Site icon

مستوطنة إدلب: استعمار استيطاني إرهابي دينسياسي إسلامي معولم، د. عادل سماره

ملاحظة: هذا المادة من كتابي (إسلام سياسي أم دينسياسي وطائفية لا إسلام) الذي آمل أن يصدر قريبا. قررت نشر هذه المادة حين شاهدت أمس صورة للجولاني وزيلنسكي في مبنى الأمم المتحدة،

▪️▪️▪️

حتى في ظاهرة الاستعمار الاستيطاني جاءت قوى الدينسياسي الإسلامي متأخرة مقارنة بالأشكال الأخرى من الاستعمار الاستيطاني، سواء الاستعمار الغربي ذي الطابع المسيحي المؤدلج دينيًا في قارات عديدة، أو حتى الاستعمار الاستيطاني اليهودي الصهيوني في فلسطين. وقد يعود السبب في ذلك إلى الاستعمار الغربي للأمة العربية وغيرها من الأمم ذات الغالبية المسلمة، حيث جرى تعطيل تطورها التاريخي، أو ما أسماه عبد الله العروي الفوات الحضاري التاريخي وأسمته مدرسة النظام الرأسمالي العالمي، سمير امين، أندريه جوندر فرانك، إيمانويل وولرشتين وجيوفاني أريغي، إحتجاز التطور ، أي ان تأخر التوحش الإستيطاني ترافق مع تأخر التطور دون ان يكون التأخر شرط تواكبهما.

لقد تمّ التمويه إلى الغزو الفرنجي/الصليبي أوفرنجة الأقطاع للمشرق العربي بشعار إنقاذ قبر السيد المسيح، بينما كان الهدف الحقيقي احتلال أراضٍ جديدة لتوفير فائض اقتصادي للأمراء الأوروبيين الذين فشلوا في الحصول على الحكم أو الإرث ضمن النظام الإقطاعي ومعهم جيوش من العوام والمجرمين والمضيَّعين طبقيا حيث جندوهم كمجرمين ومقاتلين وأشبعوهم بالدينسياسي المسيحي الغربي مما حفزهم للقتال الديني المؤدلج سياسيًا بل مصلحياً.

وبعد اكتشاف الأمريكيتين، كانت إسبانيا والبرتغال أقوى الدول في ذلك الوقت، وقد استوطنتا أمريكا الجنوبية، ومارست جيوشهما أبشع المجازر التي عرفها التاريخ حتى ذلك الحين.

أقام المستوطنون البيض الذين غزوا الأمريكيتين دولًا باسم الدين، وهي عملية وفّرت فرصة لتفريغ أوروبا من فائضها البشري، الذي كان يتكوّن أساسًا من مجرمين ومغامرين.

كان المستوطنون هؤلاء فائضًا بشريًا لأنهم لم يجدوا فرصة للعمل في أوروبا الغربية، حيث تحوّلت تلك المنطقة من الإقطاع إلى الرأسمالية لم يكن بحاجة لهم في بدايات قطاع التصنيع الجديد، من جهة، كما أن هذا التحول لم يضر بالقطاع الزراعي من جهة أخرى.

وقد عزّزت هذا التحول سلطة الملوك على حساب الأمراء الإقطاعيين، ومهّدت لقيام الدولة القومية.

جلب المستوطنون الإسبان والبرتغاليون عائلاتهم معهم، وهو ما أدى لاحقًا إلى تكوين مجتمعات في أمريكا الجنوبية تجمع بين المستوطنين البيض والسكان الأصليين ورغم توحش المستوطنين لم تتم الإبادة التامة للسكان الأصليين. أما في أمريكا الشمالية، فقد ذبح المستوطنون البيض عشرات الملايين من السكان الأصليين، وجمعوا القلة الضئيلة المتبقية منهم في ما يشبه معسكرات الاعتقال.

وأنشأ المستوطنون دولهم السياسية الخاصة تحت غطاء ديني، خصوصًا من خلال تبنّي وتوسيع جغرافيا أسطورة “الشعب المختار” كأداة لتبرير إبادة السكان الأصليين. وينطبق ذلك أيضًا على استعمار إستيطاني لجنوب أفريقيا وأستراليا ونيوزيلندا كما أشرنا في غير موضع من هذا العمل، حيث حمل المستوطنون البيض الثقافة العنصرية البيضاء الرأسمالية ذاتها والدين المؤدلج نفسه لإبادة الشعوب الأصلية هناك. وفي جميع تلك الأماكن، أقام المستوطنون البيض أنظمة رأسمالية حكمت بالقوة وغطّت سياساتها بالدين.

وبالتوازي مع غزو المستوطنين الأوروبيين الغربيين للأمريكيتين، وخاصة خلال مرحلة الرأسمالية التجارية، كان مارتن لوثر (1483–1546) من أوائل الإصلاحيين الذين أبدوا اهتمامًا باليهود لاهوتيًا وسياسيًا وإقامة كيان لهم في المشرق العربي، اي كان هو الأب الغربي البروتستانتي ، وليس اليهودي، للصهيونية.

وفيما بعد، سعت هولندا وبريطانيا لحماية تجارتيهما مع الهند عبر “شركات الهند الشرقية”، ووصلتا إلى الحاجة لإقامة دولة استيطانية في البلاد العربية إنتهى الخيار على أن تكون يهودية. وكان ذلك قبل أكثر من قرنين من دعوة تيودور هرتزل لاستعمار فلسطين وإقامة دولة صهيونية استيطانية فيها.

لعل قصب السبق في الإستيطان الأبيض والتخريب الإستعماري هو من بين مختلف الأمم الإستعمارية كانت بريطانيا البروتستانتية التي ولَّدت المستوطنات البيضاء الولايات المتحدة الأمريكية وأستراليا ونيوزيلندا ونصف كندا ولاحقاً جنوب إفريقيا وأضافت إلى جانب ذلك وديعتين لتخريب العالمين العربي بإنشاء الكيان الصهيوني، والإسلامي بخلق باكستان وكلتيهما على مبررات دينسياسي.

لقد كان لوثر والبريطانيون والهولنديون ونابليون وبالمرستون وهرتزل مدفوعين بالحاجة إلى قوة تحمي المصالح الاقتصادية لأوروبا الغربية، وليس بدوافع دينية. وبعد انتصارهم في الحرب العالمية الإمبريالية الأولى، قررت الأنظمة الاستعمارية الرأسمالية الغربية عموماً، وخاصة البريطانية والفرنسية، وروسيا القيصرية، التي استعمرت معظم الوطن العربي:

• تقسيم الوطن العربي إلى كيانات صغيرة وفق اتفاقية سايكس–بيكو؛

• وإنشاء دولة للمستوطنين اليهود عبر استعمار فلسطين، بدعم وتسليح ومساندة متطوعين من مختلف الدول الغربية.

وقد احتل المستوطنون اليهود 78% من فلسطين عام 1948، وهجّروا نحو مليون من سكانها، وأقاموا أول دولة حديثة تتخفى خلف الدين المؤدلج سياسيًا.

لم يكن في حسبان أحد أن ما سُمّي بـ“الربيع العربي” سينتج ظاهرة خطيرة، إلى جانب تدمير الجمهوريات العربية وجيوشها، وهي استعمار استيطاني دينسياسي إسلامي عالمي تقوده أنظمة وقوى الدينسياسي المحمّلة بأيديولوجيتها الخاصة. وبينما يتم تجنيد هذه الظاهرة عالميًا، فقد تركز هدفها على الإبادة الدموية للشعب العربي عبر تدمير بنى الدول العربية، رغم أن سكان تلك الدول بمعظمهم مسلمين! لا يعرف أحد بعد بالضبط كم قُتل في العراق وليبيا وسوريا لتحل أنظمة دينسياسي طائفي بالطبع محل جمهوريات علمانية قومية وإشتراكية التوجه، هذا دون أن نُدرج اليمن والسودان والصومال التي لم تستقر الأمور فيها بعد.

ورغم أن الغزاة مسلمون، إلا أنهم معولمين بمعنيين:

• أنهم يُقادون من المركز الإمبريالي الاستعماري الغربي بوصفه الحاضنة للإرهاب العالمي، وأحدث نسخه منه هي “الاستشراق الإرهابي” بدءاً من القاعدة وصولا إلى داعش وهيئة تحرير الشام،

• وأنهم جُنّدوا من مختلف أنحاء العالم.

مدعومون من إسلام أنظمة الحكم في الخليج؟

في هذا العدوان باسم الإسلام، تم دفع مئات آلاف الإرهابيين إلى سوريا عِبر تركيا ولبنان والعراق والأردن والكيان الصهيوني الأشكنازي، أما من اين أتوا فمن عديد بلدان العالم الإسلامي ومن البلدان العربية.

ومن اللافت أن كثيرًا من هؤلاء الإرهابيين جلبوا عائلاتهم معهم، مما يؤكد أنهم جُلبوا وأتوا بنيّة الاحتلال الإستيطاني في الحالة السورية وإسقاط النظام، وإقامة دولة الدينسياسي الإسلامية.

المسألة هنا ليست ما إذا كانت تحليلاتهم وتوقعاتهم صحيحة أم لا، بل في خطة تدمير سوريا والاستيطان فيها؛ فالقضية تتعلق بالهدف أكثر من قدرة الغزاة.

وخلال سنوات حرب الإرهاب ضد سوريا منذ 2011 كانت الأخبار تتحدث عن مجيء هؤلاء الغزاة من بلدان عديدة حول العالم، وخاصة من الشيشان ودول عربية مثل تونس، وقد جلبوا عائلاتهم إلى مناطق في شمال سوريا وهذا مختلف تماماً عن المتطوعين الأمميين ضد الفاشية والإمبريالية والصهيونية، مثلا، في إسبانيا ضد الفاشية في الثلاثينات أو المتطوعين مع المقاومة الفلسطينية في سبعينات القرن الماضي حيث تطوعوا كمقاتلين أفراداً فقط.

ذكّرني هذا التدفق العائلي مع الإرهابيين بالاستعمار الاستيطاني الصهيوني في فلسطين. ومن أوجه التشابه بين هؤلاء المستوطنين باسم الإسلام وبين المستوطنين اليهود الصهاينة:

• أنهم جاؤوا للاستيطان بالقوة؛

• أنهم لا يشاركون السوريين اللغة أو الثقافة، باستثناء الدين الذي لا يمثل سوى جزء من الثقافة هذا إذا فهموا الإسلام أمام عجز معظمهم عن فهم اللغة العربية ناهيك عن بلاغة القرآن؛

• أنهم جُمِعوا من أكثر من مئة جنسية؛

• أنهم في خدمة مشروع ضد سوريا وضد الوطن العربي عمومًا؛

• وأن أهدافهم صُممت وأشرف عليها المركز الإمبريالي وحلفائه من الأنظمة التركية والعربية التابعة التي تتبنى إيديولوجيا الدينسياسي.

ومع استمرار الحرب على سوريا وداخلها، أصبح واضحًا أن المناطق المحتلة من سوريا وخاصة إدلب تضم مجتمعات من عائلات المستوطنين المدنيين. وأصبح من المعتاد، عندما يحرر الجيش العربي السوري أية منطقة، أن تتم معاملة النساء والأطفال باتفاقات خاصة لإجلائهم إلى مناطق آمنة في شمال سوريا، وتحديدًا إدلب وهناك حيث التواصل مع العدو التركي. وهنا لا بد من معترضة مفادها أن هناك حديث في دمشق المحتلة عن نقل العاصمة إلى إدلب، وإن كان هذا صحيحاً فهو مثابة توقُّع بأن سوريا لن يستقر بها الحال الإحتلالي مهما كان من قمع بالذبح وبالتالي يمكن تجميع المستوطنين في مستوطنة “إمارة إدلب المعولمة”.

إن عمليات إجلاء عائلات الإرهابيين التي كانت تقوم بها قوات الاحتلال الأمريكية والبريطانية والفرنسية في شمال سوريا، تشمل أيضًا عائلات الإرهابيين الذين أسرهم الأكراد السوريين الانفصاليين، الذين كانوا يتجهون نحو إنشاء كيان استيطاني شبيه ومدعوم من قبل الكيان الصهيوني.

وحجتي هنا أن هؤلاء الإرهابيين الإسلاميين الذين جرى تجميعهم عالميًا، قد تم تلقينهم أنهم ذاهبون إلى مكان النصر فيه مضموناَ، وأنهم سيكونون طلائع بناء قلعة إمبراطورية الدين المؤدلج سياسيًا، أي أنهم سينالون “جنة الأرض” أولًا ثم “جنة السماء” لاحقًا. وهذا لا يختلف كثيرًا عن الكيان الصهيوني الذي يدّعي أن المستوطنين اليهود ينفذون مهمة إلهية لاحتلال “أرض الميعاد”. وبناءً على ذلك يحتلون فلسطين باعتبارها جنة على الأرض، ثم يضمنون جنة السماء أيضًا. وفي الحقيقة، فإن كل هذه “الجنات” تخدم الطبقات الرأسمالية الحاكمة أينما تتموضع.

الفرق الأساسي بين الكيان الصهيوني وقوى الدينسياسي الإسلامي الاستيطانية هو أن الثانية حرب تقودها الإمبريالية وتمولها أنظمة الدينسياسي العربية وترفدها بشريا هي وأنظمة الدينسياسي الإسلامية وخاصة تركيا والشيشان ويدعمها الكيان الصهيوني …الخ وتستهدف البلدان العربية واحدًا تلو الآخر: ليبيا، العراق،سوريا، اليمن، بهدف السيطرة على الوطن العربي بأكمله.

ومن الجدير بالذكر أن هؤلاء المستوطنين من قوى الدينسياسي المؤدلج يُحيون الهدف التركي القديم الرامي إلى احتلال الوطن العربي.

فالعدو التركي نفسه مُنح منطقة إسكندرون السورية عشية الحرب الإمبريالية الثانية من قبل الاستعمار الفرنسي، وهي جريمة تذكّرنا بدعوة نابليون بونابرت لليهود للاستيطان في فلسطين، حين أعلن أن فرنسا تُجهِّز البلاد لراحتهم، وما عليهم سوى أن يأتوا ويرثوا فلسطين.

واليوم، ما زال نظام الدينسياسي الإسلامي الحاكم في تركيا يحلم ويُعلن احتلال الوطن العربي، بدءًا من شمال سوريا وصولًا إلى شمال العراق وما بعده.

وقبيل سقوط الدولة السورية 8 ديسمبر 2024 كانت تركيا تؤكد أنها ستوطّن اللاجئين السوريين في الأراضي التي يغزوها جيشها . وهذا الادعاء يكشف مدى قبح ووحشية هذا النظام الذي يحتل أرض أمة أخرى ويتحكم بسكانها ويزيد إحتمال تحويل إدلب إلى إمارة بل مستوطنة دينسياسي إرهابي معولم تابعة لتركيا وتشكل حاجزاً بينها وبين سوريا ولكن على الأرض السورية.

في الواقع، بدأ النظام التركي بإعداد مخيمات للاجئين حتى قبل بدء الحرب الإرهابية ذات الطابع الدينسياسي ضد سوريا عام 2011 في عملية تجويف بشري لسوريا كي تنهار كدولة ويسهل توطين أجانب فيها لتغيير طبيعة المجتمع العربي السوري. وعندما بدأت الحرب، شجّع النظام التركي نفسه أعدادًا كبيرة من السوريين على اللجوء إلى تركيا، ثم استخدمهم لاحقًا كقنبلة ديموغرافية ضد أوروبا. ومن المخزي أن الأنظمة الأوروبية العنصرية قدّمت لتركيا ستة مليارات دولار لإبقاء اللاجئين السوريين داخل أراضيها وبالتالي حققت تدمير سوريا وتجنبت لجوء السوريين إليها.

ومن خلال دفع اللاجئين السوريين نحو أوروبا، أو استخدامهم كقنبلة ديموغرافية أو كمنطقة عازلة شمال سوريا، يتعامل النظام التركي مع هؤلاء السوريين كعبيد. أما ما يسمى بالأمم المتحدة، فلا تقدم سوى بيانات لفظية تجاه هذه الجريمة الواضحة. وبدورها فالأنظمة الأوروبية إمتصت السوريين المؤهلين في أي مجال ورفضت البقية كأنهم سقط المتاع لتحتفظ بهم تركيا، وهذا وذاك شكّلَ إجتثاث السوريين من وطنهم، إجتثاث شعب ما أمكن.

ومنذ سقوط الدولة السورية صار سهلا على تركيا إحتلال شمال سوريا بل وصولا إلى حمص برضى السلطة الإرهابية في سوريا بقيادة أبو محمد الجولاني عرفانا منه بما قدمته له تركيا ولذا فإنها ستجلب قوميين أتراك متطرفين للاستيطان فيه، وسيكون ذلك استعمار استيطاني بغطاء دينسياسي إسلامي في أرض دولة مسلمة أخرى!

وهذا الاستعمار يفضح ادعاء حاملي راية ما يسمى “أمة الإسلام” أي الأنظمة والقوى السنية والشيعية ذات الطابع الدينسياسي، مثل السعودية وقطر والإمارات والإخوان المسلمين وحزب التحرير وحزب الدعوة في العراق وما شابه.

لقد أطلق النظام السوري الجديد بقيادة أبو محمد الجولاني عصابات الإرهاب المعولم ومسلحي العشائر من البادية السورية ضد العرب السوريين في الساحل السوري وهم غالبا من العلويين ليمارسوا القتل والنهب والتشريد واغتصاب البيوت. كما إستمر هذا السلوك الذبحي في مختلف أنحاء سوريا ضد العلويين.

فقد اقتحمت آليات وتراكتورات معززةً بميليشيات الأمن العام قرية المزرعة ذات الغالبية الشيعيّة الواقعة غرب مدينة حمص، وهدمت المنازل، بعد قطع المياه والكهرباء عن القرية، وقد أعطي بقية الأهالي مدة 72 ساعة لإخلاء القرية. وباتت ألف عائلةٍ سوريّةٍ مهددةً بالتهجير القسريّ”.

لا يختلف هذا عن قيام قوات الاحتلال الصهيوني في قطاع غزة والضفة الغربية وجوب لبنان بتشريد وقتل المواطنين في المناطق الثلاثة. ترى من يقتدي بالآخر: إرهابيو الجولاني أم إرهابيو نتنياهو؟

:::::

صفحة الكاتب على فيس بوك Adel Abdulhamid Samara 

Adel Abdulhamid Samara

_________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….

Exit mobile version