في التطبيع ومناهضته: إلى أحمد حسين ـ بكاء المقاوم وحزنه إكليل غار

بقلم عادل سمارة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1967)

(ملاحظة1: كل ما يرد في هذه المقالة، وما ورد قبلاً، يفيد الجنسين، وليس الرجال فقط)

(ملاحظة2: ترددت في دفع هذه المقالة إليك، كي لا أُثقل عليك بشقائي، لكن الذين يحبون الوطن والشهداء والضحايا والأرامل والأيتام أرغموني على نشرها. دريد لحام وزوجه في غزة! ومعذرة لا أعرف اسمها. أما فيروز، فرفضت المجيىء إلى رام الله، وخوَّلت من دعاها للتطبيع أن يتسلم الجائزة عنها. بين التطبيع في رام الله وتقبيل اقدام القاتل بالنوايا برينباوم، وبين بطولة اللحامَيْن وفيروز مسافة وعي وموقف، لو كان للمطبِّعين جبيناً لسال دماً لا عرقاً)

حفاظا على وعدي لك بالتواصل من جانبي، وأنا أدين لك بالانتصار للوطن، والاشتراك المعمق والجريء في الاشتباك مع اهل التطبيع، حين عزَّت الجرأة على البعض، وحفاظاً على وعدي للمطبعين بأن لا أنساهم، وأن أُذكِّر الفقراء واللاجئين بهم بين الفينة والأخرى، ليعرفوهم جيداً، وليمنحوهم “اصواتهم بل سياطهم، ذات يوم. فلا بد من التواصل معك رغم الاغتراب الجسدي بيننا بفواصل تجزئة جغرافيا بلدنا الصغير. أعلم مشاغلك وحالك الصحي، وكيف لا يكون ذلك وأنت تقاوم التطبيع والاعتراف منذ الاحتلال الأول، ولم تغادر موقعك بينما بدَّل الكثيرون جلودهم.

لا اختلف معك في:

“أزمة الوعي الفلسفية هي أزمة معرفية لا حل لها أبدا، لأن مصدرها دائما هو خطأ المنهج المعرفي. ينطبق هذا أيضا على الناجم الإيديولوجي لأية فلسفة غير علمية”.

هي لا حل لها، لأنهم مغرقون في وهم القبض على ناصية الحقيقة، ولأن السيطرة الطبقية لسادة هؤلاء “الوُعاة” تُسهِّل لهم ذلك. وهذه السيطرة الطبقية متمظهرة طبعاً في هيمنة إعلام العصر الداكن، وقائمة على القوة والسيطرة، وفي افضل الأحيان الهيمنة، وليس كما يزعمون الدمقرطة.

ولكن، الأ تلاحظ أنك ترفع من شأن فرقاء التطبيع الوعيوي والمعرفي في بلادنا؟ لا أخفيك، أخشى دوماً من عدم سحب الحوار مع اي خصم من المجرد إلى الملموس والمتعيِّنْ، فهو قد يُبقي على عورات الخصوم مستورة، حيث يسمح لهم الكلام بمقارعة الكلام. لا شك أن المنهج المعرفي المختل، ينتج وعياً زائفاً ومأزوماً. لكن واعي أو حامل هذا الوعي لا يعي ذلك إلا إذا ما فقأت مخزونه المحتقن بالقيىء بمبضع الوعي النقدي. ولا يؤثر مبضع الوعي النقدي إلى إذا قايست طرحه أو عايرت هذا الطرح على ( أل-كاليبر) الاجتماعي وخاصة الطبقي.

فالوعي، إن كان ما لديهم قد ارتقى إلى هذا المصطلح المتسامي، هو انعكاس ومن ثم تجل خلاق للواقع. وهذا ما يكشف عن :

إما خلل معرفي لدى هؤلاء

أو خبث معرفي لديهم، وهذا ما أرجحه. فالطبقة الكمبرادورية ومثقفيها يفهمون مصالحهم، والتطبيع على راسها، ولكنهم يغطونها ببيوت العنكبوت مثل وصفنا بالطائفية، والتطرف والتخشب والقومجية والإلحاد…الخ. لا يمكنك أن تنسى أكبر عرابي التطبيع، الذي مات على فراش المرحلة، إميل حبيبي، الذي بدأ بشيوعية معادية للقومية العربية وانتهى أميركياً معاديا للقومية العربية، كان عداء العروبة ثابته في الحياة وفي الممات.

هناك معرفة في الفلسفات الأخرى، لكنها محدودة نعم بالمنهج الذي يفترض النتائج المسبقة، فيأتي الوعي مدجناً طبقاً لفرضيات غير شقية ولا مشتبكة اصلاً. ومن هنا مثلا، صدمة الوعي الهيجلي فالروح الكلي ومن ثم تقديس الفكرة المطلقة في الدولة. (لاحظ حتى الآن نتحدث عن دولة ألمانيا التي لاحقاً ولَّدت بسمارك وماذا فعل). في انتمائه القومي كمفكر كبير، توصل هيجل إلى أن الدولة تجسيد للروح الشاملة ولمصالح جميع الطبقات. صحيح أن هذا يبتلع شقاء الفقراء، ويرفعها على طبق من ذهب للبرجوازية. لكنها برجوازية حقيقية ذات توجه انتاجي، متمحور على ذاته، متحكم بالفائض، ولذا تطورت ألمانيا. كان هيجل حريصاً على عدم خلخلة الدولة القومية، كان قومياً، إن شئت. ولكن حتى ماكس فيبر، الذي حاول مكافئة ماركس إلى اليمين، حاول تثبيت دور وموقع الدولة حيث نسب إليها سبب الاغتراب اي هي التي تسيطر على الجميع في واقع الأمر، وليس الفرد هو الذي يسيطر عليها وهذا سمح للحاكم ان يتعالى على الشعب الذي انتخبه فالدولة لا تشرك المواطنين حقا في قراراتها والاحداث السياسية حتى ما تقرر مصيره. سبب ذلك هي الدولة المركزية القوية التي نادى بها هيجل. قصدت بهذه المقاربة إلقاء ضوء على دور الوعي في التنظير على الصعيد القومي. الوعي غير المأزوم الذي يوظف نفسه في خدمة أمته، ولم أقصد الاتفاق على، النظرة الكلوية، لا الطبقية، لدى هؤلاء المفكرين الألمان.

لكن بالمقابل، لو حاولنا قراءة ما يكتبه مثقفوا الدولة القطرية العربية، لرأينا بوضوح قرار الوعي تأزيم نفسه، وتصاغره عن، بل هروبه من الارتفاع إلى الالتزام بوعي الكارثة، كما اشرت أنت لاحقاً.

أين هو الوعي العربي بضرورة الدولة القومية التي تمثل روح الأمة والفكرة المطلقة على الأرض العربية؟

ما كان في المانيا في القرن التاسع عشر، نجهله في الألفية الثالثة، بل نمارس خيانته. تذكر معي حينما قرر صدام حسين تحرير الكويت ماذا كتب هؤلاء، وكيف زعموا أن البسماركية لا تناسب الوطن العربي! نعم لأن توحيد هذا الوطن لا يصح إلا ب “الشرق الأوسط الجديد”. كان صلاح الدين بسمارك الأول، أما هذه المرة فهو جورج بوش!

وماذا عن البؤرة الصغيرة التي نتحدث عنها؟

تصور يا رفيقي، لو رأى هيجل مثلا اليوم، أن هناك “مثقفين وشعراء وأعضاء مجالس برلمانية وبلدية وقروية ومخاتير” اعتبروا “أوسلو والحكم الذاتي والشرعية” هي الفكرة المطلقة التي تستحق أن تقود الناس وتمثلهم حتى لو اغتربوا! الحكم الذاتي هو درجة الاقتراب الأعلى من المطلق!!! هل كان سيُجن؟

لا ريب.

لقد وصل هيجل إلى أن يكون رجعياً في آرائه الاجتماعية السياسية وذلك خوفاً من الانهيار الثوري للنظام الإقطاعي في المانيا وبالتالي قرر التهادن مع الواقع القائم) وكل ذلك لحرصه القومي لذلك اعتبر الدولة القومية هي ارقى اشكال التطور البشري.

اين نحن من مثقفين، ليس بقامة هيجل بالطبع، بل على الأقل بإخلاصه القومي. معك حق، لم يكن وعي هيجل مأزوماً، كان متماسكا ومنسجما مع واقع رآه هو بوضوح.

حين قلنا سلفاً ان أوسلو والشرعية ليست مسائل مقطوع بها ويجب على الأقل قراءتها ونقدها كان ذلك الهجوم نفسه قبل أن تختصر منظمة التحرير نفسها في الحكم الذاتي: “هذا كان يزعجنا ونحن في تونس، وما زال يزعجنا ونحن هنا”!! فالوعي المأزوم، وفي خدمته للسياسي المهزوم، لم يطمح بأكثر من قطرية صغيرة، ولن يُسمح له بها.

لعل حيوية الماركسية في وجود متواصل لأزمة الوعي فيها. هذا هو التحدي الذي يولد التخطي والتجاوز. وليست هذه الأزمة من خلق الماركسيين (طبعاً لا أقصد ماركسيي الحكم الذاتي المرحومة ماركسيتهم واليانعة أوسلويتهم) بل من قدرتهم على تجاوز أزمة باتجاه حل أخريات إلى ما لا نهاية. من هنا عدم استقرار الوعي المشتبك، وبالمقابل ركون الوعي الملتبس.

ومن هنا موت العديد من النظريات، وظهور شقاوة الماركسية التي كلما تخيلوا، بمن فيهم من اعتقدوا أنهم أهلها، أنها ذوت تنتفض في وجههم، مثلا اليوم بتأكيد أن المحافظية الجديدة وعدم التضبيط، واللبرالية الجديدة والخصخصة… تفجرت مع الفقاعة المالية.

ومن هنا، نبقى أنت وأنا والطاهر المعز، وكثيرين/ات جيوب مقاومة في حقبة الثورة المضادة، وهذا أرقى.

سؤالك التالي مقلق واساسي:

“…هل هناك طرق مسدودة في حياة الشعوب القاصرة عن الوعي؟ هل يمكن للظروف الموضوعية المعادية أن تحقق استثناءات في قانون التطور الذي يخص شعبا من الشعوب وتؤدي إلى امتصاصه في الحركة العامة للسياق؟ وإذا كان هذا ممكنا فهل هناك معنى لالتزام لا يكافئ وعي الكارثة؟”

من يسد طرق شعوب هي شعوب أخرى، طبقات أخرى. وشعوب الطرق المسدودة، قاصر نضالها لأن “طلائعها” أكثر ميلاً لللاستنامة لمن سد الطريق. قد يكون مصطلح الكمبرادور، بما هو عميل ولكن بمفردة أكثر تنميقاً قد يكون هذا المصطلح كفعل وسلوك منذ عصر المشاع الأول.

أما وعلى الأرض الإنسان، يظل بوسعه، بما هو إنسان، سواء منذ تخلُّقه أو في هذا العصر، التقاط العروض العديدة التي يعرضها الواقع الموضوعي او الظروف الموضوعية للخروج من مأزق/مآزق الصراع مع الطبيعة والمجتمع. هل ترى كم هي كريمة الظروف الموضوعية، فهي توصلنا في عملية التطور إلى قاع الأزمة، ومن ثم ترينا عديداً من أبواب العبور. فالواقع الموضوعي يكشف عن إيجابياته، ومعذرة للتعبير هو كالأم الكبرى الطبيعة والصغرى (الأم) يكشف عن مفاتنه، وبالتالي كل بوعيه يذهب إلى عقل المرأة إلى قدرتها المكافئة أو إلى استغلالها!!!، أو بثقافة “الوعي” الجاهل في مجتمع الذكورة الشرقي “التمرجُل عليها”. لا توجد في الظروف الموضوعية مغاليق بلا مفاتيح. من الناس من يختار ثقوباً تمر منها الفئران، ومنهم من يختار باب التطور في الطبيعة والمجتمع والفكر.

دعني أتعبك بقصصي، بعد توقيع اتفاق أوسلو “الجميل” بحوالي عامين، طُلبت إلى الحكم العسكري في (بيتين) (بيت إيل)، وبعد اسئلة عديدة مع ضباط سألني أحدهم هل أنت مع أوسلو؟ قلت له طالما لديك على زاوية الطاولة كل هذه الأوراق، وهي كما يبدو ما كتبت، فأنت تعلم أنني ضد اوسلو. قال، لكن قل لي من الكاذب، نحن أم أنتم؟ قلت له للأسف نحن! قال لماذا، قلت انتم كمن فتح في هذا الجدار باباً بارتفاع 150 سم. وقلتم لنا أدخلوا. فمن كان منا بارتفاع 145سم دخل ولم ينحني، ومن زاد طوله ب 1سم عن أل 150انحنى 1 سم وهكذا. المشكلة أننا حين ذهبنا للضفة الثانية أنكرنا أننا انحنينا، وقلنا نحن دولة ولسنا حكماً ذاتياً. فقال، إمضِ. هل هذا وعي زائف ومأزوم أم قرار بتأزيم الوعي؟

وحينما لا يكافىء الالتزام وعي الكارثة، يكون الوعي هو المأزوم وليس الواقع الموضوعي. ولكن الوعي هنا، ليس وعي الفرد وحده، بل الوعي المعبر عن مصالح طبقة معينة، يكون هذا “الواعي” بُوقها. ولذا قد يكون وعيا متلبساً بقصد وإصرار وليس ملتبساً! هنا يأتي معنى الإلتزام والهمَّة العالية.

قلت لي:

“…إن احتباس الوعي يذوت الحركة ويجعل خيار السلوك الذاتي بديلا عن الإلتزام. وإلى هنا وتنحل المشكلة دون أن تتخذ شكل الأزمة. ولكن انحباس الإلتزام في حالة الوعي الواعي وراء حواجز العجز الموضوعية هو الأزمة الحقيقية. ليس أزمة الوعي مع الإلتزام، ولكن أزمة العجز المتبادل عن مكافأة أحدهما للآخر، وإلحاح البنية الواحدة لكليهما على وجوب عمل شيء ما. وهو إلحاح موضوعي لا فكاك منه يشكل جدلا بنيويا داخليا يحيل كينونة الوعي إلى وجدان معذب”.

أتفهم جيداً هذا العذاب الواعي الذي يمارس نفسه داخلك، بينما به تتمتع مطلقاً يده كي يأخذ مداه. وهو على اية حال عذاب موجع بالمنظور العام وممتع بالشعور الخاص بأن المرء، نعم في أزمة، لكنه يعيها، بينما تقف الظروف الموضوعية، بل الوسط الاجتماعي عامة والطبقي خاصة، الوسط المحيط معيقاً لذلك.

إذا صح ان الظروف الموضوعية تطرح كل من المغاليق ومفاتيحها، تصبح الأزمة في الوعي الخائن، الوعي المتفكك داخلياً، العاجز عن التماسك، المستند التابع للغير وعليه. وكلما كان الوعي حقيقياً كلما كان ملتزماً رغم قلته وكثرة القطعان.

وهذا الوعي الخائن، هو، قبل، النظام المهيمن، وقبل النظام العالمي المهيمن، هو الذي يخصي الثورة الشعبية التي تشكل حلا ومدخلاً.

إن النخب العربية والفلسطينية التي تتمرغ على الفضائيات، أو مؤتمرات الإشراف السلطوي، ليست سوى الأبناء البررة الذين يرقصون في أحضان الخليفة يغنون له ما يحب أن يسمع، بمعزل عن قباحة الأصوات.

لن أكون أكثر منك بلاغة في وصف الفئات الثلاث الأولى سوى أنهم “عبيد الوعي ووعيهم وعي العبيد”. ولكن، ماذا عن المعذبين بالوعي؟ نعم لا يكادون يتكلمون، لأن كلامهم سيوف، ويتم ثلمها كل يوم. هم الآتي، والآتي يتم الزج في طريقه بأكثر مما في اسطبلات أوجياس.

تقول لي:

“…دخلوا من باب الوعي إلى فاجعة الوجدان. وانت واحد منهم دخلت من الباب الذي دخلوا منه. وهو باب عرفت بنفسك مؤداه. تصور أنك دخلت من باب سميث الذي لم تستطع فهمه وانتسبت إلى بورصة الأكاديميا الخليجية. ما الذي كنت ستخسره على المستوى الشخصي سوى صداقتي وصداقة فوزي البكري! هل تراهما تساويان راتب شهر واحد؟ هكذا يفكر المطبعون. فماذا يمكنك أن تقول لهم؟ “

وهل تراني أقايض صداقتكما بشيىءظ

وهل هي للمقايضة اصلاً؟

إذا انتهت هناك، تكون قد انتهت قبل أن تبدأ، ولم تبدأ! ودون مبالغة، أنت وفوزي مفتاح مغاليق الأكثرية الشعبية المفتوك بجسدها ووعيها. لذا، تُمنعان أنتما وكثرة مثلكما من الكلام، وتسد في وجوهكم الأبواب، وتُسحب منكم لقمة العيش، وتُقاتَلون حتى في ساعات نومكم. وإلا ما معنى دوائر المخابرات، وشبكات العسس التي لم تترك لكم حتى أوكسجين الله! ماذا يفعلون إن لم يُحصوا أنفاسكم؟ ولكن لهذا، يكون للوعي المعذب برأيك، والشقي المشتبك برأيي معنى وكرامة، وللحياة طعمها. ولهذا بالضبط عليك أن تعيش وأن يفنوا قبلاً منك حتى لا يتمتعوا بالتشفي لأنهم حتى على هذا القدر من الدناءة.

صدقني لو أني فعلتها، لرجمتني الأكثرية الطيبة الخجلى بالصمت. وآمل أن ابقى عاجزاً عن فعلتها. أليست جميلة الحكمة اليونانية: “من ليس من الشعب فبالكاد يُحترم؟”. وهي نفس قولتك: “ولكن صدقني أن هؤلاء كأية ظاهرة حشرية لا يخشون سوى القدم الشعبية الثقيلة”.

هنا بيت القصيد، وهنا دورنا، كيف ندفع هذه القدم كي تتقدم. نعم لتتقدم الأُنملة الأولى، وبعدها يتحول التاريخ. ألم يحصل في الغزو النازي لموسكو أن كان التقدم بضعة أمتار في اليوم انتصاراً؟ هي روح المقاومة.

في أقبية إحدى المخابرات العربية، حصل أن كان أحدنا قد تم تجنيده، وكانوا يأخذوننا في الليل إلى غرام التعذيب، ويأخذونه كي يُعذِّب زوجته بمتعته، ويعود معنا مع الفجر. اكتشف أمره واغتيل. جاء محققي المحبب فإذا هو يتحدث بلغة طيبة، كلام جميل: “نحن موظفون، لا يسعنا سوى القيام بالوظيفة…الخ”. اعتقد الرجل أن المسألة مسلسل اغتيالات! وفقط حين علمت السبب، بطل العجب بطيبة المحقق!

هذه قدم الشعب، وهذا دورنا، نحن قوة دفع متواضعة نحاول زحزحتها، وكلما حاولنا معاً كلما تزحزح وعيها أميالاً. ألا يستحق هذا شقاء وعينا؟

تقول أنت البكاء، واقول أنا الحزن، لا بأس، فأنت شاعر، وأنا ليس لي في هذا سوى بعض التذوُق. لو كان الوعي الثائر مصاب بداء الندم، لما فعلها اصلاً ولغرق في برك المال واغتصاب النساء، وعرض شرفه الجسدي والمعنوي كل يوم لحاكم قميىء. أنت لن تندم، وهذا ما يقرؤه من يقرؤك.

لو كان لي أن أقول هنا شيئاً، فإن ما يقود إلى الحزن، أو يزرعه ويسقيه، كثير، ولا أكثر! لكن حزن الوعي هو حالة من الفلسفة الثورية، هو فداء الجميع، هوحزن فتح المغاليق. هل تدري يا احمد بن الحسين، أن الوعي النقي الصافي يأتي في لحظات الحزن. والنقد المالح كحامض الكبريتيك الذي كان يرسم به ناجي العلي يأتي دوماً وربما حصراً مع الحزن. هذه متعة الوعي الحزين الذي يحسدوننا عليه، فقوامهم الحسي لا يرقى إلى هذا الذوق، هم يتذوقون طعم الدولار الورقي لأن فيه اخضرار العشب، وطعم ركلات سادتهم لأقفيتهم حين ضآلة الإخباريات، وعجز دقتها، وحتى يحن يكافئونهم.

إنه الاشتباك بيننا وبينهم، ولا أراك إلا مشتبكاً حتى وأنت تحاول ترتيب جنوني، الذي يبدو للبعض انتحارياً، وهو ليس كذلك. إن تثبيت لحظة نقدية في عمر وطن، تساوي أعمار أمة بأكملها، وتفوق مرحلة تاريخية. هكذا يُصنع التاريخ. ثم قل لي؟ وأنت تحب ناصر كثيراً، هل رأيته في اية لحظة إلا حزيناً؟ كلما كان الشقي حزيناً كلما أبدع أكثر وأنتج أكثر، لأنه يعيش الألم بمستوياته وأصعدته العامة والخاصة، الجسدية والذهنية، كلما عاش حب الناس وحبه الخاص.

من قال لك انني بكل هذه السذاجة حتى أراك متعقلاً؟ أنت تحزن وتبكي، ولكن لا تصالح. ثم تصالح منْ؟ وهل يتعقل الوعي المعذب ويصالح الخيانة؟ وعيك لا يكذب كما هي مشاعرك، ولذا، لا نخشى أن يبدو علينا الحزن أو البكاء. هل اقول لك شيئاً أكثر إيلاماً، أتمنى لو استطيع البكاء خارج نفسي، فهو أهون من جدل البكاء مع دخيلتي.

نحن من الفقراء، عاديون جداً نُطابق الوعي والخطوة والموقف، وجوهنا لحم ودمٍ وليست من زجاج، وأحاسيسنا ليست من البلاستيك، رغم قرب بلاد النفط منا. نُعطي لأننا لا نؤمن بالكسب ولأن الناس تستحق أن تُعطى. أما أهل التطبيع فقِرَباً مخزوقة للمال والجنس والشهورة والرق والاستعباد. اقول لك صراحة، يجب أن يكرهونا، وها هم يفعلون. هم في اللحظة، ونحن التاريخ، وسينتهون إلى هوامش لا تُسجَّلْ.

اكتب لك هذا لنجعل من البكاء والحزن لواءً لصبر القادمين وتماسكهم. لكون الجيل المقبل واعيا ومقاتلاً، ناقدا ونقدياً. ما تكتبه وما أكتبه هو اعتصار ألم التجربة لتستحيل ‘إكسير حياة الغد الأفضل، تراث المقاومة. لو كنت أراك تندم، لما نادمتك هذه الخمر الفكرية التي تُسكر الزمن وتسكر به. آهٍ يا أحمد ما أتفه المهزومين حتى وهم على الجياد وبيدهم السيوف. قبل ايام عثرت بأحدهم على نفس الرصيف، ولطيبتي التي تأخذها عليَّ هممت أن أقول له صباح الخير، وهو ممن كتبوا ضدي تطوعاً لحساب آخر. لكني لاحظت اصفرار وجهه الملتوِ، وفيه طول كالذي قال فيه ابن الرومي، كان وجهه يقطر سُمَّاً، متظاهراً بأنه على عجل وينظر للبعيد. ضحكت في نفسي، وقلت يعتدون ويحقدون!

سيدي، هناك مخرج من الخاتمة التي يصورونها مغلقة. طالما نحن ننبض، فنحن نفتح مغالق المرحلة، ولا يقلقنا الوقت. لأن الأهم هو زمن الوطن والشعب وليس العمر الفردي، قد لا نعيش ذلك اليوم ولكننا نراه ونضيء الدرب إليه. وإلا، لماذا يكرهنا عبيد الظلام هؤلاء. ولماذا يتابعوننا كظلنا. سنبقى الوجود وهم الظل.

ها قد أخذت تقلل من عذابي، وتُجلِّس الطلسم الأدبي الذي تفوقني فيه، فبدأت أفهمك اسهل إذ تؤكد لي أن لا جدوى من مساجلة المطبِّع. لو كان بمستوى المساجلة لما هوى في هوى التطبيع اصلاً. لو كان ذا موقف لكان بوسعه الوقوف على قدميه، فهو على خاتمته دوماً، أما تبريره لهذه الجلسة فهي جلوس الواثق كي لا يُنقَض الوضوء!. لا يتحرك إلا حين يركله مموله. هل تذكر أولئك السمان ذوي الأقفية الواسعة في رسومات ابي خالد ناجي العلي. لذا، لم أُساجل المطبعين بل عريتهم. ولو كان فيهم رجاء لساجلتهم بالسر والكتمان. ولكن، اي سجال مع من يُفاخر بعدوه، وبمغتصب وطنه. اللبرالي خصم بموقف، واللبرالي الجديد خصم بموقف فاشي، لكنه موقف. وحتى النازي والفاشي الأصيلين لهما موقفاً، أعداء نعم، لكن لهما هدف يقاتلان من أجله. أما المطبع، فهو رخو فكرياً، ووطنياً وحتى جنسياً. هو بلا هدف عام، هو برغبة فردية تذكرك، إن مارسها، بجماع الأرانب. اللبرالي والفاشي والمحافظ الجديد، أعداء يقاتلوننا بجيوش ومواقف. يقولون لنا نريد ثروتكم ونريد كرامتكم. هم حالات منازلة. ألم يُنازلوا بعضهم طوال الخمسماية عام من عمر رأس المال، ألم ينازلوا الأمم الفقيرة التي حاولوا رميها خارج التاريخ ليطلق عليها هيجل : أمم بلا تاريخ؟ لكن المطبعين: هادئون، ناعمون مطيعون للسيد ويحاولون الاستئساد علينا. هؤلاء المثقفين بالتطبيع هم الذين ساهموا في صياغة عار المرحلة الذي نغط فيه كما في برميل الغائط، أقصد “مبادرة السلام العربية” هي مبادرة باتجاه واحد، الاستسلام. ذات مرة سألني أحد صحفيي فضائية: هل تعتقد أن الأنظمة العربية سوف تسحب المبادرة؟ قلت مستحيل، لأن سحبها يعني الخيار الآخر، اي المقاومة! لذا، نحن نتدرب على مساجلة سادة المطبعين، وليس المطبعين أنفسهم. أولئك أعداء، ولكنهم بمواقف وقرار.

الإشكالية، أن اللبرالية خبيثة، نعم، وكاذبة ايضاً، وهي ديمقراطية طالما أنت طيَّع لها، اي تطبيعياً، وحين تختلف معها، تكتشف أنها ليست بأسنان فقط، بل كلها أنياب. لذلك، اختلفت اللبرالية الجديدة عن القديمة. أما المطبعون العرب والفلسطينيون معها، فهم أنفسهم، وهم كما هم.

لست عاشقاً لاجتراء التفاؤل بعيداً عن التاريخ، حتى البعيد منه. أعلم أنك تستفزني كي أبوح بأكثر. وفي مطلق الأحوال فالبوح أفضل حتى في الحب الصغير الذي بداخل المرء، فما بالك بالحب الأبدي باتساع المكان وامتداد الزمان؟

ولكن دعني استخدم مصطلحاً جافاً سوف تلعن اصلي لاستخدامه، (الكلفة-الفائدة)، ولكن حينما تتم إدارتهما مالياً (إنسانياً) بالشكل الأرقى.

لقد استخدم النظام الرسمي العربي، اي الكمبرادور هذه الأمة في سلسلة حروب كانت عالية الكلفة في الدم والجغرافيا، لتأتي المقاومة فتقدم عرضاً ولا أبهى وبكلفة، عزيزة على القلب، لكنها اقل بما لا يقاس من انكشاف عورات الحكام: عام 1948 هُزمنا وضاع معظم قطرٍ وعام 67 ضاعت بقيته وأجزاء أخرى، وعام 1973 تمالكنا أنفسنا للوقوف على القدمين، وعام 1982 صمدنا في بيروت وكان عار الانسحاب إلى تونس تحت غطاء أغاني الحكام العرب، وعام 2000، غابت الدولة الرسمية عن الحرب فانتصرت المقاومة، وعام 2006، لم تغب الدولة بل وقفت مع العدو وانتصرت المقاومة، وعام 2008 غابت الدول القطرية ووقفت جميعاً تقريبا مع العدو وعجز عن اقتحام مدينة. فغياب الدولة يعني انتصار الُحفاة. من هنا وجوب تفكيك مفاصل الدولة القطرية التي تُدير حرباً أهلية متواصلة ضد الشعب في كافة اقطار الوطن! بل حرباً طبقية تُدار لصالح سادة الحكام.

أجل، نقلت لي وعيك بصدق، تجربتك بصدق وهو صدق أعتز به وأعرفه، لكنك اشتبكت ايضاً إلى جانبي وأمامي، حتى وأنت تبكي، وليس اجمل ممن يبكي ويقاتل. فعلت أنت عكس ما يريدون لنا، فعلت تجاوز الخوف وتخطيه حين يكون المطلوب هي الجرأة والالتزام، وليس الأسلحة. فسلام إليك، هي علاقة كالسيف، إما أن نعانقه أو يعانقنا.

ملاحظتي الأخيرة، تقول الأنباء الشعبية في رام الله المحتلة بأنواع عدة أن هذا الاشتباك العابر مع المطبعين، قد وضع موضوعة التطبيع على الطاولة لأول مرة، وان المطبعين، وإن رقصوا تحت اقدام برينباوم، يمشون في الشارع مطأطئي الرؤوس أو لا يمشون. أما الأنباء الشعبية العربية فأردفتنا بمقاتل ليس اقل منك، الطاهر المعز من تونس الخضرا، وهناك من يتوافدون، فلا نامت اعين من جبُنوا.