Site icon

صالون ثقافي أو شارع للجماهير: حراسة الفن من تبني أدوات السيد والإمبراطورية، إسراء عيسى

في أزقة بيروت كان اللاجئ الفلسطيني مصطفى أبو علي شابًا مهووسًا في السينما يجمع مع رفاقه بقايا بكرات الأفلام التالفة، ومعه كاميرا قديمة مستعارة في السبعينات حين خرجت جولدا مائير على الشاشات لتقول للعالم” الفلسطينيين ليس لهم وجود”. في ذلك الوقت لم يكن المخرج مصطفى أبو علي يمتلك تمويلًا أو ميزانية، كان يملك أدوات بدائية مع غرفة مظلمة أسس عبرها مع رفاقه وحدة أفلام فلسطين. وردًا على سردية يحاول الاحتلال تمريرها لم يذهب أبو علي إلى الأمم المتحدة ولم يستخدم لغة المحتل ليثبت له أننا شعب موجود ولم يجامل ويلون اللغة بل حمل كاميرته الـ 16 ملم ونزل بها إلى المخيمات بين الأزقة والبيوت الصغيرة الضيقة من الطوب والصفيح وبين المقاومين ومعسكراتهم وصنع الفيلم الوثائقي القصير “ليس لهم وجود” ( 1974) مصورًا فيه الحارات والحياة والأحلام والأصوات وتلاحم الجماهير مع مقاوميها أبناءهم ولحمهم الحيّ برعايتهم والاهتمام بطعامهم وشرابهم وتلبية احتياجاتهم بكل فئات المجتمع آنذاك مستخدمًا الفن كوثيقة وجود وهوية ورفض.

وحين طُرح سؤال هل الفن سياسة، لم يكن الدافع افتعال تسييس متعمّد للجمال بل رفضًا لعزله عن حركة التاريخ، وإصرارًا على دمجه كحاجة ملحة من حاجات الإنسان الفكرية في أزمات المجتمعات وحركاتها الثورية والعمالية والمقاومة، ورفضًا قاطعًا لتبنّي أدوات السيد والإمبراطوية من خلاله، بل ليكون في جوهره ساحة حراك ورفض في المعركة الأيديولوجية والحرب على المخيلة التي تشنها قوى الهيمنة.

واكتسب هذا السؤال أبعادًا عديدة في الفضاء العربي والفلسطيني المعاصر في ظل حروب تختلق سردية، وتضع معايير قبول الضحية كإنسان، فيما يُعرف بالمحاكاة أو الاستلاب الثقافي.

أمام هذا المأزق، واجه المبدعون تحديًا مزدوجًا: كيف يمارسون الفن دون الانزلاق في أساليب مستعمريهم ولغتهم؟ وكيف يفكون قيود سينما التمويل أو أدب الصالونات المستلبة؟

من هنا، ولدت حركات الفن المقاوم؛ لا كشعار سياسي مباشر، بل كثورة أسلوبية جذرية أعادت ابتكار أيقوناتها الخاصة من مأزق التبعية إلى فضاء التحرر، مستلهمين التراث والذاكرة الشعبية ليس لتحويلها إلى مادة استهلاكية للاسترزاق بل كحقيقة وهوية ووجود، ليثبتوا أن الفن قادر على تفكيك مركزية الهيمنة والصهيونية، وإعادة صياغة الهوية من داخل المواجهة المباشرة.

الأنسنة ومحو السياق السياسي: السينما الفلسطينية أنموذجًا

وقع بعض المخرجين والفنانين في فخ تبني لغة الإمبراطورية التي تؤنسن المحتل وتشيطن الشعب الذي يرزح تحت الاحتلال، وتفرغ القضية السياسية من مضمونها الكولونيالي الإحلالي، وتحولها إلى أزمة إنسانية وكارثة عامة تحت ضغط التمويل الغربي والأوروبي تحديدًا والشروط الدولية للجوائز، فيلم “الجنة الآن(2005) على سبيل المثال انخرط في سردية الاحتلال الإسرائيلي الإبادي التي تختلق فكرة” الانتحاري” وتسقطها على فكرة المقاومة وتسلخها من جدواها،  فيستخدم الفيلم أسلوب الإثارة الهوليودية واللغة البصرية الغربية في تصوير إنسانية الفلسطيني للمشاهد الغربي بناءً على قوالب ومعايير هذا المشاهد نفسه. وبهذه الطريقة يمكن القياس؛ كيف ينزلق الفنانون في استخدام مصطلحات” التعايش والحوار ونبذ العنف بين الطرفين والسلام والصراع والأزمة الإنسانية والأموات الفلسطينيين ووفاة فلسطيني….” وغيرها من المصطلحات في أعمالهم للحصول على التمويل الأوروبي وإرضاء الممول، وهذا من جهة يمحو حقيقة وجود احتلال عسكري إحلالي إبادي وتظهره كأنه نزاع ومشكلة بين جيران، ومن جهة أخرى يمثل الشعب الفلسطيني وقضيته السياسية الصرفة تمثيلًا ينزع حقه في استعادة أرضه وحقه في إيصال صوته الحقيقي وفي إزالة الاحتلال، بلغة أبنائه الذين خضعوا للتمويل المشروط بتمييع الحقيقة وتلوينها.

وفي مشهد تغيب عنه الشعبوية وتحتله الأنجزة (الأنجيؤووز NGO وبدل المواصلات وأدواتها) وشركات الإنتاج ومؤسسات التمويل المشروط، يتم احتكار فن الشعوب الواقعة تحت الهيمنة والاحتلال نحتاج طوال الوقت للتحذير من تسييس الجمال ضدنا، كما فعلت الفاشية ويفعل الاحتلال وأمريكا وأدواتهما الآن والدعوة الملحّة لتسييس الفن ليصبح أداة في يد الجماهير أنفسهم من خلال أدوات التفكير النقدي واتخاذ الموقف ورفض الانحياز ودون تحويل الفن لسلعة منصاعة وظيفتها تخدير الشعوب، بإعادة تفعيل كل الأدوات الشعبية مثل السينما الثالثة التي أطلق مفهومها المخرج الأرجنتيني نغي ليم، وهي سينما ثورية قاومت هيمنة هوليود وعملت كأداة للتحرر السياسي وايقاظ الوعي الطبقي، والمسرح الشعبي أو ما سماه سعد الله ونوس“مسرح التسييس” حين كسر الجدار الرابع الذي يفصل بين الجمهور والممثلين في مسرحية “حفلة سمر من أجل خمسة حزيران” جعل الممثلين يجلسون بين الجمهور وكأنهم مواطنين عاديين وحول العرض إلى تظاهرة سياسية ونقاش مفتوح متبنيًا أسلوب الحكواتي والمقهى الشعبي العربي بدلًا من مسارح التلقين المتعمد، كما مسرح الحكواتي الذي تأسس في القدس في أواخر السبعينيات كحركة تحرر أسلوبي تعتمد على الارتجال والقصص الشفهية والذاكرة الشعبية فكان العرض يقام في الساحات والأندية والمخيمات مستخدمًا أدوات بسيطة ومستلهمًا شكل الحكواتي التراثي التعبوي ضد الاحتلال والالتفاف على مقص الرقيب العسكري الإسرائيلي، وكما فعلت حركات فنية فلسطينية معاصرة في سبيل التحرر من شروط الصناديق الأوروبية عبر الاعتماد على التمويل الشعبي المستقل أو الإنتاج المشترك بين دول الجنوب العالمي لضمان الحفاظ على سقف سياسي جذري رافض التنازل عن سردية التحرر الكامل

خلاصة القول، إن الفن يصبح ممثلًا للشعوب المقهورة فعلًا وناقلًا لرسالتها ومحافظًا على هويتها وحاملًا همها عندما ينتقل من صالونات النخبة إلى شوارع الجماهير، وعندما يستبدل أدوات المستعمر والمحتل الساعية للتجميل ومجاملة هذا المستعمر فيستبدل هذا الأمر بـالذاكرة، والتراث، واللغة الشعبية الحقيقية رافضًا كل تمويل مشروط وكل طريق يثبّت القيد بدل تفكيكه، فتكون كلها أدوات صالحة لإنتاج معرفة وفن عالمي ومقاوم نحو العدالة والحرية.

_________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….https://kanaanonline.org/2022/10/27/%d9%85%d9%84%d8%a7%d8%ad%d8%b8%d8%a9-%d9%85%d9%86-%d9%83%d9%86%d8%b9%d8%a7%d9%86-3/

Exit mobile version