Site icon

مقالات مترجمة l ماذا قالت الصحافة الروسية – أمريكا عند عامها الـ250: إحتفال بالقوة أم مراجعة لعصر الهيمنة؟ ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي

14 تموز يوليو 2026

من عيد الاستقلال إلى أسئلة المصير

في الرابع من يوليو، احتفلت الولايات المتحدة بمرور مئتين وخمسين عاماً على إعلان استقلالها، وهو حدث يفترض أن يكون مناسبة وطنية جامعة تستحضر قصة صعود إحدى أكثر الدول تأثيراً في التاريخ الحديث. غير أن كثيراً من النقاشات التي رافقت هذه الذكرى، سواء داخل الولايات المتحدة أو في وسائل الإعلام الدولية، بدت أقل احتفاء بالماضي وأكثر انشغالا بأسئلة الحاضر والمستقبل.

وفي روسيا على وجه الخصوص، تحولت المناسبة إلى فرصة لمراجعة تجربة القوة الأمريكية، ليس فقط من زاوية المنافسة الجيوسياسية، بل أيضاً من زاوية التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تشهدها الولايات المتحدة نفسها.

ومن خلال مجموعة من المقالات والتقارير والتحليلات التي نُشرت في وسائل إعلام روسية مختلفة، برزت صورة مركبة لأمريكا: دولة لا تزال تمتلك عناصر قوة هائلة، لكنها تواجه في الوقت نفسه تحديات داخلية عميقة تثير تساؤلات حول شكل دورها العالمي في العقود المقبلة.

بين الفخر الوطني والتشاؤم الشعبي

أحد أكثر المحاور حضوراً في هذه النقاشات كان المزاج العام داخل المجتمع الأمريكي.

فبحسب ما نقلته وسائل إعلام روسية عن استطلاعات رأي أمريكية حديثة، فإن نسبة كبيرة من الأمريكيين تعتقد أن «أفضل سنوات البلاد أصبحت خلفها»، بينما يرى كثيرون أن الآباء المؤسسين «سيشعرون بخيبة أمل من المسار الذي وصلت إليه الدولة».

وتوقف عدد من المعلقين الروس عند ما وصفوه بالتناقض اللافت بين الاحتفال بمرور ربع ألفية على تأسيس الجمهورية الأمريكية وبين تنامي مشاعر القلق والإحباط داخل المجتمع. فبينما تواصل الولايات المتحدة تقديم نفسها بوصفها نموذجاً للديمقراطية والنجاح الاقتصادي، تشير استطلاعات عديدة إلى تراجع الثقة بالمؤسسات السياسية وازدياد الشعور بعدم اليقين تجاه المستقبل.

ويذهب بعض الكتّاب إلى أن المشكلة لم تعد مرتبطة بأزمة اقتصادية عابرة أو بخلاف سياسي مؤقت، بل بما يسمونه «أزمة ثقة شاملة» تشمل السياسة والاقتصاد والإعلام وحتى فكرة الحلم الأمريكي نفسها.

أمة واحدة أم مجتمعان متوازيان؟

في قلب معظم النقاشات الروسية حول الذكرى الأمريكية ظهر موضوع الانقسام الداخلي.

فالتقارير المستندة إلى صحف ومجلات أمريكية بارزة تحدثت عن مجتمع يتزايد فيه الاستقطاب الحزبي بصورة غير مسبوقة. ولم يعد الخلاف يدور فقط حول السياسات العامة، بل أصبح يمتد إلى النظرة للتاريخ والهوية الوطنية والقيم الأساسية التي قامت عليها الجمهورية.

واستشهدت بعض المقالات بعبارات تصف الولايات المتحدة بأنها أصبحت «أمتين لا أمة واحدة»، في إشارة إلى الهوة المتزايدة بين المحافظين والليبراليين، وبين الولايات المختلفة، وبين الأجيال المتعاقبة.

ومن منظور كثير من المراقبين الروس، فإن هذه الانقسامات تمثل أحد أخطر التحديات التي تواجه الولايات المتحدة، لأنها تضرب المصدر الأساسي لقوتها التاريخية: القدرة على إنتاج توافق وطني واسع حول القضايا الكبرى.

تراجع الهيبة الخارجية

إلى جانب الانقسام الداخلي، ركزت التحليلات الروسية على صورة الولايات المتحدة في العالم.

فبعض المقالات استند إلى نقاشات أمريكية وغربية تتحدث عن تراجع الثقة الدولية بالقيادة الأمريكية، وعن تنامي الشعور لدى قطاعات من الرأي العام الأمريكي بأن أعباء الدور العالمي أصبحت أكبر من مكاسبه.

وتتكرر في هذا السياق فكرة أن العقود التي أعقبت نهاية الحرب الباردة ربما مثلت ذروة النفوذ الأمريكي، وأن العالم يتجه اليوم نحو توازنات أكثر تعقيداً وأقل خضوعاً لهيمنة قوة واحدة.

ومن هنا تظهر في الكتابات الروسية عبارة «العالم المتعدد الأقطاب» باعتبارها الإطار الذي تُقرأ من خلاله التحولات الجارية. فوفق هذا التصور، لم تعد الولايات المتحدة اللاعب الوحيد القادر على تحديد اتجاهات النظام الدولي، بل أصبحت مضطرة للتكيف مع صعود قوى جديدة وتنامي أدوار قوى إقليمية مختلفة.

المفارقة الصينية

لكن أكثر الصور رمزية التي استوقفت الإعلام الروسي خلال احتفالات الاستقلال الأمريكي كانت العلاقة الاقتصادية مع الصين.

ففي الوقت الذي رفعت فيه الأعلام الأمريكية في المدن والبلدات احتفالا بذكرى الاستقلال، لفتت تقارير عديدة الانتباه إلى أن نسبة كبيرة من السلع المرتبطة بالمناسبة – من الأعلام والقبعات والقمصان التذكارية إلى الألعاب النارية والمنتجات الاحتفالية – صُنعت في الصين.

وقدمت بعض المقالات هذه الظاهرة بوصفها مفارقة تاريخية لافتة: دولة تحتفل باستقلالها الوطني فيما تعتمد بشكل واسع على واردات قادمة من أكبر منافس إستراتيجي لها.

ورغم الطابع الرمزي لهذه الملاحظة، فإنها تعكس نقاشاً أوسع حول مستقبل الصناعة الأمريكية، وانتقال أجزاء كبيرة من سلاسل الإنتاج العالمية إلى آسيا خلال العقود الماضية، والدور المتنامي للصين في الاقتصاد الدولي.

ومن هذا المنظور، لم تعد المنافسة بين واشنطن وبكين مجرد صراع جيوسياسي، بل أصبحت أيضاً منافسة حول الإنتاج والتكنولوجيا والتجارة والنفوذ الاقتصادي طويل المدى.

هل انتهى عصر الهيمنة؟

السؤال الأكثر حضوراً في مجمل هذه النقاشات يتمثل في ما إذا كانت الولايات المتحدة تمر بمرحلة تراجع تاريخي أم بمجرد دورة طبيعية من التحولات الداخلية.

فبعض الأصوات الروسية ترى أن مؤشرات الانقسام السياسي، وتراجع الثقة بالمؤسسات، وصعود المنافسين الدوليين، كلها علامات على أفول تدريجي للنظام الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية.

في المقابل، تحذر أصوات أخرى من المبالغة في استنتاجات كهذه، مشيرة إلى أن الولايات المتحدة واجهت أزمات حادة في مراحل سابقة من تاريخها، بدءاً من الحرب الأهلية مروراً بالكساد الكبير ووصولاً إلى اضطرابات الستينيات، لكنها نجحت في كل مرة في إعادة إنتاج قوتها وتجديد مؤسساتها.

ولذلك فإن الحديث عن «نهاية أمريكا» يبدو سابقاً لأوانه بقدر ما أن الحديث عن استمرار الهيمنة الأمريكية بالشكل نفسه الذي عرفه العالم بعد عام 1991 يبدو هو الآخر موضع تساؤل.

الذكرى التي تحولت إلى مرآة

في النهاية، تكشف القراءة المشتركة لهذه المقالات الروسية أن الذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة لم تُقرأ باعتبارها مجرد احتفال تاريخي، بل باعتبارها لحظة مراجعة كبرى لمسار القوة الأمريكية.

فبالنسبة لكثير من المعلقين والكتاب الروس، لم يكن السؤال الأساسي هو كيف وصلت الولايات المتحدة إلى عامها المئتين والخمسين، بل إلى أين تتجه بعده.

وبين من يرى أن الجمهورية الأمريكية تدخل مرحلة انحدار

 تدريجي، ومن يعتقد أنها تمر فقط بمرحلة إعادة تموضع داخل نظام دولي جديد، يبقى المؤكد أن النقاش حول مستقبل الولايات المتحدة لم يعد يقتصر على الأمريكيين أنفسهم. فالدولة التي هيمنت لعقود على السياسة والاقتصاد العالميين أصبحت موضوعاً لنقاش عالمي واسع، ينظر إلى أزماتها الداخلية وصعود منافسيها بوصفهما مؤشرين محتملين على ملامح القرن الحادي والعشرين.

وهكذا تحولت ذكرى الاستقلال، في نظر كثير من المراقبين، من احتفال بالماضي إلى نقاش مفتوح حول المستقبل؛ مستقبل الولايات المتحدة، ومستقبل النظام الدولي الذي أسهمت هي نفسها في بنائه على مدى عقود طويلة.

_________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….

Exit mobile version