلى خصم لها؟ ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي

12 حزيران يونيو 2026

«النخبة» ضد الإتحاد السوفياتي: كيف وُلدت نخبة الإمتيازات السوفياتية التي كرهت الدولة التي صنعتها؟

في مقاله المنشور على موقع صحيفة زافترا الالكترونية تحت عنوان «الأيربورتيون (أي نخبة حي  المطار) ضد الإتحاد السوفياتي»، يقدّم المؤرخ والمفكر الروسي أندريه فورسوف قراءة إجتماعية ــ سياسية حادة لطبقة كاملة تشكّلت داخل البنية السوفياتية، ثم تحولت تدريجياً إلى أحد أهم مراكز العداء الرمزي والفكري للدولة التي منحتها الإمتيازات والمكانة والنفوذ.

النص لا يكتفي بالدفاع عن الحقبة الستالينية أو مهاجمة الليبرالية السوفياتية المتأخرة، بل يحاول رسم خريطة للصراع الداخلي الذي نشأ داخل الإتحاد السوفياتي نفسه: صراع بين دولة تعبئة تاريخية صلبة، وبين شريحة ثقافية ــ بيروقراطية نشأت في أحضانها ثم راحت تنزع عنها الشرعية الأخلاقية والرمزية.

المقالة في جوهرها ليست مجرد حديث عن المثقفين، بل عن طبيعة السلطة السوفياتية، وعن تحولات النخبة، وعن العلاقة المعقدة بين الإمتياز والعداء، وبين الرعاية والتمرد، وبين الثقافة والدولة. وهي أيضاً محاولة لتفسير الكيفية التي تحولت بها قطاعات من «النخبة السوفياتية» لاحقاً إلى حوامل نفسية وسياسية للتفكك السوفياتي ثم لما بعده.

ستالين كعقدة تاريخية للنخب ما بعد السوفياتية

يفتتح فورسوف مقاله بفكرة محورية: إن كراهية قطاعات واسعة من النخب الروسية ما بعد السوفياتية لـ جوزيف ستالين ليست مسألة أخلاقية بسيطة، ولا مجرد إدانة لـ«القمع»، بل ترتبط ــ حسب رأيه ــ بثلاث حقائق تاريخية كبرى يمثلها العهد الستاليني.

▪️أول هذه العناصر أن «الإتحاد السوفياتي الستاليني» كان مشروع قوة عظمى ناجحاً.

فورسوف يصف التحول الذي شهدته روسيا السوفياتية بأنه إنتقال هائل: «من دولة زراعية متخلفة، ذات صناعة ضعيفة وتابعة للغرب، إلى قوة صناعية حديثة تمتلك إستقلالاً عسكرياً ــ صناعياً».

في هذا التصور، يصبح عهد ستالين لحظة تأسيس للسيادة الروسية الحديثة، لا مجرد مرحلة سياسية. ولذلك يرى الكاتب أن المقارنة بين الإتحاد السوفياتي الستاليني وروسيا المعاصرة مؤلمة للنخب الحالية، لأن الدولة السوفياتية ــ بحسب تعبيره ــ إستطاعت تحقيق إستقلال إستراتيجي وتنمية صناعية وتعليمية واسعة، بينما بقيت روسيا ما بعد السوفيات، في نظره، «اقتصاداً خامياً» يعتمد على تصدير المواد الأولية.

ويذهب أبعد من ذلك حين يلمح إلى أن مكانة روسيا الدولية الحالية تستند جزئياً إلى إرث الحقبة الستالينية نفسها، خصوصاً في مجال السلاح النووي، قائلاً إن «الترسانة النووية هي ميراث ستالين وبيريا».

الحرب الوطنية العظمى بوصفها معركة وجود

▪️ المحور الثاني في قراءة فورسوف يتمثل في الحرب العالمية الثانية، أو ما يسميه الروس «الحرب الوطنية العظمى».

هنا يتجاوز الكاتب السردية العسكرية إلى بعد وجودي وحضاري.

فهو يعتبر أن ألمانيا النازية لم تكن مجرد خصم جيوسياسي تقليدي، بل مشروعاً يستهدف محو الروس تاريخياً وعرقياً.

ويكتب بمعنى واضح: «هتلر كان العدو الوحيد في تاريخ روسيا الذي وضع هدف إزالة الروس من التاريخ».

لهذا يصف الإنتصار السوفياتي بأنه «الحدث الأعظم في التاريخ الروسي»، لا بإعتباره نصراً عسكرياً فحسب، بل بوصفه لحظة إنقاذ حضاري ووجودي للشعوب الروسية وشعوب الإتحاد السوفياتي.

وفي سياق متصل يستخدم فورسوف تعبيراً لافتاً حين يتحدث عن «الرايخ الأوروبي» أو «الإتحاد الأوروبي الهتلري»، في إشارة إلى أن ألمانيا النازية لم تواجه الإتحاد السوفياتي وحدها، بل كانت مدعومة بطيف واسع من القوى الأوروبية المتحالفة معها أو المتعاونة معها.

هذه الفكرة تحمل إسقاطاً واضحاً على الحاضر، إذ يحاول الكاتب الربط بين الذاكرة التاريخية للصراع مع أوروبا وبين التوترات الجيوسياسية الراهنة بين روسيا والغرب.

العدالة الإجتماعية والعنف التاريخي

▪️ أما الركيزة الثالثة التي تجعل ستالين هدفاً للكراهية ــ وفقاً لفورسوف ــ فهي أن النظام الستاليني مثّل نموذجاً لدولة أعلنت العدالة الإجتماعية وحاولت تطبيقها عملياً، حتى وإن كان ذلك ضمن شروط قاسية وعنيفة.

لا ينكر الكاتب وجود القمع أو التفاوت الإجتماعي أو الإستغلال داخل الإتحاد السوفياتي الستاليني، لكنه يضعها ضمن منطق «التعبئة التاريخية» لدولة كانت تسابق الزمن من أجل البقاء.

ويقول بمعنى قريب: «كان على الإتحاد السوفياتي أن يقطع في عشر سنوات ما إحتاج الغرب إلى قرن لبلوغه، وإلا سُحق».

بهذا المنطق، يصبح العنف ليس إنحرافاً إستثنائياً بل جزءاً من مشروع بناء الدولة الحديثة تحت تهديد وجودي دائم.

لكن فورسوف لا يقدم صورة مثالية عن العهد الستاليني.

فهو يعترف بأن مشكلة العلاقة بين السلطة والشعب بقيت قائمة، وأن «التآكل الاجتماعي» بدأ مبكراً داخل الطبقة الحاكمة، ثم تحول لاحقاً ــ في عهدي نيكيتا خروتشوف وليونيد بريجنيف ــ إلى أزمة بنيوية داخل النظام نفسه.

إستخدامهُ لمجازات طبية مثل «التهاب المعدة» ثم «القرحة» ثم «السرطان» لوصف تطور البيروقراطية السوفياتية يكشف طبيعة رؤيته: النظام لم يسقط فقط بسبب ضغط خارجي، بل بسبب نمو طبقة داخلية إنفصلت تدريجياً عن أهداف المشروع السوفياتي الأصلي.

من هم «الأيربورتيون» أو “نخبة حي المطار”؟

القسم الأكثر إثارة في المقال هو ذلك الذي يتناول ظاهرة «الأيربورتيين» أو «سكان حي المطار».

التسمية مأخوذة من منطقة «أيربورت» في موسكو، حيث أقيمت مجمعات سكنية خاصة لشرائح من الفنانين والكتاب والمثقفين السوفيات.

وقد إستعان فورسوف بوصف أطلقته الناقدة السينمائية السوفياتية ناتاليا زوركايا على هذه الفئة.

هذه الشريحة ــ بحسب المقال ــ كانت تمثل ما يمكن تسميته «الأرستقراطية الثقافية السوفياتية».

فهي تمتعت بمزايا واسعة:

•شقق فاخرة مصممة خصيصاً.

•عيادات خاصة.

•بيوت إستجمام وإبداع.

•إمكانية السفر إلى الخارج مع العائلة.

•إمتيازات مادية ورمزية لا يحصل عليها معظم المثقفين العاديين.

لكن المفارقة الأساسية عند فورسوف هي أن هذه الفئة، رغم أنها كانت نتاجاً مباشراً للنظام السوفياتي، حملت موقفاً عدائياً تجاهه.

ويصف الأمر بعبارة تكاد تختصر كامل أطروحته: «لقد كرهوا الدولة التي صنعتهم».

المثقف السوفياتي كوجه آخر للسلطة

يرفض فورسوف إعتبار هذه الشريحة «ليبرالية» بالمعنى الحقيقي.

فهو يرى أنها لم تكن نقيضاً للسلطة، بل إنعكاساً آخر لها.

ويصفها بأنها إتسمت بـ:

•التعالي الاجتماعي.

•العصبية الجماعية.

•رفض الآراء المخالفة.

•الإيديولوجية المغلقة.

•إحتكار الشرعية الثقافية.

أي أنها ــ في رأيه ــ مارست داخل الحقل الثقافي ما كانت تتهم السلطة السياسية بممارسته داخل الدولة.

ومن هنا تأتي إحدى أهم أفكار المقال: المعارضة الثقافية السوفياتية لم تكن دائماً حركة تحرر ديمقراطي، بل كثيراً ما كانت صراعاً داخل النخبة نفسها على النفوذ والرمزية والإمتياز.

الإمتياز والشعور بالإضطهاد

أكثر ما يلفت فورسوف هو ما يعتبره «التناقض النفسي» لدى هذه الفئة.

فبرغم الإمتيازات الضخمة التي تمتعت بها، كانت ترى نفسها «مضطهدة».

وكان أفرادها ــ بحسب المقال ــ يعرّفون أنفسهم بوصفهم خصوماً دائمين للدولة، حتى عندما كانوا جزءاً من مؤسساتها ويتمتعون بحمايتها.

ويقتبس الكاتب فكرة مفادها أن ما يمنح «الأيربورتي» أو “ساكن حيث المطار” شعوره بالتميز هو: «كراهيته الصادقة للنظام».

هنا يتحول العداء السياسي إلى علامة هوية إجتماعية وثقافية.

فالرفض لم يعد مجرد موقف فكري، بل أصبح جزءاً من الإحساس بالنخبوية والتفوق الأخلاقي.

الثقافة السوفياتية كميدان صراع خفي

في الجزء الأخير من المقال يذهب فورسوف إلى أن هذه النخبة الثقافية نجحت، خصوصاً خلال سبعينيات بريجنيف، في بناء شبكات نفوذ غير رسمية داخل الثقافة والأدب والإعلام.

وهو يشير إلى أن بعض أوساط الدولة، بل وحتى أجهزة الأمن السوفياتية، حاولت إستخدام هذه الشبكات أو إحتواءها.

لكن الكاتب يطرح سؤالاً معكوساً: هل كانت الأجهزة الأمنية تستخدم النخبة الثقافية، أم أن الأخيرة إستطاعت بدورها توظيف الدولة لخدمة نفوذها الخاص؟

وفي هذا السياق يذكر أسماء بارزة مثل:

•ليليا بريك

•مايا بليستسكايا

•غيورغي سفيريدوف

•فيليب بوبكوف

وهي أسماء يستدعيها الكاتب بوصفها رموزاً لشبكات التأثير الثقافي غير الرسمية داخل المجتمع السوفياتي المتأخر.

قراءة في الخلفية الفكرية للمقال

رغم أن المقال مكتوب بروح سجالية واضحة، فإنه يكشف عن تيار فكري روسي واسع يرى أن إنهيار الإتحاد السوفياتي لم يكن مجرد نتيجة لأزمة إقتصادية أو سباق تسلح، بل نتيجة «تحول داخلي للنخبة».

في هذا التصور، لم يسقط النظام لأن المجتمع رفضه بالكامل، بل لأن جزءاً من طبقته الثقافية والإدارية فقد إيمانه بالمشروع التاريخي السوفياتي، وبدأ ينظر إلى الغرب بوصفه النموذج الأسمى للحياة والشرعية والرفاهية.

ولهذا فإن «الأيربورتيين» أو “سكان حي المطار “عند فورسوف ليسوا مجرد مثقفين مدللين، بل تعبير عن لحظة أعمق: لحظة إنفصال النخبة عن الدولة التي بنتها.

خاتمة

يقدّم أندريه فورسوف في مقاله صورة شديدة القسوة عن جزء من النخبة الثقافية السوفياتية، ويربط بين نشأتها وإمتيازاتها وبين التحولات التي إنتهت لاحقاً إلى تفكك الإتحاد السوفياتي.

سواء إتفق القارئ مع هذه الرؤية أم إختلف معها، فإن المقال يثير أسئلة جوهرية لا تزال حاضرة في روسيا المعاصرة وفي دول كثيرة أخرى: كيف تتحول النخب التي تصنعها الدولة إلى خصوم لها؟

هل الامتياز يولّد الولاء أم الإغتراب؟

وهل يمكن لمشروع سياسي أن ينهار حين تفقد طبقته الثقافية إيمانها به؟

وأخيراً: هل كان الصراع داخل الإتحاد السوفياتي صراعاً بين الدولة والمجتمع، أم صراعاً بين مشروع تاريخي ونخبة بدأت تبحث عن عالم آخر؟

هذه الأسئلة هي ما يجعل مقال فورسوف يتجاوز مجرد الجدل حول ستالين، ليتحول إلى تأمل أوسع في مصير النخب، وعلاقة الثقافة بالسلطة، والطريقة التي تنهار بها الإمبراطوريات من الداخل قبل أن تُهزم من الخارج.

_________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….

Exit mobile version