- الزعيم الذي أبدع في تخصيص الماركسية على واقع الصين
- الزعيم الذي ساند ودعم النضال الوطني العربي دون تردد
هو الذي قال: “لتتفتح 100زهرة ولتتبارى 100 مدرسة” لأن ماو تسي تونغ كان مدافعا عن خط الجماهير… تلك القوة الوحيدة الصانعة للتاريخ تلك القوة التي لا تقهر حتى حين يصيب اليأس بعض النخب والقيادات.
رحل القائد ماو تسي تونغ يوم 9 سبتمبر 1976. وقد اخترنا أن نكتب عن هذه الذكرى لا من باب “عبادة الفرد” و “التشبث الأعمى” بالماضي مثلما يحلو لمنظري البرجوازية ودعاة المراجعة قول ذلك وإنما من باب الدور الاستثنائي الذي لعبه هذا الزعيم في قيادة الثورة الصينية و بناء الصين الجديدة وفي الدفاع عن الاشتراكية والخط الثوري في الحركة الشيوعية العالمية.
إنّ الذين ينبهرون اليوم بقوة الصين الاقتصادية و العلمية و بثقلها على الصعيد العالمي لا يكلفون أنفسهم عناء القيام بلفتة بسيطة لواقع الصين قبل 1949 حين كان قرابة ثلثا الشعب الصيني أميا و حين كان الفلاحون و المرأة يرزحون تحت حكم اقطاعي متخلف بقوانين تعود للقرون الوسطى. و لم يفتح هؤلاء، و بعضهم من فرق تدعي “اليسارية” و”التقدمية”، صفحات عشرات الكتب التي صدرت في الدول الرأسمالية نفسها حررها مؤلفون بورجوازيون زاروا الصين الشعبية و انبهروا بالبناء الاقتصادي و بالثورة الاجتماعية و التربوية و الثقافية التي أنجزت بقيادة الحزب الشيوعي الصيني و الرفيق ماو تسي تونغ.
و حتى نبرهن على ما نقول يكفي أن نذكر مؤلف “يوم تنهض الصين…يهتز العالم” لآلان بيرفيت الذي كان من القيادات الديغولية في فرنسا و كتاب الصحفي البريطاني ديك ويلسون “ماو 1893 – 1976” و عمله حول “المسيرة الكبرى” و حول “الحرب الصينية – اليابانية” وكذلك مؤلف “الصين لها عشرون سنة” لصاحبه جان بيار برولي و نختم بما دونته ماريا أنتونياتا ماكيوشي عضوة البرلمان الإيطالي و التي حرمت من قبل حزبها من الترشح ثانية بسبب ما جاء في كتابها “حول الصين” من حقائق موضوعية حول البناء الاشتراكي في الصين الشعبية رغم أنها انتمت لحزب اختار النهج السوفياتي خلال الصراع بين ماو و خروتشيف.
ولد الزعيم ماو تسي تونغ في عائلة فلاحية في قرية تقع وسط الصين يوم 26 ديسمبر 1893. و امتهن التعليم بعد إنهاء دراسته في مدرسة ترشيح المعلمين وكان يدرس التاريخ قبل أن يكون من بين 15 عضوا أسسوا الحزب الشيوعي الصيني في شهر جويلية سنة 1921. فقد ماو ثلاثة من اخوته وزوجته وقريبه خلال الحرب الأهلية الصينية واستشهد ابنه أثناء العدوان الأمريكي على كوريا الشمالية.
وأصدر ماو أول نص نظري قبل تأسيس الحزب في “مجلة نهر هسيانغ ” وكان تحت عنوان “التجمع الكبير للجماهير الشعبية” طرح فيه مفهوم الجبهة المتحدة ودعا لبناء منظمات جماهيرية للعمال والفلاحين. وارتبطت جلّ كتابات ماو لاحقا بقضايا الثورة الصينية التي مرت بثلاث مراحل أساسية تمثلت الأولى في بناء الحزب والتحالف مع حزب الكومنتانغ ثم الحرب الأهلية وأخيرا الحرب الوطنية ضد الاحتلال الياباني.و لقد وصلتنا كتابات ماو في أربع مجلدات رغم وجود حديث عن خمس مجلدات.
لقد تميزت كتابات ماو بالبساطة والسهولة. فهو كان يلقي محاضراته في صفوف الفلاحين الفقراء ويتوجه لأعضاء الحزب والجيش الأحمر الذين يفتقد الكثير منهم للتكوين التعليمي. فكان ماو شديد الحرص على تبليغ المفاهيم الأساسية للفكر الماركسي ولبرنامج الحزب وخططه العملية ولدور الجيش الأحمر بلغة بسيطة في تركيبها وعميقة في معانيها وأهدافها.
فمن لا يذكر من الشيوعيين الصادقين نصوصه الفلسفية حول المادية الجدلية مثل “في التناقض” و”في الممارسة العملية” ومن لم يطلع على نصيه الذين أصبحا مرجعا للحركات الوطنية والثورات المسلحة وجاءا تحت عنوان “حول الحرب الطويلة الأمد” و”قضايا الاستراتيجية في الحرب الثورية الصينية”؟
لم يبدع ماو في المجال العسكري فقط نظريا و عمليا بل إنه بذل مجهودا استثنائيا في تخصيص الماركسية على الواقع الصيني فكان نص “تحليل لطبقات المجتمع الصيني” و”الثورة الصينية والحزب الشيوعي الصيني” ونص “الديمقراطية الجديدة” ودعا للعمل الجبهوي مع القوى الوطنية والوجهاء المستنيرين حين تطلبت المهام الثورية في الصين ذلك مؤكدا على مبدأ “الاستقلال وحرية التصرف في الجبهة المتحدة” محذرا من تصفية الحزب ومن التنازلات غير المبدئية.
دعا الزعيم ماو للمقاومة ونبذ الاستسلام الطبقي والقومي. و صاح قائلا خلال الصراع المرير بعد الثورة بين النهج الاشتراكي و نهج إعادة بناء الرأسمالية ” تبحثون عن البرجوازية في المجتمع …إنها موجودة داخل الحزب الشيوعي”. أطلق ماو في لحظات اشتداد المؤامرة ضد خط بناء الاشتراكية وضده شخصيا كزعيم شيوعي صيني و أممي حركة الثورة الثقافية التي يبذل بعض الجهلة اليوم كل ما في وسعهم لتشويهها كحركة إبداعية عملت على التصدي لإعادة بناء الرأسمالية و تحويل الصين إلى قوة عظمى تتنافس مع القوى الاستعمارية الأخرى عوض الاصطفاف إلى جانب نضالات عمال و شعوب وأمم العالم المضطهدة.
لم يكن ماو تسي تونغ “قوميا ” مثلما يدعي الذين احترفوا المغالطة و التشويه بل كان شيوعيا أمميا ونصيرا لحركات التحرر الوطني عربيا وعالميا. فدعمت الصين تحت قيادته الثورة الفلسطينية والجزائرية واليمنية والعمانية و لم تعترف الصين بالكيان الصهيوني إلى حدود 1992 .و استقبل ماو تسي تونغ قيادة منظمة التحرير الفلسطينية سنة 1964 و دعا خلال اللقاء القيادة الفلسطينية” إلى استنفار قدرات الأمة العربية بكل قطاعاتها لمواجهة الكيان الصهيوني ” و أضاف ” ماذا يحدث لو مشى مليونا مقاتل من أمة يزيد عدد أفرادها على المائة مليون…وتوجهوا نحو الأرض المحتلة وقطعوا النهر؟ تقولون أن العدو سيقتلهم جميعا؟ الأفضل لقضيتكم أن تقترف إسرائيل هذا الخطأ التاريخي…إن الزعماء الجزائريين بعد إعلان الاستقلال أخبروني أنهم خسروا نحو مليون شهيد وقلت لهم أن النصر أكسبكم مليونين…”.
و لم يكن ماو “ذلك المستبد برأيه” و “المتعنت المتعالي” مثلما يردد المشككون في دور هذا الزعيم التاريخي. فهو صاحب مقولة ” لتتفتح مائة زهرة ولتتبارى مائة مدرسة” وهو الذي أوصى مناضلي الحزب باتباع خط الجماهير وهو القائل “أن الشعب هو القوة الوحيدة المحركة للتاريخ” فآمن ايمانا حديديا بهذه القوة منذ تأسيس الحزب و انطلاق الثورة المسلحة ضد سلطة الكمبرادور والاقطاع في الصين. و يكفي أن نذكر أمجاد المسيرة الكبرى التي انطلقت شهر أكتوبر 1934 و تواصلت لنفس الشهر من سنة 1935 قطع خلالها جيش العمال و الفلاحين مسافة أكثر من عشرة آلاف كيلومتر متحديا الجبال و المستنقعات و الأودية و جيش الكومينتانغ و مستقطبة عشرات الآلاف من المناضلين الذين التحقوا بصفوف الثورة التي انتصرت سنة 1949 و أخرجت الشعب الصيني من الجهل و الفقر والتخلف و حررت الفلاحين من الاضطهاد الاقطاعي و ألغت كل القيود المكبلة للمرأة و نشرت العلم وأقامت الصناعة الوطنية و الكومونات الشعبية في الأرياف و دعت المثقفين إلى الالتحام بالجماهير فكانت مثلا رائعة تجربة ” الأطباء ذو الأقدام الحافية” الذين ذهبوا لمزارع الأرز للإحاطة بالفلاحين العاملين هنالك.
أبدع ماو أيضا في مجال الثقافة. و لمن لم يطلع على ذلك ننصحه بقراءة نصه الرائع الذي جاء تحت عنوان “أحاديث في ندوة الأدب و الفن بيانان” حيث عالج بصفة علمية العلاقة بين الشكل و المضمون في الأعمال الفنية و الأدبية.و تناول مسألة التراث الصيني و الإنساني برؤية متباينة مع الطرح العدمي الذي يمقت الأعمال التي سبقت الثورة و يتنكر للتراث النير.
تلك هي مسيرة الزعيم ماو تسي تونغ الذي قدم إضافات نوعية للحركة الشيوعية العالمية تتعلق أساسا بالثورات الوطنية الديمقراطية و بمفهوم حرب الشعب و العمل الجبهوي في مجتمعات آسيا و افريقيا وأمريكا الجنوبية و بالبناء الاشتراكي والصراع بين نهج إعادة بناء الرأسمالية و نهج الوفاء للاشتراكية.
إننا نعتز بماوتسي تونغ كقائد شيوعي أممي و بتراثه النظري و السياسي الذي يجب أن يكون دافعا لنا لتخصيص الماركسية على واقعنا العربي حتى لا نسقط في نقل دغمائي للتجربة الصينية . و بقدر ما تكون هذه المقاربة المتعلقة بتخصيص الماركسية على واقعنا سليمة في نظرنا بقدر ما يجب أن نتباين مع هؤلاء الذين باسم التخصيص و الواقع الخاص بقطرنا و وطننا يتنكرون للماوية ويصفّون كل أثر فكري وسياسي لهذه التجربة أو “يرفعون رايتها” بصيغة ينطبق عليهم مقولة ماو حين تهكّم على الذين “يرفعون الراية الحمراء من أجل إسقاط الراية الحمراء”.
:::::
المصدر: صفحة الفيس بوك، 9 سبتمبر 2020
_________
ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….
