Site icon

الصهيونية نقيض وجودي للشعوب العربية وليس فقط لشعب فلسطين، سعيد كنيش

القسم الأول

يسجل الراحل المثقف المشتبك أحمد حسين ما يلي : عندما وضع بناة المشروع الصهيوني الامبرياليين مخططهم، كانوا يعرفون أن إقامة الكيان الصهيوني على أرض فلسطين، لن يكون أمرا ممتنعا أو بالغ الصعوبة من الناحية الإجرائية.

هذا واقع تاريخي صحيح، فالوطن العربي كان يخضع للاحتلال التركي باسم الخلافة، لأزيد من أربعة مائة سنة، وتسلمته القوى الاستعمارية الأوربية وهو في حالة من الانحطاط والتهالك، منخور القوى ومفكك الأوصال ومجزأ الجغرافيا. ولم تتبلور حركات وطنية عربية إلا مع الاستعمار العسكري المباشر، في الشام والعراق ومصر، وبشكل متأخر في غرب الوطن العربي.

تم يضيف الراحل أحمد حسين: إن فكرة المشروع الصهيوني من أساسها لم تكن بهذه البساطة. لم تكن مشروعا تكتيكيا عابرا، أو ناجما عن مصالح قطيع من المستوطنين البيض المغامرين الذين جاءوا مع العسكر وأسسوا إقطاعات زراعية أو مالية أو تجارية أو تعدينية على حساب سكان البلاد الأصليين كما وقع في أمريكا واستراليا ونيوزيلاندا.

 ويستنتج الراحل : كانت الفكرة أعمق وأخس ما يمكن أن يصل إليه عقل المصلحة الإمبريالية من مشاريع في أهم منطقة حيوية من مناطق العالم.  كان الهدف هو تغيير التاريخ المتداول في المنطقة العربية، وغزو كل مكونات البنيات الاجتماعية والاقتصادية العربية، وتفكيكها بزراعة مكون بنيوي جديد/ الكيان الصهيوني، يستأنف على واقع البنية القائمة ويلغيه، وينهي إشكالا تاريخيا ممتدا، ظل يرعب أوروبا قرونا طويلة، وهو قيام مشروع عربي تنموي مقابل شواطئها.

لم يتزحزح المشروع الامبريالي الصهيوني شبرا واحدا عن هذه الأهداف، وإنما أخضع تنفيذها لمراحل مترابطة. لذلك ولأجله، فإن عزل نضال الشعب الفلسطيني عن عمقه العربي، وفك ارتباطه بنضال الشعوب العربية في التحرير من الاستعمار والتبعية والوحدة والديمقراطية؛ يعتبر مرحلة متقدمة في هذا المخطط، تخدم استراتيجية المشروع الاستعماري. وبالتالي تحويل الصراع الواحد المشترك ضد الشعوب العربية وقد ظلت خاضعة للاحتلال او الانتداب أو الحماية، أو الاستعمار الجديد، إلى مجرد نزاع “فلسطيني إسرائيلي”.

إنه في النهاية موقف قوى اليسار العالمي المخترق صهيونيا الذي ظل يردد أن الصراع مجرد إشكالية داخلية لسياق صراع وطني فلسطيني -يهودي واحد، قد يفضي إلى “حل الدولتين”.  وأيضا نفس النسخة المطروحة من قوى وأحزاب اليسار العربي وحتى الماركسي الوافد فكريا وسياسيا من الغرب والمعادي للعروبة.

 ذلك هو الهدف الثمين الذي عمل على تحقيقه الصهيوأمريكي اليوم وذيوله الأنظمة العربية المتصهينة وتيارات الدين السياسي الإرهابية في الوطن العربي، من أجل تصفية القضية الفلسطينية عربيا ليتم ابتلاعها تماما.

لقد تحول الصراع العربي الصهيوني جذريا إلى بحث عن حل “للنزاع الفلسطيني الإسرائيلي” . وأصبح هو التيار السياسي الفكري الجارف والغطاء السياسي الذي يلتحفه تيار التطبيع والعولمة الاقتصادية والسياسية في العالم العربي. وجرى تعميمه على السواء، من طرف الحكام العرب الصهاينة بتمويل خليجي (أي صهيوني)، ومن طرف اليسار العربي الوافد من الغرب(لا يهم اختلاف دوافعهما كثيرا)؛ وذلك بعد انتصار الرأسمال على العمل، والليبرالية السياسية على الماركسية. تم انخذل الوعي الماركسي لدى الأحزاب الشيوعية العربية إلى درجة التحلل والوقوف إلى يسار الوعي الليبرالي أو الاندماج السياسي فيه.

القسم الثاني

نفضت الأنظمة الحاكمة ما تبقى لديها من “التزام رسمي عربي” اتجاه تحرير فلسطين من الاحتلال، واعتبرت الصراع مع العدو شأنا فلسطينيا خالصا في مؤتمر القمة بالرباط 1974، الذي سمي مؤتمر الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني بعد آخر حرب لدول عربية مع الكيان في أكتوبر 1973.

لقد مهد هذا المؤتمر الطريق إلى جلوس الأنظمة العربية تحت خيمة التطبيع الصهيوني الامريكي من باب البحث عن “تسوية للنزاع” وتفريخ «مشاريع السلام” تحمل أسماء متعددة بهدف واحد هو التطبيع مع الكيان الذي يعني الاعتراف بالاحتلال وذبح الشعب الفلسطيني.

 انطلق التطبيع العربي الرسمي بشكل فردي في الحالة المصرية، وجماعية بقيادة أنظمة الخليج و باقي الملكيات . إنه في الحقيقة مسار حتمي لأنظمة ولدت من رحم “سايكس بيكو” الاستعماري الأول في الشرق العربي، والثاني في غربه ، واغتنم العدو بسرعة نتائج الهزيمة والتغيير في ميزان القوى.

بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وانعقاد “مؤتمر السلام الأمريكي” بمدريد، التحقت منظمة تحرير الفلسطينية بالتطبيع من “بوابة أوسلو” بعد مسار طويل من الخداع والفساد المالي والتحلل النضالي والاختراق الامني لقياداتها المتنفذة ( انظر كتاب ستون عاما من الخداع لمؤلفه محمد سعيد دلبح/ دار الفارابي طبعة 2021 ).  وأقرت المنظمة أخيرا بوجود حق تاريخي لليهود في فلسطين واعترافا بشرعية التشريد والاحتلال. وقامت بتمزيق الميثاق الوطني الفلسطيني على رؤوس الشهود الدولية.

 أما الأنظمة التي ظلت تقاوم “السلام الأمريكي” ورفضت التطبيع مع الكيان، فقد تم إسقاطها تباعا “بالغزو الخارجي” وتفتيت وحدتها. وفقدت استقلالها الوطني والسيادة على ثرواتها، ويتعلق الامر بالعراق وليبيا وسوريا والصومال.

 الجزائر والسودان واليمن، فقد دخلت غرف التطبيع من الباب الخلفي من خلال تسعير الحروب الأهلية داخل بلدانها بدعم وتآمر خارجي، لعب فيه الخلايجية دور المتدخل المباشر والممول والحاضن لجماعات الإرهاب الديني الطائفية.

الحصيلة العامة في الوطن العربي هو الاخضاع الصهيو أمريكي بالغزو والحصار والحروب الطائفية والاثنية، وانقادت الطبقات الكمبرادورية الحاكمة للقوى الامبريالية، في تعميق الانفتاح وتبعية بلدانها مقابل الحماية. ليصبحا كلا “الحليفين الصهيوأمريكي والأنظمة وأدواتهما، يعملان في تكامل وتناغم حد الخيانة والتآمر، لمواجهة وقمع أية مقاومة ساخنة أو حراكات شعبية سياسية واجتماعية والإبقاء عليها في حالة حصار دائمة/ Etat de siège permanent. 

لقد انتقلت هذه الأنظمة إلى التجرأ العلني على المشاركة في مخططات الغزو والحصار والتطبيع الصهيو امريكية دون خشية من شعوبها.

القسم الثالث والاخير

داخل البلدان العربية التي تحكمها طبقة الكومبرادور، وتتخذ وضعية السيطرة الطبقية على السلطة مدعومة من الامبريالية مقابل إعادة إنتاج بنية التبعية الموسعة، ونهب الثروات والانفتاح والتخلف والصهينة؛ فإن الوضع العام لقوى المعارضة قد تحول من المجابهة إلى اختيار القبول بالعمل تحت سقف الخطوط الحمراء  والقبول بما هو سائد ، وتخلي القوى الماركسية عن مشروع التحرير والوحدة، والبعض أصبح متعاونا في اجتثاث الغضب الشعبي وتسويق ما يسمى بإيجابيات الانفتاح والتطبيع.

 لا توجد داخل هذه البلدان تعددية حزبية حقيقية مستقلة عن السلطة، ولا توجد حريات سياسية ونقابية وإعلامية وثقافية وفكرية ومدنية، ولا ديمقراطية برلمانية أو انتخابات مستقلة ونزيهة.

أولا، لأن التبعية هي بنية اجتماعية واقتصادية للرأسمالية في البلدان العربية محددة تاريخيا ، تتناقض مع الديمقراطية حتى بمضمون بورجوازي وبالأحرى شعبي. إذ لا يمكن للقوى الامبريالية أن تسمح في بلد تبعي بممارسة اختيارات سيادية تتناقض مع مصالحها ومصالح شركاتها الاحتكارية، فهي من تحتكر وتصادر القرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، ولن تقبل طوعا بتقاسمه. و هي من يتسيد على الثروة و هي من يفرض توزيع الغنائم والمكاسب والمناصب. وتمنع التراكم الداخلي أساس التنمية بنهب الثروة والتبادل غير المتكافئ والانفتاح على أسواق محتكرة من شركاتها، وتكرس الاستغلال المضاعف للطبقات العاملة بفرض أجور متدنية.

 تانيا، القوى الامبريالية هي من سمحت منذ منتصف التسعينات من القرن الماضي بتوسيع المشاركة في سلطة الكومبرادور من خلال توسيع قاعدتها الاجتماعية للعملاء الجدد؛ وذلك بإدماج زعماء الطوائف والاثنيات و قوى الدين السياسي، و الاعيان المحليين وناهبي المال العام وتجار المخدرات و تجار السوق السوداء والوسطاء الطفيليين..الخ، داخل مؤسسات “ديمقراطية الواجهة” لترعى انتخابات متحكم في نتائجها تماشيا مع بسط هيمنة عولمة الامبريالية .

تالثا ، لن يجد نفعا الرهان على تحركات ما يسمى بالمنظمات غير الحكومية في الغرب الرأسمالي لتغيير الواقع واستجلاب الدعم الديمقراطي من الخارج، لأنها جزء من بنية النظام الاستعماري وتتمول من الشركات الاحتكارية وتخدم أجنداتها. وقد عرت الوقائع المرتبطة “بالخريف العربي” أدوارها.

رابعا ، إن ما يسمى “بالمجتمع المدني”، أو لنقل تحديدا رؤساء و مديري مكاتب “الجمعيات المدنية” الذي يسمون أنفسهم بالشركاء . فدورهم الحقيقي هو إسهامهم في تحريف النضال الشعبي وتمييعه، والتعاون مع السلطات والعمالة للأجنبي، مقابل ما يقبضون من رواتب وتعويضات.

السائد في هذه الأوضاع أن المشكلة السياسية الرئيسية التي تعيق أي تغيير أو إصلاح جاد هي طبيعة الأنظمة الجاثمة، ولا سبيل للتخلص منها إلا عبر طريق النضال الشعبي بجميع الاشكال بمضمون وطني تحرري، على أساس برنامج يحدد الامبريالية الغربية كعدو داخلي ورئيسي، وأن سلطة الكومبرادور هي التمثيل الطبقي المحلي لسيطرتها. 

داخل البلدان ذات التوجه القومي قبل إسقاطها بالغزو العسكري، فإن الأمر كان معقدا بسبب الإنجاز الموضوعي الذي حققته حكوماتها، على مستوى الاستقلال السياسي والتنموي، قياسا لما حصل على المستوى الوطني والقومي في تاريخنا المعاصر، لا سيما التجربة الناصرية والبعثية. فقد ناصبت السلطة داخل هذه البلدان العداء ضد أي نزوع شعبي مستقل نحو التعدد الحزبي والسياسي والنقابي وقامت بتقويضه، وكرست نظام الحزب الوحيد، وتسرطنت سلطة الأجهزة الأمنية القمعية والعسكر في جسد المجتمع والدولة. لأنها جاءت إلى الحكم في الغالب بالانقلاب العسكري والامني وتتوجس دوما من شعوبها. ولا يمكن أن تقطع مع المصعد أو السلم الذي أوصلها إلى الحكم.

مباشرة بعد انهيار الحليف السوفياتي، أصبحت هذه الأنظمة متأزمة بلا سند أو حليف، منكشفة أمام توحش الصهيوأمريكي وحصاره. رغم نهجها سياسات اقتصادية واجتماعية ليبرالية لفائدة الرأسمال الاحتكاري الأجنبي والمحلي للحفاظ على سلطتها وضرب المكتسبات الشعبية في التعليم والصحة والشغل وضرب استقرار أسعار المواد الحيوية والعملة. لكن بكذا اختيارات أجهزت فقط على ما تبقى لها من رصيد شعبي داعم وهيأت الشروط الاجتماعية والسياسية للسخط الشعبي ضدها.

 إنه حصيلة وضع عام عربي هابط يزحف على بطنه من خيانة إلى خيانة لصالح سيطرة الأنظمة الكمبرادورية، التي تكرس تضخم الأجهزة الأمنية والمخابراتية وجعلتها القوة الضاربة لسحق أي تعبير سياسي ونقابي وتنظيمي واعلامي مستقل للطبقات الشعبية العاملة.

هذا التطابق في الأوضاع العربية على المستوى السياسي ومحنة الحريات الديمقراطية الأساسية أعطى فاعلية التنسيق والتكامل والتآخي بين الأجهزة الأمنية والقمعية للأنظمة العربية رغم تنابذها.

 وعلى النقيض فإن الهوة سحيقة بين الأقطار العربية على مستوى التطور الاقتصادي والاجتماعي وتوزيع الثروة، وتدني أي تبادل وتعاون بيني إلى درجة الصفر. وهنا تبرز خطورة تعميق مشروع القطرية والتبعية والتفكيك الاستعماري، وجعل كل بلد عربي سوقا ملحقة بالقوى الاستعمارية وفق توزيع العمل الدولي الامبريالي. وهنا أيضا تكمن خطورة هذا المشروع في تهشيم الشعور القومي الوحدوي الكامن لدى الشعوب العربية العاملة. لتغدو التربة ملائمة في نمو النزعة الانعزالية والطائفية والاحساس بأن كل بلد عربي يشكل أمة لذاته. وأن قضية فلسطين المحتلة تبدو في المحصلة عند قوى المعارضة العربية “قضية تضامن إنساني”.

_________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….

Exit mobile version