الجامعة العربية ولجنة متابعتها…فتوى بغير حق وبما ليس من حقها!

عبد اللطيف مهنا

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2188 )

من مفارقات هذا الزمن العربي الرديء، أن تصدر مواقف عربية رسمية توحي بإجماع العرب على ما يجسّد نقيضاً يعلموا متخذوه قبل من اتخذ باسمهم أنه نقيض لموقفين شعبيين، أولهما، تمسك كتلة الأمة بما اصطلح على تسميته بالثوابت القومية، أو تلك المسلمات التي لا زالت محل إجماع الأمة العربية، أو تلك التي تنسجم مع حقيقة مواقف الشارع العربي، وهي المتعلقة تحديداً بما، أيضاً اصطلح على تسميته لزمن ليس بالقليل، بالصراع العربي الصهيوني، الذي تحول في الخطاب الرسمي إلى النزاع العربي الإسرائيلي، ليغدو مؤخراً ما يصفونه بالنزاع الفلسطيني الإسرائيلي، وقد يصبح ذات يوم عند البعض، أو هو كاد، لاسيما إن استمر مثل هذا السائد الراهن، بالخلاف الفلسطيني الإسرائيلي!

وثانيهما، هذا الحراك الشعبي العربي، الذي لم يعد يمور فحسب تحت سطح الركود العام المتبدي، أو تحجبه حالة الانحدار الرسمي المستشرية، وإنما غدت ملامحه تطفوا عبر اشتداد عود المقاومات وتجذّر مواقف الممانعات عربياً وإسلامياً، وفائض المباركة الجماهيرية البادية لارهاصاته التي بدأت تلوح.

ولا تكتفي مثل هذه المواقف الرسمية عند مثل هذا الحد، بل هي أيضاً تعد نقيضاً موغلاً في لامعقوليته لمستجد المواقف الإقليمية والدولية التي تعكس حراكاً كونياً بادياً، ينبئ بتحولات استراتيجية ملموسة، تبشر بمتغيرات وتؤشرعلى معطيات سوف تفعل عقابيلها في السائد الراهن على الصعيدين الإقليمي والدولي فعلها.

آخر مثل هذه المفارقات، فتوى مجلس وزراء جامعة الدول العربية، الملتئم في دورته الثالثة والثلاثين بعد المائة، التي يسجل أنه قد عارضتها دولة عضو واحدة هي سوريا وتحفظت عليها، وأجمع عليها من تبقى من الأعضاء، والتي أباحت لسلطة الحكم الذاتي الاداري المحدود تحت الاحتلال، العودة إلى ما يطلق عليه المفاوضات مع العدو المحتل بدون ضمانات كانت مطلباً عربياً وفلسطينياً تم الاصرار عليه لزمن، أو ما سميت الايضاحات التي طرحت كبديل لها بعد التنازل عنها والتي لم تعطى. بمعنى تنازل العرب في هذه الفتوى عن شرط وقف التهويد لما تبقى من الأرض الفلسطينية، أو ما يعرف ب”الاستيطان”… أو إعطاء الجامعة اليوم، التي لم تكن يوماً صاحبة قرار أو دور، عبر قرار هو ليس من حقها، مستغلة مسمى لجنة متابعة لم تتابع مهمتها الوحيدة وهي ترويج “مبادرة عربية” كان العدو قد وئدها في مهدها، وبالتالي دفنت منذ أقل قليلاً من العقد، وبقرار مجلس وزراء خارجيتها هذا، الذي يتراجع متخذوه حتى عن مبادرتهم التي يبعثون اليوم الحياة فجأة في لجنة متابعتها… اعطائها لرام الله الغطاء الذي نشدته للقبول بمقترح تصفوي أمريكي، أو تفويضها بالتفاوض حول ما سيملى عليها تحت سقفه، أي بلا مرجعيات أو ضمانات… وكل هذا بحجة تسهيل “المبادرة” الأمريكية، أو بالأحرى، مقترح تفرض هذه الدولة المعادية للأمة العربية والراعية للاحتلال، والتي شهرت حتى الآن سبعة وثلاثين “فيتو”، أو حق النقض، ضد قضية قضايا هذه الأمة في فلسطين!

الطريف، أن من اتخذوا القرار قد شككوا سلفاً في جدوى ما افتو به بغير حق مسوغينه بزعم “إعطاء الفرصة للمباحثات غير المباشرة في محاولة أخيرة وتسهيلاً لدور الولايات المتحدة”… المفاوضات غير المباشرة التي سوف يهبَّ كل من نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن والمبعوث جورج ميتشل قادماً إلى المنطقة ليحولها لاحقاً، على الأغلب، إلى مباشرة!

لا ندري أي دور ينتظرون ممن دأب عبر تاريخ الصراع على استخدام الفيتو ، كما قلنا، ضد كل أي مقترح أممي يقارب من قريب أو بعيد عدالة القضية العربية، وله من السياسات والتاريخ العدواني ضد العرب ما لا يجادل فيه اثنان في بلادنا، ويكفي القول أنه كان ويظل الحليف والراعي الدائم لعدوهم في فلسطين، والغازي المواصل لراهن الاعتداء المدمر المستمر عليهم الآن في العراق؟!

لكن الأطرف، هو أن السلطة في رام الله، التي لم ترد يوماً دوراً للجامعة، والتي أشهرت في الأشهر الماضية شرطها القائل، لا للمفاوضات بدون الوقف الشامل والكامل للاستيطان، ثم تراجعت فاستبدلته بطلب ضمانات أمريكية، لتتراجع مرة أخرى لاستبدال هذا المستبدل بطلب ايضاحات أمريكية، وحيث لا وقف ولا ضمانات، ولا ايضاحات، لجأت إلى الجامعة التي لا دور ولا قول ولا حق لها لكي تمنحها غطاءً لتراجعها الكامل هذا، مستفيدة من صاحبة كرم في هذا السياق حيث سبق وأن مددت نيابة عن الشعب الفلسطيني لرئيسها المنتهية ولايته وفق القرانين الأوسلوية ذاتها!

لن نتوقف أمام ما يطلقون عليه المفاوضات غير المباشرة، والتي لا نعرف كنهها، هل هي ستدار بوسيط أم ستدور عبر الهاتف أو على صفحات “الفيس بوك”، أم هي فحسب ستفتقد هذه المرة إلى التقاط الصور التذكارية؟!!

كل ما يمكن معرفته فحسب أنها بعض كرم تسووي عربي، أو بالأحرى تصفوي، هو أشبه بالمكافأة لنتنياهو على إتمام تهويده للحرم الإبراهيمي ومسجد بلال، وسيره الحثيث الصريح لفعل المثيل بالحرم القدسي الشريف، وفي خلاصته إعطاء نتنياهو فرصة أربعة أشهر، ليضرب عصفورين بحجرها، هما، تهويد ما تبقى مما لم يهوّد بعد من المحتل من الأرض العربية الفلسطينية، وتمرير مسألة ضم تلك المقدسات الإسلامية لتراثه اليهودي المزعوم، بالإضافة إلى عصفور ثالث هو مواجهة ما يخشاه من ما قد يهدد إسرائيل ولو بشيء من العزلة إثر ما كنا وصفناه في مقال سابق بحفلة القتل الموسادية متعددة الجنسيات، التي اتخذ نتنياهو شخصياً قرارها لترتكبها وحدة “كيدون” في دبي، عندما اغتالت المناضل الفلسطيني محمود المبحوح، بتغطية وتحت ستار من مختلف جوازات السفر الغربية!

… ومن حقنا أن نتسائل، هل هذه المفاوضات، تعيدنا إلى سابق ما سبق غزو العراق، بمعنى هل هي بعض من غطاء مطلوب من العرب في سياق التهيئة لحرب وشيكة أو مضمرة ضد بؤر المقاومة وباقي قلاع الممانعة لديهم؟!

المهم أن أمريكا رحبت بالكرم العربي، ونتنياهو الذي يقول أن “رقصة التانغو يلزمها اثنان في الشرق الأوسط، ولكن يمكن أن يؤديها ثلاثة”، والآن هو في انتظار الراقص الثالث ميتشل، فرحب ب”نضوج العرب”!!!

لسنا في حاجة إلى الكلام عن ما تعنيه فلسطين في ضمير ووجدان الأمة العربية والإسلامية، ولا لكونها بوصلة نهوض العرب وخروجهم من هذا الزمن الرديء المنحدر الذي تعيشه أمتهم، ولا عن الحراك المائر المنتقل رويداً رويداً من تحت سطح الركود الوهمي إلى حيث العيان، وننتقل إلى الحراك الإقليمي والدولي، الذي يعبر عن ما وصفناه سابقاً بالتحولات والمعطيات الاستراتيجية الإقليمية والدولية الجديدة، ونأخذ هنا الأمثلة التالية:

في تقريره أمام لجنة الأمن في الكنيست يحذر رئيس وحدة الأبحاث في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية من التحولات والمخاطر الكامنة وراء تعاظم روح المجابهة لدى جبهة المحور المقاوم والممانع في بلادنا والمنطقة… وإسرائيل بكاملها تعرب يومياً، ولأول مرة، عن خوفها من الإقدام على شن حروب درجت على شنها وقامت عليها، لأنها لم تعد تضمن نتائجها، ويكشف جدلها الداخلي الراهن عن تعاظم القلق الوجودي المزمن لديها، وهذا لتعاظم ما يمكن وصفه بتوازن الرعب، أو الردع المقاوم، الذي بدا يتشكل في المنطقة… ولعل هذا الخوف والقلق هو واحد من دوافع كثيرة تتعلق بالاستهدافات المعروفة للاستراتيجية الصهيونية، يتجلى في هذا التسريع المحموم لعملية التهويد الجارية، أو التعويض عن تلك الحروب غير مضمونة النتائج!

… وإقليمياً، نكتفي بالإشارة إلى قول وزير الخارجية التركي أحمد داوود أوغلو، بأن بلاده تسعى “من أجل وضع استراتيجيات للعلاقة مع كافة الدول خلال الأعوام العشرين المقبلة… سنقيم دارنا بأنفسنا، ولن نقبل هيمنة من خارج المنطقة”… تلى هذا استدعاء أنقرة للسفير التركي في واشنطن للتشاور تعبيراً عن احتجاجها وغضبها، لأن الكونغرس وصف مأساة الأرمن أواخر العهد العثماني ب”الإبادة”!

كما لا ننسى الإشارة إلى آخر تداعيات آخر تجليات التجاذب الخطر، أو هذه المواجهة الإيرانية الغربية المحتدمة حول برنامج طهران النووي، والذي تتراكم فيه النقاط لصالح تمسك العناد الإيراني بحقه المشروع وفق قوانين ومواثيق وكالة الطاقة الدولية، وحيث هبطت مؤشرات حدة التهديدات الغربية لإيران بالويل والثبور إلى مستوى نشدان الحلول إن لم نقل استجدائها.

… ودولياً، تكفينا أيضاً، الإشارة إلى أننا لأول مرة نسمع ضابطاً صينياً كبيراً في جيش التحرير الشعبي، وأستاذ في جامعة الدفاع الصينية، يدعو للإطاحة “ببطل العالم” الأمريكي، ويقول في كتاب جديد له حول “الحلم الصيني”:

“إن هدف الصين الكبير في القرن الواحد والعشرين هو أن تصبح الرقم واحد في العالم… القوة العليا”، وحيث يتحدث عن حتمية الصدام بين بيكين وواشنطن، يقول، إنما “هي منافسة على الزعامة، صراع حول من يسقط ومن يصعد للهيمنة على العالم… على الصين أن تعد نفسها لأن تصبح قبطان السفينة”!

أوليس من مفارقات هذا الانحدار الرسمي العربي، أنه وفي ظل مثل هذه التحولات والمتغيرات الاستراتيجية، على الصعد العربية والإقليمية والدولية، أن تصدر الجامعة، التي يبدو أن مجتمعيها هم في وادٍ آخر، فتواها النقيضة لكل ما تؤمن به الأمة العربية… تسهيلاً لتآمر الولايات المتحدة، أو “بطل العالم”، الذي بدأت فعلاً عملية الإطاحة به كونياً، حتى قبل مطالبة الجنرال الصيني… تآمره لتصفية قضيتهم التي من المفترض أنها المركزية في فلسطين؟!

سؤال مستحق، لكنما قد يكون من العبث وهذا هو راهن الواقع الرسمي العربي، أن يسال عنه الأمين العام لجامعة الدول العربية فور فروغه من قراءة بيان مجلس وزراء خارجيتها في دورته الثالثة والثلاثين بعد المائة… الفتوى!!!