كلمة الدكتور عبدالله الدنان للمؤتمر الوطني الفلسطيني ـ ديسمبر 1998

الدكتور عبدالله الدنان

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1931)

أوسلو: أخطر الاتفاقات وأكثرها خيانة لفلسطين ولشعب الفلسطيني والأمة العربية والإسلامية… من وقعوه ووافقوا عليه يتحملون وزره على مدى التاريخ وإلى الأبد.

الموقعون على هذه الاتفاقيات: تسببوا بكوارث للشعب الفلسطيني: أيلول الأسود، والاقتتال في لبنان، خروج الفلسطينيين من الكويت، وخيانة أمانة التحرير وتسليم الأرض الفلسطينية للعدو الصهيوني.

إن هذه القيادة جميعها بلا استثناء فضلت مصالحها الذاتية على مصلحة الشعب بأكمله، إنها شهوة الترؤس والتسلط ولو على جماجم الشهداء، وخيانة المبادئ.

أهيب بمؤتمركم: التمسك بالميثاق الوطني الفلسطيني نصاً وروحاً دون تعديل أو إلغاء لأي مادة من بنوده.

الوقوف إلى جانب سورية البلد العربي الصامد لاستعادة الجولان المحتل… إلى جانب لبنان البلد العربي الصامد ودعم وتأييد أهل الجنوب اللبناني المكافح، وحزب الله المجاهد …..اعتبار المقاومة التي يمارسها أهلنا في فلسطين ضد العدو الصهيوني مقاومة مشروعة ضد مغتصب محتل، وليست إرهاباً كما يدعون.

* * *

ملاحظة من “كنعان”

نشرنا يوم أمس الوثيقة الاولى التي وصلتنا من د. عبدالله الدنان، عضو المجلس الوطني الفلسطيني تحت عنوان: رسالة: “يا محمود عباس…أنت لم تعد رئيساً: خمسة وعشرون موقفاً عجيباً كل واحد منها يكفي للإطاحة بك”. ويستطيع القارىء ان يطالع هذه الوثيقة وملاحظات “كنعان” في موقعنا على الرابط التالي:

https://kanaanonline.org/?p=1320

ونتابع اليوم نشر الوثيقة الثانية والتي تشمل كلمة الدكتور عبدالله الدنان في المؤتمر الوطني الفلسطيني المنعقد في دمشق في 12 و 13 كانون الأول (ديسمبر) 1998.

“كنعان”

* * *

الكلمة التي ألقاها الدكتور عبدالله الدنان

في المؤتمر الوطني الفلسطيني

دمشق في 12 و 13 كانون الأول (ديسمبر) 1998

بسم الله الرحمن الرحيم

أيها الأخوة الكرام أعضاء المؤتمر الوطني الفلسطيني

أيها الأخوة الضيوف

أحييكم جميعاً وأرجو لمؤتمركم هذا التوفيق

وأحيي أهلنا الصامدين في فلسطين كلها في الجليل وعكا وحيفا ويافا والناصرة وأم الفحم وفي كل قرية وبلدة اغتصبت عام 1948، وأهلنا الصامدين في القدس وغزة والخليل ونابلس

ورام الله والبيرة وجنين وبيت لحم وطولكرم، وقلقيلية، وكل بلدة وقرية احتلت عام 1967.

كما أحيي وأشكر الشعب السوري العظيم الذي فتح سوريا لنا مكاناً آمناً منذ عام 1948، عام نكبة فلسطين يوم طرد اليهود الغاصبون أكثر من مليون فلسطيني من بيوتهم واستولوا على أراضيهم وشردوهم في البلدان المختلفة. في تلكم الأيام العصيبة لجأنا إلى سوريا، فاستقبلنا الشعب السوري العظيم، وفتح لنا فرص العمل والتعليم وسطر في دستوره مادة “تساوي الفلسطيني بالسوري في جميع الحقوق والواجبات مع احتفاظه بجنسيته”.

إنني أشكر وأحيي من كل قلبي الشعب السوري العظيم و حكوماته المتعاقبة وحكومته الحالية بقيادة الرئيس المناضل حافظ الأسد. على ما قدمه ويقدمه للشعب الفلسطيني.

كذلك، لا بد أن أذكر الجميع و بخاصة أبناءنا من الأجيال الصاعدة أن حركة التحرير الوطني الفلسطيني “فتح” التي أتشرف بأنني كنت أحد مؤسسيها والتي تشكلت لجنتها المركزية في شهر كانون الثاني (يناير) من عام 1960، قد قامت من أجل تحرير الأرض الفلسطينية التي اغتصبها الصهاينة عام 1948، ومن أجل عودتنا نحن اللاجئين إلى ديارنا في فلسطين، صفد و حيفا ويافا وطبريا والناصرة، كما نص على ذلك بيان “حركتنا”، و”هيكل البناء الثوري”، والبلاغ الأول للعاصفة في 1/1/1965. وكذلك تأسست منظمة التحرير الفلسطينية في 2/6/1964 لتحرير فلسطين وعودة اللاجئين كما نص على ذلك الميثاق الوطني الفلسطيني. وعندما احتلت الدولة الصهيونية الضفة الغربية وغزة عام 1967 استمر النضال ضد هذا الكيان الصهيوني الغاشم وأضاف إلى عدوانه عدواناً فتكثف النضال ضده وبقيت الأهداف والمبادئ الفلسطينية راسخة وهي تحرير الأرض وعودة اللاجئين والتخلص من العدو الصهيوني الغاشم.

ولا بد أن أؤكد هنا أن كل من يعمل بعكس هذه الأهداف والمبادئ ويعترف بشرعية الوجود الصهيوني في أرض فلسطين هو خائن لشعبه وأمته ووطنه خيانة صريحة مهما ادعى أنه ناضل وقدم وضحى، لأن نضاله الذي يدعيه كان لمصلحة شخصية وليس لتحرير الوطن، ولو أنه كان لتحرير الوطن ووصل إلى نقطة لا يستطيع تجاوزها لرد القضية التي يسير بها إلى أهلها قائلاً: “ناضلنا ولم نستطع، وهذه قضيتكم، وهذا ميثاقكم خذوه ناصعاً، واختاروا لأنفسكم”. أما أن يبدأ بفلسفة الأمور وبالاتصالات السرية مع العدو، وتزوير الأعداد في المجلس الوطني دون وجه شرعي، وعقد الاتفاقات والاتفاقيات الخاسرة، فهذا ضرب من العبث والضلال وهو الخيانة دون مواربة، أقل ما يقابل به هو سحب الثقة منه والإعلان أنه لا يمثل شعبنا المجاهد، وانتزاع الراية منه، وتقديمه إلى المحاكمة عن طريق محكمة وطنية يشكلها مجلسكم الموقر، ومحكمة قومية يشكلها مؤتمر قومي شعبي عربي عام.

أولاً: الفلسفة والمبادئ التي بنيت عليها الاتفاقات

1. بدأت فلسفتهم تظهر للوجود بطرح فكرة القبول بدولة فلسطينية ودولة إسرائيلية. وكان ذلك عام 1974، فطرحت النقاط المرحلية العشر. التي قبلها المجلس الوطني الفلسطيني في القاهرة والتي كان أحد بنودها ينص على القبول بدولة فلسطينية لا يكون ثمنها الاعتراف بدولة إسرائيل أو شرعية وجودها. وكان هذا ممكن التحقيق كما سيلي الحديث عنه.

2. إمكانية اللقاء مع القوى التقدمية و أنصار السلام داخل إسرائيل، وقد استمرت لقاءاتهم مع الصهاينة منذ بدايات عام 1977 (عباس أوسلو ص27) تحت غطاء أن القوى التي اتصلوا بها قوى تقدمية، وتصوروا أن هذه القوى يمكن أن تشكل أنصاراً للفلسطينين لإقامة الدولة الفلسطينية. وكان هذا خطأ من عدة وجوه:

‌أ. أن القوى التقدمية المزعومة التي هاجرت إلى فلسطين لم تأت إلا لكونها مؤمنة بالصهيونية.

‌ب. كانت هذه القوى كلها تتخذ موقفاً متشدداً ورافضاً لعودة اللاجئين الفلسطينين إلى بلادهم، وترفض المرجعية الدولية الخاصة بهذه العودة (أوسلو ص13).

‌ج. كانت هذه القوى ترفض رفضاً باتاً تأييد إقامة دولة فلسطينية غير معترفة بإسرائيل، وهذا مناقض للخطة المرحلية السابق ذكرها، والتي تنص على رفض إقامة الدولة الفلسطينية التي يكون ثمنها الاعتراف بشرعية وجود دولة إسرائيل فوق أرض فلسطين.

‌د. كان عدد كبير ممن تمّ اللقاء بهم من عناصر الموساد الإسرائيلي، كما أن الملتقى بهم كانوا باستمرار يبلغون حكومتهم بذلك.

3. الرفض المستمر كان دائماً يؤدي إلى خسارات أكبر، فلنقبل بالعرض هذه المرة. وقد كان هذا خطأ للأسباب التالية:

‌أ. إن العروض السابقة وأهمها قرار تقسيم فلسطين عام 1947 كان القصد منها الوصول إلى ترسيخ دولة إسرائيل في أرض فلسطين العربية لخدمة مآرب الاستعمار، والسيطرة على المنطقة العربية، ودق أسفين بين غرب البلاد العربية وشرقها، وهذا ما كان يرفضه الشعب الفلسطيني والأمة العربية بأكملها، وما زال يرفضه حتى الآن.

‌ب. لقد كان القبول يعني السيطرة الإسرائيلية و الأمريكية الفعلية على منابع النفط منذ ذلك الحين. وكان يعني أيضاً تجبير المنطقة كلها لحساب العمل مع الأمريكان والإسرائيليين ضد الاتحاد السوفيتي والذي لم تكن للعرب مصلحة في معاداته.

‌ج. لقد أثبت القبول خسارة أكبر بكثير من الرفض. لقد أبقى لنا الرفض حق المطالبة بفلسطين، كما أدى إلى الثورة الفلسطينية الحديثة التي بدأت برصاصة فتح الأولى في 1/1/1965 والتي كان يمكن أن توصلنا إلى تحرير بلادنا، أو على الأقل إقامة الدولة الفلسطينية التي لا تعترف بشرعية الوجود الإسرائيلي فوق أرض فلسطين، لو أن قيادة الثورة أحسنت التصرف وأحست بالمسؤولية، وعالجت أمورها بثورية حقيقية وانضباط سلوكي أصيل مما سيلي الحديث عنه.

‌د. لقد أدى الرفض و مازال إلى وقف سيطرة الإسرائيلين على منطقتنا العربية اقتصادياً، وتنبيه أمتنا إلى خطرهم كما أدى إلى عزلة إسرائيل عالمياً قبل توقيع الاتفاقيات و كذلك لدى صدور قرار من الأمم المتحدة باعتبار الصهيونية حركة عنصرية.

‌ه. لقد أدى القبول و التوقيع على الاتفاقيات إلى خسارات كبيرة سنعرضها لاحقاً، وبالمقارنة استولى اليهود على مساحات من الأرض الفلسطينية استوطنوا فيها بعد القبول والتوقيع تفوق بعشرات الأضعاف ما استولوا عليه واستوطنوا فيه أيام الرفض.

‌و. لقد تم القبول في وقت بدأ فيه اليهود يضجون من الانتفاضة فكان ذلك إنقاذاً لهم وليس لشعبنا مما سيلي الحديث عنه.

4. القبول بمبدأ خذ وطالب:

إن هذا المبدأ ينطبق على الحركات التي تهدف إلى الاستقلال من مستعمر له بلد وأرض كفرنسا مثلاً، عندما عاد أبناؤها إليها من الجزائر وتونس والمغرب. أما في القضية الفلسطينية فالأمر مختلف لأنها قضية صراع بين أناس جاءوا من أقطار مختلفة ليستوطنوا أرضاً يعيش عليها غيرهم، فهؤلاء لا سبيل إلى إيقاف شرهم وعدوانهم إلا بالقتال و الجهاد، لأن القبول بهم وإعطاءهم الشرعية يزيد من شرههم لاستيطان مزيد من الأرض تحت مختلف الذرائع. ولذا فإنهم يقبلون المبدأ لصالحهم فهم يعطون جزءاً من الأرض لا ليتوقفوا حتى يُطالبوا بالمزيد، بل ليجتاحوا و يقتحموا ويأخذوا هم المزيد. وها نحن نرى ماذا يفعلون.

إن هذا المبدأ خطأ ولو أننا أخذنا بالقوة و بمنهج نضالي ثم حافظنا على هذه القوة وهذا المنهج واشترطنا على العدو إيقاف الهجرة، ساعتها يمكن أن نستمر بالأخذ، أما حين أعطانا العدو مشترطاً تفكيك القوة والمنهج النضالي فلقد فاز هو وانقلب المبدأ لصالحه. ثم لننظر ماذا التهم العدو وأخذ ولنقارن.

5. عودة بعض الفلسطينيين والنضال من الداخل

هذا كلام عجيب وخطأ ويقصد به التضليل وذلك للأسباب التالية:

‌أ. لأن الذين عادوا بدأوا بالتناقض مع المقاومة والانتفاضة التي وضعتهم في موقف العودة، فكانت مهمتهم الأساسية إسكات المقاومة.

‌ب. لو أنهم عادوا لاستمرار المطالبة والأخذ لأعلنوا وحدتهم مع المقاومة، واستمروا يأخذون هم والمقاومة كما زعموا.

‌ج. للأسف الشديد عادوا ومعهم السياط يضربون به أجساد شباب المقاومة وقد استشهد تحت تعذيبهم أكثر من 21 شهيداً هذا عدا من كانوا شركاء مع العدو الصهيوني في قتلهم.

‌د. كان لعودتهم أثر إيجابي على اليهود لأنهم بدأوا يتمتعون بما اغتصبوا قبل 1948، وما اغتصبوا عام 1967، وازداد بشكل عجيب التهامهم للأرض.

‌ه. تحول النضال إلى أسلوب ساذج من قبل بعضهم في مواجهة الهجوم الاستيطاني ألا وهو نصب الخيام ورفع الأعلام، وهو أسلوب العاجز الذليل.

‌و. الذين عادوا وفروا على العدو مليون دولار يومياً كما وفروا عليه ملاحقة شباب المقاومة واعتقالهم، وتولوا هم “صيد المقاومين”.

‌ز. ثم من قال إنه إذا انسحب اليهود بضغط من الانتفاضة فلن يرجع الفلسطينيون. الفارق هو أنه في هذه الحال يمكن الأخذ و المطالبة، أما في حالة المنح فلن تحدث مطالبة لأن الممنوح لا يحق له المطالبة بل عليه انتظار يد المانح. وتخيلوا كم سيمنح إن كان يهودياً. وهذا الواقع ينبئكم.

6. فلسفة التعب، أي أن شعبنا في الداخل تعب ولا يمكن الاستمرار بالثورة لذلك لا بد من إنقاذ ما يمكن إنقاذه. وقد بدأت هذه المقولة تفعل فعلها في أوساط فتح والفصائل الأخرى والغريب أنه قد بني عليها تحرك عصام السرطاوي واتصالاته مع الإسرائيلين عام 1977، وذلك بتوجيهات محمود عباس، واستمرت اتصالاتهم السرية عشر سنوات كاملة. وكان هذا خطأ أيضاً من عدة وجوه:

‌أ. أنه تم سراً ولم يعلم به أحد من الفدائيين الذين كانوا يقدمون أرواحهم، لم يكونوا يعلمون أن فئة تدعي قيادتهم تتصل باليهود لتطمئنهم أنها لا تؤمن بتحرير فلسطين، وأنها مستعدة لإنهاء القضية دون عودة اللاجئين.

‌ب. أنه لم يبن على أساس علمي، بل كان خرافة وهمية أصحابها هم الذين إما تعبوا أو اقتنعوا بالخيانة. وأثبت شعبنا أنه لم يتعب وانطلقت الانتفاضة المباركة بعد اتصالهم بعشر سنوات وبدأت تزلزل الكيان الصهيوني وتفقد العدو صوابه وتمسح بغطرسته التراب، واستطاع أطفال الحجارة أن يسوءوا وجوه اليهود واسودت سمعتهم في العالم كله. وبدأت شعوب أوروبا ودولها تطالبهم بالانسحاب، وبدأت التحركات ضدهم في أمريكا. وبدأ يهود أمريكا يقتنعون أن عدم الانسحاب يقودهم ويقود إسرائيل إلى الانتحار. إلا أن القيادة استمرت في نهجها و بدأت تعرض على المفاوضين من اليهود الاستعداد لإطفاء الانتفاضة، ومحاولة إقناعهم أن قيادة منظمة التحرير هي القادرة على إنجاز هذا العمل وللأسف الشديد اتخذت القيادة هذا الموقف بدلاً من التراجع والتوحد مع الانتفاضة والمقاومة للوصول إلى انسحاب اليهود من الضفة والقطاع دون قيد أو شرط.

‌ج. والعجيب في هذا الباب هو تزوير إرادة أبطال الحجارة و السؤال عن مدى تضحياتهم وماذا يريدون والإجابة عنهم. يروي مهندس الخيانة و التزوير محمود عباس في ص 40 من كتاب طريق أوسلو أنه التقى بنعيم الأشهب عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي الفلسطيني وسأله “ماذا سيفعل أطفال الحجارة لو سألهم أن كانوا سيكملون حتى تتحرر حيفا، وأجاب “لا لن يكملوا … بل سيرمون السائل بالحجارة”. ولنفرض أن نضال أبطال الحجارة حرر غزة والضفة، ما شأنك أنت يا محمود عباس بهذا؟ أنت تحركت لتحرير حيفا … ألا يكفي أبطال الحجارة مهمة تحرير الضفة وغزة؟ أليس من أكبر العار وأفدحه أن تغطي فشلك بتحرير مدينتك صفد مدعياً تحرير الضفة و غزة وأنت لم تحرك حجراً من أجلهما بل تتآمر على أبطال الحجارة وتعقد الاتفاقات السرية لإسكاتهم عن إكمال تحرير الضفة وغزة؟ أنت وشركاؤك في القيادة تعهدتم بإسكات أبطال الحجارة ليس عن المطالبة بصفد وحيفا ، ولكن عن المطالبة بأرض الضفة الغربية وغزة، أليس ما فعلتم أكبر جريمة وخيانة في تاريخ هذه الأمة؟

7. وكان من الفلسفة التي طرحوها لتبرير توقيعهم على أوسلو ما يلي: العرب تخلوا عنا وطعنونا من الخلف.

وهذا أعجب عجب سمعته في حياتي. يقولون ذلك علناً ودون خجل وقد قاله أحدهم وهو ياسر عبد ربه على شاشة التلفزيون نحن نسأل

أولاً: هل هذا صحيح؟

وثانياً: من الذي طعن الآخر من الخلف، بل ومن الأمام والجانبين.

والجواب: طبعاً هذا ليس صحيحاً أبداً، بل هو افتراء يقصد منه إخراج القضية الفلسطينية من قلوب الشعوب العربية لكي يقول العرب دعوا الفلسطينيين ولا دخل لنا في القضية، وهكذا يصبح ما عملوه من اتفاقات مبرراً. وفي هذا المجال لا بد أن نذكر ما يلي:

‌أ. إن كل العرب ما زالوا يرددون أن القضية الفلسطينية هي القضية القومية والمركزية في تاريخ العرب قديمهم و حديثهم.

‌ب. إن الدعم المالي الذي تلقته فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية والفصائل الأخرى من العرب يفوق الوصف، حتى أصبح هناك حديث عن بلايين الدولارات تملكها فتح مسجل معظمها باسم ياسر عرفات ولا أريد أن أعدد كم دفع كل بلد بشكل رسمي أو شعبي، يكفي أن أقول إن النساء في المدن والبلدان العربية كن يسارعن بإلقاء مصوغاتهن الذهبية متبرعات بها للثورة الفلسطينية. إن تاريخ الدعم المالي من العرب للثورة الفلسطينية يمكن أن يملأ صفحات مجلد كامل، ولكن يكفي أن نقول إنه لولا الدعم المالي العربي لما استمرت الثورة الفلسطينية، ولما التهبت الانتفاضة. ولكني أحب أن أذكر أن أفراد الشعوب العربية بدأوا يمتنعون عن التبرعات عندما بدأت تصل إليهم أخبارعن تصرفات مشينة لبعض القيادات الفلسطينية ومنها مثلاً أن أحدهم اشترى كباريه (نادي ليلي) في روما. وتصادف أنني رأيت المرحوم أبا جهاد خليل الوزير بعيد سماعي هذا الخبر، فعاتبته، فلم ينف الخبر ولكنه قال إن فلاناً فعلها للأسف، وهذا الفلان كان مشغولاً بملكات الجمال، وليس التحرير.

كما أحب أن أذكر أنه عند اشتعال الانتفاضة عاد العرب يتبرعون لفلسطين والقدس، وعادت القضية الفلسطينية إلى قلوب العرب والمسلمين وهذا ما أخاف اليهود و أفزعهم إذ أنهم تأكدوا أنهم يتعاملون هذه المرة مع ثورة من الخنادق، مع ثورة شعب قرر أن ينتصر. وفي هذا المجال أذكر أن الدكتور أمين الآغا أحد الرجال الذين تركوا فتح احتجاجاً على فردية ياسر عرفات أتاني يوماً وقال لي: إن سيدة كويتية اتصلت به وقالت أنها تبرعت بنصف مليون دولار إلى الانتفاضة وفي حملة واحدة استغرقت ثلاثة أشهر جمع 13.5 مليون دولار للانتفاضة. وأريد أن أسأل محمود عباس: من يدفع لك ولكل من معك فواتير الفنادق الفخمة التي تنزلون بها؟ أليسوا هم المتبرعين العرب، ومع ذلك تقولون : العرب طعنونا من الخلف؟ ألستم أنتم الذين طعنتم العرب من الخلف حين بدأتم تنفقون مبذرين و مفسدين؟

‌ج. والأرض من قدم الأرض للثورة لتنمو فيها وتترعرع منذ عام 1960 أليس سوريا؟ وأين نجتمع الآن؟ ألسنا في دمشق سوريا التي قدمت كل شيء المال والرجال وحاربت من أجل فلسطين وروى دم الشهداء السوريين الأرض الفلسطينية عام 1948، وعام 1967، سوريا التي احتل الجولان فيها من أجل فلسطين، سوريا التي رفضت أن تسترجع الجولان عام 1974 بشرط أن تتخلى عن القضية الفلسطينية، سوريا التي رفضت هذا العرض نقول إنها طعنتنا من الخلف؟ ثم لا تكتفون بذلك وتقولون إن هذا هو الذي جعلكم توقعون مع اليهود؟

واخجلتاه، واعيباه، واعاراه.

اسمعوا يا عقلاء العرب: سوريا التي احتل جولانها من أجل فلسطين، يتركها القادة المارقون الناكرون من الفلسطينيين و يطلقون شعار القرار الفلسطيني المستقل، ويصالحون اليهود تاركين سوريا تناضل وحدها لاسترداد الجولان الذي احتل من أجل فلسطين. فمن الذي طعن الآخر من الخلف؟

سوريا التي ما زالت تستضيف على أرضها 400 ألف فلسطيني يعاملون معاملة السوريين في جميع الحقوق والواجبات يقال عنها إنها طعنت الثورة من الخلف؟ أي عار وأي خزي أكبر من هذا … يا عيب الشوم أرجوكم يا إخواننا السوريين أن لا تؤاخذونا بما فعل السفهاء منا. من طعن الآخر من الخلف؟ احكموا أيها العقلاء. ولبنان الذي أعطاكم القطر كله تفعلون ما تشاءون حتى أصبح الجنوب يعرف بأرض فتح Feteh Land. وحتى اشتكت كل طرقات و فنادق شارع الحمراء في بيروت من فسادكم، كما يشكو المجلس التشريعي في فلسطين الآن من هذا الفساد …. ولبنان صابر عليكم. اشتركتم في الحرب الأهلية، وظل صابراً. واحتل الجنوب اللبناني، ودخل لبنان في حرب مقاومة عظيمة يقودها حزب الله. أيدكم لبنان وأعطاكم جنوبه لتقاوموا العدو الصهيوني، ولكن عندما احتل جنوب لبنان بسببكم تخليتم عنه، ووقعتم الصلح والاتفاقيات مع اليهود، وهم لا يزالون يحتلون جنوب لبنان. فمن طعن الآخر من الخلف؟

واخجلتاه، واعاراه، واعيباه …. يا عيب الشوم أي عار … وأي عيب أكبر من هذا؟ … أرجوكم يا إخواننا اللبنانيين .. أن لا تؤاخذونا بما فعل السفهاء منا.

والأردن هل نسيتم أنكم أعطيتم الحرية في الأرض ثلاث سنوات متتالية، وبعدها، ونتيجة لتصرفاتكم تحول الجيش الأردني من نصير لكم إلى حرب عليكم، وسقط في أيلول الأسود آلاف القتلى منا ومن إخوتنا الأردنيين الذين ما فتئوا يؤكدون أننا منهم وهم منا، يكون الفلسطينيون فيه أكثر من نصف السكان، وكان أهلنا في الضفة يعيشون مع إخوتنا في الأردن في وحدة دامت أكثر من ثلاثين عاماً.

هل من أجل اقتلاع فلسطين من قلوب إخواننا الأردنيين عمل أيلول الأسود؟ وهل من أجل فصل الضفة الغربية عن المملكة الأردنية عمل أيلول الأسود؟ وذلك لكي تصبح أرضنا سائبة لا يملكها أحد، يستوطن بها اليهود كيف يشاءون إلى أن تأتوا وتقبلوا حكماً ذاتياً؟

فمن الذي طعن الآخر من الخلف؟

نرجوكم يا إخوتنا الأردنيين أن لا تؤاخذونا بما فعل السفهاء منا.

ومصر العروبة كم حاربت من أجل فلسطين، ألم يرو شهداؤنا أرض فلسطين، ألم تحتل سيناء من أجل فلسطين، ألم تحتل بور سعيد من أجل فلسطين. وبعد هذا تقولون طعننا العرب من الخلف.

والدعم المالي الذي جاء من السعودية والكويت والإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان وقطر والبحرين ألم يكن كله من أجل فلسطين؟ لقد كان أطفال المدارس في الكويت يعبئون حصالاتهم ويرسلونها لدعم الانتفاضة وتآخى الكويتيون مع إخوتهم أطفال الحجارة، هل طعنتكم هذه الدول الممولة للثورة من الخلف؟

أي عار، وأي خزي، وأي خزي وأي عيب أكبر من هذا؟

والبلاد العربية الأخرى التي دعمت القضية الفلسطينية في كل مجال.

الجزائر فتحت لنا أول مكتب للحركة في العاصمة الجزائرية، هل طعنتكم من الخلف؟

والمغرب الذي قدم كل دعم دولي وشعبي، هل طعنكم من الخلف؟

واليمن الذي يعلن دوماً أن أرضه مفتوحة لكم، هل طعنكم من الخلف؟

والسودان الذي يستعد كل فرد فيه لكي يجاهد في فلسطين، هل طعنكم من الخلف؟

وليبيا التي وضعت كل إمكانياتها تحت تصرفكم، وقدمت المال للثورة الفلسطينية قبل تقديمه لأي بلد آخر. هل طعنتكم من الخلف؟

والعراق الذي قدم الشهداء والمال وكل ما يستطيع من دعم لفلسطين.

وتونس التي استقبلت منظمة التحرير على أراضيها و تحملت في ذلك الكثير.

هل بعد هذا تقولون طعننا العرب من الخلف؟

وهناك مئات الأمثلة الأخرى التي تدور وراء ستائر الصالونات السياسية العربية والتي تدل على نكران من قبل القيادة الحالية و تؤدي إلى كره القضية الفلسطينية، والعجيب أن البعض يعتقد أن القبلات الكثيرة على وجوه وجباه القادة يمكن أن تمسح ما بقلوبهم عن التصرفات الخاطئة. هذا غيض من فيض، ولننتقل إلى البند الآخر الذين يبنون عليه فلسفتهم وهو البند الثامن.

8. ليس هناك بديل، لقد قال الموقعون على أوسلو إنه ليس أمامهم أي بديل، وهم يصفون كل من يرفض أوسلو أنه عدمي لا يقدم البديل، وهذا أعجب ما سمعته في حياتي وإنني أرد على هذه المقولة الغبية والضالة المضللة بما يلي:

‌أ. إن السؤال عن البديل بعد التصرف و التوقيع عجيب جداً إذ كيف تقول لي هات البديل بعد أن تتصرف؟

‌ب. النقطة الثانية هي أن الفاشل لا يحق له أن يسأل عن البديل. إن الفاشل ينبغي أن يتنحى أولاً، ليترك للناس حرية الوصول إلى البديل لا أن يظل كاتماً أنفاسهم مدعياً تمثيلهم، ليقول لهم بعد ذلك: “وجدت أن هذا جيد هيا اقبلوه” ويتبع ذلك بالاعتقالات والضرب و التعذيب والقتل، ويطالبهم بالبديل.

‌ج. إن البديل كان موجوداً.أليست الانتفاضة بديلاً لكم و لمنهجكم الخياني إنها تختلف عنكم وهي أفضل منكم نوعاً و منهجاً. كنتم ثورة عبر الحدود، فكانت الانتفاضة ثورة من الداخل، كنتم تنفقون الأموال فأصبحت الانتفاضة تكلف العدو مليون دولار يومياً كنتم تشترون السلاح حتى كثر بين أيديكم و حتى تقاتلتم به فيما بينكم فأصبحت الانتفاضة تحصل على أرخص سلاح وهو الحجارة وأطر السيارات، سلاح لا يكلف شيئاً. ناضلتم كما تقولون من عام 1967 وحتى قيام الانتفاضة عام 1987، ناضلتم عشرين عاماً فلم تحصلوا على شيء، ولم يَشْكُ أي إسرائيلي مطالباً بالأمن منكم: أما البديل الذي هو الانتفاضة فقد أقضت مضجع كل مُحتل يهودي صهيوني غاشم فأصبح يطلب الأمن، وأحضركم خصيصاً لتأمين أمنه. إليكم ما حققته الانتفاضة قبل أن يسمح لكم العدو بالدخول إلى فلسطين. إن خشية العدو من البديل هي التي أدخلتكم إلى فلسطين، لقد دخلتم لتقمعوا البديل، وأنتم تعرفون جيداً أن الانتفاضة هي البديل إنها ليست كلمات طنانة رنانة إنها استشهاد وبطولات وتضحيات. وإليكم ما صنع البديل:

1) أصبحت الصحف الاسرائيلية تطلق على غزة اسم “عش الدبابير”.

2) صرح رابين بأنه يتمنى أن يفيق يوماً ليجد أن غزة غرقت في البحر.

3) أعلن بيريز قبل أن ينجح حزب العمل بالانتخابات أنه إذا استلم الحكم فسوف ينسحب من غزة من جانب واحد. وقد نجح بيريز و لكنه لم ينسحب لأنكم بدأتم مفاوضات أعطتهم مكاسب كثيرة وذلك بتعهداتكم بإخماد الانتفاضة.

4) عادت فلسطين لتحتل قلوب العرب والمسلمين وهذا أقلق اليهود جداً الذين عملوا بمعاونتكم على اقتلاع القضية الفلسطينية من قلوب العرب والمسلمين وأصبحت جاهزة لكي تتنازلوا عنها كما قدمنا.

5) أرعبت اليهود وأفزعتهم الطريقة الاستشهادية التي طبقها الشهداء العظماء من أفراد شعبنا فأسرع اليهود لجلبكم وبدأوا يملون شروطهم عليكم.

6) أغلق العالم أمام الإسرائليين وساءت وجوههم في أوروبا وأمريكا، وبدأ يهود أمريكا يضغطون على حكومة إسرائيل ويصفونها بأنه تسير بالشعب اليهودي نحو الانتحار (طريق أوسلو ص 46)

7) ظهر اليهود أمام العالم أنهم معتدون مغتصبون للأرض

8) لم يكونوا يجرؤون على الاستيطان أو التوسع به

9) أصبحت الانتفاضة تكلفهم مليون دولار يومياً على الأقل

10) لو استمرت الانتفاضة وانسحب اليهود من غزة كما قال بيريز، من جانب واحد لقامت الدولة الفلسطينية التي لا يكون ثمنها الاعتراف بإسرائيل

11) طالما أننا عرفنا الطريق، فيمكن أن تصبح مدن الضفة الغربية كلها أعشاش دبابير، وهي قد بدأت بالفعل تصبح كذلك، وساعتها سينسحب اليهود منها كما كانوا سيفعلون في غزة.

أما ما فعلتموه أنتم يا مهندسي أوسلو والموقعين عليها فهو أنكم كافأتم إسرائيل على عدوانها وعلى احتلالها و سيأتي الحديث عن ذلك.

بعد أن عرضنا الفلسفة التي بنوا عليها ما فعلوه من مفاوضات واتفاقات نأتي الآن إلى اتفاق أوسلو المشؤوم لنرى مدى الضرر الذي ألحقه بفلسطين والشعب الفلسطيني وبالأمة العربية.

ثانياً:اتفاق أوسلو – إعلان المبادئ في أوسلو 9/8/1993، واشنطن 13/9/1993

أبادر أولاً بالقول:

إن أخطر الاتفاقات وأكثرها خيانة لفلسطين ولشعب الفلسطيني والأمة العربية والإسلامية في التاريخ هو اتفاق أوسلو. وإن من وقعوه ووافقوا عليه يتحملون وزره على مدى التاريخ وإلى الأبد، وإننا نرفض اتفاق أوسلو للأسباب التالية:

1. السبب الأول كونه وقع عليه سراً، فقد ذكر محمود عباس (طريق أوسلو ص 306) أنه فاجأ اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، و اللجنة المركزية لحركة فتح بالاتفاق وذلك في 20/8/1993 وبدأ يشرحه لهم بعد أن كان قد وقع عليه (طريق أوسلو ص 305) في 9/8/1993.

أيها الأخوة الكرام … هل سمعتم بعجب و خيانة أكبر من هذه؟

هل يؤتمن شخص يفعل هذا الفعل على شيء بعد هذا؟

وهل تحترم أو تؤتمن أو تبقى موثوقة لجنة تنفيذية لمنظمة التحرير أو لجنة مركزية لفتح ترضى بهذا؟

وما أدرانا إن كان هناك اتفاقات سرية أخرى تجري بالخفاء مثل الاتفاق مع العدو سراً على أن تكون غزة فقط هي الدولة مقابل إطلاق يد اليهود في الضفة الغربية وإبقاء و ضعها حكماً ذاتياً.

ما هذا … ما هذا؟ … ما هذا أيها الشرفاء

ما هذا يا عالم … ما هذا يا أمريكا؟ ما هذا يا كلنتون؟

أيها الديمقراطي … هل تقبل أن يتصرف شخص بشعبه مثل هذا التصرف؟ حتى لو كان في مصلحتهم؟ فما بالك أنه في غير مصلحتهم.

أقول هل تقبل يا كلنتون ليس استنجاداً وإنما هو تأكيدٌ أن مثل هذا الاتفاق لن يدوم وسيمزقه شعبنا الفلسطيني والعربي تمزيقا ويلقي به على من وقعوه. أقول لا تعتقدوا أيها الإسرائيليون والأمريكيون أن اتفاقاً كهذا سيعمر، وإن اعتقدتم بذلك فأنتم أول المغفلين ثم إنني أصرح وأقول إن الاتفاق كان يجب أن يعرض على كل الشعب الفلسطيني ليجري عليه استفتاء، هكذا تقتضي الشهامة والمروءة والديمقراطية، لا أن يقول فرد أنا أعرف المصلحة وأنا أتصرف. فيا محمود عباس، من الذي كلفك أن تنوب عن الشعب الفلسطيني وتعطي الشرعية لمغتصبي والمدن والقرى وللرافضين أن يعود اللاجئون إلى فلسطين، وللذين يعلنون القدس عاصمة أبدية لهم.

أيها الأخوة إنني أعلن أمامكم رفضي لكل ما جاء في اتفاق أوسلو وأصر على العودة إلى مدينتي صفد بفلسطين، وقد أوصيت أبنائي و أبناء أبنائي أن لا يقبلوا عن بيوتهم ووطنهم بديلاً، وأنا واثق أن كل لاجئ فلسطيني يفعل ذلك.

أيها الأخوة إن اتفاق أوسلو باطل بسبب بطلان وعدم شرعية منهجه والأسلوب الذي اتبع للتوقيع عليه.

2. السبب الثاني و المعيب هو أن العدو الصهيوني كان في وضع تفاوضي متميز لم يتسن لأي مفاوض في التاريخ ألا وهو كونه يفاوض وفدين: وفداً علنياً يرأسه حيدر عبدالشافي، ووفداً سرياً يرأسه محمود عباس. وبعد سير المفاوضات اختار المفاوض الإسرائيلي التوقيع على الصفقة الأرخص، كما اختاروا توقيع قيادة منظمة التحرير ليضمنوا أن لا يطالبوا بالأرض التي احتلت عام 1948، والتي قامت المنظمة لتحررها.

أولاً: كيف ترسلون وفداً يفاوض علناً وتفاوضون أنتم سراً أليس هذا ضحكاً على الناس وقولهم؟

ثانياً: اسألوا الوفد الآخر، على الأقل، بماذا قبل اليهود؟ لأن حيدر عبد الشافي قال إن اليهود عرضوا على وفدهم أشياء أفضل بكثير مما جاء في اتفاق أوسلو.

3. السبب الثالث: نص اتفاق أوسلو على الحكم الذاتي وهذا أخطر ما فيه، لأن معناه أن الذي يتصرف بما يسمى أراضي الدولة، هي الحكومة التي تدير شئون الدولة، وهي الحكومة الاسرائيلية. وإذن أعطى اتفاق أوسلو إسرائيل الحق بالتصرف بكل الأراضي التي لا يملكها أفراد بسندات تمليك، ذلك لأن السلطة الفلسطينية هي سلطة حكم ذاتي وليست دولة. ولهذا هجم المستوطنون اليهود على أراضي الضفة الغربية وجبالها ليبنوا المستوطنات دون أن يحق للسلطة الفلسطينية أن تطالبهم بغير ذلك إلا شكلياً، بل مطلوب منها أن تمنع الفلسطينيين من الاحتجاج على تصرفات اليهود.

أليس هذا أكبر ظلم في التاريخ تمارسه قيادة لشعب وعدته بتحرير أرضه فولاها عليه، ثم إذا بها لا تحرر الأرض التي جاءت من أجلها بل تتنازل إما بغباء أو بخيانة عن أراضي أخرى، هي كل أراضي الضفة الغربية.

لقد قال بنيامين نتنياهو على شاشة التلفزيون إن الفلسطينيين يبنون بيوتهم ويستغلون أرضاً تعادل 2% من مساحة الضفة الغربية وهذا يكفي.

ويبدو أنهم قد منوا على الأمريكان الوسطاء بانسحابهم من نسبة ضئيلة من أراضي الضفة الغربية في اتفاق “واي ريفر”.

4. أجلت اتفاقية أوسلو البحث في قضية القدس، وهاهم الإسرائليون يعطونهم “أبو ديس” ويقولون لهم سموها القدس، بينما يعلن نتنياهو وشارون في كل مناسبة أن القدس هي العاصمة الأبدية لإسرائيل.

5. أجلت البحث في قضية اللاجئين دون أي إشارة لقبول تنفيذ قرارات الأمم المتحدة الخاصة بعودتهم إلى بيوتهم وأراضيهم، وهنا أيضاً نقول إن اعتراف الموقعين على أوسلو بشرعية وجود الدولة الإسرائيلية على أرض فلسطين يحرم اللاجئين من حق المواطنة في الأراضي المحتلة عام 1948، لأن هذه المواطنة أصبحت بحسب اتفاق أوسلو بيد الدولة الإسرائيلية. كما أنها تحرم الأجيال القادمة من اللاجئين من المطالبة بحقهم في فلسطين.

6. لقد وقع جماعة أوسلو على الاتفاق وهم يعلمون أنه حتى المعتدلون جداً من اليهود يرفضون قرارات الأمم المتحدة الخاصة بعودة اللاجئين إلى ديارهم في فلسطين.

7. أجل الاتفاق البحث في قضية اللاجئين إلى ما بعد حصول اليهود على مكاسب الصلح، فما الذي سيعطونه بعد ذلك لهؤلاء اللاجئين؟

8. بالمنطق الإقليمي الذي يتحدثون عنه هل فكر الموقعون على الاتفاق بمصير أهلهم اللاجئين في سوريا ولبنان، وهل استشاروا هاتين الدولتين المضيفتين في هذا الموضوع قبل أن يوقعوا؟

9. لماذا لم يطالب الموقعون على الاتفاق دولة إسرائيل بتطبيق قانون العودة على الفلسطينيين اللاجئين مثلما يطبقونه على اليهود في أنحاء العالم؟

10. تسبب اتفاق أوسلو في إلغاء الأمم المتحدة صفة العنصرية عن الحركة الصهيونية.

11. فتح الاتفاق العالم أمام إسرائيل فبدأت تعقد الصفقات الاقتصادية مع غير العرب، ومع بعض العرب، وشعار الجميع في هذا لن نكون فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين.

12. بدأ الحديث عن التطبيع بين إسرائيل والدول العربية، وبدأ التخطيط الاقتصادي والاجتماعي لشرق أوسط جديد تقوده إسرائيل.

13. جعلت من السلطة الفلسطينية أداة لتنفيذ ما عجز عنه الجيش الإسرائيلي، وبدأت بالتناقض مع المقاومة الفلسطينية.

ثالثاً: واي ريفر أو واي بلانتيشن

ونأتي إلى ثالثة الأثافي وهي اتفاقية واي ريفر التي وقعت في واشنطن بين بنيامين نتنياهو وياسر عرفات بعد محادثات “واي ريفر” في ولاية “ميرلاند” الأمريكية

إن المتأمل لهذه الاتفاقية يرى أنها ستجر الويلات على الشعب الفلسطيني فوق ما جره اتفاق أوسلو وما بعده وذلك للأسباب التالية:

1. دعوة 700 فلسطيني للتصويت على إلغاء الميثاق الوطني الفلسطيني أمام كلينتون وهذا معناه شرط استسلام

2. نزع أي إمكانية للمقاومة الفلسطينية للضغط على اليهود وإطلاق يد اليهود للاستيطان في أي شبر يرونه مناسباً من 86% من أراضي الضفة الغربية.

3. الموافقة على تسمية المقاومة بالإرهاب، والاجتماع مع رجال المخابرات الأمريكية والموساد للتخطيط والعمل المستمرين للقضاء على الخلايا التي يسمونها خلايا الإرهاب.

4. منع التحريض من الجانبين. وهذا معناه أن المظلوم إذا طالب بحقه من الظالم يعتبر تحريضاً. أما اليهود فلماذا يحرضون على الفلسطيني وقد أعطتهم الاتفاقية أرضه وكل ما يريدون.

5. تدل اتفاقية “واي ريفر” على ذعر الاسرائيلين والأمريكيين الهائل من العمليات الاستشهادية التي نفذتها المقاومة الفلسطينية كما تدل على مدى الخدمة الهائلة التي قدمتها السلطة الفلسطينية إلى الإسرائيلين بالتوقيع على هذا الاتفاق.

6. وضع الأعلام و التعليم تحت سيطرة الأمريكان والإسرائيلين لتنقية كل جملة أو كلمة يشتم فيها رائحة التحريض ضد الإسرائيليين.

وبعد: نعم لقد وصلت الأمور إلى هذا الحد أيها الأخوة وصلت الأمور إلى حد أن أحد سياسيي الإنجليز تعجب كيف أن سلطة في العالم توقع مثل هذا الاتفاق.

السؤال الآن: إذا كان الاتفاق فيه ذرة من العدل وإذا كان الشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية راضياً عن هذه الاتفاقات فلماذا هذه التشديدات وهذا الخنق للحريات وهذا التعاون بين قوة المخابرات الأمريكية وقوة المخابرات الإسرائيلية، إلى جانب السلطة الفلسطينية التي تعرف البيت من الداخل.

إن مثل هذا لم يحدث أبداً في تاريخ الشعوب

رابعاً: نسأل الآن لماذا فعل الموقعون لهذه الاتفاقيات كلّ هذا؟ لماذا هذا كله؟

لماذا:

· يتصرفون مع الشعوب العربية بأسلوب يمكن أن نطلق عليه نكران الجميل.

· يتعاملون مع العدو المحتل بحميمية وطاعة عجيبة وغريبة

· استمروا بالتنازل حتى دخل العدو في عظامهم وأصبح يوجه كل ورقة مكتوبة ويحصي نفس كل مواطن، ويفرض على المواطن ما يسمع وما يقرأ.

· يسمحون للفساد أن يستشري حتى وصلت الأمور إلى تسمية ناد ليلي باسم زهرة المدائن.

· تسببوا بكوارث للشعب الفلسطيني: أيلول الأسود، والاقتتال في لبنان، خروج الفلسطينيين من الكويت، وخيانة أمانة التحرير وتسليم الأرض الفلسطينية للعدو الصهيوني.

كل ذلك دون أن ترف لهم عين. ودون محاسبة؟

فلماذا فعلوا هذا؟

وأنا أجيب … ليس هنالك من سبب سوى الفساد، والفساد معناه في هذا المجال تفضيل المصلحة الشخصية على مصلحة الوطن إنهم فاسدون … فاسدون …فاسدون.

إن هذه القيادة جميعها بلا استثناء فضلت مصالحها الذاتية على مصلحة الشعب بأكمله، إنها شهوة الترؤس والتسلط ولو على جماجم الشهداء، وخيانة المبادئ.

أيها الأخوة، إنني باسم إخواني المستقلين وباسم كل أبناء فلسطين المخلصين أهيب بمؤتمركم العتيد أن يصدر القرارات و يتخذ الإجراءات التنفيذية التالية:

1. التمسك بالميثاق الوطني الفلسطيني نصاً وروحاً دون تعديل أو إلغاء لأي مادة من بنوده.

2. مناشدة إخوتنا في النضال من أعضاء المجلس الوطني لمقاطعة الجلسة التي يدعون إليها لإلغاء الميثاق الوطني الفلسطيني.

3. التأكيد على وحدة شعبنا الفلسطيني، ورفض القرارات التي تسعى إلى ترسيخها القيادة الحالية لمنظمة التحرير الفلسطينية، والتي تؤدي إلى تقسيم الشعب الفلسطيني.

4. الدعوة إلى انتخابات عامة للمواطنين الفلسطينيين على أساس المادة الخامسة من الميثاق الوطني الفلسطيني.

5. رفض وإدانة اتفاقية أوسلو وما نتج عنها من اتفاقيات لأنها اعترفت بشرعية الوجود الصهيوني في أرضنا الفلسطينية المغتصبة وقبلت بالحكم الذاتي ضمن ما يسمى بدولة إسرائيل، وبالتالي سمحت لليهود بنهب كل الأراضي المسماة “أراضي الدولة”، مما يوصف بأنه أكبر عملية نهب في التاريخ.

6. رفض وإدانة اتفاق “واي ريفر”، لأنه يمسك بخناق كل فلسطيني ويحصي عليه حركاته وسكناته ويرصد معتقداته وأفكاره ويجعله جثة فاقدة الثقافة والروح لا تتحرك إلا بإذن من المخابرات الأمريكية والمخابرات الإسرائيلية.

7. سحب الثقة من القيادة الحالية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وبالتالي اعتبار دعوتها للمجلس الوطني للاجتماع في غزة عملاً باطلاً من أساسه.

8. انتخاب قيادة بديلة لمنظمة التحرير الفلسطينية.

9. تعيين لجنة متابعة منتخبة من مؤتمركم للسهر على متابعة تنفيذ قراراتكم.

10. اعتبار مؤتمركم هذا في حالة انعقاد دائم وإعطاء الحق للجنة المتابعة بدعوته متى شاءت.

11. اعتبار من يقدم على إلغاء الميثاق الوطني الفلسطيني إنما هو يقدم على إلغاء نفسه، وبالتالي يفقد كل اعتبار شرعي له، وفي هذه الحال يصبح خارج إطار منظمة التحرير الفلسطينية.

12. في حال إقدام أي فئة على إلغاء الميثاق الوطني الفلسطيني يصبح المؤتمر الحالي تلقائياً مجلساً وطنياً فلسطينياً مع بقائه مفتوحاً لإخوتنا في فلسطين المحتلة، وتكون لجنة المتابعة مكلفة بدعوته إلى جلسة طارئة.

13. وقوف المؤتمر بكل حزم و قوة إلى جانب سورية البلد العربي الصامد لاستعادة الجولان المحتل.

14. وقوف المؤتمر بكل حزم وقوة إلى جانب لبنان البلد العربي الصامد ودعم وتأييد أهل الجنوب اللبناني المكافح، وحزب الله المجاهد إلى أن يتحقق انسحاب العدو الصهيوني منه دون قيد أو شرط.

15. اعتبار المقاومة التي يمارسها أهلنا في فلسطين ضد العدو الصهيوني مقاومة مشروعة ضد مغتصب محتل، وليست إرهاباً كما يدعون.

16. الدعوة إلى عصيان مدني شامل في الضفة الغربية وقطاع غزة.

دمشق في 12/12/1998

الدكتور عبدالله الدنان

عضو المجلس الوطني الفلسطيني