إعادة بناء البلد (الحلقة الثانية): مثقفون للوطن أم ادوات للأنجزة وأكاديميا الغرب

متخارجون مثل…أم شهداء مثل ليبنكخت والخواجا

د. عادل سمارة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2157 )

منذ سبعينات القرن الماضي وخاصة بعد هزيمة فيتنام بدأت الولايات المتحدة، وفي اذيالها أوروبا الغربية والشمالية سياسة بدت للكثيرين جديدة وهي اعتماد القوة الإعلامية والثقافية لبسط هيمنتها كرديف للقوة العسكرية المباشرة، وكلتيهما كمقدمات ضرورية لعبور حقول الألغام لتمهيد الطريق أمام الجيش الحقيقي، راس المال. وهذه السياسة التي أسميت سياسة الإجماع في الداخل، والاحتواء في الخارج ومن أدواتها نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان والجندر وتشجيع منظمات المجتمع المدني…الخ.

ومن أجل هذا لجأت الولايات المتحدة وأذيالها لآليات عديدة نذكر منها هنا ثلاثة:

□ الأولى: تجنيد مثقفين من العالم الثالث ليقدموا عن الولايات المتحدة صورة وردية سواء عن نمط الحياة ومستوى الحياة والثقافة هناك.

□ والثانية: توفير ميزانيات لهذا المشروع جرى اختصار أكثرها من ما كانت تقدمه على شكل مساعدات للدول التي تدور في فلكها، فحولت هذه الاقتطاعات لتمويل المنظمات غير الحكومية والمؤسسات الأكاديمية والأفراد الذين يدورون في فلكها. لذا لا غرابة أن تخفض أميركا ومختلف بلدان المركز الكثير من ميزانيات وزاراتها، لكنها لم تخفض ميزانيات الأنجزة مثلا: لم تخفض الولايات المتحدة وغرب اوروبا وشمالها ميزانياتها للأرض المحتلة، بل زادتها، رغم أن البطالة طالت هذا العام 800 الف أميركي ووصل الرقم الرسمي للبطالة في أميركا نفسها إلى 8 مليون شخص.[1]

□ والثالثة: تجنيد دول محددة تجاه الوطن العربي تحديداً، والتي ليس لها تراثا استعماريا في المنطقة، ولكنها جاهزة لتخدم الاستراتيجية الأميركية في المنطقة وخاصة هولندا (حاضنة منظمة نوفيب، وهي صاحبة أكثر منظمات غير حكومية لعبت دورا في جنوب افريقيا قبل سقوط الابرتايد، وبان أُكُلها في إصلاحية المؤتمر الوطني الإفريقي لاحقاً، والنرويج (أوسلو وملاحقاتها) والدنمارك (جماعة كوبنهاجن) والسويد. وهذه الدول يجري استخدامها من قبل الولايات المتحدة لتمهيد الطريق أمامها، اي لتعويد شعوب المحيط على قبول العلاقة بالأجنبي. لذا بدأت بوجوه دول ليست عدوة تقليدية لشعبنا وذلك إلى أن اصبح التعيُّش من الأجنبي عادة ومطلباً، فدخلت أميركا بوجهها. ولكن ظل لهذه الدول دورها في الاستراتيجيا الأميركية، ومن هنا اسميتها في كتابي، التنمية بالحماية الشعبية 1990 “الحكومات غير الحكومية”.

أين نحن من هذا؟

في سياق حلقات”إعادة بناء البلد”، وجدت أن حصر النضال بمختلف اشكاله ضد الاحتلال، قد اسدل غلالة سوداء حالت دون رؤية احتلال آخر هو الاحتلال الغربي الراسمالي لسلطة الحكم الذاتي وخاصة لليسار والمثقفين والجامعات المحلية. مما يؤكد ما ذهبت إليه في مقالات عدة، بان اضعف خاصرتين في الأرض المحتلة واللتين ينفذ عادة العدو من خلالهما هما:

· النخبة السياسية

· والنخبة المثقفة/الأكاديمية.

لن أتحدث هنا عن النخبة السياسية، بل عن النخبة الثقافية الأكاديمية. والسؤال الذي يمكن البدء به: هل المثقفين طبقة؟ وإن كانوا كذلك هل يمكن أن يكونوا أو يصبحوا طبقة عالمية طالما هناك، (وبحضور أعلى من المجاز) توجد الطبقة العاملة العالمية والطبقة الراسمالية العالمية…الخ، وكل هذا في سياق السوق العالمي وقانون القيمة وبالطبع عدوانية هذه السوق. لا يتسع المجال هنا للبحث النظري في تحديد او تعريف الطبقة، ولكن يمكن وصف جماعة ما بأنها طبقة حين تكون قادرة على إعادة إنتاج نفسها بانعزال نسبي عن الأخريات. طبعاً الطبقات الرئيسية في المجمع هي التي تشكل طرفي نمط الإنتاج، مثلا في الاقطاع السادة والأقنان، في الراسمالية البرجوازية والطبقة العاملة. ليس المثقفون بهذا المعنى طبقة رئيسية، والسؤال: هل هي “طبقة” ثانوية؟ قد يقول لنا بوالنتزاس، هذا يعتمد على دورها السياسي، حتى تكون قد انتقلت من طبقة في ذاتها إلى طبقة لذاتها. هذا صحيح، ولكن الدور السياسي يأتي بعد دورها في العملية الإنتاجية وتقارب شروط وظروف العمل، وهذا لا ينطبق على المثقفين، اي شروط الإنتاج المادي تحديداً. وعليه، إذا حاولنا الانطلاق من الدور في عملية الانتاج وفي السياسة او التبلور السياسي، نجد أن المثقفين، حتى على اعتبار أنهم ينتجون فكرياً، ويلعبون دورا في السياسة، لكنهم موزعين على مختلف الطبقات. ومن هنا هم أقرب إلى الشريحة وليس إلى الطبقة، فهم شريحة تمتد وتتمدد على حواف وفي أحضان وهوامش مختلف الطبقات، ومن هنا كان طرح غرامشي عن المثقفين العضويين لكل طبقة، وطرح لينين/ليبنكخت عن المثقف الثوري، وما نعتقده عن المثقف العضوي/الثوري المشتبك، وهنا اقصد نقيض المثقف المساوم والرخو أو الذي يتنقل من حضن إلى آخر، أحمر أو وردي أو أبيض أو…صهيوني. ربما تساعدنا في هذا الأمر الطبيعة التقلبية للمثقفين لا سيما كأفراد، بينما لا تتقلب الطبقات كما يتقلب الأفراد. فلا ينتقل موقع طبقة ماديا بأكملها، بل يتقلب موقع فرد أو أفراد وربما شرائح.

لو أخذنا الأرض المحتلة مثالاً لكان ثريا. مثلا بقي الفلاحون كما هم طبقة محلية وطنية، وإن تضائل دورها الانتاجي او مساهمتها في الانتاج المحلي الإجمالي سواء بسبب مصادرة الارض من الاحتلال أو إغلاقها، أو قيام منظمات الأنجزة والمؤسسات الأجنبية الحكومية مباشرة، والجهاز البيروقراطي الهائل لسلطة الحكم الذاتي، بتوفير وظائف خدماتية لقوة العمل مما يبعدها عن العمل المنتج ماديا. كما بقيت الطبقة العاملة على حالها رغم ما اعتورها من ضربات. أما المثقفون فنراهم يتقلبون من اطراف منظمة التحرير التي “تعهدت” بتحرير فلسطين ليدخلوا معها في اتفاقات اوسلو القائمة على غزة-أريحا أولا، وربما اخيراً، ناهيك عن الاعتراف بالكيان. والمفارقة أن هؤلاء المثقفين وخاصة من أوساط اليسار ينقدون أوسلو والتسوية وحتى حركة فتح وكأنهم ليسوا هم الذين أتوا مع أوسلو واستفادوا منها، وتخلوا عن فكرهم، وكتبوا مجلدات التنازل عن الفكر الذي حملوه، ومؤخراً أخذوا يرفعون شعارات ماركسية او يسارية!!!

وهؤلاء المثقفون أنفسهم الذين تقوم على أكتافهم شبكة المنظمات غير الحكومية الموجهة من الدول الغربية والتي ربما اكبر مهامها التطبيع مع الكيان الصهيوني الإشكنازي. وهم انفسهم، أي نفراً منهم الذين يتعيشون من المؤسسات الأجنبية الرسمية والثقافية، خيث يقومون بأبحاث ودراسات تحددها الأطراف المانحة[2]، وهي لا شك أطراف تتلقى التمويل والتحويل والتوجيه وأخيرا الأمر من مخابرات بلدانها التي في التحليل الأخير مرتبطة بالمخابرات في المركز ولا سيما الولايات المتحدة. بل إن هؤلاء المثقفين يتخارجون بحيث يصبحون جزءا من شريحة المثقفين العالمية، المثقفون “مثقفون معولمون”، وهي شريحة مبنية على مراتبية مركز/محيط، أي الشريحة المثقفة في المركز التي تمارس تعميق الهيمنة البرجوازية في بلدانها دفاعاً عن السلطة ضمن ما يسمى المجتمع المدني، وهي التي تقوم بتجنيد شرائح المثقفين المتمكنين أو المزيفين في المحيط[3] لخدمة ثقافة وإيديولوجيا راس المال في المركز. هذا معنى الثقافوية المعولمة، التي تشكل شبكة استكشاف وتنظيم أدوات ومخبرين وعملاء وكتبة تحليلات ودراسات لصالح جيوش المركز، بدءا بالإعلام والإيديولوجيا وصولا إلى الجيش المقاتل وإخيرا لصالح جيش راس المال وهو السيد والأهم. من هؤلاء من يدرك ومنهم من لا يدرك. وبغض النظر عن كل هذا، فالمركز هو الذي يجني.

وعليه، سواء اتفقنا على كون المثقفين طبقة أم لا؟ يظل الأهم هو الدور، الأداء، الانتماء للطبقات الشعبية، تحمُّل العيش المتقشف كي لا يسقط المرء في الخيانة وعدم الوفاء للبلد ام الانزلاق إلى لذة العيش والأكل المفرط حتى التخمة والتمتع بذلك، وركوب الطائرات إلى المركز. ولا شك أن ركوب الطائرة مختلف عن أن يرسف المرء في قيود وأغلال الاحتلال ويُنقل في سيارات الزنازين من مركز مخابرات إلى آخر. هكذا قُتل كارل ليبنكخت، ومحمد الخواجا، وبالعكس من ذلك تمتع لطفي الخولي (وفريق كوبنهاجن، وتمتع مثقفون/ات فلسطينيون في لقاءات أوسلو المتكررة قبل اتفاق أوسلو وبعده، ورفلوا بالحرير كما كتب صحفي صهيوني، كان… كعارضة الأزياء لم يناقش ولم يتفاعل).

إذن ليس، بالنسبة للمثقفين تحديداً، ليس الأهم تسمية طبقة أم شريحة، بل الدور، سلبي أم إيجابي. مع التاريخ أم ضده، مع التاريخي أم مع اليومي ومتعته؟

هذا السؤال، مطروح برسم الإجابة على كل مثقف/ة في الأرض المحتلة خاصة، هل هو مطبِّع، هل هو على صلة بالأنجزة، بالقنصليات، بالسفارات، بالمراكز الثقافية للدول الغربية. من يمكنه التأكيد أن هذا الغرب يقدم هذه الأموال عن روح أمه؟ من يمكنه التأكيد أن ليست هناك اتفاقات سرية، وتقارير سرية[4]، وأجندة دائمة؟ إما بين يقوم بها المثقف الفلسطيني، مثقف المحيط، أو لا منحة! هؤلاء المثقفون متخارجون، بطرق عدة، فهل إعادتهم إلى المدار الوطني ممكنة؟ هذا متروك للقارىء، كي يحكم، ومتروك للحريصين وطنياً بأن يشكوا ويتأكدوا ويحذروا.

طالما هدف هذه الحلقات هو إعادة بناء البلد، فهذا الحديث موجه للجيل الجديد، الذي لم يتم الفتك بوعيه بعد. بكلمة أخرى، هذه الحلقات موجهة إلى الأمام وليس إلى الماضي.


[1] مقالة بقلم الكاتب الاقتصادي كريستوفر إس.روجابر في أسوشيتدبرس يوم 5 شباط 2010

Christopher S. Rugaber, AP Economics Writer

[2] انظر مقالة جوزيف مسعد “ساسة واقعيون أم مثقفوا كمبرادور”، في “كنعان” العدد 85، نيسان 1997، هامش 24 كتب سليم تماري: “الباحثون الفلسطينيون مثلهم مثل نظرائهم العرب والربيين مستعدون لبيع انفسهم وأبحاثهم مقاب السعر المناسب”.

[3] انظر بهذا الصدد كتاب زبجنيو بريجنسكي،

Brzezinski, Zbigniew. 1970. Between Two Ages: America’s Role in the Technocratic Era. New York, The Viking Press. P.p. 47-48

[4] في إحدى مؤسسات الإقراض وهي شبه بنوك، كان أحد الموظفين يقدم تقاريراً سرية للأجانب عن مديره بأن المدير ناشط سياسياً ويستقبل مناضلين محليين في المؤسسة. حين اكتشف المدير ذلك سأله: لماذا تفعل هذا؟

قال: أنا تعلمت عندهم على حسابهم منذ الصغر وحتى الماجستير، لذا لا استطيع الكذب عليهم.

قلت للمدير: الله يسترك حين يأخذ الدكتوراة!!!