أوضاع الإقليم الكبير، أو الدار الكبيرة

نصر شمالي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2060 )

في ظلّ الاحتلال الفرنسي، قبل أكثر من خمسين عاما، نشر الأديب الجزائري محمد الديب روايته الشهيرة (الدار الكبيرة) فشبّه القطر الجزائري بدار كبيرة واحدة تسكنها عائلة كبيرة واحدة مكوّنة من مختلف أنواع الأسر الجزائرية، وكيف أنّه، على الرغم من استقلال كلّ أسرة بغرفة من غرف الدار، كانت حياة الأسر واحدة، متداخلة عائلياً تداخلاً يبلغ حدّ الانصهار، بحيث لا سبيل لخلاص أسرة من الشقاء والبؤس والذلّ والهوان إلاّ بخلاص العائلة بمجملها، فاستقلال الأسرة في غرفتها كان وهميا،ً ولم يكن يعني الخلاص، طالما أنّ العائلة لم تكن كذلك، وبالطبع فإنّ الخلاص المقصود هو التحرّر من نير الاحتلال العسكري والاستعمار الاستيطاني العنصري!

على طريقة الأديب الجزائري، إنّما مع بعض التعديلات الشكلية، يمكن وصف الأقاليم العربية الأربعة بالدور الكبيرة أو العمارات الكبيرة: الإقليم المغاربي، وإقليم وادي النيل، وإقليم بلاد الشام والعراق، وإقليم الجزيرة العربية! إنّها الأقاليم التي يتشكّل منها الوطن الكبير وتسكنها الأمة الواحدة، والتي يمكن تشبيه كلّ واحد منها بالدار أو العمارة، وتشبيه سكانه بالعائلة الكبيرة، وأقطاره بالغرف الأسرية الصغيرة!

والآن، عندما نطلق من مواقع أقدامنا وننظر إلى واقعنا المعاش، المباشر والملموس، في إقليم بلاد الشام والعراق، ما الذي نراه بالعين المجرّدة، ونلمسه باليد العارية، في هذه الدار أو العمارة الكبيرة؟

إننا نرى الأعداء الأجانب وقد احتلّوا دورين أو طابقين بكاملهما من هذه العمارة، ونراهم وقد احتلّوا غرفاً أو شققاً من البيت الواحد أو الطابق الواحد من الطوابق الأخرى، بحيث أصبح حوالي ثلثي بيوت العمارة محتلاُ، وأصبح حوالي ثلثي السكان، من الأسر أبناء العائلة الواحدة، يعيشون تحت سلطة الاحتلال، أو يتشبّثون بركن من أركان البيت، أو يلجؤون إلى بيوت إخوانهم غير المحتلّة، أو يعيشون على مقربة في العراء، أو يهيمون على وجوههم خارج الإقليم وخارج الوطن الكبير! فإذا كان الحال كذلك، وهو كذلك حقاً، فأي استقلال يمكن أن يكون باقياً للثلث المتبقّي من البيوت، أو من الطوابق/الأدوار، أو من الدار/ العمارة الكبيرة، أو من الإقليم؟

إنّ المساحة الإجمالية لإقليم بلاد الشام والعراق هي في حدود 755244 كيلو متراً مربعاً، أمّا المساحة الإجمالية المحتلة منها فهي في حدود 463784 كيلو متراً مربعاً! أي معظمها! فمن يجرؤ على القول أنّ الإقليم (أو الدار/العمارة) ليس محتلاً بكامله بالمعنى الاستراتيجي للكلمة؟

وإنّ العدد الإجمالي لسكان إقليم بلاد الشام والعراق يتراوح ما بين 60 إلى 70 مليوناً، غير أنّ ثلثهم أو نصفهم تحت الاحتلال المباشر وتحت مطرقة الاستيطان والاستئصال! فكيف يمكن لأحد منّا أن يجرؤ على القول أنه خارج نطاق الاحتلال، وفي منأى عن الخطر، متناسياً حقيقة شمول الاحتلال لجميع سكان الإقليم، أو الدار/ العمارة، أيضاً بالمعنى الاستراتيجي للكلمة؟

غير أنّ الأكثرية الساحقة من سكان الإقليم (من العائلة المشرقية الشامية العراقية) تعي جيّداً أنها إن تناست حقيقة الاحتلال وشموليته فسوف يبقى مصيرها جميعها في مهب الرياح والضياع والعذاب آجالاً قد تقصر أو تطول، هذا إن نجت من الهلاك، وبناءّ على ذلك فهي تستوعب جيّداً الأبعاد الوجودية لما يحدث في فلسطين (والعراق) حيث يريد العدو الاستيطاني اختصار الأسرة الفلسطينية من عشرة ملايين إلى أربعة ملايين، ويريد من الأربعة ملايين فلسطيني أن يندثروا ويذوبوا في الطبقة السفلى من بنيته الاستيطانية العنصرية (الاقتصادية)، ويريد اختصار مساحة البيت الفلسطيني من 27 ألف كيلو متر مربع إلى حوالي ستة آلاف كيلو متر مربع، هي الضفة والقطاع، على أن تكون هاتين المنطقتين مزروعتين بالمستعمرات الاستيطانية، وأن تعيش أشباح الفلسطينيين في كانتونات مطوّقة بالأسلاك والقضبان والجدران العازلة، أي في ما يشبه الحظائر في حدائق الحيوان، بل في ما هو أسوأ منها!

في مقابل هذه الصورة الواقعية القاتمة لإقليم بلاد الشام والعراق ولسكانه (العائلة الواحدة في الدار الكبيرة الواحدة) هناك افتراض واقعي هو أن ينجح سكان هذا الإقليم في امتلاك إرادتهم، وفي انتزاع واسترداد حقوقهم الدنيا في الاستقلال والحرية، وهو الأمر الممكن طبعاً، فكيف سيكون حالهم عندئذ؟

من دون الحديث عن الأقاليم الأربعة الشقيقة مجتمعة، التي يعني نهوضها الموحّد المستقل تغيير العلاقات الدولية أو تغيير العالم قطعاً، فإنّ حجم هذا الإقليم العراقي/الشامي، جغرافياً وبشرياً، يسمح بقيام دولة موحّدة، أو اتحادية (أو كونفدرالية) ولا نقول قيام وحدة اندماجية، تحتل في حال قيامها موقعاً دولياً مكافئاً لتركيا، أو إيران، ومتكاملاً معهما إيجابياً استناداً إلى الوشائج التاريخية الحميمة الموغلة في القدم التي تجمعه بهما (وهو ما يحدث بينهما وبين سورية) ولن نذهب بعيداً ونقول أنّ نهوض هذا الإقليم لوحده حرّاً مستقلاً موحّداً سوف يجعله مكافئاً لروسيا أو بريطانيا، حيث الخصائص الثقافية والعلمية والعملية التي يمتلكها الإنسان في هذا الإقليم لا تقل عن الخصائص التي يمتلكها الإنسان الروسي أو الإنكليزي، وحيث المعضلة تتلخص بالضبط في افتقاره إلى الشرط السياسي، ففي غياب الشرط السياسي تحديداً تحوّلت الأرقام الجغرافية والبشرية العراقية/الشامية الكبرى، في معظمها، إلى مجرّد أصفار!

تلكم هي حال العائلة الشامية/ العراقية في حاضرها المرفوض ومستقبلها المنشود، ولن نتحدث هنا عن بقية أطراف الأمة الكبيرة التي تعدّ أكثر من 350 مليوناً، وتنتشر مجزأة مبعثرة محاصرة على مساحات تعادل قارة: 14 مليون كيلو متراً مربعاً! ليس تجنّباً للتهمة الساقطة: “الرومانسية والقومجية”! بل لأنّ هذا الوصف لحال هذا الإقليم ينطبق في الأساسيات على الأقاليم الثلاثة الأخرى.