عن كرنفالية انتصارات الهزائم

الحالة الفلسطينية نموذجًا

أحمد أشقر
(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2074 )

ملاحظة من “كنعان”

بمناسبة قرار رئيس وزراء سلطة الحكم الذاتي باعلان دولة فلسطينية خلال عامين ومحاضرته عنها في جمعية الاقتصاديين الفلسطينيين في رام الله، وبمناسبة ذكرى إعلان “الاستقلال الفلسطيني” (15 نوفمبر 1988) في تونس، نعيد نشر هذه المقالة للصديق أحمد أشقر.

“كنعان”

* * *

يرصد عِلْمَا النفس والأنثروبولوجية، بمستوييهما الفردي والجمعي، ظاهرة مثيرة للغاية؛ يلجأ الفرد والجماعة المقهورين، على حد سواء، إلى التحايل في معالجة واقعهم المرير. أي أنهم يصورونه/ يشكلونه وهميا، “أفضل” مما هو في الواقع. ويتحدد هذا العلاج بمسلكيات “علاجية وهمية”: الإحتفالية والكرنفالية. أي أنهم يكثرون ويكثفون من الإحتفالات والكرنفالات، كلّما دعت مناسبة لذلك: كعيد رضيع أتمّ عامه الأول، وشاب أنهى المرحلة الثانوية، وقُبِلَ للجامعة، وتخرج منها، واشترى سيارة، وفتاة خًطِبَت أو تزوجت […].

وتتعدى الكرنفالية الفردية إلى الجمعية بفوز أحد أفراد الحمولة برياسة جمعية للصرف الصحّي- مثلا- أو برياسة المجلس المحلي، وتخريج مجموعة من الفتيات اللواتي تدربن على ترويب الحليب/ اللبن وإعداد الهريسة (تحت مسمى: تمكين المرأة) للأكاديميات اللواتي عدن من أمريكا بعد أن تم تدريبهن على إعداد التقارير […] للسفارات الأمريكية في بلادهن (تحت مسمى: قيادة نسائية)، وفوز فريق كرة القدم المحلي على فريق القرية المجاورة، التي نصف سكانها أقارب لنصف أقارب القرية الفائزة، وحلول شهر رمضان، والأعياد المختلفة، وتصل الذروة الكرنفالية بعيد الإستقلال، حتى لو كان الوطن تحت بصاطير فرّاشي صندوق النقد والبنك الدوليين! وللجنازات والنكبة (أيضا) احتفاليتها وكرنفاليتها!

لا يمكن اعتبار هذه المسلكيات جزءا من اللاوعي فقط؛ فاللاوعي هو: وعي مكثف. واللاوعي هو الذي يفضح هزائم الوعي وعجزه. وبحسب هيدجر (1889- 1976)، إن اللاواعي، هو اللامُفَكّر فيه، وهو النسيان، أي وقوع الوجود طيّ النسيان. وعندما يكون الوعي مهزوما ومأزوما أو متخلفا، فإن الفضيحة تكون “بجلاجل”- كما يقول المثل الشعبي. أي: يميل الفرد والجماعة إلى تكثيف مشاركتهم، (من طيّ النسيان إلى الوجود)، ومصروفاتهم من الوقت والجهد والمال المبذولين في الاحتفالات والكرنفالات. ثم يقدمون أطنانا من “النقد والنقد الذاتي”، والتي عادة ما تكون بصيغة النميمة وجلد الذات. ويمكن سماع هذا “النقد”، كلما عاد رجل (أو امرأة) من مناسبة يضطر فيها إلى تقديم هدية أو نقوط. ويذهب الفرد والجماعة إلى التنظير/ أدلجة هذه المسلكيات. والأيديولوجية هو وعي زائف كما عبّر عنها ماركس (1818- 1883). ويستمد- الفرد والجماعة- تنظيرهم وأيديولوجيتهم من تراثهم، فيذهبون إلى القول: إن مسلكياتهم ومسالكهم تنبع من “العوايد/ العادات” والتراث والدين… إن هذا التنظير والأدلجة، ليس فقط من أجل تشريع هذه “العوايد”، بل من أجل الدخول في الخطوة الأولى من “العلاج الوهمي”، تجاوز حالة البؤس والتخلف.

يَعْتَبِرُ العلماء والباحثون والأطباء والمعالجون النفسيون الرغبة بـ”علاج وهمي”، محدود ومُرَاقَب- والتشديد على “محدود ومراقب”- ظاهرة لها بعض الإيجابيات؛ إذ تعطي الفرد والجماعة إمكانية تفريغ بعض الضغوط المتراكمة عليهم، نتيجة واقعهم ووضعهم القاسي والبائس. راحة مؤقتة. ومن منّا بإمكانه أن يستغني عنها، فردا أو جماعة!؟ وتصبح الحالة خطيرة تستدعي علاجات مضاعفة، اقتصاديا- سياسيا- اجتماعيا- نفسيا، عندما تصبح الكرنفالية مسلكا عاديا- شعبيًا: إن صحّ التعبير.

* * * * *

خدم السلطات ومنظّروها من “مثقفين” وأشباهم يعون حاجة الناس إلى الاحتفالات الكرنفالات. (الثقافة- بدون مزدوجين- تعني الحرية، وفقط الحرية، وهي نقيض لأية سلطة). من هذه المعرفة وهذا المنطلق نعي مدى شبق الأنظمة السياسية- الإقتصادية بعقد المهرجانات والكرنفالات والإحتفالات، في كل “محافظة من محافظات الوطن”. ليس لإسعاد الناس، أو محاولة تفريغ بعض الضغوط التي تسببها لهم، بل تستخدمها (الطبقة الحاكمة الإقتصادية- السياسية- الثقافية- الأخلاقية) رافعة لمصالحها، في مستويات تكثيف الإستهلاك، وإرهاق الفرد والجماعة اقتصاديا، وتحويلهم إلى مجموعات مستهلكة فقط: سوق. وكذلك تعمل جاهدة على تفكيك النسيج المجتمعي والأخلاقي، واحتجاز تطور ومصالح الأغلبية المجتمعية. إذ تعمل هذه الأنظمة على تغذية النزاعات المحلية الجغرافية (شمال- جنوب، وشرق- غرب)، والديموغرافية (بدو- حضر) ، والدينية (مسلمون- مسيحيون)، والطائفية (سنة- شيعة، وكاثوليك- […] أرثوذوكس)، ونوعية/ جندرية (رجال- نساء) والقائمة طويلة، كالدودة الشريطية! والهدف واضح: تمزيق النسيج الإجتماعي، من أجل الإستمرار بإحكام السيطرة على المجتمع وقدرته، والوطن وثرواته. ومن هذا الباب- كما سنرى- تدخل السلطتان “الإسرائيلية” والفلسطينية، كي تحكما سيطرتهما أكثر وأكثر مسلكيات ومسالك الفلسطينيين.

* * * * *

تعتبر حالة العجز الفلسطينية، تعبيرا مكثفا عن حالة العجز العربية. وذلك بدليل استمرار احتلال فلسطين منذ ستة عقود، دون التقدم ولو أنجستروم واحد نحو الحرية والإستقلال. لذا تعمل الأنظمة جاهدة من أجل إنجاز أية تسوية في فلسطين، تحسبا مما لا تحمد عقباه مستقبلا. ففلسطين عربية. والذين قطّروها، هم الذين يعدون للتسوية منذ عقود أربعة تقريبا. فلطالما مستعمر واحد يحتل شبرا واحداً من فلسطين (وأي قطر عربي)، فإن الأمة مأزومة. وما مسلكيات ومسالك أفراد الأمة وأنظمتها، من احتفالية وكرنفالية، إلا علاجا وهميا لحالة العجز هذه.

تشير جميع الدراسات- التي قرأتها على الأقل- عن مجمل أحوال الشعب الفلسطيني وأخلاقه، إلى أنه “شعب محافظ”. إلا أني لا أقبل بمعظمها؛ لأنها استشراقية المنهج والأدوات والرؤيا. وتهدف إلى تربية (تعمية) أكبر قطاع ممن يقرأ ويكتب في فلسطين: “المثقفين”، على عدم رؤية مجتمعهم كما هو فعلا. أي تزوير الواقع، كي لا ينجح أي علاج، مهما كانت دوافع أصحابه طيبة وإيجابية. وكذلك من أجل السعي لهدم بنى تقليدية متينة تعبر عن التشكيلات الإقتصادية والإجتماعية، وبناء أطر معادية في المحصلة، أو وهمية في أحسن الحالات، لا تنفعه في النضال ضد الإحتلال. وهذا ما يحصل فعلا. ولا يخلو مجلس أو ديوان فلسطيني، شفوي أو مكتوب، دون أن يكون محور الحديث فيه: سوء الأوضاع والحالة الفلسطينية. إنهم يجلدون أنفسهم ليل نهار، من باب “النقد والنقد الذاتي”.

سأحاول في هذه العجالة رصد بعض احتفالات وكرنفالات المناسبات العامة، التي يختلط فيها الديني مع الطائفي مع الاجتماعي والسياسي. وسأتطرق إلى بعض الكرنفالات التي جرت في غضون شهرين تقريبا: من الإحتفالات بعيد الفطر، مرورا بوفاة أبو عمّار إلى انتخاب “انتصار” أبو مازن- البرغوثي، في انتخابات صاحب المقاطعة الجديد، “غرفتين وحمّام واحد”- بحسب شريف كناعنة.

* * * * *

يحتل الصيام والأعياد، لدى جميع أتباع الديانات المختلفة، مكانة خاصة. إذ يعمل الإكليروس على إنتاج متدينين مطيعين لهم. فالقول إن الصيام يدرب الصائمين على تحمل المشاق الجسدية والنفسية، ويساوي بين الفقراء والأغنياء، ويصلح ولو مؤقتًا- أو هكذا يبدو- ما تمزق من أنسجة اجتماعية أسرية/ عائلية/ محلية؛ هو إيهام المؤمنين بما هو غير واقعي. وإيهام المؤمنين/ الناس بحالة ما، غير واقعية، هو أحد أدوات السيطرة التي تبعها الأنظمة المختلفة: إذ لا فرق بين الأنظمة الديموقراطية و/ أو الشمولية المعاصرة، إلا بمنسوب الوهم الذي يجرعونه للناس عبر وسائل البث الدعائي/ الإعلامي.

لقد أصبح الصيام، “رمضان المعاصر”، والصوم الكبير الذي يسبق الفصح عند المسيحيين، مهرجانا للتسوق. إذ يكثر الأفراد من التسوق والاستهلاك، أكثر من قدراتهم الشرائية والاستهلاكية. وأذكر أن بعض المعارف، من موظفي البنوك في منطقة الـ 48، أخبروني أن إدارات البنوك تتساهل وتسمح بديون أكثر للزبائن، في رمضان والأعياد، أكثر من الأيام العادية.

وفي رمضان يكثف الرأسمال “الإسرائيلي”- عدا البنوك طبعا- حضوره الرمضاني؛ فقد نشرت شركات إنتاج الأغذية “الإسرائيلية” إعلانات، تتصدرها آيات قرآنية وأحاديث نبوية. والمعلنات فتيات محجبات، كنّ قد ظهرن في السابق بالإعلانات المختلفة سافرات وغنوجات!

تحمل الأعياد المختلفة في بعض مسلكياتها الكذب والنفاق؛ فمن يطالع الصحافة العربية- “الإسرائيلية” والفلسطينية في شهر رمضان والأعياد، يتوهم بأن المسلمين والمسيحيين في البلاد هم فعلا “أخوة”، وذلك من خلال موائد الإفطار وتهاني متبادلة، بين مسلمين ومسيحيين! إذ يسعى الداعون إليها لتصويرها ونشرها في وسائل الإعلام، علما أن الوضع ليس كذلك… (يمكن مطالعة كتابي، عن الصراع السوسيو- طائفي في الناصرة: التدمير الذاتي- الناصرة نموذجا (جذور الصراع وخفاياه في ساحة شهاب الدين)، وعلى شبكة الإنترنيت:
http://ofouq.com/library/ashgar/tadmir/main.htm).)

وتحضر السياسة المحلية و”الإسرائيلية” في رمضان والأعياد، في صورة نادرة في التاريخ الإسلامي؛ فقد غطت جدران الأسوار والمحلات التجارية في منطقة الـ 48، صورٌ لإبراهيم صرصور، “رئيس الجناح الجنوبي في الحركة الإسلامية”، الذي يقرّ بشرعية “دولة إسرائيل”، وقد وقعها، ليس بإسمه، بل بآية قرآنية!! وقبل أسبوعين، أعلن صرصور بأنه سوف يترشح لعضوية “الكنيست”! بالمناسبة: يوجد في “الكنيست” مُصّلى! و”الإحتفال والإحتفاء” برمضان لم يعد حكرا على الحركة الإسلامية؛ فقد تعدى الأمر الحركات “العلمانية”. في السنوات الأخيرة بدأنا نقرأ في الصحف المختلفة أنباءً تشير إلى: أقامت الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة/ التجمع الوطني الديمقراطي/ أبناء البلد/ الجبهة الشعبية/ الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين/ الحزب الشيوعي، إفطارا جماعيا في الجامعة الفلانية أو النادي الفلاني… ويحضر هذه الإفطارات وجهاء وزعماء الأحزاب والحركات السياسية المختلفة. نفهم: إذا كان الدين أداة سيطرة وتحكم بأيدي الإكليروس والسلطات المركزية، فإنه أصبح (أيضا) أداة للسيطرة بأيدي الحركات والأحزاب السياسية، التي تدعي العلمانية. فالسلطة واحدة، أيّما كانت منطلقاتها الإيديولوجية والفكرية. ونردد مع فولتير (1684- 1778): السلطة فاسدة مُفْسِدة!

تعتبر الأديانُ الأعيادَ أداة مكملة لإنتاج مؤمنين أكثر طاعة للإكليروس ولها. إذ يُفْحَص فيها مدى طاعة المؤمنين/ الناس لهم في هذه المناسبات؛ عن طريق زيارة أماكن العبادة المختلفة، وتهنئة المؤمنين الإكليروسَ ورجالات السلطات المركزية. ويزور فيها قادةُ “دولة اليهود” والسلطة الفلسطينية، وجهاءَ “الطوائف الإسلامية والدرزية والمسيحية” و”أبناء شعبنا”، ليس لتهنئتهم بالعيد، بل- من أجل توطيد العلاقة بين السياسة والدين. وضمان وجود وكلاء للدولة في صفوف “العدو”/ الشعب، الفلسطينيين. وفي مسيرة عيد الميلاد، التي جرت في الناصرة بتاريخ 24 من كانون الأول الفائت، حَمَّل رجالُ الإكليروس الأطفالَ والفتية، ، الأعلام “الإسرائيلية”! الأمر الذي يؤكد مدى عمق العلاقة بين الإكليروس والدولة، وخطورة القيم التربوية التي يلقمها الإكليروس للمؤمنين/ الناس! إنه تقاسم وظيفي.

وتنظم بلديات “المدن المختلطة”: يافا، واللد والرملة وعكا، في منطقة الـ 48 احتفالات لأبناء “الطوائف” في الأعياد المختلفة. أما بلدية حيفا فإنها تتبع تقليدا آخر، ألا وهو: “موسم عيد الأعياد”، الذي تقام فيه احتفالات وكرنفالات ومختلفة خلال أعياد: “الحانوكا”/ الأنوار (لدى اليهود)، الفطر والأضحى (لدى المسلمين)، وأعياد الميلاد (لدى الطوائف المسيحية). والهدف، ليس كما تدعي هذه البلديات: “الحوار والتآخي بين الأديان”- بل، تقريب فلسطينيي هذه المدن إلى هذه السلطات، أي، جعل هذه الاحتفالات والكرنفالات أداة إضافية لأدوات التضييع والقمع القوميين.

وفي عيد الأضحى الأخير، وجه رئيس “الكنيست”، رؤوبين ربلين، رسالة تهنئة إلى: المسلمين بعيد والأضحى، والدروز بالعيد الكبير! ربلين، مستشرق… وكان والده قد ترجم القرآن إلى العبرية، في منتصف القرن الماضي!

وتكثر (أيضا) وسائل الإعلام المختلفة من الدعايات، وتختنق شوارع وأزقة المدن والقرى المختلفة بالناس، وتزدحم المحال التجارية لشراء ما هو موجود من بضائع، وكأنه يوم الحشر. عدا ذلك؛ فقد اكتشف بعض الغلمان والجواري من أصحاب القدرات المتواضعة في إطلاق الأصوات المختلفة وهزّ الأرداف والصدور السليكونية، الطاقة الإقتصادية التي في الأعياد، فبدأوا بإحياء الحفلات المختلفة في الصالات والفنادق. وبعضها يجري تصويره ويبث على شاشات بعض التلفزيونات المحلية. تنتهي بعض الحفلات بمعارك بالزجاجات الفارغة وقاعات المحاكم، لأن فلانًا نظر إلى زوجة فلان، أو صديقته أو أخته. هذا كله موثق بأشرطة الفيديو والصحافة المحلية وبروتوكولات المحاكم، والإشاعات. فالإشاعات سجِّل شعبي هام للمجتمعات المأزومة.

وتكشف الأعيادُ عن المستويات الإقتصادية لأتباع الديانات والطوائف المختلفة. وذلك من خلال إطلاق الألعاب النارية. والناصرة خير ممثل لذلك؛ فهي جامع لكل تناقضات الفلسطينيين في فلسطين الإنتدابية. فقد بات واضحا، عندما تطلق الألعاب النارية من الحارة الشرقية- إشارة إلى أن عيدًا قادم لدى المسلمين. وعندما تطلق من حارة الروم- إشارة إلى عيد لدى الأرثوذوكس. وعندما تطلق من أحياء أخرى- إشارة إلى عيد لدى الطوائف الكاثوليكية. أما نوعية وكثافة إطلاق الألعاب النارية، فإنها تكشف عن القدرة الإقتصادية لدى أتباع هذا الدين أو الطائفة. مثلا: الألعاب النارية الرديئة، تطلق من الأحياء الإسلامية، والغالية جدا من الأحياء المسيحية الكاثوليكية، والتي أسعارها متوسطة، تطلق من حارة الروم.

والأعياد ليست حالات من الفرح والسور والغبطة، كما يدعي العوام والمنافقون من السياسيين والإكليروس. إنها حالات/ حلقات متواصلة من الإستهلاك وهدر الطاقات الاجتماعية والاقتصادية المختلفة. وتصل أحيانا إلى حالات تدميرية على المستويين: الاجتماعي (المباهاه/ الصراع بين أتباع الديانات والطوائف)، والإقتصادي، حرق حاويات الزبالة. وتكسير عشرات الآلاف من الزجاجات الفارغة، إضافة إلى صرف ملايين الدولارات في الصيام والأعياد المختلفة). هذا ما حدث في الناصرة وبعض المدن والتجمعات الفلسطينية الأخرى، ليلة رأس السنة.

وفي الشهرين الأخيرين يحدث ما هو أخطر في مدينة الناصرة؛ فتحت شعار “تشجيع السياحة”، و”حوار الحضارات” و”التآخي بين الأديان”، تغرق المدينة باليهود. فقسم تشجيع السياحة في البلدية ووزارة السياحة “الإسرائيلية” يقومان بهذا المشروع. وفقد اشترك المئات من اليهود في مسيرة عيد الميلاد (المذكورة أعلاه). ومع بدأ الغزو السياحي، بدأ الحديث في الناصرة، أن أحد رجال الأعمال اليهود (ثروته 3.5 مليار دولار)، يدرس حاليا “الاستثمار الإقتصادي والثقافي” في الناصرة. وفعلا يقوم بعض عرابوه بتحسس إمكانية شراء بعض البيوت القديمة في حي السوق.- تهويد الناصرة!

* * * * *

أثناء احتفالات رأس السنة، أثار انتباهي مشهدان لهما دلالتهما الخاصة؛ الأول: رجل في العقد السادس من عمرة، يلبس البيجاما، تحيط به نساء وفتيات هن الأخريات بالبيجامات، ليلة رأس السنة في “حي الأغنياء” في مستعمرة الناصرة العليا، والتي أكثر من ثُلث سكانها من العرب، يطلق صاروخا وهميا باتجاه قريتي، إكسال؛ علماً أنه كان بإمكانه إطلاق الصاروخ باتجاه مستعمرات “مجدل هعيمق”، أو”العفولة” أو “جبعات هموريه”. لماذا لم يفعل؟! ولماذا يلبسون ويلبسن البيجامات ليلة العيد وفي الشارع؟!

وفي الناصرة، مهد الذي جاء يحطم أيديولوجية وأخلاق الربويين والمعادين للآخر عداء مانويا، شاهدت، ليلة رأس السنة، آلافاً من الناس: رجالا ونساءً وأطفالاً رضع في حضون أمهاتهم. والمثير أيضا، أن العديد من هؤلاء كانوا وكن بالبيجامات! لماذا؟!

تحضر الألعاب النارية، في شكل استعاري لسلاح حقيقي. بهدف الدفاع عن النفس والوطن، أو اقتراف جريمة. وتحضر البيجامات في سياق خاص للغاية، وعاطفي- جنسي. ولو طبقنا هيدجر (1889- 1976)، لقلنا: إن إطلاق الألعاب النارية، في الناصرة وبقية التجمعات الفلسطينية الأخرى، هي رغبة عارمة أن يصبح الناس أكثر فاعلية في محيطهم؛ الصراع مع أعدائهم “الإسرائيليين”، أو/ و صراع طائفي- كما الحال في الناصرة، والذي أسميته: تدميرياً ذاتياً. وقلنا أيضا: إن ظهور قطاع لا بأس به بالبيجامات رجالا ونساء، هو تعبير عن كبت عاطفي- جنسي. والمكبوت عادة ينشغل انشغالا فيتيشيا بإحباطة، دون القدرة على معالجة المسببات. ويمكن القول أيضا: إنه خروج الخاص (العاطفي- الجنسي) إلى العام (الفيتيشي). وهذا عمليا ما تكرز به الفضائيات العربية ليل نهار.

* * * * *

الحزن- نقيض الفرح. وكرنفالية الجنازة- نقيض كرنفالات الأعياد والأفراح. هكذا يبدو. إلا أن فيهم من المشترك الكثير: كالرغبة في المشاركة في الحدث- مهما كانت- وهي واجب اجتماعي محمود جدا؛ والتفريغ، لذا يبحث الناس أي مناسبة للتعبير عن حزنهم وفرحهم. الحزن والفرح المكثفين، يعيقان- إلى حد ما- قدرة الفرد والجماعة على اتخاذ قرارات واعية ومتزنة، لذلك تكثف السلطات المختلفة إشهار الحزن والفرح في المناسبات المختلفة. وتصل قمتها عندما ترعى الدولة- أية دولة- ذكرى اغتيال الحسين عند المسلمين الشيعة… ولا يمكن قراءة الكرنفالية الجنائزية لموت أبي عمار، أو “انتصار” أبي مازن- البرغوثي، إلا في هذا السياق.

يمكن القول: إن حصار أبي عمّار في المقاطعة، وهدمها إلا القسم الذي كان مقر نومه وعمله، والترديد “الإسرائيلي”- الأمريكي- العربي، للإدعاء، إنه “عقبة أمام تقدم المسيرة السلمية”، والحديث عن مرضه المزمن وموته بالـ “سمّ”، ليس إلا تحضيرا وتهويلا لما سيأتي. وأقصد: الطقوس الجنائزية والانتخابات.

يمكن تكثيف مرض أبو عمار، وموته البطيء وتجنيزه في فرنسا ومصر، “جنازة ديوتي فري”، على حد وصف أحد الأصدقاء، ودفنه في أقل بكثير من فلسطين الإنتدابية، الأتونوميا- المحتلة/ رام الله، ورؤيته برمزية بالغة الدلالة، على أنه الحالة الفلسطينية التي يعيشها الشعب الفلسطيني منذ ستة عقود… مستباح دمه وممتلكاته وعرضه وشرفه. فقد استحضر الفلسطينيون حالتهم من خلال حالة أبي عمار. لذا، دخل الحزن كل بيت وفرد. وهذا ما يفسر المشاركة المكثفة بجنازته، سواء في المشاركة الفعلية في رام الله، أم المشاركة بالجنازات التمثيلية في قطاع غزة والشتات الفلسطيني. أما عرب 48 فقد أحجموا عن إجراء جنازات تمثيلية، باستثناء مدينة يافا، لأنهم أرادوا إرسال رسالة واضحة إلى السلطات “الإسرائيلية”، ألا وهي: نحن لسنا مع أبي عمّار! هذا نابع من رعبهم نتيجة مجزرة أكتوبر 2000 (يمكن مراجعة دراستي: من احتجاز التطور إلى الطرد عن المركز: مصلحة”إسرائيل” تكمن بمنح عرب 48 الأوتونوميا http://ofouq.com/library/ashgar/ehtejaz/main.htm) وكذلك إيهام أنفسهم (في اللاواعي)، أن أوضاعهم أفضل من الذين شاركوا في الجنازة الفعلية والجنازات التمثيلية. إنه العلاج بالوهم. علاج مكثف/ مرض مزمن، علاجه صعب للغاية.

* * * * *

للاحتفالات التي تعقب الجنازات طابع خاص. فهي- عادة- تعبر عن نقيض ما مرّ به الفرد والجماعة من حزن وأسى. لذا تأخذ هذه الاحتفالات طابع الكرنفالية والتبذير المفرطين. وكما أعتقد- تقع عملية، ليس الانتخابات- بل مبايعة أبو مازن رئيسا حاليا لسلطة الحكم الذاتي الحالية، ومصطفى البرغوثي لمهام حالية ومستقبلية (سأشرح هذا لاحقا)، في هذا الإطار. لقد جرت المبايعة، أو “العرس الديمقراطي”- كما وصفته وسائل الإعلام والوجهاء والزعماء الفلسطينيون- عن استحقاق مسبق: تنصيب أبو مازن، كي يقبل ما تردد عنه أبو عمّار، (لقد انتهى عصر “اللعم”- وحان عصر “النعم”)، وهدفها تفكيك المقاومة ومع إطلاق وتطوير راجمات القسام البدائية وتطويرها! فهذه الراجمات البدائية، هي السلاح النووي الفلسطيني! هذا ما يعرفة ويعيه بدقة الإستراتيجيون “الإسرائيليون”، وكل من يفقه بمنطق التطور! ثم “الاستمرار بالعملية السلمية” وفق الإستراتيجية الصهيو- أمريكية في الوطن العربي: وإقامة دولة فلسطينية/ “وطن سجن” – بحسب شريف كناعنة.

قلت (أعلاه) إن الفائز هو أبو مازن- البرغوثي. هل يعقل؟ بالطبع؛ كلنا يعرف أن المهام المناطة بأبي مازن، من قبل الذين نصبوه رئيسا، هو تفكيك المقاومة… وفعلا أعطى أوامر “لقوى الأمن الفلسطينية”، في قطاع غزة، بفتح النار على كل من يحاول إطلاق راجمات القسام على المستعمرات المختلفة. أما مهمة البرغوثي، فهي تفكيك المجتمع السياسي، وفعلا نجح وكأنه “ولد ليلة القدر” بتفكيك الجبهة الشعبية، وتحويل أتباعها إلى كتبة تقارير لدى جمعيات التمويل. إنه تقاسم وظيفي.

* * * * *

في العادة تتم “الأعراس” بعد النجاح في موسم عمل مضن وشاق. لذا تنظر الثقافة الشعبية إلى الذين يستدينون من أجل إتمام عرس، أو/ و شراء بدلة… أو/ تجهيز بيت، نظرة سلبية للغاية. وما المثل الشعبي: “مِفلِس ومِعرِس”، إلا قدح بهؤلاء. والفلسطينيون الذين فقدوا وطنهم، واستبدله بعضهم ببطاقات وكالة الغوث، و”الديموقراطية الإسرائيلية” ومثقفيهم بالـ “بروبوزالز”- بالـ b- وليس بالـ p – كما يلفظه مثقفو بقايا الإقطاع وقبل الحداثة وبعدها، دون أن يمروا بالحداثة الفعلية، أصبحوا بدون وطن بمفهومه العاطفي/ home land؛ هم “مفلسون ومعرسون”. فقد أجروا “عرسهم الديموقراطي”/ المبايعة، تحت حراب الاحتلال، وقروش الرأسمالية الأمريكو- إوروبية. وبحضور، ليس أقل من جيمي كارتر، الذي ترأس أكبر منظومة إرهابية عرفتها الإنسانية منذ… وحتى الآن، ومعه الآلاف من “المدعوين”، الذين شهدوا على عذرية العروس وشرفها/ المبايعة. وفعلا كانت العروس عند حسن ظنّ أهلها بها! لقد كانت مطيعة وشريفة. لذا أشاد “المعازيم” بها. وكذلك أهل البلد من العامل، الذي يستجدي جندية “إسرائيلية” كي تسمح له بعبور الحاجز للذهاب إلى العمل في إحدى المستعمرات، والأكاديميين من أصحاب الألقاب التي تبدأ بحرف “د” عادة. فقد أعلنوا جميعا: إن العروس كانت بكرا وشريفة/ “الانتخابات كانت ديموقراطية”. فقد تحدث أحدهم إلى الإذاعة “الإسرائيلية” بلغة عبرية مكسرة للغاية، قائلا: يوجد في السلطة ديموقراطية أكثر من سورية ومصر! ولا ننس أيضا، أن شمعون بيرِيس شهد هو الآخر قائلا لإحدى صحف التطبيع “الفلسطينية”: “فوز أبو مازن انتصار للمجتمع الفلسطيني”. نعم لقد بتنا قاب قوسين أو أدنى من صفد!

في العرس كما في العرس؛ في العادة يراقب أهل العرس ويستبعدون المشاغب من العائلة أو القرية، تحسبا من عمل غير لائق من قِبَلِه. هكذا حصل مع مروان البرغوثي؛ فقد فتحت سلطة السجون “الإسرائيلية” أبواب سجنها للجاهات، كي تقنعه بالعدول عن قراره بالترشح. وكذلك استعانت العائلة بأقارب لها في الخارج، فاروق القدومي وجماعته. لقد استبعدوه من العرس وهشّموا رأسه!

وفي العرس أيضا كما في العرس؛ في العادة يكون في القرية امراة أو أكثر ممن يأخذن “حصتهن من طبيخ العرس” قبل الوليمة؛ هذا ما حصل مع الجبهة الشعبية. فقد قايض أتباعها دعم البرغوثي (مصطفى) بمبلغ 2 مليون دولار- كما يقال! بعض “الخبثاء” من أصدقائي في رام الله وغزة يستكثرون هذا “الثمن”. ويعتقدون أن “الثمن” الذي تقاضوه “الشباب” أقل بكثير…!

وفي العرس كما في العرس؛ مثلما تسارع بعض النسوة للحصول على “طبيخ العرس”، مما تبقى، هكذا أيضا حماس. فقد صرح أحد وجهائها، بعد العرس/ المبايعة مباشرة، إلى وسائل الإعلام قائلا: إن الحركة تدرس مع السلطة خطة لإدارة الأراضي والممتلكات التي ستنسحب منها إسرائيل.

وفي العرس كما في العرس؛ في العادة تحصل بعض الخلافات بين أطراف العرس، فيسارع هؤلاء للطعن بـ”شرف العروس” والتقليل من قيمة العرس. وهكذا كان؛ فقد استقال 46 أعضاء لجنة الانتخابات المركزية للانتخابات (باستثناء الرئيس طبعا)، لأن خروقاً وتزويرات كبيرة قد حصلت في ساعتي “تمديد الاقتراع”. يا للفضيحة: العروس لم تكن بكراً وشريفة إلى هذا الحدّ! ولكن ما العمل مع الذين شاركوا برتق عذريتها!؟ ورتق العذرية حالة شائعة في المجتمع الفلسطيني. في العادة تلجأ الفتيات العازبات والمفترعات عذريتهن، قبل الزواج، إلى طبيب “للقَطْب”… ولأن، الطب في المجتمعات الليبرالية مثل “إسرائيل”، لا يعرف مثل هذه العمليات، فقد ابتدع لها إسما: عمليات تجميل. نعم، المبايعة عملية تجميل للاحتلال ووجهاء السلطة.

في العرس كما في العرس؛ إذ لا يتم العرس إلا بدبكة وإطلاق الرصاص. فقد رأيت في الصحف بعض الصور التي تعبر عن “اللاوعي” في مسلكيات وسلوك العرس. الأولى: نشرت صحيفة القدس العربي بتاريخ (10.1. 2005) صورة لأربعة من أبناء الشبيبة يدبكون على خلفية صورة كبيرة لأبي مازن: فتاة، شعرها مدهون بلون ذهبي ترتدي بنطلونا بلون الملابس العسكرية! وثلاثة رجال، واللويح بينهم يربط على خاصرته- مثل النساء- الحطة الفلسطينية! ماذا تريد أن تقول الفتاة؟ وماذا يريد أن يقول اللويح؟ واللويح- بالمناسبة- ليس الذي وصفه الشاعر مريد البرغوثي بقوله: كلما أشرف أن يهوي على سحجة كفٍ/ جاءه من سحبة الناي سندْ.

وفي صورة أخرى نشرتها القدس العربي في (11.1.2005) صورة لمجموعة من الفلسطينيين يدبكون: شاب، شعره محلوق “مارينز” يدربك، وأحد رجال “الأمن” الفلسطينيين، دبّ به الحماس، فنسي مهمته بحفظ النظام، فأصبح اللويح، ورجل “أمن” آخر يرفع بندقيته رفعة تنفع إشارة إلى النصر والاستسلام معا! ألهذا الحد لا يميز رجل “الأمن” بين إشارات النصر والهزيمة؟!

كل هذا يحصل وفلسطين تحت الإحتلال، وحال شعبها، بحسب شريف كناعنة، وهو عالم أنثروبولوجيا مرموق: “[…] سينحرف من الترانسفير باتجاه أقرب إلى الإبادة الجماعية”… إنها حالات من الاضطراب السلوكي والمسلكي، أقرب إلى تدمير الذات من أي شيء آخر.

ashkar33@hotmail.com

المصدر: ” أفق”، 22 فبراير 2005

http://ofouq.com/today/modules.php?name=News&file=article&sid=2173