“ديربن الثاني” أم الأخير… أم الغرب يذود عن عنصريته؟!

عبد اللطيف مهنا

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1874)

كانت المسألة هي أكبر من حكاية ازدواج المعايير، أو الكيل بمكيالين، أو سائر مثل هذه المصطلحات، هذه التي كثر تداولنا لها خلال العقود الأخيرة ونحن نتابع سياسات الغرب الكونية، لاسيما تلك المتعلقة بقضايانا منها، وأيضاً مواقفه متعددة الأوجه، سياسياً، واقتصادياً، وثقافياً، بسائر مجمل علاقاته مع ما هو غير الغرب إجمالاً، أو على الصعيد الانساني بكامله… كان هذا الغرب في حشرة حقيقية، حين وجد نفسه في مؤتمر “ديربن الثاني” وجهاً لوجه مع فضيحة غربية بامتياز ليس من اليسير عليه التستر عليها.

هنا لم يُجدِه هذه المرة مأثور النفاق الأوروبي المزمن، ولا فنون المداورة و المناورة و المواربة التي يتقنها، لتفادي مواجهتها، فكان لجوءه إلى مزيج من كل ذلك يردفه الابتزاز والوقاحة وأشكال الهروب إلى الأمام… لقد كان في الزاوية فلم يجد بدّاً من الدفاع مستميتاً عن عنصريته، أو تلك التي لم تكن يوماً إلا حكراً عليه، وامتيازاً له تفنن في تمويهه وفلسفته و ممارسته وفرضه أو عولمته… العنصرية التي خبرها عبر تاريخه الدموي، وطورها عبر عهود من الاستعمار، وإبّان تاريخ من الحروب الكونية أشعلها و خاضها وغير الكونية الدائمة ما انفك يشعلها ويخوضها، ومن خلال انتهاج سياسات قهر الآخر أو استعباده أو نهبه، وصولاً إلى سجل اقتراف فظائع الإبادة لأمم بكاملها بهدف اخضاعها أو الحلول محل بعضها.

لأن مؤتمر “ديربن الثاني” لمكافحة العنصرية في جنيف السويسرية مؤتمراً أممياً، بمعنى أنه عائد لصاحبتة والداعية إليه الأمم المتحدة، أو هذه الهيئة الدولية التي هي من نتاج هذا الغرب موضوعياً، باعتباره صاحب الفكرة واليد الطولى في إنشائها بعيد حربه الكونية الثانية، ونظراً لأنه صاحب الحل والعقد في شجونها وشؤونها منذ ذلك الحين… ولأنه هو الأكثر تشدقاً بحكاية مكافحة العنصرية والتمييز وجرائم الإبادة، وانتهاك حقوق الإنسان، وسائر القيم الإنسانية التي هو أول وآخر و أكبر من أساء ويسيء لها، ومارس ويمارس نقيضها… ولأنه أول وآخر من اخترع فلسفاتها ونظرياتها وبررها ومارسها واكتوى بنيرانها وعلت عقيرته بالشكوى منها… لكل هذا، كانت تلك الحشرة وهذا الوقوع في التناقض، أو هذين اللذين انعكسا في كل هذا المشهد الفضيحة الذي رزحت تحت ثقل ضجيجه جنيف… هذه المدينة الأوروبية التي اعتادت فحسب جلبة مساومات الصيارفة وبذخ الأغنياء ورضعت لبن الحياد النادر إلى آخر قطرة ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً.

كان على الغرب في “ديربن الثاني” أن يدافع عن عنصريته… أن يذد عن إسرائيله… باعتبار أن الصهيونية هي من نتاجه الاستعماري وصادراته، مثلها مثل سائر أقبح الأيديلوجيات التي عرفتها الإنسانية، مثل النازية والفاشية والفصل العنصري، التي هي من مبتكراته وحده، ومن خصوصياته ويعود كامل حق امتياز اختراعها له دون سواه… الذود عن إسرائيله أو فضيحتة الدائمة، التي اختلقها و أقامها على حساب العرب لهدفين: خدمة مشاريعه الاستعمارية في بلادنا، و ليكفِّر من جيب سواه لا من جيبه عن ما اقترفه هو ضد يهوده الذين صدرهم إلينا… كانت و ستبقى فضيحته المستمرة كلما اضطر للدفاع عن عنصريتها و جرائمها، بل وجودها كجريمة مستدامة… وكلما اضطر للتستر على سجله العنصري الأسود، وبالتالي، عمد إلى تبرير فضيحته المتكفل بعصمتها… كان الغرب في “ديربن الثاني” صهيونياً بامتياز، فأعفى إسرائيل عناء الدفاع عن نفسها، وهي إذ لم تحضر المؤتمر كانت الحاضر الأول عبر هذا الغرب الرسمي، وعبر عشرات المنظمات الموصوفة بالأهلية، التي حشدها احترازاً لما بيته و نيابة عنها.

غداة المؤتمر احتاط الغرب، الذي رصّ صفوفه، ووزع الأدوار بين أطرافه في ساح المعركة، التي استعد لها سلفاً وبيّت ما بيّت:

في البدء سارع الأمريكان لتفريغ بيان المؤتمر الختامي المعد سلفاً من أي معنى يطال الهدف منه… لا إدانة للعنصرية الإسرائيلية، وأي محاولة في هذا الصدد هي معاداة للسامية! وأي محاولة لإدانة التشهير بالأديان هو “أسر لحرية التعبير”… بمعنى أن شتم الإسلام و المسلمين ما هو إلا حرية تعبير، وأي استنكار لجرائم إسرائيل ضد الإنسانية في فلسطين، أو شجب لفظائع الاحتلال، وإدانة لعنصريتها، هو معاداة للسامية!

و كل هذا مقابل الوعد من قبل واشنطن بحضور المؤتمر، و التي بعد أن كان لها ما أرادت قاطعته ولم تحضر، وبرّر رئيسها أوباما عدم الحضور هذا بأنه إنما كان خشية من أن ينطوي الإجتماع على “نفاق ويأتي بأثر عكسي ” !

قاطعت أيضاً، كندا، ونيوزيلندا، وأستراليا، وهولندا، وألمانيا، وإيطاليا، وبولندا، أي معشر الأنغلوسكسون ومعقلي النازية والفاشية منتصف القرن السابق، وبلدين آخرين يعدان سابقاُ والآن مرتع الصهيونية الدائم… أما النفاق البريطاني والفرنسي التليد فحضر بتمثيل ضعيف، بعد أن هدّد الفرنسيون سلفاً بالانسحاب إذا ما هوجمت العنصرية الإسرائيلية… ومن حضروا اتفقوا سلفاً، وبيّتوا أمراً، كان الانسحاب ابتزازاً عندما يلوح لهم سبباً أو ذريعةً له!

… وكان لهم السبب… غاب العرب الذين من المفترض أن المؤتمر هو انتصار لقضاياهم وإن حضروا، إذ لم يكن التمثيل العربي فيه يرتقي لمستوى أهمية المناسبة… لم يكن من رئيس ولا رئيس وزراء ولا حتى وزير خارجية، اللهم إلا وزير خارجية سلطة الحكم الذاتي الإداري المحدود تحت الإحتلال… تماماً كما كان هو الحال حالهم سابقاً في ذات الجغرافية، في سويسرا، في دافوس التي امتازت يومها فحسب بالحضور اللاحضور لأمين عام الجامعة العربية. وحيث ملأ الفراغ في دافوس حينها التركي أردوغان، ملأه في جنيف هذه المرة الإيراني نجاد… وكما انتصر رئيس الوزراء التركي آنذاك لغزة، انتصر الرئيس الإيراني لفلسطين ودافع عن الفلسطينيين و فضح العنصرية الغربية والجريمة المستدامة في فلسطين المحتلة، والجرائم في العراق وأفغانستان… لقد ذكرنا نجاد بأردوغان… قال ما يقوله ضمير العالم لا أكثر، فانسحب الغرب من المؤتمر، انسحب الثلاثة والعشرون وفداً… كان انسحابه لأنه كان أعجز من أن يحاجج أو يدافع عن جريمته الإسرائيلية… وكان ضرباً من الابتزاز… عاد الغرب من دون تشيكيا بعد أن تجنب استحقاق تفنيد ما اتهم به، وبعد أن فرض شروطه:

لا إدانة، ولا ذكر لإسرائيل… غيّبت فلسطين، وتم احضار المحرقة في البيان الختامي بنداً من بنوده… خرجت إسرائيل التي لم تحضره منتصرةً، وخسر المتفرجون العرب الحاضرون اللا حاضرون بفضل موقفهم التفاوضي لا المبدئي، الذي لم يعترض على تغييب فلسطين، وقدمها قرباناً على مذبح الحلول الوسط… وكما عاد أردوغان بطلاً ينتظره أحفاد محمد الفاتح في مطار اسطنبول، عاد محمود أحمدي نجاد ليستقبله الإيرانيون مرحبين في مطار مهراباد… تراجعت ديربن الثانية عن الأولى، وبدى وكأنما كان الغرب يريدها أن تكون ديربن الأخيرة…

في “جنيف” كما كان في “دافوس” التي سبقتها، همّش العرب أنفسهم، تركوا قضيتهم للأشقاء الترك والفرس، لكنما علينا، وإنصافاً، أن نسجل لهم اثنتين: أن وفد السلطة لم ينسحب مع المنسحبين، كما لم نسمع بعد بمن يتهم إيران في هذه المرة بالتدخل السافر في الشؤون العربية المستباحة… والمباحة فقط لغير المنتصرين لقضايا العرب!!!