التوظيف السياسي للنبوءات التوراتية: ملاحظات في عبثية خطابنا (الحلقة الخامسة)

د. مسعد عربيد

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2121 )

(4)

التوظيف السياسي لعقيدة “العودة”

نستعرض في الجزء الاخير من هذه المقالة، أهم التوظيفات السياسية لعقيدة العودة من خلال المنظور الصهيوني.

1) ثنائية المنفى والعودة: ركيزة “الاستثنائية اليهودية”

كان من أهم وظائف خرافة “العودة” التأسيس لفكرة واسطورة “الاستثنائية اليهودية” أو كما يسموها “خصوصيات الشعب والتاريخ اليهودي” أو “إستثنائية الشعب اليهودي”، والتي كانت بدورها ركيزة للعديد من الاكاذيب والفبركات التي أتت بها الصهيونية وإستند عليها مشروعها الاستيطاني في فلسطين. وتأسس هذه الاسطورة لفرضية “إحساس اليهود الدائم بالنفي ورغبتهم في العودة الى ارض الميعاد”، والذي يتم تصويره على انه جزء ثابت من المكونات الاساسية لطبيعة اليهود البشرية.[1]

يمكننا إيجاز ثنائية “النفي/المنفى ـ العودة”، وفق السرد الصهيوني، على النحو التالي: لقد حكم الله (إله اليهود) على شعبه المختار بالنفي والتشتت في بقاع الارض، وسوف يستمر هذا التشتت الى أن يعود الماشيح المخلص. وعلى هذه الركيزة قامت الاساطير وتوالت الخرافات التوراتية اليهودية في مختلف مشاهدها المتلاحقة: مقولة “شعب الله المختار”، وأن نفيهم كان حكماً إلهياً؛ مما أسس لاحساس اليهودي بالنفي إحساساً دائماً وازلياً سيلازم اليهود الى يوم مجيء الماشيح المخلص. هكذا تم نسج مقولة “التاريخ اليهودي” حيث يتخذ السرد اليهودي ـ الصهيوني خصوصية يهودية اخرى تتميز بثنائية المنفى ورغبة اليهود الدائمة للعودة (العودة الملاصقة باستمرار للمنفى). ويتفرد اليهود بهذا الاحساس الذي يقتصر عليهم دون غيرهم.[2] وبما ان تميز اليهود هذا، يرتكز على إدعاءات دينية توراتية تمنحه المصداقية والحصانة، فان الامر يصبح مغلقاً على العقل ويستعصي على الحجة والمنطق وحق التسائل والشك.

ولكن اذا كان اليهود “شعب الله المختار”، فلماذا أراد الله ان ينفيهم؟ ولماذا شاء ان يدوم هذا النفي حتى “عودة الماشيح المخلص”؟

تتعدد الاجابات وتتباين، إلا انها على وجه العموم، تتمحور في ان الله نفى اليهود تمهيداً لخلاص البشر من خطاياهم، مما يؤكد مجدداً الاستثنائية اليهودية.[3] وهو ما يؤسس لمقولة ان اليهود، وفق هذا السرد، هم “الشعب المختار” لاداء هذه المهمة الجليلة، خلاص البشر. وهنا نجد انفسنا من جديد أمام تجليات لا نهاية لها من التميّز والفرادة.

وبالاضافة الى ان ثنائية “النفى ـ والعودة”، تشكل ركيزة أساسية لفرادة اليهود او إستثنائيتهم، فانها تعتبر ايضاً احدى المقولات المحورية في الرواية اليهودية وتأويلاتها البروتستانتية (منذ القرن السادس عشر) والصهيونية (لاحقاً في القرن التاسع عشر)، والتي صيغ “التاريخ اليهودي” من حولها وعلى اساسها. كما ان العقائد اليهودية الدينية الاخرى ترتبط بهذه الثنائية وفرادة اليهود أوثق إرتباط، مثل عقيدة الماشيح والشعب المختار وعودته الى أرض الميعاد. ومن هنا أهمية فهم “إستثنائية اليهود” في أطار مناقشة الخرافات التوراتية.

من الواضح ان إستثنائية اليهود هذه تمهد الارضية لتوظيفها في خدمة الغايات السياسية الصهيونية وترسيخ إدعاءاتها وتبرير جرائمها. وفي غياب (وتغييب) العوامل الطبقية (الاجتماعية ـ الاقتصادية) تصبح مسألة الاسثنائية اليهودية هذه متروكة للتفسيرات الغيبية. بعبارة أخرى، حين يغيب التحليل المادي لحياة الجماعات اليهودية في اوروبا وللمجتمعات التي عاشوا فيها عبر القرون، وتطورات اوضاعهم، فان الامر يصبح متروكاً للتفسيرات التوراتية ويتعذر إنتاج فهم موضوعي للظروف الموضوعية التي عاش اليهود في ظلها ولاسباب وجذور ما حلّ بهم من إضطهاد وتمييز وإنغلاق في المنعزلات (الجيتوات) في اوروبا؛ كما يتعذر إنتاج فهم موضوعي لنشوء الفكرة والمشروع الصهيونيين، لا كحركة “تحرير قومي” لليهود جاءت لانقاذهم من الاضطهاد، كما إدعت بل من خلال السياق الطبقي (الاجتماعي ـ الاقتصادي) للحقبة الاوروبية التي ولدت فيها وعلاقة ذلك بمصالح البرجوازية اليهودية والبرجوازيات الاوروبية، وإرتباطها منذ ولادتها كحركة سياسية منظمة بمصالح وتطور الراسمالية والامبريالية كنظام عالمي.

2) العودة والصهيونية “كحركة تحرر وطني”

كان لاختراع خصوصية اليهود إفرازات كثيرة. فقد شكل إستغلال إضطهاد اليهود ركيزة لفكرة ان هذا “الشعب الفريد” يحتاج الى حركة تمثله وتذود عن مصالحه، مما مهد لمقولة “الصهيونية كحركة تحرير وطنية للشعب اليهودي”. واذا أقرينا “بخصوصية الشعب اليهودي”، فانه يصبح تحصيل حاصل ان نضال اليهود “يتميز” عن نضال الشعوب التي عاش بينها، مما يودي الى إستثنائية وخصوصية أخرى مفادها ان نضال الجماعات اليهودية لا تشكل جزءا من المجتمعات التي تعيش فيها. ومن هنا عملت الصهيونية على ضرب النضال الثوري لفقراء اليهود والحيلولة دون إنخراطهم في الحركات الثورية والاشتراكية المتصاعدة آنذاك، وتحويل إنظارهم نحو الهجرة وإستيطان فلسطين حيث شاطىء الامان وحيث “الحلم اليهودي” في الوطن القومي.

3) هل اليهود وحدهم ضحايا الاضطهاد؟

أم أن ما حلّ باليهود حلّ بغيرهم؟

كانت مقولة العودة ضرورية لتكريس وتجذير إستثنائية اليهود وصولاً الى تعزيز وتصديق كذبة فرادة اليهود من حيث انهم كانوا الوحيدين ضحايا الاضطهاد عبر التاريخ البشري. وهو ما أسس أيضاً لتوظيف الصهيونية وإستثمارها السياسي والاقتصادي والتاريخي المعروف للمحرقة النازية حتى يومنا هذا، في حين تم التعتيم على ضحايا الحروب والمذابح النازية من الشعوب والاثنيات الاخرى.

إلا ان وقائع التاريخ تشير الى ان اليهود لم يكونوا وحدهم الذين واجهوا الاضطهاد والتمييز، وأن ما حلّ بهم منذ رحيلهم من بلاد ما بين النهرين عبوراً الى فلسطين ـ أرض كنعان، وإقامتهم فيها وما تلى ذلك من إنهيار مملكتهم وسقوط القدس عام 70 م، يشابه على وجه العموم ما حلّ بالشعوب والاقوام التي كانت تقطن فلسطين وذلك الجزء من العالم في تلك الحقبة. لم يكن الاضطهاد والسبي والترحل الذي حلّ باليهود أمراً محصوراً عليهم، بل لعله كان سمة ذلك العصر. فقد تعرضت فئات إجتماعية وجماعات إثنية ودينية وقومية لاضطهاد فاق ما تعرض له اليهود. وعليه، فان تاريخ اليهود لم يختلف عن تاريخ الشعوب والاثنيات والجماعات التي سكنت تلك الاراضي. وربما، حسب ما ترى الباحثة بديعة أمين “اذا كانت هناك ظاهرة متفردة تميز بها اليهود القدماء فهي ميلهم للهجرة والاستيطان في مناطق مختلفة من العالم القديم” وأن هذه الميزة هي “حصيلة ظروف حسيّة ومادية عاش قي ظلها اليهودي”.[4]

أما في اوروبا، فلم يكن اليهود وحدهم هو الذين واجهوا الاضطهاد، فقد شهدت تلك القارة عبر العصور العديد من الصراعات الطبقية والدينية العنيفة المصحوبة بالمذابح الدموية والممتزجة بالتعصب الديني الاعمى طالت الطوائف المسيحية وغيرها (كالكاثوليك في انكلترا والبروتستانت في فرنسا على سبيل المثال).[5] وكذلك فان النازية لم تضطهد اليهود وحدهم بل استهدفت قائمة طويلة من القوميات والاثنيات ليس أقلهم الغجر والشعوب السلافية.[6]

4) “العودة”: آلية لتحفيز الغزوة الصهيونية لفلسطين

تعددت مشاريع الاستيطان الصهيونية الساعية “لحل المسألة اليهودية وتخليص اليهودية من وباء العداء للسامية”، إلا ان الرأي إستقر في المؤتمر التأسيسي للحركة الصهيونية (1987)[7]، على “أرض الميعاد”/فلسطين حيث وجدت الحركة الصهيونية في خرافة العودة، الحافز والآلية الرئيسيين لاقناع اليهود بالهجرة الاستيطانية الى فلسطين. لقد أدرك هرتسل والقيادات الصهيونية آنذاك بانه سيتعذر كسب الراي العام والدعم الجماهيري اليهودي لبرنامجها الاستيطاني وتنظيم الهجرة اليهودية الى فلسطين، اذا ما افتقر هذا البرنامج للعامل الديني والتراثي وإيقاظ “الحنين الى صهيون” وخرافات عودة “شعب الله المختار” الى “ارض الميعاد” وتحقيق “الوعد الالهي” والنبوءات التوراتية.

5) العودة وتضليل الجماهير اليهودية الفقيرة

إنعكس الاستهداف الصهيوني لفقراء اليهود في تضليلهم وإجهاض دورهم في الحركات الثورية في تلك الحقبة، من خلال التعبئة بالمقولات الدينينة والتراثية اليهودية. ويتضح هذا الاستهداف إذا ما نظرنا في المنبت الطبقي للمستوطنين اليهود في فلسطين خاصة في موجات الهجرة المبكرة في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين:

ـ فاننا نجد ان العودة كانت للفقراء فقط، وأن معظم المستوطنين الاوائل كانوا من اليهود الفقراء القادمين من اوروبا الشرقية كي تتخلص المجتمعات الاوروبية من فقرائها ومشاركتهم في النشاط الثوري الذي إحتدم في تلك الحقبة.

ـ اما الاغنياء فقد اقتصرت مشاركتهم على تمويل المشاريع الاستيطانية والدعم السياسي ولم يهاجروا الى الدولة المنشودة لتحقيق طموحاتهم القومية وتجسيد هويتهم القومية المزعومة.


[1] تكاثرت المفردات في وصف هذا الاحساس مثل “منفى”، “شتات”، “دياسبورا”، “عودة” وملأت الادبيات اليهودية والصهيونية. ويجادل المرحوم د. المسيري في دقة هذه المصطلحات ويقترح إصطلاح “إنتشار” بديلاً عن النفي والعودة.

انظر د. عبد الوهاب المسيري، المرجع السابق، ص 95.

[2] يقتصر الاحساس بالمنفى والعودة على اليهود وعليهم فقط دون غيرهم، فليس من حق الفلسطيني المشرد “الاحساس” بالعودة الى وطنه او مجرد الرغبة في ذلك!!

[3] نجد بعض التشابه، من حيث الجوهر، في المعتقدات المسيحية، في “سر الفداء” حيث أرسل الرب أبنه يسوع المسيح لفداء البشر. ف”خلاص البشر” هو كذلك عقيدة مسيحية مركزية. ولعل أوجه الشبه تتجاوز الدلالة اللاهوتية الى كون هذه المقولة أنجع وسيلة في كسب الأتباع وتسويق الدين في اسواق البشرية الواسعة حيث يولد الانسان وتولد معه الخطيئة الاصلية ولا خلاص له سوى بالدخول الى فناء الدين (المسيحية أو اليهودية).

[4] للاستفاضة راجع كتاب بديعة أمين، “المشكلة اليهودية والحركة الصهيونية”، دار الطليعة، بيروت 1974. والخلاصة المكثفة لهذه الدراسة والمنشورة في مجلة “الطليعة”، بيروت، نوفمبر 1974، ص 47 ـ 57.

[5] د. إميل توما، المرجع السابق، ص 28.

[6] تكاد ذاكرة الانسانية تسهو عن السوفييت الذين ابتلوا بما يفوق 25 مليون من الضحايا وما لا يقاس من التضحيات المادية في الحرب ضد النازية.

[7] تمت في ذلك المؤتمر مناقشة العديد من المقترحات لاقامة “الوطن القومي اليهودي” المنشود ترواحت بين الارجنتين واوغندا ورفح والعريش وليبيا وغيرها.

للاستفاضة، راجع د. أمين عبد الله محمود، “مشاريع الاستيطان اليهودي منذ قيام الثورة الفرنسية حتى نهاية الحرب العالمية الاولى”، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 1984.