15 سبتمبر 2026
هناك حياة للكاتب يمكن أن نقرأها من خلال ما أنجزه: الكتب التي كتبها، والمقالات التي نشرها، والترجمات التي أنجزها، والجوائز التي حصل عليها. لكن هناك جانبًا آخر في حياة بعض الكتّاب لا يظهر في قوائم الأعمال، وربما كان أكثر دلالة منها؛ ما اختاروا ألا يفعلوه، والأبواب التي لم يطرقوها، والمكاسب التي تركوها لأن ثمنها كان أكبر من أن يقبلوا دفعه.
أحمد الخميسي واحد من هؤلاء.
ليس فقط لأنه ابن عبد الرحمن الخميسي، صاحب ذلك الحضور الثقافي الذي ترك أثرًا عميقًا في الثقافة المصرية، بل لأنه وجد نفسه منذ البداية أمام سؤال صعب: كيف يصنع الابن صوته في حضرة أب له هذا الحضور؟ وكيف يأخذ من إرثه ما يخصه، من غير أن يتحول إلى مجرد امتداد له؟
واختار أحمد الخميسي أن يشق طريقه بنفسه.
بدأ نشر قصصه في «صباح الخير» و«القصة»، ثم لفت انتباه يوسف إدريس، فنشر له قصة «استرجاع الأحلام» في مجلة «الكاتب» عام 1966. وفي العام التالي صدرت مجموعة احمد الخميسي الأولى «الأحلام، الطيور، الكرنفال»، بالاشتراك مع أحمد هاشم الشريف ومحمود مؤنس.
كان الأدب قد بدأ يفتح له طريقًا، لكن الحياة لم تتركه يسير فيه هادئًا.
في عام 1968، وبعد مظاهرات الطلبة، تعرض للاعتقال وقضى فترة في السجن. ولم تكن تلك التجربة مجرد واقعة في سيرته؛ فالكاتب الذي اختبر مبكرًا معنى السلطة والقيد، سيظل سؤال الحرية حاضرًا، بأشكال مختلفة، في جوانب من حياته وكتابته ومواقفه.
وكانت الكتابة تفتح أمامه، في الوقت نفسه، مسارات أخرى؛ فكتب السيناريو والحوار لفيلمي «عائلات محترمة» عام 1968 و«زهرة البنفسج» عام 1972، قبل أن يغادر مصر في العام نفسه إلى الاتحاد السوفيتي لاستكمال دراسته.
هناك، اتسعت تجربته إلى عالم آخر.
درس اللغة الروسية وآدابها، وحصل عام 1992 على الدكتوراه في الأدب الروسي من جامعة موسكو. لكنه لم يكن طالبًا ذهب إلى بلد أجنبي طلبًا لشهادة ثم عاد؛ فقد عاش سنوات طويلة في الاتحاد السوفيتي، وعاصر سنواته الأخيرة، ثم شهد انهياره. كان يعيش، من الداخل، واحدة من أكبر التحولات التاريخية في القرن العشرين، ومن الصعب أن يمر كاتب بتجربة كهذه من دون أن تترك أثرها في نظرته إلى العالم والإنسان.
وفي موسكو اتسعت علاقته بالصحافة والثقافة الروسية. عمل مراسلًا لإذاعة أبوظبي وصحيفة «الاتحاد» الإماراتية، واشتغل بالترجمة عن الروسية، فنقل إلى العربية أعمالًا في الأدب والنقد والمسرح وأدب الأطفال، وكان تشيخوف وجوركي من أبرز الأسماء التي ارتبط بها في عمله الترجمي. وقد كرمه اتحاد الكتاب الروس ومنحه عضويته الفخرية تقديرًا لإسهامه في التعريف بالأدب الروسي ونقل جانب من آدابه إلى القارئ العربي.
لكن تجربة الخميسي في روسيا لم تكن مجرد انتقال من الأدب المصري إلى الأدب الروسي؛ فقد أصبح، بصورة ما، واقفًا بين عالمين، يقرأ أحدهما من داخل الآخر، وينقل أصواتًا وتجارب إلى القارئ العربي، وفي الوقت نفسه ينظر إلى ما حوله بعين الكاتب والصحفي والباحث. ولعل هذا الموقع هو ما منح تجربته في روسيا خصوصيتها؛ فلم يكن ناقلًا للثقافة فحسب، وإنما شاهدًا على مجتمع يتغير من داخله، وعلى عالم كامل يتداعى ثم يعيد تشكيل نفسه.
ومن هنا جاءت مجموعة من كتبه التي تتجاوز الترجمة إلى الشهادة والبحث، مثل «موسكو تعرف الدموع»، و«رحلة إلى الشيشان»، و«نساء الكرملين»، و«نجيب محفوظ في مرايا الاستشراق الروسي»، و«الباب المغلق بين الأقباط والمسلمين.»
وفي هذه الأعمال يظل الإنسان حاضرًا خلف الموضوع. الحرب ليست مجرد حدث سياسي، والسلطة ليست مجرد مؤسسات، والثقافة ليست مجرد معلومات؛ هناك دائمًا إنسان يعيش داخل هذه التحولات، ويدفع ثمنها، ويحاول أن يجد لنفسه مكانًا في عالم يتغير من حوله. وهذه النظرة، في تقديري، تفسر جانبًا من طبيعة كتاباته؛ فهو لا يكتفي بتسجيل الحدث، بل يبحث عما يفعله الحدث بالإنسان.
وعندما عاد أحمد الخميسي إلى مصر في أواخر التسعينيات، لم يعد إلى
الحياة الثقافية من موقع المتفرج. واصل عمله الصحفي والثقافي، وانشغل بقضايا حرية التعبير واستقلال المؤسسات الثقافية، وظل قريبًا من قضايا الكتاب والمثقفين، مدافعًا عن المساحة التي رأى أن الثقافة لا تستطيع أن تعيش من دونها.
وفي موازاة ذلك، ظل القاص حاضرًا.
صدرت له مجموعات قصصية عديدة، منها «قطعة ليل»، و«كناري»، و«رأس الديك الأحمر»، و«أنا وأنت»، و«ليل بلا قمر»، و«ورد الجليد». وحصلت «كناري» على جائزة ساويرس لأفضل مجموعة قصصية، فرع كبار الكتاب، عام 2011، ثم حصلت «أنا وأنت» على الجائزة نفسها عام 2016، وأعلنت النتائج في يناير 2017.
وفي عام 2024 صدر له عن دار أطياف «الأعمال القصصية الكاملة»، لتجتمع تجربته القصصية في إصدار واحد، بما يتيح للقارئ أن يرى امتدادها وتنوعها، ويتتبع الطريق الذي قطعه القاص عبر سنوات طويلة من الكتابة.
والقصة عند أحمد الخميسي ليست حكاية تُروى من أجل الحكاية وحدها. ثمة اهتمام بالإنسان في هشاشته ووحدته وتردده، وبالتفاصيل الصغيرة التي قد تبدو عابرة، لكنها تكشف أحيانًا شيئًا جوهريًا في النفس. وربما أفادته سنوات الصحافة والترجمة والعيش بين ثقافتين في النظر إلى الإنسان من أكثر من زاوية، لكنه ظل محتفظًا بصوته الخاص.
وإذا كان الإرث الأدبي حاضرًا في سيرته من خلال والده، فإن كتاب «الأجيال الثلاثة» يقدم صورة لافتة لهذه العلاقة؛ ففيه تجتمع قصص عبد الرحمن الخميسي، وأحمد الخميسي، وحفيدته آنا الخميسي. ثلاثة
أجيال تلتقي في الكتابة، لكن لكل جيل صوته وتجربته.
الإرث يترك أثره، لكنه لا يكتب بالنيابة عن صاحبه.
ومن هنا مضى أحمد الخميسي، ابن الكاتب الكبير، ليصبح هو أيضًا كاتبًا له عالمه، ومترجمًا له طريقه، وصحفيًا له موقفه، وقاصًا له صوته.
لكنني لم أكن أعرف أن وراء هذه الرحلة كلها عبارة يمكن أن تمنحها معنى آخر.
بعد انتهائي من كتابة هذا البورتريه، علمت مصادفة أن أحمد الخميسي مريض، فأرسلت إليه المقال، علّني أساعده بما كتبت على استعادة شيء من قوته. وحمدت الله أنني كتبت عنه قبل أن أعرف بمرضه.
قرأ الخميسي المقال، ثم اتصل بي هاتفيًا ليخبرني عن سعادته به. وقال لي إن ما كتبته رفع معنوياته كثيرًا، إلى درجة أنه شعر بأنه يتعافى من وعكته. ثم أضاف، بنبرة عتاب، أن قليلًا من الناس يكتبون عنه، ولذلك كان للمقال وقع خاص لديه.
وكان يمكن أن تنتهي الحكاية عند هذه اللحظة، لكن حديثه لم يتوقف هنا.
فقد واصل كلامه، وقال إنه، تقديرًا لكتابتي عنه، سيخصني بحديث لم يصرح به من قبل لأي جهة كانت.
ثم قال:
«كلما راجعت حياتي تبرز أمامي عبارة أراها تلخص حياتي، وهي: أن ما لم أفعله في حياتي كان أهم بكثير من كل ما فعلته.»
ثم شرح لي ما يعنيه بـ«ما لم أفعله.»
قال إنه على امتداد حياته الصحفية الطويلة لم ينافق أبدًا مسؤولًا حكوميًا، ولا وزيرًا، ولا رئيسًا، ولم يجد القارئ في كتاباته كلمة واحدة يشم منها رائحة النفاق أو الرغبة في الصعود إلى أعلى.
وقال إن ما لم يفعله كلفه الكثير؛ لأنه أبعده عن مناطق مليئة بالوفرة والمزايا.
ومع ذلك، قالها بوضوح لا يحتمل الالتباس: إنه يعتز كثيرًا بما لم يفعله، بل يعتبر ما لم يفعله أكبر إنجاز في حياته.
توقفت طويلًا عند هذه العبارة.
فهي ليست مجرد جملة قالها رجل يستعيد سنواته الطويلة، وإنما تبدو لي مفتاحًا شخصيًا لفهم جانب عميق من تجربته.
فالشاب الذي عرف السجن مبكرًا، والكاتب الذي غادر مصر إلى الاتحاد السوفيتي، وعاش سنواته الأخيرة ثم شهد انهياره، والمترجم الذي فتح نافذة واسعة على الأدب الروسي، والصحفي الذي اشتغل في مناطق شديدة الصلة بالشأن العام، والمثقف الذي ظل قريبًا من قضايا حرية التعبير واستقلال الثقافة؛ كل هؤلاء كانوا، في جانب منهم، يبحثون عن مساحة يحتفظ فيها الإنسان بصوته وقراره.
ولذلك لا أرى أن عبارة «ما لم أفعله» تخص الصحافة وحدها. إنها، في جوهرها، تتصل بفكرة أوسع: أن يكون للكاتب حدوده التي لا يتجاوزها، وأن يعرف ما الذي يمكن أن يكسبه، وما الذي قد يخسره إذا دفع ثمن ذلك من حريته أو صوته أو كرامته.
وربما لهذا تبدو لي حكاية أحمد الخميسي، في نهايتها، أوسع من قائمة الكتب التي كتبها، والترجمات التي أنجزها، والجوائز التي حصل عليها. لقد فعل أشياء كثيرة، لكن شيئًا آخر ظل يحرسه طوال الطريق: ألا يفقد نفسه وهو يعبر زمنًا كثرت فيه التحولات، وتعددت فيه الطرق التي يمكن أن يصل بها الكاتب إلى الضوء.
وحين راجع حياته، لم يتوقف طويلًا عند ما فعله. توقف عند ما رفض أن يفعله.
وربما كان هذا هو المعنى الأعمق لحكاية كاتب في زمن التحولات؛ فالكتابة ليست فقط ما نضعه على الورق، وإنما أيضًا ما نرفض أن نضعه عليه، وليست فقط الكلمات التي نقولها، وإنما الكلمات التي نمتنع عن قولها عندما نعرف أن قولها سيأخذنا إلى مكان لا نريد أن نكون فيه.
لقد كتب، وترجم، وعمل في الصحافة، وبحث، وعاش في أكثر من عالم، وشهد تحولات كبرى، وترك وراءه تجربة قصصية وثقافية ممتدة. لكنه، وهو يستعيد كل ذلك، رأى أن ما لم يفعله كان أكثر دلالة مما فعله.
ومن هنا تصبح شهادته التي خصني بها أكثر من مراجعة شخصية للماضي؛ إنها، في تقديري، تعريف آخر للكاتب الذي أراد أن يظل صاحب قراره، وأن يحافظ على حريته الداخلية مهما كان الثمن.
وحين خصني بهذه العبارة، لم أشعر أنه كان يحكي لي عن شيء لم يفعله فحسب، وإنما عن الشيء الذي ظل يحاول أن يكونه طوال حياته:
كاتبًا لا يخسر نفسه.
وربما لهذا، بعد كل ما فعله، ظل يرى أن ما لم يفعله كان أهم بكثير من كل ما فعله.
:::::
صفحة الفيس بوك، أحمد الخميسي
_________
ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….
