تضامنا مع مجلة “الاداب” نقول: ثقافة البترودولار ليست عربية فقط

جمال محمد تقي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2212 )

“اعطني اسم الممول اعطيك اهداف المشروع “

في الغالب لا تجد مشروعا ثقافيا عربيا مؤثرا وغير حكومي يكتب له النجاح ويبقى بمنأى عن محاولات الترويض السلطوية، حتى تلك المشاريع التي اقيمت في بلدان المهاجر فبرغم الاجواء الليبرالية التي تعمل فيها الا انها اما مؤسسات قامت وملعقة السلطة بفمها حتى اصبحت مدفوعة الاجر مقدما او انها كانت عصامية النشئة ثم ما لبثت ان باعت اسهمها بالجملة او بالتجزئة كأي مشروع تجاري استثماري لممول ثابت واحد او عدة ممولين متحركين، وفي كل الحالات يبقي صاحب امتيازها او مؤسسها نفسه مالكا اسميا للاسم وبعض الزوايا المحايدة اما المضمون الكلي فهو تسويق وترويق للجهة الممولة وتوجهاتها التي تسلط مجاهرها المكبرة على المنافسين والمناوئين من الخنادق الاخرى التي تحوي معارضين داخليين او دول معارضة!

من كل صحف ومجلات العرب المهمة التي تصدر في الخارج وكذا القنوات الفضائية لا تجد الا عددا اقل من عدد اصابع اليد الواحدة يحتفظ باستقلاليته ومهنيته وبالتالي بمصداقيته بعيدا عن بورصات البزنز السياسي المتثاقفة كقطاع مختلط دائر بمدارات المال السياسي العربي البترودولاري، ولا يحضرني من هذا العدد الان الا القدس العربي ومركز الدراسات العربية ومجلة الاداب البيروتية!

تمويل حكومي كامل او جزئي مجزي تقوده مافيات رسمية او شبه رسمية والذي يعاكس اتجاهها فانها تحاصره وتقاطع منتوجه، شركات بل قل امبراطوريات اعلامية مجهزة باحدث الصرعات الحداثية التي تعمل على احتكارتصنيع المنتج الثقافي المطبوع والمسموع والمرئي، من كلمات الاغاني الى الفديو كليب الى الاخبار والبرامج السياسية والتحليلية الى البرامج الرياضية الى والى مدن الانتاج التلفزيوني الى تجسير الهوة بينها وبين ما يقدم اعلاميا وبالعربية من وسائل اعلام الدول الكبرى ذات المصالح الحيوية في المنطقة كالحرة وسوا، الى ترطيب التطبيع الاعلامي مع مؤسسات الاعلام الاسرائيلي الناعمة ـ اتحاد الكتاب منظمات المجتمع المدني ومؤسسات الاستطلاع والبحوث المستقلة ـ والطريق صارت اكثر من سالكة فهناك عاصمتان عربيتان مركزيتان ـ القاهرة وعمان ـ لا تمانعا رسميا من التعاطي مع النشاط الاعلامي والدبلوماسي الاسرائيلي فيها وهناك عواصم اخرى في الاطراف لها مكاتب تجارية وثقافية متبادلة مع الدولة الصهيونية كقطر وموريتانيا، وهناك قناة فضائية عربية ـ الجزيرة ـ بتمويل رسمي وادارة ليبرالية لها شعبية كبيرة تحاول مسك العصى من النصف من حيث محاولتها معادلة نقلها المباشر لهموم الناس واتجاهاتهم ومواقف القوى المقاومة بينهم واستقطابها لالمع العاملين في المجال الاعلامي العربي وخاصة من المستائين مع انفتاحها التطبيعي مع الاعلام الاسرائيلي!

لبنان بطبيعة توازناته وانفتاحه وبسبب من ضعف الاستبداد السلطوي فيه هو البلد العربي الوحيد الذي كان ولايزال قادرعلى تحمل النقيضين معا ثقافة الرسميين والسلطويين العرب ونشاطهم الاعلامي وايضا ثقافة المعارضات العربية ومدارس النخب، لبنان كان رئة تتنفس منها الثقافة العربية الحرة كان شاطيء الامان للاختراقات الكبرى التي تطاردها العواصم الاخرى بتهمة البدع!

حتى اثناء احتدام صراع قوى الاقليم فيه وعليه وحتى عندما تغولت الطائفية السياسية على حساب الهوية الوطنية فيه وحتى عندما استعملته القوى الكبرى ميدانا للاختلاط المتلاطم فيه وعليه بقي لبنان وعلى علاته ملاذا او جزرا تتسع معاركها للتنفس الحي مادامت لا تدين باللون الواحد الاحد، لبنان كان يمنشست وينضد الحراك الثقافي العربي، فيه الصياغة الاولى لفكرة القومية العربية وفيه كانت لليسار انطلاقته المطعمة بطزاجة الفكرة التي لا تستذوق التعليب، لنراجع ما قاله الجواهري في وعن لبنان لنراجع ماقاله احمد الصافي النجفي، لنراجع ما قاله جورج حبش ورفاقه من الاشتراكيين العرب، لنراجع مراجعنا ونثبت بالمتون ما تعلمناه وما يراد اليوم لنا ان ننساه، لبنان مجلة شعر وابداع واداب سهيل ادريس وسماح ادريس لبنان خير الدين حسيب ومركز الدراسات العربية، لبنان محمود درويش وسعدي يوسف ونزار قباني ومارسيل خليفة وزياد الرحباني، لبنان فيروز والرحابنة الذين ان حلوا ضيوفا على بغداد او الشام لن يخذلوا اهلها بل يغنوا لهم وحدهم، فليس المثقف الفنان بسعدان هكذا علمتنا لبنان!

تدور الدوائر ولبنان هو لبنان، مبدعوه ومعهم كل الاحرار في عالمنا العربي يريدوه ان يكون افضل مما كان، لا ان يكون مستباحا من اقزام كوبونات البترو دولار العربي او الكردي والتي تريد انتزاع بيعته وجعله واجهة لتبييض صفحاتها السوداء وتحليل اموالها الحرام!

يقف مثقفو لبنان الاحرار متضامنين مع شعب العراق الذي عانى ويعني الامرين من الاحتلال الامريكي وتداعياته، يعاني من تزوير ارادته يعاني من الاجندة الحثيثة السائرة باتجاه تقسيمه على اسس طائفية وعرقية ومناطقية وتحت يافطة غشاشة من ديمقراطية العشائر والعمائم والاغوات، شعبنا العراقي ايها الاشقاء في لبنان يريد ديمقراطية المواطنة ولا غيرها بديلا اما الذين يلوكون بشعارات الديمقراطية الكاذبة ديمقراطية المكونات فهم كاسيادهم المحتلون يريدون تقاسم العراق بعد ان تمكنوا بمساعدة المحتلين من السلطة فيه!

كانوا يتهمون النظام السابق ـ نظام صدام حسين ـ بانه يرشي المثقفين العرب ويغدق عليهم ليكونوا سندا له، وبعد احتلال بغداد ادعوا بان النظام السابق نفسه كان يوزع كوبونات النفط على الكثير منهم وراحوا يشهرون بكل معارض للاحتلال بحجة انه كان مستفيدا من عطاياه المسجلة بقوائم بين ايديهم، واضطلع بهذه المهمة احد الذين اواهم لبنان واحسن ضيافته ايام كان يدعي معارضته للنظام السابق، السيد فخري كريم زنكنة عضو اللجنة المركزية السابق لحشع ورئيس تحرير مجلة النهج سابقا وصاحب جريدة المدى حاليا ومستشار السيد جلال الطالباني الذي نصب رئيسا للعراق وهو احد جزاري الشعب الكردي واحد جحوش نظام صدام حسين والذي كان يتنقل اثناء الحرب العراقية الايرانية كالمومس في احضان احدهما نكاية بالاخر وبحسب موازين المعارك وموازين الدفع، اي ان الرئيس الحالي وليس غيره صاحب اكبر رقم قياسي في تلقي عطايا نظام صدام حسين، والان هو وعائلته يسيطرون على مقدرات نصف اقليم كردستان ـ السليمانية ونصف اربيل ـ بحيث اصبحوا من اصحاب المليارات في الداخل والخارج وبزمن قياسي، ولا عجب اذا عرفنا بان الطالباني قد وضع يده على موارد حقل نفطي باكمله ـ حقل طقطق ـ اضافة الى عمولات شركات الهاتف النقال وتوكيلات تجارية لشركات متعددة الجنسية، اما حصة الاقليم من الميزانية العامة 17بالمئة فهي تقسم مناصفة بين حزبي السلطة في كردستان العراق بعد ان تسحب منها الرواتب العامة ومصروفات الوزارات الخدمية، لقد انفتحت طاقة القدر لجلال الطالباني واسرته الحاكمة بامرها وعليه راح يعتمد على شراء الولاءات كبديل عملي عن الادعاءات الفارغة السابقة، وكان مستشاره ذو السوابق الشبيهة بماضي رئيسه كان خير معين له، فسخر وأجر كل مديات مداه لصالح الرئيس وسمعته التي وصلت الحضيض بفعل روائح الفساد التي تعط منها، فكانت مهرجانات المدى في اربيل والسليمانية مناسبة للتحشيد الاعلامي الداخلي والخارجي لمصلحة الرئيس ومنجزاته الوهمية والتطبيل لخصاله المنعكسة على احوال مناطق حكمه وحتى يكون هذا التحشيد فاعلا فلا بد من تطعيمه بالنجوم وخاصة من مشاهير الاقلام العربية وتحديدا اللبنانية بدعوات خاصة ينال المدعو فيها من كرامات الرئيس الديمقراطي ما لم ينله اي زائر من زوار صدام حسين وبحكم معرفة المستشار باحوال لبنان فقد كلف بهذه المهمة، هناك بعض الزوار ذهبوا للكتابة فعلا عما يجري ولكنهم وللاسف لم يكونوا موفقين في عكس الحقيقة مما جعل الكثير من العراقيين يشككون بنزاهتهم على الرغم من احترامنا لمكانتهم الادبية!

هذه صحيفة هاولاتي ” المواطن” الكردية المستقلة والصادرة في السليمانية عاصمة مناطق الرئيس جلال الطالباني تصدر وصفحتها الرئيسية بيضاء الا من عبارة واحدة تقول: الاسلحة لكم والاقلام لنا! طبعا المقصود هو حزب الرئيس الذي يحارب اصحاب الاقلام الشريفة والمستقلة والنزيهة والناقدة لسلطة الرئيس وفساده ونحدار حزبه!

هذا نوشيروان مصطفى كان قبل سنوات يعمل شريكا مع الطالباني وحزبه اليوم يخرج عليه ويتحداه بقائمة انتخابية مستقلة اسمها قائمة التغيير اكتسحت القائمة الجديدة معقل الرئيس في الانتخابات الاخيرة، لكن الطالباني مارس وما زال اشد انواع العقاب الجماعي ضد مؤيدي القائمة ـ فصل من الوظائف، اعتقالات، مضايقات، واخيرا هجمات مسلحة على مقراتهم ـ والحقيقة ان نو شيروان كان قد اضطر لفضح تاريخ جلال الطالباني الحافل بالتأمر والقتل والاجرام والعمالة بالضد من المصالح الحقيقية للشعب الكردي خاصة والشعب العراقي عامة بعد ان سخر الطالباني كل اجهزة سلطته الاعلامية لتشويه سمعة غريمه القوي نوشيروان!

مستشار الرئيس ووكيله الذي يحاول تعميم وتعويم المشاركة في فساد رئيسه لقطع الطريق امام اي محاولة مؤثرة لفضحه انه نوع امريكي في حروب الاعلام الاستباقية، مثقفون لبنانيون ومصريون وفلسطينيون واردنيون وكل بحسب طاقته ولكل بحسب الحاجة له سفرات خمس نجوم وايام دسمة في رحاب الرئيس الارحب فسادا جلال الطالباني!

صفقات اعلانية لصحف عربية وتكليفات لانشاء مراكز بحوث بتمويل طالباني وبوساطة مدى المستشار تدار لعبة الدار المنهكة بسرقات اللصوص وتزويراتهم التي لم تدع شعارا جميلا الا وعبثوا به فعليا بعد ان افرغوه من محتواه!

في الزمن الرديء يبدو وكأن المثقف الحر يغرد خارج السرب عندما ينسجم مع نفسه ومع الحقيقة، وذلك لان المثقف الحر صوت اصيل لا يساوم على المباديء، هكذا وقف صاحب مجلة الاداب الاستاذ سماح سهيل ادريس معريا بعين الناقد الثاقبة والموضوعية ما لم يمسه الاخرون من معتمري الكعبة الجديدة ـ كردستان الطالباني ـ!

رفع مستشار الطالباني فخري كريم وكبس دعوى قضائية في المحاكم اللبنانية ضده بتهمة القذف والتشهير، مع ان مقالة كاتبنا لم تكن كذلك وانما هي قراءة نقدية واقعية مستندة لحقائق معروفة لدى اهلها، ثم ان المستشار نفسه كما يدعي شخصية عامة اي انها ليست ببعيدة عن التناول وخاصة النقدي، اذا ما الداعي لكل هذه الحمية؟ غير محاولته ارهاب اي ناظر عراقي ام عربي بعيون نافذة وناقدة وفق قراءات جدية ومؤثرة تكشف عن الواقع المراد تغطيته هناك واخافة من يحذو حذو سماح في التصدي لكشف الزيف المراد له الطغيان، للاسف القانون اللبناني يقيد حرية التعبير بديباجات لا تصلح الا لزمن الباشوات، والا بماذا نفسر سماعنا لخبر حكم المحكمة لمصلحة المدعي فخري كريم؟

يقول سعدي يوسف: الصوت لو يشترى ما تشتريه الناس!

صوت سماح اعلن عن نفسه حتى بعد صدور الحكم لمصلحة المدعي، والقاضي بغرامة مالية تقدر بمئات الالوف من الليرات، عندما سمع سماح سهيل ادريس بالحكم اعلن بانه سيستأنف الحكم ولن يسكت، هذا ما كان منتظرا من امثاله وهو العالم بان قلوب وعقول مثقفي العراق الاحرار معه لانهم لم يكونوا اصلا من الساكتين!