الحركة الأصولية والإسلام السياسي

الطاهر المعز

كتبت هذه الورقة قبل حوالي سنتين، كمساهمة في نقاش القوى والحركات الماركسية العربية، لمختلف المواضيع والمهام المطروحة اليوم، على الشيوعيين، والإشتراكيين العرب… ولم يتم نشرها أو مناقشتها، لأسباب عدٌة…فأعدت صياغتها الآن، واعتمدت، في سرد بعض الوقائع والأحداث، على ورقتين، أحدهما للمفكٌر “سمير أمين” بعنوان “الإسلام السياسي في خدمة الإمبريالية” (بالأنكليزية)، والورقة الثانية، كتبها المناضل اليساري البريطاني (من أصل باكستاني) “طارق علي”، عن الإسلام السياسي واليسار. فشكرا لهما…

الطٌاهر المعز

عن مصطلح “الإسلام السٌياسي” وجذوره الإيديولوجية

إن إطلاق صفة “الأصولية” على الإسلام السياسي لا يؤدي المعنى المطلوب، فهذه الحركات “الأصولية” هي أحزاب سياسية هدفها الوصول إلى السلطة، كأي حركة سياسية أخرى. يكمن الفارق في استعمال موروث ثقافي جمعي هو الإسلام وتعاليمه كديانة لها رؤيتها للكون، وقوانينها المنظمة للعلاقات بين البشر، بين الحاكم والمحكوم، وفرائضها وحدودها وأحكامها المستمدة من القرآن ومن كيفية إدارة السلطة وشؤون الدولة والمجتمع في العصر الأول، أي الدولة الأولى وبعض الخلفاء “الراشدين”. من هنا جاءت عبارة “الأصولية” أي العودة إلى الماضي لتستمد منه هذه الحركات “برنامجا سياسيا” واقتصاديا، بهدف إسقاطه على واقع اليوم، المغاير في محيط مختلف في الزمان والمكان، على الصٌعيد الإقتصادي والسياسي، والمعرفي، المحلي والعالمي. هذا إذا أخذنا بظاهر الخطاب الدعائي الموجه “للعامة”، أما إذا تأملنا بإمعان في مشروع المجتمع الذي تطرحه أحزاب الإسلام السياسي، والتجارب التي حصلت في البلدان التي وصل الإسلام السياسي فيها إلى الحكم في العقود الفارطة، فإننا نلاحظ أنه إما عاد بالمجتمعات إلى الوراء أو تأقلم مع النظام الإقتصادي اللبرالي، دون الإنفتاح السياسي على معارضيه، وخاصة من يرميهم “بالإلحاد أو العلمانية”. لذلك فإن الإسلام السياسي”المعتدل” ـ مقابل الإسلام الجهادي – لا يزعج راحة الرأسمالية المعولمة ولا يبتغي بديلا لها، بل تسعى الإمبريالية الأمريكية إلى إدماجه في مشروع الشرق الأوسط الكبير كبديل ممكن للأنظمة القائمة التي اهترأت وتقلصت قاعدتها الإجتماعية، بل وتصر أمريكا على جعل الإسلام السياسي شريكا لللبراليين في جبهة تطالب بشيء من الديمقراطية والإنفتاح السياسي على مكونات “المجتمع المدني”، دون المساس باللب، أي عدم المساس بمصالحها وباقتصاد السوق وبالعلاقات الدولية اللامتكافئة.

إن الماركسيين يفرٌقون بين الدٌين كإيمان وعقيدة وطقوس، تؤمن بها وتمارسها المجموعات والأفراد، ويعتبرونها شأنا خاصا بكل فرد، أي تدخل في باب حرية المعتقد، وبين فرض وإدماج الدين في الحياة السياسية العامة وإخراج هذا المعتقد من الشأن أوالمجال الخاص إلى المجال العام، مما يتنافى مع جوهر حق المواطنة المبني على حرية الأفراد والمجموعات ومساواتهم أمام القانون مهما كان اللون والجنس والمعتقد. إن الأنظمة القائمة لا تختلف في هذا الأمر مع الإسلام السياسي، إذ توظف الدين في السياسة وتدرجه في الدساتير والقوانين، وتفرضه في وسائل الإعلام، وتعاقب المخالفين وتقمع الأقليات غير المسلمة والنساء، وفي بلدان كإيران والسعودية وماليزيا، هناك شرطة خاصٌة بملاحقة وقمع المتهمين بالكفر والزندقة، أو التقصير في تطبيق التعاليم بالشكل المطلوب والمرغوب الخ، كمعاقبة من لا يذهب إلى المسجد يوم الجمعة، أو من يتواجد مع امرأة، في سيٌارة أو بيت، أو مكان خاص، وأحيانا كثيرة يتبيٌن فيما بعد أنها زوجة أو أخت أو أمٌ (حصلت هذه التجاوزات عديد المرٌات في السعودية وماليزيا وإيران وباكستان)… دعاة الإسلام السياسي يتحجٌجون بأن الإسلام ليس كباقي الأديان، فهو دين لا يمكن فصله عن الدنيا، أي أنه برنامج سياسي (الإسلام هو الحل؟)، وفي محاولاتهم للتأقلم مع الخطاب الديمقراطي، استعملوا حجة “الحرية الشخصية” للدفاع عن الحجاب (ومشتقٌاته) مثلا، في حين ينكرون هذه الحرية الشٌخصية على من اعتبروهم خصوما لهم كالعلمانيين والملحدين فضلا عن المخالفين لهم سياسيا، فالحجاب والممارسة الدٌينية حرٌية شخصية، أمٌا الإلحاد أو عدم تأدية الفرائض الدٌينيٌة، فهو كفر وزندقة…

الإسلام، كبقية الأديان (بما فيها الميثولوجيا وما سمي بالوثنية والبوذية…)، هو منظومة فكرية تقدم قراءة لأصل الكون وتنظم العلاقات بين الأفراد والمجموعات فيما بينهم، وهي رؤية للوجود، ولما غاب عن الإدراك، في المرحلة التي جاءت فيها هذه الأديان. وبما أنه “دين سماوي”، أي لم يأت به الإنسان، فإن أتباع الإسلام السياسي والأصوليين يعتبرونه غير قابل للنقاش أو الإصلاح أو التحوير أو التطوير. فهو حسب رأيهم شامل وكامل وصالح لكل زمان ومكان، ويجب القبول به كوحدة لا تتجزأ، أو رفضه كلية، ومن رفضه تطبق عليه الحدود، فهو إما “كافر” أو” مرتد”، وكلاهما يمكن أن يقتل إذا لم يقبل بسلطة الإسلام والخضوع لأحكامه. والإيمان بالأديان لم يكن قط اختيارا فرديا، فالمسلمون هم مسلمون بالوراثة أوٌلا، ثم بالتعبئة والدعاية (البروبجندا) الإيديولوجية والتحريض على من خالفهم الرأي من الأديان أو العقائد الأخرى، غيبية كانت أو وضعية. لكن المفاهيم والتعاليم الواردة في “الكتب السماوية” بحاجة إلى تأويل وتفسير وتكيف مع تطور البشرية وعلاقات المجموعات والأفراد فيما بينهم، وعلاقتهم بالسلطة وبالشعوب الأخرى الخ، لأنه لا يكفي أن يردد المسلمون خمس مرات في اليوم التعاليم الدينية، ثم في اجتماع عام ضخم كل يوم جمعة وفي الأعياد، باستعمال التكنولوجيا ومضخمات الصوت، لكي يجدوا حلولا للمشاغل والمشاكل اليومية التي تطرأ باستمرار، نظرا للتطور الطبيعي للمجتمعات ومشكلاتها. الإجتهاد أو التأويل، هو محاولة لأقلمة العقيدة والتعاليم الدينيٌة مع العصر، لكن التأويل يخضع لثقافة الفرد من ناحية، ولدرجة تطوٌر المعرفة والعلوم والإكتشافات من ناحية أخرى، وبالتالي فإن ما توصٌل إليه”السٌلف الصٌالح”، ليس بالضرورة، متماشيا مع العصر الحالي، ومحيطه وتعقيداته، ولم تقم حركة إصلاحية تمكٌن الفكر الإسلامي من تجاوز مقولة “الإسلام صالح لكل زمان ومكان”، وقد دفع البعض الثمن غاليا، جرٌاء إصرارهم على إصلاح منظومة التفيكر الإسلامي.

فالكنيسة المسيحية اضطرت إلى القيام بحركة إصلاح، بعد صراعات وانقسامات، أساسها تطور علاقات الإنتاج وبوادر ظهور الرأسمالية في أوروبا، فطالب مؤسسو المذهب البروتستانتي بالتأقلم مع هذا الوضع الجديد، وانشقوا عن الكنيسة الرسمية بعد صراعات عنيفة وحروب وقتال.

واضطرت الكنيسة الكاثوليكية الى القيام ببعض الإصلاحات لمٌا تجاوزتها البرجوازية التي طالبت (بل نجحت في بعض البلدان) بفصل الدين عن الدولة. وتحولت الكنيسة من دور القائد لسلطة المجتمع الإقطاعي إلى رافد للسلطة في المجتمع الرأسمالي. حصل هذا التطور بداية من “عصر النهضه” الأوروبي، أي في نفس الفترة التي بدأ فيها ركود وتقهقر المجتمعات التي كانت محكومة باسم الإسلام، ومن ضمنها كل المنطقة العربية الحالية. منذ القرن التاسع عشر، احتجزت الإمبريالية التطور الطبيعي لمجتمعات هذه البلدان، وفرضت عليه نمطا من خارجه، مما جعلها لا تستكمل تطورها المستقل لغاية اليوم.

أما محاولات الإصلاح التي قادها مفكرون أمثال جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده (ورشيد رضا بدرجة أقل) وقاسم أمين والطاهر الحداد وعلي عبد الرازق، فإنها جوبهت بالرفض والمعارضة الشديدة وكان الثمن غاليا بالنسبة لعلي عبد الرازق والطاهر الحداد، فهذا الأخير اعتبر كافرا لأنه قال (في عشرينات القرن العشرين) بأن الحجاب يكبل المرأة وينتقص من قيمتها، وللمرأة الحق في المساواة مع الرجل (كتاب امرأتنا في الشريعة والمجتمع)، فتم طرده من جامعة الزيتونة وحوكم وحرم من الشغل، خاصة وأنه ساهم في تأسيس أول نقابة تونسية مستقلة سنة 1924 في تونس المستعمرة من قبل فرنسا.

إن فكرة الإصلاح من داخل المنظومة الإسلامية لاقت معارضة شديدة من”الإسلام الرسمي”، ولم تلق مساندة شعبية لأن المجتمعات لم تكن مهيأة (خاصة وأنها مستعمرة) ولم تكن الظروف الموضوعية متوفرة أي تطور القوى المنتجة التي يتفاعل ويتداخل تطورها مع تطور العقليات وثقافة “المجتمع المدني”، بعكس الإصلاحيين الأوروبيين الذين تطابقت دعواتهم الإصلاحية مع بدايات ظهور البرجوازية كطبقة، تعرقل الكنيسة والدين تطور علاقات الإنتاج الرأسمالية، التي تريد إرساءها. ولم ينزعج الإستعمار من الدين كشعائر أو كتشريع، بل تركت بريطانيا وفرنسا الشعوب المستعمرة تواصل تعدد الزوجات، وعدم المساواة في الميراث، ومنعت فرنسا دراسة العربية في الجزائر باستثناء القرآن والشريعة، وتركت “المحاكم الشرعية”، أي الدينية، في مستعمراتها تواصل إدارة الشؤون المحلية للسكان الأصليين، ولم يزعجها ذلك قط وهي التي جعلت من العلمانية أساسا لقوانينها، داخل حدودها، وفي نفس الوقت حاربت بقسوة وشدة من أراد استعمال الدين لاستنهاض الهمم والدفاع عن الوطن المغتصب، سواء كان ذلك بالحديث والكتابة أو باستعمال السلاح.

في الإسلام ظهرت المذاهب الأربعة المعروفة (عند أهل السنة) كاتجاهات لتأويل أحكام الدين ومحاولة تطويعها لمتطلبات التطور الطبيعي للمجتمعات المحكومة باسم الإسلام، فاشتهر أبو حنيفة بتفتحه النسبي واجتهاده باستعمال العقل، مقابل ابن حنبل الذي اشتهر بتشبثه بحرفية النص وعدم قبوله بالتجديد والإجتهاد. أما المفكرون فإنهم اختلفوا أيضا في تأويل أحكام الدين وحاولوا (من داخل المنظومة الدينية) التأقلم مع تطور المجتمع. فبينما كان الإتجاه الفكري للمعتزلة يستمد أطروحاته من الفكر العالمي النير وما توصلت له الفلسفة والعلوم الرياضية (اليونانية) من قوانين واستنتاجات، والحث على استعمال العقل عوض النقل عن “السلف الصالح”، نجد الغزالي ممثلا للإتجاه المغالي في الإنغلاق والرجعية وتكفير أصحاب الرأي المخالف، من ذلك معاداته الشديدة لابن رشد والفلاسفة والمفكرين المتنورين. وانتصر في آخر الأمر اتجاه الغزالي وأتباعه من ابن قيم الجوزية إلى ابن تيمية، وهذا الأخير قرر أن ظاهر النص لا يحتمل أي تأويل (سوى في حالات نادرة ومحدودة) مدٌعيا أن “السلف الصالح” لم يترك للمسلمين ما يمكن الإختلاف حوله أو مناقشته، وبالتالي فإن باب “الإجتهاد والتجديد” قد أغلق نهائيا. وحركة الإخوان المسلمين هي الإمتداد الفكري الطبيعي للمدرسة المتحجرة في الإسلام، فمرجعيتهم الفكرية هي امتداد للغزالي وابن قيم الجوزية وابن تيمية وحسن البنا وأبي الأعلى المودودي، والخط الرابط بين هؤلاء (وغيرهم ممن لم نذكرهم) هو رفض استعمال العقل فيما يخص أحكام الدين، والتمسك الحرفي بالقرآن والسنة (رغم الجدل حول صحة الروايات وما حوته عن سيرة وأحاديث محمد وصحبه) والإصرار على ادعاء ملاءمتها لكل مكان وزمان واعتبار محاولات الإجتهاد، انحرافا عن الدين وتشبٌها “بالكفار”. مع ملاحظة أن القادة المتشيٌعين، مؤسسي الدولة الفاطمية لم يفرضوا عقيدتهم بالقوة على المجتمع، سواء في تونس أو في مصر فيما بعد، بل كانت فكرة “الولاء للدولة”، هي الطٌاغية. ولم يتطور المذهب الشيعي إلى عقيدة قائمة لها أصولها وقواعدها الخاصة، ونظرياتها، إلا بعد قيام الدولة الصفوية، في أرض إيران الحالية، في القرن السابع عشر، فأصبح للشيعة هياكل دينيٌة، عمودية مثل الكنيسة، وفرض التشيع مذهبا رسميا، يختلف مع أهل السنة في بعض القضايا الجوهرية، أما مراجع الشيعة فإنها حديثة نسبيا، وتبدو نظريا وظاهريا على الأقل أكثر”ثورية”. هذا من الناحية الفكرية. أما من الناحية العملية فإنه من الضروري التذكير بمواقف وممارسات الإسلام السياسي، سنيا كان أم شيعيا، في الحكم أو خارجه، “معتدلا” كان أو جهاديا…

الإسلام السياسي المعاصر

“الشيخ أبو الأعلى المودودي” هو مؤسس “الجماعة الإسلامية” بالهند، سنة 1941، أثناء الإستعمار البريطاني لهذا البلد الواسع، متعدد الثقافات واللغات والديانات. انصبٌ كل جهده واهتمامه وتفكيره وعمله على التنظير لاستحالة عيش المسلمين في ظل حكم غير إسلامي، واستحالة فصل الدين عن الدولة بالنسبة للمسلمين، بينما كان غيره يقاوم الإحتلال البريطاني. ولذلك فإنه كرٌس جهوده لانفصال ما يعرف الآن بباكستان وبنغلاداش عن الهند في سنة استقلالها (1947)، على أسس دينية. مع الملاحظ أن بنغلاداش الحالية والباكستان ليستا متجاورتين بل تقع إحداهما في الجانب الشرقي لشبه القارة الهندية والأخرى في الغرب، وانفصلت بنغلاداش (المسلمة) عن باكستان (المسلمة أيضا) سنة 1971 بعد حرب دامية ومدمرة تورطت فيها الهند والصين والإتحاد السوفياتي وباكستان وأمريكا والسعودية وغيرها.

أما أبو الأعلى المودودي فلم يكن همٌه النضال ضد الإستعمار والهيمنة البريطانية (التي شجعته وساندته) وإنما الإنفصال عن “الكفار” والهندوس، وهذه الدعوة والإنفصال لم يحلاٌ “المشكلة” لأنه ما زال في الهند الآن أكثر من 150 مليون مواطن يعتنق الإسلام، وانقسمت الدولة المبنية على أسس دينية إلى دولتين(باكستان وبنغلاداش)، تعاني كل منهما من الفقر والتخلف والجهل، والفوارق الطبقية المجحفة، والتبعية…

لمٌا توفي أبو الأعلى المودودي في سبتمبر- أيلول سنة 1979، خصصت له المقالات والخطب العديدة في صحف ومجالس ومساجد الإخوان المسلمين، باعتباره رائدا وقائدا وجب الإعتداد به والسير على هديه. وعلى سبيل المثال فقد خصصت له مجلة “المعرفة”- الناطقة باسم حركة الإتجاه الإسلامي في تونس، النهضة حاليا- ملفٌا كاملا، وأوردت صورته على صفحة الغلاف إلى جانب حسن البنا وسيد قطب والخميني. وكانت هذه المجلة مرخصا لها وتطبع (بالألوان) في مطبعة الحزب الحاكم والوحيد آنذاك، وتباع في الأسواق، وهيئة تحريرها هم قادة النهضة الحالية، ك”الشيخ راشد الغنوشي” عضو القيادة الدولية للإخوان المسلمين، واستعمل النظام التونسي الحركة في الهجوم على “اليسار والملحدين”، ثم تجاوزتهم للهجوم على اللبراليين والعلمانيين والنساء والشباب والمؤمنين العاديين ولم يسلم من أذاهم رجال الدين المتنورين، واستعملوا العنف الجسدي ضد خصومهم بواسطة السلاح الأبيض، وأدخلوا تقاليد العنف في الأوساط الطلابية، قبل أن ينقلب السحر على الساحر ويزج بالقيادة في السجن، لما أصبحت الحركة قوية وبدأت تهاجم النظام “الكافر” وعوضت عبارة “باسم الله الرحمان الرحيم” بعبارة “باسم الله قاصم الجبارين”، وتستعمل عبارة “الطاغوت” عوضا عن الدكتاتور، وذلك مباشرة بعد سقوط نظام الشاه وانتصاب نظام الخميني. وكانت حركة الإتجاه الإسلامي – النهضة، هي التي تقوم بتوزيع صحف وبيانات الإخوان المسلمين السوريين، في تونس وأوروبا، (مجلة النذير مثلا) الذين دخلوا في مواجهة مسلحة مع النطام السوري. كما قامت بدعاية مكثفة ل”المجاهدين الأفغان” العشائريين، المسلحين امريكيا وأوروبيا، رغم ادعاء الإخوان التونسيين بعدم تبني خيار العنف المسلح والإكتفاء بالنضال السلمي ذي الطابع المدني.

الشيخ محمود محمد طه مواطن سوداني (من مواليد 1903) ناضل ضد الإستعمار البريطاني وعرف سجونه. أسس الحزب الجمهوري عام 1945، فسجنه البريطانيون، وأصدر جامع الأزهر فتوى لتكفيره وإهدار دمه (بتهمة الردة)، لأنه حاول تقديم قراءة تقدمية للإسلام، شبيهة بنظريات “لاهوت التحرير” في أمريكا الوسطى والجنوبية، داعيا لعدم التمسك بظاهر الكلام وتكييف أحكام الإسلام مع العصر ومتطلباته. في سنة 1969، قام جعفر النميري بانقلاب عسكري، تحت غطاء قومي يساري، فسانده محمود محمد طه وحزبه بحذر (مساندة نقدية)، ولكنه سرعان ما وجه له نقدا لاستعماله للدين بطريقة متشددة وعلاقاته مع السعودية وقمعه للحزب الشيوعي السوداني (إعدام قادة الحزب الشيوعي السوداني بدعوى محاولة الإنقلاب على حكم جعفر النميري)، فأودع السجن مرة أولى. ولما تحالف نظام جعفر النميري بشكل معلن مع الإخوان المسلمين وبدأ بتطبيق الشريعة وعاد إلى إعدام الشيوعيين، وزع الحزب الجمهوري منشورا يندد بهذه الممارسات في يناير 1985، وقام بتنظيم مظاهرة سلمية… ألقي القبض على قياديي الحزب ومناضليه ومن جملة التهم الموجهة لهم “الردة والزندقة والخروج عن تعاليم الإسلام” فحكم عليهم بالإعدام وأعطوهم مهلة ثلاثة أيام كي يتراجعوا و”يتوبوا”، ولما رفض محمود محمد طه هذا العرض، وقع إعدامه في 20 يناير 1985 وهو في سن تناهز 82 سنة. لم نعثر على تعليق أو احتجاج أوتنديد من طرف الإسلام السياسي بمختلف تلاوينه، معتدلا أو متطرفا، شعبيا أو نخبويا، شيعيا أو سنيا، بتنظيماته المختلفة ومثقفيه ومفكريه، ولم يثر الإيقاف والحكم وتنفيذ الإعدام حفيظة الجمعيات الحقوقية في البلدان الرأسمالية الإمبريالية… اليسار العربي هو الوحيد الذي ندد بفصول هذه المأساة، لأنه يعي جيدا طبيعة الإسلام السياسي وما ينتظره في بلاد (أو دولة) يشارك في سلطتها أو يحكمها “الإسلام السياسي المعتدل”.

في سنتي 1970 – 71 في الأردن، شن النطام هجوما على المنظمات الفدائية الفلسطينية بمساندة الإمبريالية والأنظمة العربية التي كانت ترى في المقاومة الفلسطينية المسلحة خطرا يهدد انظمة المنطقة. والأنظمة العربية التي لم تساعد على التصفية، صمتت حتى كانت الغلبة للجيش النظامي الأردني (المتكوٌن أساسا من البدو، الموالين للعائلة المالكة)، فتدخلت لترحيل الفلسطينيين إلى لبنان. أما النظام الأردني فإنه استعان مباشرة بالإخوان المسلمين الباكستانيين (أبناء المودودي الروحيين) وببعض الفرق المختصة من الجيش الباكستاني، يقودها “ضياء الحق”، الذي أصبح جنرالا في ما بعد، وقاد انقلابا، وحكم بالحديد والنار بمساعدة الإخوان. رَوٌجَ النظام الأردني لدى جماعات الإخوان إشاعات مفادها أن الفدائيين كفرة وملحدين، يرتكبون المعاصي والمحرمات ويزنون مع نساء جئن من الصين وروسيا وكوبا وغير ذلك من الأباطيل التي جعلت الإخوان يهبون لجلد الزناة ورجم العصاة، لأن تحرير فلسطين شيء ثانوي يأتي بعد نشر الإسلام والحفاظ على الأخلاق الحميدة،” أما الأرض فإن الله يهبها لمن يشاء من عباده الصالحين”، كما قالت الحركة الإسلامية في أراضي 48، في يوم الأرض (عام 1976)، لتبرير عدم اهتمامهم بالمسألة الوطنية.

قبل وصول الإسلاميين الشيعة إلى الحكم في إيران، كانت خطاباتهم مشبعة بالوعود الديموقراطية واحترام الحريات، فتحالفت معهم القوى التقدمية واليسارية وساعدهم اليسار، وإضراب عمال النفط الذي استمر لشهرين كاملين، في إسقاط نظام الشاه الموالي لأمريكا والحارس الأمين لمصالحها في المنطقة، قبل أن تتخلى عنه. ولما استقر الملالي (رجال الدين) في سدة الحكم، بدؤوا بسجن وإعدام مناضلي وقيادات اليسار الماركسي واللبراليين ورجال الدين المتنورين وكل القوى التي ساعدتهم، وأعدم العديد من مناضلي منظمات “فدائيي الشعب” و “كومالا” و”بيكار” الماركسية (حتى حزب توده المسالم) في نفس السجن الذي قضوا به سنوات في عهد الشاه. وطالت الإغتيالات رجال الدين الذين يعتبرون “مرجعا” مثل آية الله طلقاني، وأعضاء منظمة مجاهدي الشعب، الذين أرادوا المزج بين الإسلام والماركسية، فاغتيلوا لأنهم عقلانيون أكثر من اللزوم، ومنعت النقابات لآنها “بدعة”. أما الإنتخابات فإنه لا يسمح لأحد بتقديم ترشحه إلاٌ بعد فحص ملفه من طرف لجنة دينية، تقرر إن كان هذا الذي ينوي الترشح، تتوفر فيه الشروط التي حددها رجال الدين لفرز المسلم الحقيقي من نصف المسلم أو ربع المسلم، وبذلك ضمنوا لأنفسهم الحكم مدى الحياة، وإبعاد شبح التداول بشكل ديموقراطي وسلمي على الحكم، حسب برامج سياسية ورؤى تتنافس بشكل علني، للفوز بثقة الناخبين، مثلما وعدوا قبل وصولهم للسلطة. وتوسعت الفوارق الطبقية (في ظل الجناحين، الإصلاحي والمحافظ)، بل أن الرئيس الأسبق رفسنجاني كان يحث الإيرانيين على الإستثراء مهما كانت السبل… والنظام الإيراني، الإسلامي، على استعداد للتعاون مع أمريكا وأوروبا واليابان، ومساعدتها على العدوان على الجيران العرب، لو قبلت به كقوة إقليمية كما كان الأمر في عهد الشاه، لكن بشروط أفضل. وما التحاف الموضوعي بين نظام الملالي والإمبريالية الأمريكية في العراق المحتل إلا دليل إضافي على استعداداته للتعاون لقاء مقابل معقول. لكن في الوقت الحالي، تعتبر الإمبريالية، الكيان الصهيوني أفضل حليف لها، قبل تركيا والسعودية وإيران…

الحركة الإسلامية في الأراضي المحتلة عام 1948 منقسمة إلى شطرين: في الشطر الشمالي (بقيادة رائد صلاح) ترددت الحركة في مقاطعة انتخابات الكنيست” (البرلمان الصهيوني) وهي لا تجند إلاٌ عددا محدودا من مناضليها في المناسبات الوطنية: ذكرى يوم الأرض (30 آذار- مارس 1976 )، ذكرى هبٌة أكتوبر(2000) التي قتل فيها 13 شابا وامرأة مسنة، الإحتجاج ضد هدم المنازل الخ… أما الحركة الإسلامية في الشطر الجنوبي (بقيادة إبراهيم صرصور) فإنها “متأسُرلة”، أي تتعامل بعقلية إسرائيلية (التعبير للرفيقة رجاء عمري) ومتحالفة مع أشد القوى العربية رجعية وانتهازية. وسيطرت الحركة الإسلامية على بعض البلديات (كفر قاسم، أم الفحم)، وتميزت إدارتها بالفساد والإرتشاء والقرارات الفوقية وانعدام الشفافية، ولكنها تغدق الرشاوي والوعود قبيل الإنتخابات، لتضمن أغلبية، مثلها مثل باقي الأحزاب الحاكمة في مناطق كثيرة من العالم. ويلومها البعض على عدم اهتمامها بالمشاغل الكبرى كالتعليم العربي(غير الإسلامي) ومصادرة الأرض والتمييز العنصري، وهدم المنازل والقرى “غير المعترف بها”، فترسل عددا محدودا من ممثليها، بينما تجند أعدادا غفيرة من الجمهور حول المساجد عندما يتعلق الأمر باستعراض العضلات والقوة، خاصة في القدس. أما في الأراضي المحتلٌة عام 1967، فإن حركة حماس التي نالت شعبيتها، بسبب خطابها الرٌافض للحلول الإستسلامية، فإنها شاركت في بدعة الإنتخابات تحت الإحتلال، تحت سقف اتفاقيات أوسلو التي كانت تدعي معارضتها لها… وصرٌح قادتها (من مختلف الأجنحة)، في مناسبات عديدة أنهم يرغبون في تأسيس دولة فلسطينية، داخل حدود 1967، وان “اسرائيل” أمر واقع الخ. حماس متهمة أيضا بتصفية شباب من غزة تواجدوا على الشاطئ للنزهة، وتتفٌس هواء البحر الذي حرموا منه سنوات، فكان عقابهم القتل عمدا مع سابقية الإضمار، ممٌا يجبر أي عاقل على الإستنتاج التالي: يشكٌل ترويج الإيديولوجيا الإسلامية المتحجٌرة والفصل بين الجنسين، أولوية، على النضال من أجل تحرير فلسطين وعودة اللاجئين…

في أفغانستان لعب “الإسلام الجهادي” دور البيدق للأمريكان، لاشتراكهما في معاداة الفكر الشيوعي والعلماني والأنظمة ذات التوجه العقلاني، ولما وصل “المجاهدون” (المحبوبون في الغرب الذي شجعهم وسلحهم وقام بالدعاية لهم) مثل حكمتيار ومسعود شاه إلى الحكم فإنهم أعادوا الأراضي المؤممة إلى كبار مالكي الأرض، وخربوا المدن في حرب أهلية مدمرة للإقتصاد والبنية التحتية (خاصة في كابول)، وأغلقت مدارس البنات التي فتحها النظام السابق، وانعدم الأمن للمواطن العادي، بسبب الصراعات على السلطة، وأصبحت أفغانستان في وضع أسوأ بكثير مما كانت عليه في عهد الحكومة الموالية للسوفيات. كل ذلك حصل بمساندة القوى الإمبريالية التي كان همها الوحيد الحد من نفوذ السوفيات، ثم بعد ذلك السيطرة على آسيا الوسطى. كما خدمت حركة “طالبان” ( صنيعة المخابرات الباكستانية) أهداف أمريكا بممارساتهم البدائية وتشريعاتهم البالغة التزمت التي تضرر منها المواطن الأفغاني (خصوصا المواطنات)، ووهبوها التعلٌة لكي تحتل البلاد بشكل مباشر… في ما بين 1982 و1992، وبتشجيع وتمويل من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، قدم إلى أفغانستان (عن طريق باكستان ومخابراتها) 35 ألف شخص من الإسلاميين الجهاديين “لمحاربة السٌوقيات الكفرة الملحدين”، وعشرات الآلاف جاؤوا لدراسة القيم السٌلفية والأصولية، في المدارس الباكستانية، واحتكٌ حوالي 100 ألف أصولي إسلامي مباشرة بالأصوليين الأفغان، ثم عادوا إلى بلدانهم لترويج وممارسة ما تعلٌموه، والجزائر خير مثال على ذلك… وزوٌدت الولايات المتحدة “المجاهدين الأفغان” ب65 ألف طن من السٌلاح سنويا (منها صواريخ “ستنجر” أرض/جو)، إضافة إلى خبراء من المخابرات (سي آي أي) ووزارة الحرب (البنتاغون)، حسب صحيفة “واشنطن بوست” بتاريخ 19/07/1992 ومجلة “فورين أفيرز”، نوفمبر/ديسمبر 1999…

عموما فإن الإسلام الجهادي يستعمل كذلك (من قبل أمريكا) للضغط على الأنظمة وإبراز الإسلام السياسي “المعتدل” بمثابة البديل المقبول للأنظمة التي لم تعد تحضى بمساندة شعوبها، وهما وجهان لعملة واحدة، لا يزعجان الإمبريالية في شيء، سوى أنها تستعمل الإثنين بالتداول، أو معا، حسب ما تمليه مصالحها ومخططاتها. الحركتان الوحيدتان اللتين تضعهما أمريكا، ومن ثم أوروبا (في الوقت الحاضر)، على لائحة المنظمات الإرهابية هما حماس وحزب الله، لأنهما في مواجهة أو تماس مع الإحتلال الصهيوني، والكيان الصهيوني يعتبر من الخطوط الحمراء التي لا تسمح الإمبريالية الأمريكية بالإقتراب منها، بحكم المكانه الخاصٌة التي يحتلها هذا الكيان في الإستراتيجيا الأمريكية. وفيما عدا ذلك فإن حزب الله وحماس لا يقدمان بديلا للنظام الطائفي- الطبقي في لبنان، ولا برنامجا (وسلوكا) وطنيا وديموقراطيا في فلسطين المحتلة.

إن أوٌل اهتمامات الحركات الإسلامية هي أسلمة الفضاء العمومي والمجتمع، ومنع الإختلاط بين الجنسين، وتغطية أقدام وشعر المرأة (العورة؟)، معتمدة على الأموال التي تمتلكها وعلى النسيج الجمعياتي “الخيري” الذي تملأ به الفراغ الذي تتركه الدولة ولا تستطيع ملئه الأحزاب الأخرى، في قطاعات مكلفة كالصحة والتعليم وتوفير بعض المساعدات والخدمات للفقراء. هذا العمل “الخيري” من شأنه تقريب الفقراء من الحركات الإسلامية، بقدر ابتعادهم عن التفكير في الحلول الجماعية المنظمة، في شكل أحزاب ونقابات تعمل من أجل تغيير جذري، يعيد النظر في ملكية وسائل الإنتاج وتوزيع ثمار الإنتاج والثروات. بل يبقى الفقراء مرتهنين بالمساعدات التي يتلقونها وممتنين لمن تكرم عليهم بتلك المعونات فيذكرونه يوم الإنتخابات (تحت الإحتلال؟) أو وقت الشدائد والمحن، وهو شكل من أشكال إبعاد الفقراء عن السياسة والقضايا المصيرية. فالحركات الإسلامية تريد تلطيف صراع الطبقات بالصٌدقة والزكاة والعمل “الخيري” والعشائري، واعتبار الملكية الفردية الخاصٌة، والإستغلال، شيء طبيعي، مقدس، أمٌا النضال من أجل المساواة، وتقاسم الثروات والإشتراكية، والمساواة، فهو عمل ضدٌ “الطبيعة” (من رجس الشيطان؟) وضد مشيئة الله(الذي يرزق من يشاء)، وبالتالي كفر وإلحاد، وجبت مقاومته، بل وإقامة الحدود ضدٌه، أي قتل حاملي هذا الفكر وإهدار دمهم، “شرعا”…

في الجزائر توصلت الحركة الإسلامية الى الفوز بأغلبية المقاعد في عديد البلديات سنة 1990 وأول ما قامت به هو “تطهير” القائمات الإنتخابية من أسماء المعارضين لها، ووضعت على واجهات البلديات شعارات إسلامية، فئوية، عوض شعار “الثورة من الشعب وإلى الشعب” (بقطع النظر عن ديماغوجيته) ولما حلٌ موعد الإنتخابات التشريعية أواخر 1991 وجد حوالي ثلث الناخبين المسجلين، أنفسهم خارج اللعبة الإنتخابية، حيث تم شطبهم من القائمات. وبدأت البلديات تحجب المعونة عن العديد من النساء المطلقات والأرامل بدعوى الشك في حسن سيرتهن واتهامهن بالفساد. حصل هذا قبل الإنتخابات التشريعية التي منع الجيش استكمالها في بداية 1992، فكيف لو سيطرت “الجبهة الإسلامية للإنقاذ” على البرلمان. إن قائدها “علي بالحاج” يصرح علانية في التلفزيون الجزائري بأنه لا يعترف بأي قانون وضعي، وبأن القرآن فوق القوانين البشرية، وبأنه لا يعترف ولا يؤمن بالديمقراطية بل يستعملها للوصول إلى سدة الحكم، ليتاح له تطبيق الشريعة، وإذا كان القانون الوضعي مخالفا للشريعة (حسب تأويله للشريعة)، فإنه يعلن خروجه عن القانون.

في تركيا اليوم يقود الحكومة والأغلبية البرلمانية، حزب “إسلامي معتدل”، يتقاسم السلطة مع الجيش، لا يزعجه انتماء تركيا للحلف الأطلسي، ولا أيواء القواعد العسكرية الأمريكية، التي تنطلق منها فيالق العسكر وآلياتهم للإعتداء على الجيران وغير الجيران، وزاد عدد ونوعية المناورات العسكرية المشتركة مع الكيان الصهيوني، والتبادل الإقتصادي والتعاون التقني وتبادل الوفود لتعزيز العلاقات العسكرية والتجارية والسياسية. كما تلعب القيادة “الإسلامية المعتدلة” التركية دورا ضاغطا (أخويا؟) على قيادة حماس لكي تطبٌع مع “إسرائيل” بالمجاٌن ودون شروط أو مقابل. كذلك تم قمع وإيقاف وسجن العشرات من المناضلين التقدميين وتنظيمات اليسار الماركسي، المناصرين للقضية الفلسطينية، أو الذين تظاهروا للتنديد بالعدوان الصهيوني على لبنان، في صائفة 2006، ووجهت لهم تهم “مساندة الإرهاب وجمع الأموال بدون ترخيص وإحداث الشغب في الطريق العام” الخ. ولم يتم التقدم خطوة واحدة لحل المسالة الكردية بتركيا، بل تعزز وجود الجيش في كردستان تركيا، وقصف كردستان العراق، وتهديم القرى، بدعوى محاربة الإرهاب، كما تعدٌدت محاكمات المثقفين، المسالمين، المدافعين عن حق الأقليات… إن تركيا هي المثال الذي يقدم للتقدميين كلما أثاروا ما يمكن أن يحدث (اعتمادا على ما حدث فعلا) في ظل حكم “إخواني إسلامي معتدل… إن الدٌرس الوحيد الذي يمكن لأي عاقل أن يستنتجه من التٌجربة التركية، هو تكامل الأدوار مع الكيان الصهيوني، والتعاون الكامل بين “الإسلام السياسي المعتدل” والأمبريالية والحلف الأطلسي والكيان الصهيوني والإحتلال، ويخدم الإسلام السياسي الحاكم في تركيا، مصالح الإمبريالية، بشكل أجدى وأفضل أحيانا من الأنظمة في مصر والأردن والسعودية، باعتباره وصل الحكم عن طريق صناديق الإقتراع. كما دخلت تركيا (تحت حكم الإسلاميين) في تحالف استراتيجي مع الكيان الصهيوني، لنقل الطاقة من آسيا الوسطى بشكل يضرب المصالح الروسية، ويخدم الإستراتيجيا الأمريكية في السيطرة على موارد الطاقة ومحاصرة روسيا والصين… وتعمل تركيا على إنشاء مراكز صناعية، على الأراضي الفلسطينية التي صودرت لبناء الجدار، وذلك لاستغلال قوة العمل الفلسطينية، بالإشتراك مع الصٌهاينة، بأقل التكاليف المالية والسياسية…

بين مشروعين، الرأسمالية أو الإشتراكية

تشارك اليوم العديد من القوى التقدمية واليسارية واللبرالية، مع فصائل الإسلام السياسي “المعتدل”، في جبهات تطالب بالديموقراطية، باعتبار أن العدو الرئيسي هو الأنظمة الدكتاتورية القائمة، والتي طال قمعها كل من عارضها، بقطع النظر عن توجهاته الفكرية، ولذلك ترى هذه القوى ضرورة قيام حلف يضم كل المتضررين من هذه الممارسات القمعية، بما أن التحالف تكتيكي، ولا يتعلق ببرنامج عمل استراتيجي أو بعيد المدى، وأقيمت أهم هذه التحالفات والجبهات في كل من سوريا ومصر وتونس ولبنان (تواجد الإخوان، السنٌة، بمباركة المفتي، في تحالف 14 آذار الموالي لأمريكا)، بشكل ظاهر وملفت للإنتباه.

يمكن محاججة هذا الإتجاه نحو “تطبيع العلاقات” مع الإسلام السياسي، من خلال المعطيات والإستنتاجات التالية:

إن الزج بالدين – وهو شأن خاص- في الفضاء العام، واعتباره منطلقا أو قاعدة للعمل السياسي يعتبر خطرا على ماهية الديموقراطية. إن استعمال الدين لا يتوقف على حركات الإسلام السياسي، بل هو قاسم مشترك بين الأنظمة وهذه الحركات، وهو موضوع مزايدة بينهما. واعتماد الدين في أي دستور أو قانون يعتبر خطرا على الديموقراطية باعتباره يعتمد على الشريعة – وهي أمر إلهي قديم وليس إنساني محدث (بضم الميم)- التي تعتمد التفرقة بين المسلم وغير المسلم (الملحد أو معتنق لدين آخر)، بين المرأة والرجل، بين “الذين يعلمون والذين لا يعلمون”، عند اتخاذ القرارات الخ. ان العلمانية مطلب معقول باعتبارها تفرق بين ما هو خاص وما هو عام بخصوص الإيمان بالغيب وممارسة الشعائر، وبالتالي فإنه يمكن الإتفاق مع الأحزاب والقوى التقدمية والعلمانية والعقلانية والنقابات وحركات الشياب والنساء وبعض منظمات المجتمع المدني الحقوقية والثقافية وغيرها، لتشكيل جبهة ديموقراطية على أسس مدنية، تجعل من ضغط الجماهير شرطا لنجاحها.

إن أحزاب الإسلام السياسي لا تقدم برنامجا يتضمن رؤيتها المستقبلية، بل تكتفي بشعار “الإسلام هو الحل” أو ما شابهه (ضرورة اعتماد الإسلام كمصدر للتشريع)، ومن الوجاهة أن نحاول التعرف على ما ينتظرنا من إجراءات وقرارات في حال وصولها للحكم. ليس لدينا أكثر من بعض التجارب في بلدان مختلفة – إضافة إلى القليل من التصريحات المتناقضة بهذا الشأن-، وهي توضح كلها أن مفهوم الديموقراطية والمساواة بين المواطنين في الحقوق، شيء غريب عن الإسلام السياسي بنسختيه المعتدلة والجهادية، مهما كانت الوعود والخطب قبل الظفر بالسلطة، بل وقع إعدام حتى المؤمنين والشيوخ الذين يختلفون مع القراءة الرسمية للإسلام، فما بالك بالعلمانيين والشيوعيين والتقدميين والنساء السافرات، الذين ما زالوا يوضعون على رأس قائمة الأعداء، ونظام إيران خير دليل لأنه وصل على أكتاف الشيوعيين والعمال ثم انهمك في إعدامهم واغتيالهم بعد شهرين، لا أكثر، بادئا بمن ساعده على الوصول إلى السلطة، وبمن صدٌق الوعود والخطب عن الديموقراطية. إن عدم إدماج قيادات الإسلام السياسي في العمل الديمقراطي الجبهوي، يدخل في باب الدفاع الشرعي عن النفس، بحكم استمرار علاقاتهم مع الأنظمة (في تونس، إمضاء “الميثاق الوطني” والحوار في جنيف، مع النظام، مدة سنتين كاملتين) ومع الإمبريايلية (في سفاراتها في مصر وتونس والمغرب…أو في واشنطن ولندن…)، وإبعاد جماهيرها عن أي احتكاك مع أجهزة القمع، حتى في الفعاليات المشتركة، والإكتفاء بحضور بعض الرموز فقط…

إن معاداتهم للأنظمة القائمة ليست مبدئية أو بسبب السياسات الإقتصادية والإجتماعية المتبعة، بل تبين التجربة أنهم تعاونوا ضد العدو المشترك (الشيوعيون والتقدميون) كلما سنح الظرف لذلك، وهو أمر ممكن الحدوث في أي وقت، وهم يفاوضون الأنظمة سرا أو علنا، ويدعون دوما للمصالحة الوطنية، ومعناها عندهم، ترك الحرية لهم وحدهم، أو غض الطرف عنهم.إنهم قوة رجعية، تعتمد على الإسلام كإيديولوجيا، وتقدٌس الملكية الفردية، وتتأقلم مع العولمة الرأسمالية في أبشع أشكالها، وتريد إقصاء نصف المجتمع (النساء) من المشاركة في النضال والبناء، باعتبارهن “ناقصات عقل ودين”، وشعرهن سبب للفتنة، أما ديمقراطيتهم المزعومة فإنها تعتمد الشورى (في أحسن الأحوال) أي نخبة رجال الدين “العلماء”، حسب تصنيف إيديولوجي إقصائي، يقررون، بتفويض إلهي غير مباشر، ما هو صالح للأمة، بإقصاء الأغلبية. وقد صرٌح “راشد الغنوشي” لجريدة “الفجر” (المرخص لها حتى سنه 1991) التي كانت تصدرها حركته، بأن الديموقراطية ليست شيئا إيجابيا، بل قد تؤدٌي إلى الهاوية، فإذا كانت أغلبية الشعب جاهلة، فإنها ستنتخب حاكما جاهلا، أي ليس أصوليا.

كل تجارب العمل المشترك معهم تبين أنهم غالبا ما يتبجحون بالكم الهائل لأتباعهم، ولكنهم لا يجندوهم في صالح العمل المشترك، بل يكتفون باستعمال قوى الآخرين من أجل مطالبهم ويكتفون بالحضور الرمزي أو “تسجيل الحضور”، فهم لا يؤمنون أصلا بالعمل المشترك، انطلاقا من مفهومهم الإطلاقي للأشياء، فهم يملكون الحقيقة الربانية “المنزلة من عزيز حكيم”، التي لا تحتمل الخطأ، أما حلفاؤهم التقدميون والشيوعيون فإنهم مغفٌلون يؤمنون بالنسبية واحتمال الصواب والخطإ.

إن الإعتماد على “التي كانت هي الداء”، أي الإمبريالية الأمريكية والأوروبية التي نصٌبت هذه الأنظمة، وساندتها (ومنحت، في نفس الوقت، اللجوء السياسي لأتباع الإسلام السياسي المعتدل والجهادي)، هو عبث وانهزامية سياسية، حيث يعوض الإعتماد على النفس وعلى القوى الشعبية ذات المصلحة في التغيير، ذي الوجهة التقدمية والديمقراطية، بالتعويل على القوى الإمبريالية، ومطالبتها بالتدخل لدى الأنظمة للحد من القمع، وإطلاق الحريات أو طلب مساعدتها للوصول إلى سدة الحكم، عندما ينتهي دور هذه الأنظمة، ولذلك فإن أمريكا تستعمل الإسلام السياسي “المعتدل” كورقة ضغط ضد الأنظمة (وضد القوى التقدمية)، ولا يضيرها أن يتولى الإسلاميون السلطة بما أنهم يقدسون الملكية الفردية، ولا يعتزمون تأميم المصالح الإقتصادية للإحتكارات ولا يعادون الرأسمالية حتى في نسختها “اللبرالية المتوحشة”، ولذلك أيضا تصر أمريكا، في مشروع الشرق الأوسط الكبير، على إدماج “الإسلام السياسي المعتدل” في الحياة السياسية للبلدان العربية، أو تعتمده كبديل احتياطي للأنظمة القائمة التي فقدت مصداقيتها وانكشف أمرها نهائيا، وتفرض ذلك على الأنظمة الحليفة لها. ونحن نعرف أيضا العلاقات الممتازة بين أحزاب “الإسلام السياسي المعتدل” والأنظمة في السعودية ومشايخ الخليج، هذه الأنظمة القمعية والمتخلفة والمتواطئة مع الإمبريالية الأمريكية والصهيونية، ضد كل نفس يشتم منه رائحة المقاومة أو التقدمية، وقد فتحت الباب على مصراعيه لانتصاب القواعد العسكرية الأمريكية، وتعتبر التصدي للإعتداءات الصهيونية، كفرا، وزندقة. وأعلنت الصحف الصهيونية عن حركة “استثمارات” نشيطة لجنرالات سابقين في الجيش الصهيوني وجهاز الموساد، في بلدان الخليج: شركات أمنية، عقارات، صناعة… وتستقبل السفارات الأمريكية وفودا من الإسلاميين واللبراليين (وغيرهم)، في المناسبات والأعياد الأمريكية، أو زيارات الوزراء والنواب الأمريكيين لمصر أو تونس أو المغرب مثلا…كما تستقبل وفودا أخرى في أمريكا للتدريب على الديمقراطية، و”الحكم الرٌشيد”، ومراقبة الإنتخابات، و”تمكين المرأة”، كما تقيم تربٌصات وتدريبات في بلدان المحيط موجٌهة للصحافيين والطلبة ورجال الأعمال، و”ناشطي المجتمع المدني”، ويشارك في هذه الأنشطة المشبوهة عدد من المحسوبين على اليسار، كما “يتمتٌع” بعض قادة الأحزاب والجمعيات بمعونات سخيٌة، تمكٌنهم من التفرٌغ للعمل السياسي، والسفر للخارج عدة مرات في السنة… لا يفوتنا، أن معظم الأنظمة العربية القائمة، بقيت في الحكم بسبب دعم الإمبريالية لها، ولذلك فإننا عندما نعيب على المعارضة العربية واليسار خاصة، الإرتزاق من التمويلات الأجنبية، أو الإعتماد عليها في المطالبة بالديمقراطية، فليس من منطلق الأنظمة التي تحاول تشويه المعارضين لها بنعتهم بالولاء للخارج، (وهي نفسها مدينة بوجودها لهذا “الخارج”). إن الإمبريالية ومختلف المؤسسات والمنظمات “غير الحكومية”، والسفارات… لا تعطي فلسا واحدا أو عشاء أو تذكرة سفر، بدون مقابل سياسي، فهم رأسماليون، ومن شيم ألرأسمالي القيام “بدراسة جدوى” لأي مشروع، قبل الإستثمار، وقبل دفع أي فلس…

لا يمكن لنا كماركسيين أن نتبنى المفهوم اللبرالي للديمقراطية، وإلاٌ فقدنا خصوصياتنا، كقوى تطمح لبناء مجتمع اشتراكي قوامه العدالة الإجتماعية والمساواة. إننا نناضل من أجل الديمقراطية، كوسيلة لتحرر الأغلبية، أي القوى المنتجة بقيادة الطبقة العاملة وحلفائها. أما القوى البرجوازية واللبرالية فإن دورها الثوري انتهى، تاريخيا على الصعيد العالمي، منذ تحولت البرجوازية ( وحلفاؤها) من قوة ثورية ضد الإقطاع إلى قوة رجعية تسيطر على مقاليد الحكم ووسائل الإنتاج لا يهمها إلا تكديس الأرباح. وهذا الهدف البعيد لا يجب أن يغيب عن بالنا في تكتيكاتنا ونضالنا اليومي. أما في بلدان المحيط، فاقدة الإستقلال الإقتصادي والسياسي، فإن البروليتاريا وحلفاءها هي الوحيدة القادرة على إنجاز المهام الديمقراطية، ذات الأفق الإشتراكي، ولذلك فإن مساعدة القوى الرجعية بالتحالف معها، لإسقاط الأنظمة القائمة، وإعطائها شرعية ومصداقية هي غير جديرة بها، لأنها أصلا (في حالة الحركات الإسلامية) لا تؤمن بالديموقراطية ولا بالتحرر الوطني من السيطرة الأجنبية، ولا بالتحالف مع القوى الشيوعية والتقدمية والعقلانية والمتنورة، ما لم يكن ذلك في صالحها لوحدها. إن ربط مسألة الديمقراطية بمسألة التحرر من الهيمنة الإمبريالية ضروري لأن القضيتين متشابكتان، فالقوى الإمبريالية هي المتسببة في إدامة عمر الأنظمة القمعية الدكتاتورية، لتخدم مصالحها، على حساب أغلبية أبناء الشعب من عمال وفلاٌحين وعاطلين وحرفيين الخ. أما التحالفات مع الإخوان المسلمين واللبراليين الموالين لأمريكا أو أوروبا، فإنها تحالفات فوقية بين قيادات، تنتمي لنفس الشرائح الطبقية وتطمح لتحقيق نفس المصالح الضيقة التي لا تتعدى بعض المطالب الجزئية (على أهميتها)، معتمدة أشكالا نخبوية بعيدة عن الجماهير العريضة ومطامحها. إن التحالف الطبيعي والمنطقي يكون بين قوى لها قدر من القواسم المشتركة وقدر من التجانس في المطالب والبدائل وآليات العمل، والحد الأدنى لا يمكن أن يقل عن مفهوم المواطنة وما يعنيه من مساواة بين الأفراد، وكذلك محاربة الأصل، أي الإمبريالية وأداتها التي هي الكمبرادور المستمر في الحكم بفعل المساندة التي تلقاها من الإمبريالية لقاء خدمتها لها، والنضال من أجل الديموقراطية لن يكون ناجعا إذا اقتصر على النخبة وأهمل الجمهور الواسع، وبالخصوص الفئات ذات المصلحة، والقادرة على الضغط على الأنطمة بسبب موقعها في عملية الإنتاج، وعددها، الذي يتجاوز بكثير أمناء الأحزاب وبعض الشخصيات “المستقلة”، وهذا يتطلب برنامجا وأدوت وأساليب نضال مختلفة عن البيانات التي لا يتجاوز عدد المطلعين عليها بضع عشرات، أو الندوات الصحفية التي لا ينشر محتواها أحد، والتي تشير إليها بعض الصحف الأجنبية، التي لا يقرؤها أصلا الجمهور العريض، إذا لم تصادر.

في تونس، لا يزال مناضلو الإتحاد العام لطلبة تونس يذكرون كيف شجٌعت الحكومة (في عهد محمد مزالي) تكوين “الإتحاد العام التونسي للطلبة” (لاحظوا التشابه في الإسم)، الذي أسسته الحركة الإسلامية، مستغلٌة منع الإتحاد العام لطلبة تونس من عقد مؤتمره، وسجن وقمع وطرد مناضليه، وجاء في محاكمات قيادات “الإتجاه الإسلامي”، ثم “النهضة”، أن النظام وقيادة الحزب الحاكم شجعوهم على النشاط لضرب العدو المشترك، أي اليسار الماركسي أساسا…هذا الأمر قابل للتكرار في أي لحظة وفي أي بلد عربي، ربما ليس في شكل مهزلة وإنما في شكل دراما…فالإخوان (الإسلام السياسي) على استعداد، والإمبريالية تدرس كل البدائل التي لا تقوٌض مصالحها كمشروع الشرق الأوسط الكبير (أو الجديد) والإتحاد من أجل المتوسط، وأفريكوم، والمبادرة العربية من أجل الإعتراف الجماعي بالكيان الصهيوني والقبول بزعامته…