المرأة العربية وقضايا التغيير

امرأة تونسية ضد الدكتاتورية

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2125 )

لأجلك أنت فاطمة البحري، إيمان درويش، نجوى الرزقي، لأجل الرفيقات اللاتي أنرن ظلام السجون ليكشفن عورة الجلاد ويفضحن قبح السجان. لأجلك راضية النصراوي وعفاف بالناصر وجمعة الحاجي… لأجل أمهات الرفاق المسجونين دفاعا عن حق الطالبات في السكن، لأجل المرأة العاملة المقهورة تحت سياط الاستغلال والاستبداد، الحافية فوق مسامير الرأسمالية القذرة، لأجلكن جميعا قرأنا لكم في هذا العدد كتاب المرأة العربية وقضايا التغيير: بحث اجتماعي في تاريخ القهر النسائي للدكتور خليل أحمد خليل دار الطليعة للطباعة والنشر بيروت.

أسئلة يطرحها الدكتور خليل أحمد خليل: ما الموقع التاريخي للمرأة العربية من قضايا التغيير الاجتماعي، الثقافي والسياسي. الحقوقي والاقتصادي، الفني والعسكري؟ ينبغي تعيين ما إذا كانت المرأة العربية حرة أم مستعبدة قبل السؤال ما إذا كانت سعيدة في حياتها؟ مَنْ يستعبد مَنْ تاريخيا؟ هل اختلفت أوضاع المرأة باختلاف الأحوال الاجتماعية؟ وإذا كانت الإجابة: نعم. هل أدى النظام الاجتماعي إلى جعلها فئة أو طبقة مقهورة على صعيد العالم المعاصر إلى جانب فئات أخرى كالعمال والزنوج والجنود والأقليات إلخ..؟ وما الأهم تاريخيا بالنسبة للمرأة العربية: أهي قضية التطور السياسي الذي يراه التقليديون محصور في بعض الوقائع الحقوقية والدستورية فيقاس تحرر المرأة السياسي “حق الانتخاب أو حق المواطنة دون الولوج في موضوع المشاركة السياسية للمرأة والقرار السيـاسي”؟

من ثم انتقل الكاتب إلى تحديد لمفهوم التطور والتخلف، المفهومين اللذين وقع التلاعب بهما خاصة من ناحية حفظ المفاهيم أو حصرها في معيار أحادي (الاستهلاك) فيصبح إحلال علاقات الاستهلاك الرأسمالية محل علاقات الاستهلاك التقليدية وإخضاع كل شيء لمقاييس الاستهلاك “الحضاري” هو في حد ذاته تطور فسعادة المرأة مرتبطة بشرائها غسالة أو بارتدائها ملابس داخلية ماركة كذا… ليُرسي مفهوما للتطور يتفق فيه مع جورج بلاندييه بأنه نقيض التخلف الذي يضم الخصائص السكانية، قلة الأغذية، الخصائص التقنية والاقتصادية، الخصائص الاجتماعية والثقافية وخاصة تخلف أوضاع المرأة حيث العامل الاجتماعي/الثقافي (الدين) وقواعد تقسيم العمل لا تعطي للمرأة إلا موقعا أدنى من موقع الرجل لينتهي الكاتب في مقدمة الكتاب لكون مشكلة المرأة العربية من مشكلة الإنسانية العربية ذاتها ومشكلة الإنسانية جمعاء وأن مشاركة المرأة في مسار تغيير العلاقات ومواكبتها لكفاح الرجل ووعي الشريكين بالعوائق التاريخية السلفية التي حالت دون اضطلاع المرأة بدورها التحريري الإنساني، كل ما سبق هو الشروط التي إذا توفرت يمكننا الحديث عن مجتمع عربي في حالة تغيير وتطور في اتجاه الانخراط في صلب حركات التحرر الوطني من أجل إحداث ثورة اجتماعية.

في هذا الكتاب يعود خليل أحمد خليل بقضية المرأة إلى نقطة الصفر في مسارها التاريخي قبل الإسلام وبعده آخذا بعين الاعتبار الخصوصية الثقافية، الحضارية، والاقتصادية والحرية التي كانت تسقطها المجتمعات العربية على المرأة.

وفي عرضه لمرحلة ما قبل الإسلام نقد الكاتب إسقاط مضامين العلاقة الجنسية وأشكالها إسقاطا على المرأة ومسألة فسخ الشراكة الطبيعية والتاريخية بين الجنسين أخطاء وقع فيها بعض المؤرخين. كما أشار إلى دور المرأة آنذاك المتمثل في إتاحة إمكانيات الترقي في سلم القيادة (القرابة الرحمية) وإعادة إنتاج الجماعة لأجل الحروب القادمة والتجمعات الجديدة (التكاثر). أما في ظل السلم الهش بين القبائل العربية، كانت المرأة تعاني عقدة السبي والوأد المستقرّة فكانت تتمتع بحرية نسبية عرضة للتبدل وفقا للعبة الصراع بين القوى ومقتضيات الحاجات الاجتماعية إلى دور النساء لكن هذا لا ينفي وضعية الاستتباع النسائي للذكور وتحويل المرأة العربية إلى سلعة أو أداة لهو، خاصة بظهور فئة النخاسين والمقينين والولائد والجواري فيقتصر بذلك دور المرأة على رعاية الماشية وردّ الجمال والخدمة المنزلية والبغاء وإمتاع الرجل.

في ظل هذا الوضع الرديء للمرأة أتى الإسلام للتخفيف من مساوئ التجمعات العربية القديمة دون الخروج منها، هنا يطرح الكاتب موقف عباس محمود العقاد الذي دافع عن القوامة مؤكدا على الطبيعة العاطفية والضعيفة للمرأة ملبسا إياها نعوت الكيد والدسائس والرياء وأنه لا مانع من قهرها بما أنها طريق للشيطان مبررا ومبتكرا لموجات “شرعية” لإباحة ضرب المرأة (عصيان الزوج في الفراش، أو تركها للزينة إذا طلبها الرجل…). لم يغفل الكاتب عن نقد هذا الموقف الرجعي موضحا فعل المرأة في تلك الفترة حيث تفاعلت مع الإسلام على صعيد التبشير الديني والتحريض والدعوة للجهاد وحتى على صعيد القتال كما ارتفع مستوى وعيها الاجتماعي والسياسي خاصة بعد الفتنة الكبرى. لقد عرف وعيها الاجتماعي أوجَهُ في العصر الأموي ليتراجع فيما بعد في العصر العباسي حيث عرفت المرأة حالة انكماش وعودة للخدمة المنزلية مع تكوّن نظام الحريم القائم على فصل الرق النسائي عن الرجال الأشراف إضافة إلى ظاهرة الحجب التي اقتصرت على نساء الرعية ما عدا الفلاحات، إلى جانب ازدهار تجارة النساء وازدياد تخصص النخاسين. وقد تفاقم الوضع مع حركات العثمنة في ذلك العصر.

يلاحظ الكاتب أن التراث الثقافي العربي السلفي لا يخلو من إشارات إلى دفاع المرأة عن وجودها وحقوقها لكنه دفاع خجول حيث أن قهرها يزداد بشاعة وعمقا في مرآة الثقافة السلفية الداعية لبناء مجتمع يعترف بالجنس الذكوري.

ثم ينتقل الكاتب إلى عرض لمحة عن موقع المرأة من قضايا التغيير العصري في علاقتها بكل من الجانب الحقوقي والتطور الاجتماعي والاقتصادي والثقافي ولمستقبل المرأة في ضوء الصراع بين الرأسمالية والاشتراكية رابطا الإصلاح الجنسي بضرورة تغيير البنية الاقتصادية للمجتمع مؤكدا أن المخرج الوحيد للمرأة العاملة والفلاحة من هذا الوضع في انضمامها للحركة العمالية لأن انتصار الطبقة الكادحة هو الخلاص الوحيد للمرأة المقهورة. فالبروليتاريا لا تستطيع أن تتحرر تماما إلا إذا تحققت الحرية التامة للمرأة والمساواة الاجتماعية المطلقة إذ لا تحرر عربي إلا بنضال المرأة جنبا إلى جنب مع شريكها الرجل لبناء اشتراكية علمية تناضل ضد الفجور وتعمل لإرساء علاقة بين الشريكين قائمة على الحب والأخوة وعلى كلمة توحد الجنسين، زميليْ الكفاح من أجل إنسانية جديدة.

:::::

عن “البديل”، حزب العمال الشيوعي التونسي

الموقع الالكتروني: www.albadil.org