محمد الماغوط – أيقونه سورية

كلاديس مطر

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2220)

الكتابة عن محمد الماغوط رهان خاسر مقدما. اذ لا اعرف ما هي الكلمات التي تجاري شاعراً بحجمه. تعوزني اللغة حقا، فالرجل صعب الاحاطة به، وصعب اختزاله. كرمته المؤسسات في سوريا وفي نفس الوقت بقيت عصية عليه وهو عصي عليها. كان بالنسبة اليها مثل القنبلة الموقوته التي تجب مداراتها او الحذر منها، ومع ذلك كان هو نفسه رجل خائف، هكذا يعترف، خائف من كل شيء. وبالرغم من انه حالة قائمة بذاتها في الحياة الثقافية العربية الا انه يقول عن نفسه (انا لست مثقفا ولا قارئا ولا مطلعا ولا اعرف لغات)، كل ما استطاع ان يحبه في الحياة هو تناقضاتها وكل ما كان يلفت نظره في الشعر هو الصورة، اللقطة والمرارة التي تنضح بها. وحينما كان يُسال عن مسرحياته، كان يقول ” أنا أحب الحوار. نحن شعب يكره الحوار..واحد يتكلم عندنا والثاني يسكت..” هكذا يرى ارثنا من الحرية والديمقراطية.

رجل أحب حتى القصائد الفاشلة بينما كره خطب الحكام مهما كانت صادقة وجدية. انه ماغوط الهروب المستمر، ماغوط الرغبة الباقية في الروح رغم عجز الجسد، ماغوط مقهى ابو شفيق في منطقة الربوة في دمشق والنظر التائه المراقب للرائحين والغادين وحيث مواعيد الغرام العابرة والقراءة العابرة و كتابة المسرحيات والقصائد و فن اللاشيء، ماغوط الاتكاء على ونس الكحول المختلط والتبغ الذي لا ينطفىء، ماغوط الكلام الذي يخجل الاخرون من البوح به، ماغوط الايمان بالله من دون شعائر ولا انتماء طائفي، ماغوط دمشق وبيروت المدينتين الأحب لديه على الإطلاق ومع ذلك لم يتوانى عن الاعتراف بأنه أحب بيروت أكثر من دمشق وأنها المدينة الباقية في قلبه.

هذا الخائف من الرقابة حتى امست ظله، قال له الرئيس الراحل حافظ الأسد مرة: اكتب كل ما تشاء و لن يراقبك احد، وخصص له الرئيس بشار الاسد معاشا تقاعديا مدى الحياة، ورغم ذلك، الله وحده يعرف ان كان تقدير رجل السلطة للمثقف تحية لعبقريته أم خوفا من لسانه السليط !

هذا الخائف الذي خوف الدنيا لم يكن يقبل تحريفا لكلمة في نصوصه عندما تكون بين يدي المخرجين، لم يعرف كيف يكتب على طاولة كل حياته و انما بقي يطرز نصوصه على ركبته ككل المشردين المستعدين للطرد عند اول ركله ـ تماما كما يفعل عندما ياكل الخبز واضعا اياه على ركبته ككل فلاحي الحقول في ضيعنا وجرودنا.

ابن بلدة السلمية – بلدة الفوارق الطبقية الحادة حيث الفقراء والأمراء ـ التي ضعضعت الحركة الثقافية والسياسية في سورية و اثرت فيها. فهذه المدينة يعترف الجميع ان ما يميزها أمران: الفقر والثقافة. ويبدو ان الفقر كان أبو الثقافة فيها وامه ويبدو ان الثقافة كانت أم السياسة وحركاتها وأحزابها الكثيرة التي أثرت في المشهد السياسي السوري لاحقا. مثقفو السلمية معروفون، مع الوقت لا تقول أنت ابن من، تقول انا من السلمية فتسمع اما المديح او التأفف.

وبقدر ما كونت السلمية شخصية الماغوط بكل ما فيه من نزق ومزاجية واكتئاب مزمن، ساهمت سجون دمشق وبيروت في بعثه كشاعر ناضج. وانا اشكر حقا سجون المدينتين في النصف الثاني من القرن الماضي لانهما ساهمتا من دون قصد، في خلق هذا البهاء الشعري الغاضب والمنفلت من عقاله والذي لا مثيل له.

…المرور على محمد الماغوط مرور الكرام يؤلمني اكثر مما يؤلم ذكراه. ولكن، لا مجال من تدوين كلمتي حب فيه و تقليب البوم صوره العتيقة.

البوم صور

صورة من منتصف الخمسينات: السجن!

صورة للماغوط بالأبيض و الأسود في السجن منكبا على الكتابة على ورق لفائف السجائر (بافرا). لقد كتب مذكراته الاولى عليها وهربها تحت ملابسه متجها الى بيروت حيث تعرف على يوسف الخال و سكن في بيت ادونيس. ثم عاد ليسجن في بيروت في الـ 58 ومنها الى سجن آخر في سوريا.

كان الاعتقال رائجا في تلك الحقبة وكان الماغوط محسوبا على الحزب السوري القومي الاجتماعي الذي لم يقرأ مبادئة، كما قال. لقد انتمى له في قريته السلمية لان مقر الحزب كان قريبا من بيته وفيه مدفأة بينما كان مكتب حزب البعث بعيدا والطريق موحلة والبرد قارس. كان يقول لا يصنع السجن كاتبا، (ما بدها عبقرية الكتابة، بدها تكون موهوب وصادق، الصدق هو الأساس. اذا بتكون أفلاطون وكذاب بتنتهي.) لكن الصدق امر يستريب منه رجل التحقيق، فحين القي القبض عليه كسوري قومي في تلك الحقبة لم يقنع احد ممن كانوا يحققون معه ان المدفأة هي السبب وانه لم يقرأ صفحتين من مبادىء الحزب حتى انه لم يكن يعتبر انطون سعادة سوى (شاعرا ضل طريقه).

صورة من الستينات: ادونيس يقرأ شعرا للماغوط في مجلة شعر

قبل ان اتحدث عن الصورة يجب ان أسرع فأقول انه ظهر في تلك الحقبة ما يسمى بـ (شعراء الحداثة) أو شعراء الستينيات. اما الإيديولوجية الماركسية و القومية العربية فكانتا في حالة صعود لا مثيل له. بينما كان الاتحاد السوفيتي متفردا بهذه الكاريزما الغريبة باعتباره ابو الشيوعية، محركا وراعيا لحركات التحرر العالمية التي كانت نشطة جداً ومنتشرة ومدعومة منه. الحق، لقد اثر كل هذا على الحالة العربية الراهنة في ذلك الوقت فكثرت التنظيمات الشيوعية العربية واتسع تحركها وانتشارها بشكل لافت عبأ الشعور القومي لدرجة شعر الجميع ان الوحدة العربية هي قاب قوسين او ادنى. كان جمال عبد الناصر هو مركز هذا الشعور القومي حينذاك ولبه، بينما كان الحديث عن الانتماء الى امة عربية واحدة وعن وحدة اقتصادية وسياسية وثقافية في اوجه وعز احتدامه.

اما الدفقة الاسثنائية العارمة التي كانت جزءا من هذه الأفكار القومية واحد دعائمها الشعبية فتجلت في ام كلثوم وعبد الحليم حافظ ثم لاحقا فيروز والاخوين رحباني الذين خلقوا حالة فنية لم تعرف منذ العصر الاندلسي.

لقد وقعت الوحدة بين مصر وسوريا في تلك الفترة ( بين عامي 58-61 ) التي تميزت بوطأة أمنية شديدة، حيث تم استيراد ثقافة المخابرات من مصر وأصبح اعتقال المثقفين والمعارضين لهذه الوحدة امرأ رائجا ويشكل هاجسا جديدا لم يعرفه الشعب السوري، وفي هذا السياق تمت مطاردة الماغوط فهرب الى لبنان.

حين اتى الماغوط الى لبنان كانت هناك حرب على الحداثة الشعرية التي قادتها مجلة شعر وشعراءها…حرب على شعر التفعيلة وشعر الرؤية الذي هو خارج سرب الهجاء والمدح… الخ لدرجة كانوا يعتبرون هؤلاء من أنصار الثقافة الغربية الإمبريالية. وفي غمرة هذه المعارك برز الماغوط وكأنه كان منشغلا بهم آخر: كان قلقا على حرية الوطن وكان يهذي من الخوف و الرعب.يقول عن نفسه: “أما أنا فكنت غاضباً وجائعاً، أتحدث عن قمل السجن، والقدم الحجرية للسجان على قلبي، وعن التوابيت وساحات الإعدام وشفاه غليظة لرجال قساة، وعن الحلم الذي انطفأ، وابتساماتنا وأهدابنا القاتمة”. اذا اين هي القافية من كل هذا واين الوزن بل و اين التفعيلة؟

بعد خروجه من السجن، سجن نفسه مرة اخرى لمدة عام كامل في غرفة قبو لكن الشعر وزوجته سنيه كانا معه وكذلك صديقه الوفي زكريا تامر اللذين كانا يمدانه بالكتب والمراجع، كما تذكر خالدة سعيد. في تلك الغرفة الواطئة الصغيرة التي تشبه غرف تحميض الصور كتب ديوان (غرفة بملايين الجدران) وفي غرفة صغيرة مثلها لاحقا كتب مسرحية (العصفور الأحدب…).

اذا لا تصدقوا ان الماغوط لم يكن قارئا وان قال ذلك، لربما اراد لشعره ان يصل الينا بانطباع عفوي، وذلك على عكس ادونيس الذي كانت كل ثقافته متبديه في شعره وكان يعترف بها بل يقول ان الشعر بلا ثقافه هو شعر بلا فكر او قول.

اعود الى صورة الستينات: انها صورة لادونيس وهو يقرأ بعض من شعر الماغوط، الشاعر الموهوب المبتدىء. كان ذلك في مجلة شعر. كان الماغوط جالسا بين الحضور مرتبكا ومنتشيا بينما الكل كان يعتقد ان القصائد التي يتلوها ادونيس هي ترجمة لشاعر فرنسي.

في نفس المكان وفي نفس اللحظة ضبطت رفاقه الشعراء في صور أخرى من الالبوم وهم في حالة دهشة واستغرب متسائلين فيما اذا كان يعتبر نثره شعرا! فهذا كلام مبدع دفاق و لكنه غير موزون. وبقي شعر الماغوط غير موزون طوال الباقي من حياته. لقد كان يكره القافية و يقول انني شخص لجوج وتلقائي وسريع وهمومي لم تكن تسمح لي بالبحث عن القافية. كنت هارباً وجائعاً ومتشرداً أبحث عن مخبأ أو ملجأ يؤويني. ولم يكن لدي وقت للقافية. وهكذا كرت الصور في الالبوم لوضعيات كثيرة للماغوط يروض بها الذائقة الشعرية لدى كتاب سبقوه وكذلك لدى القراء، مستخدما لذلك طغيان الادب الواقعي الغربي الاشتراكي الذي كان من رواده ناظم حكمت ولوركا ونيرودا وكان الماغوط ممن تأثروا بهم في تلك الحقبة من القرن الماضي. وسوف اضبطه في صور اخرى في حقب تالية، في اجتماعات مجلة شعر، في بيت يوسف الخال، امام البراد يلتهم الطعام بينما وطيس النقاش حام في الصالون. لقد كان رجلاً يحب الوحدة ويكره الحركات الجماعية كما قال لعبدو وازن في آخر حوار معه في صحيفة الحياة قبل وفاته بشهر.

صورة من السبيعينات: في مقهى ابو شفيق منكبا على اوراقه

صور كثيرة للماغوط في هذه الحقبة كانت في مقهى (أبو شفيق)، هذا المقهى الملاذ الذي يلجأ إليه فاردا فوق طاولته كل الجنون المكتوب على ورق ومشاريع المسرحيات التي سوف تقلب وجدان السوريين من الان فصاعدا راسا على عقب. كان ياتي اليه كل يوم ماشيا خمسة كيلومترات على قدميه لينتهي الى طاولته الثابته بينما نهر بردى يجري تحت قدميه.

لقد كتب في مقهى ابو شفيق اغلب اعماله و مسرحياته في السبعينات والثمانينات: (ضيعة تشرين)، (غربة)، (كاسك يا وطن) و(شقائق النعمان)، وسيناريوهات أفلام (الحدود)، (التقرير)، (المسافر)، وبعض القصائد. لقد جننت سوريا هذه الاعمال الجميلة وغيرت في مصطلحات الكوميديا السورية الشيىء الكثير الكثير، وزرعت فيها مع الضحكة مرارة عنيفة لها طعم العلقم، لا تستوي من دونها ولا تبرز الا من خلالها. انه مسرح الماغوط و سيناريوهات الماغوط ولغة الماغوط الشعرية.

بعد ان تم اغلاق المقهى، بقي يفتح يوميا ً لاستقبال الماغوط، كل يوم في نفس التوقيت، يفتح الباب النادل فارس كل يوم في السابعة صباحا ليدخل الماغوط الملتزم في مواعيده، الى ركنه و يكتب. عندما أصيب بمرض نقص التروية في قدمه، اقسم انه لن يعود على عكاز الى المقهى الذي احبه.

صورة لي من أواخر الثمانينات: دريد لحام تحت بقعة ضوء على مسرح المكتبة العمومية الثقافية

انا جالسة في مسرح المكتبة العمومية الثقافي في مدينة اللاذقية مع متفرجين يملئون المكان و يفيضون الى خارج الابواب. العتمة تغمر الصالة بالكامل، عدا بقعة ضوء وحيدة مسلطة على دريد لحام في ثياب غوار الطوشة التقليدية. كان مقعدي يبعد بضعة امتار عنه لدرجة كنت ارى حركة صدره وهو يلهج بالكلمات وحتى مسام وجهه بينما المكبرات تجعلنا نسمع طقطقة حذاءه على خشبة المسرح مضخمة وكانها كل الصوت. كان حاضرا مستنفرا يرفع يده و يتحدث كآخر الرجال المحترمين:

))في حدا بدو يضيّق لي خلقي ويكرّهني عيشتي، لأرحل عن وطني، ما بعرف مين هادا الحدا، من برّة من جوّة والله ما بعرف. بس مين ما كان يكون هادا الحدا، أنا ما بقدر أرحل عن الوطن أنا بدوخ بالطيارة يا أخي، ثم لنفرض إني أنا بعدت عن الوطن ورحلت عنه لبعيد، بس مشكلتي أنه الوطن ما بيبعد عني، بيضل عايش فيّ من جوّة وين بدي أهرب منه؟ وين؟) تصفيق حاد.) لذلك بدي ضلّ عايش فيه غصب عن اللي ما بدّه، طالما عم بقدر احكي يلي بدي ياه مارح أيأس وبدي ضل أصرخ للغلط غلط بعينك، وبدّي أعمل ثورة بالبطحا، واشرب كاسك ياوطني على رواق، بدي أشرب كاس عزك، ولسّه بدي أكتب اسم بلادي على الشمس اللي ما بتغيب)).

وحين بدأ يغني آخر جملة اسقط من يدي واكتشفت ان دموع مالحة ساخنة كانت تنسكب من عيوني. كنت ما ازال اكتب بعض النصوص القليلة و انشرها هنا وهناك.. و دريد لحام يقف على تاريخ وارث مهول يدفع الى الاعجاب الشديد، جعلني اكره ذاتي واستصغر تجربتي، وكان هذا الارث حينذاك ممهورا بشكل كبير ايضا بتوقيع الماغوط، وخلال سنوات قليلة تحول الاثنان الى ايقونة. كان نجاح الاثنين يشعرك بانه يلزمك مليون سنة ضوئية لكي تصل اليه، عالم من التراكم الابداعي المهول والجميل لدرجة انت ذرة في فلكه.

عند انفصالهما ابداعيا وليس شخصيا عرجت سوريا وبقيت تعرج الى ان اتت الدراما التلفزيونية في التسعينات لترقع بعض من هذا الغياب ومع ذلك لم تستطع ان تقوم بهذه المهمة بشكل كامل واقصد الكوميديا الهادفة تحديدا.

غاب الماغوط فترة طويلة من الزمن عن الحياة الثقافية في سوريا ليعود في نهاية التسعينات كمحتفى به عبر إحتفالات تكريمه تتالت وصولاً الى نيله جائزة العويس في عام 2005..!

صورة تعود لعام 2002

صورة للماغوط في حفلة تكريمه الأول الذي أقامته مؤسسة تشرين ووزارة الإعلام فى مكتبة الأسد بدمشق بمناسبة صدور ديوانه “حطاب الاشجار العالية” ضمن منشورات كتاب فى جريدة. الكل متأهب امامه ينتظرون ما سيقول.كان الرجل متعبا و مترقبا في آن و لكن سعيد بالتكريم ثم قال ما معناه:” في الحقيقة انا لم يأت بي إلى هنا هذا التكريم و لم يأت بي الشعر ولا السيارة السوداء و لا أي شيء غيره لقد أتى بي إلى هنا شيء واحد فقط..هو الحب..!!”

صورة تعود الى عام 2004: ( لقاء بين الماغوط و يوسف بزي)

يقول يوسف بزي انه عندما ذهب اليه كان بعد انقطاع دام 12 عاماً فوجده كما هو (مخلوقا خرافيا ملعونا ) يشرب كوكتيلا حارقا من الكحول المخلوط و يدخن بلا توقف. حدثه الماغوط كيف انه أسير كابوس يلازمه في نومه: “أجد نفسي تائهاً، وقد أضعت عنوان منزلي وأتجول خائفاً أفتش عنه، وغالباً ما يكون المكان هو بيروت… أدور في الشوارع: شرطة ورجال أمن ورجال دين وكلاب يطاردونني، فأستيقظ مذعوراً، منقطع الأنفاس”..

وتشعب الحديث بين الاثنين وقبل ان يذهب طلب منه الماغوط ان يدون وصيته حرفيا الى اللبنانيين. وبدأ الماغوط يتكلم ويوسف بزي يكتب:

“أقول لللبنانيين: أيها اللبنانيون الطائفيون أو العلمانيون، الماديون أو الروحانيون… تمسّكوا بـ”شقفة” الحرية، تمسّكوا بكعب حذاء الحرية الباقي لكم، فهو خشبة خلاصنا. تمسّكوا بما بين أيديكم من أطلال الحرية العربية. الحرية تؤخذ ولا تعطى. )

صورة في عام 2006

صورة له ولحسين درويش رئيس تحرير مجلة “بيان الكتب” الإماراتية عند استلامه لجائزة العويس في دبي. كتب حسين يقول: (كان مشهداً تراجيدياً مؤثراً، محمد الماغوط على كرسيه المتحرك، وسط صالة العويس الثقافية بدبي، حيث من المنتظر ان يصعد المنصة ليكرّم. كانت لحظة شديدة التأثير عندما وضعت يدي تحت ابطيه وحملته الى الأعلى مبعداً كرسيه المتنقل فاسحاً المجال ليجلس على مقعد المكرمين. كان عجوزاً جداً، وكنت مرتبكاً وخائفاً ان تخونني ذراعاي، فاستجمعت قوة دهرية ووضعته في المقعد، كان الجميع ينظر إليّ ولم أكن واعياً تماماً سوى لوميض الكاميرات التي أيقظتني من المشهد السريع…

بدا لي ان الماغوط لن يقوى على الصعود الى المسرح، وأن المسافة التي عليه ان يقطعها طويلة جداً بالنسبة الى رجل لم تفارقه عصاه منذ سنوات، لكنه خيب ظني، لقد صعد المسرح وسط تصفيق الحاضرين ووميض كاميرات التصوير، وسار امتاراً عدة برفقة الطبيب، كان مصراً على الانتصاب كشخص لم تخنه الآلام، ثم استدار ببطء شديد نحو الجمهور متوقفاً للحظة، وكأنه شعر بقوة النصر فرفع ذراعيه عالياً دافعاً عصاه الى الأمام، محيياً الجمهور بطريقة اغريقية فيها الكثير من الرصانة وقليل من السخرية… لعله أراد ان يكون جاداً في مشهد كهذا، مشهد مهيب جداً: رجل عجوز بعباءة سوداء ونظارة طبية وقبعة من مخلفات الحملة الفرنسية وعكاز خشب وحذاء أسود مفتوح بجوربين أسودين سميكين، يحمل منحوتة كريستال براقة عليها شعار جائزة العويس.

لو كان المشهد في موقع آخر، لقلت ان الممثل بارع جداً في أدائه. لكنه لم يكن ممثلاً كان بطلاً حقيقياً يتصرف بعفوية من يبقى في الذاكرة.)

صورة اخيرة

احين دخلوا عليه ظهر يوم الاثنين، يوم وفاته، كان ممدداً على الكنبة ممسكا بسماعة الهاتف بيد، وفي اليد الأخرى سيجارة محترقة بين أصابعه، فيما شريط القرآن يدور في المسجلة بصوت عبد الباسط عبد الصمد.

تقول سيدة مقربة اليه انه قبل ان يرحل سال عن قريته السلمية واذا ما كانت تمطر هناك و عن رفاقه و عن نوادر جماعة مجلة شعر وعن اراء يوسف الخال وسعيد عقل…

كانت كل الفضائيات قد ضجت بموته بينما في المبنى الذي يقطن فيه في حي المزرعة بدمشق (الطابق الثالث) كان كل شيء هادئا، حتى لم يكن هناك أي اثر لنعي. لقد أخذوه من دار الشفاء في دمشق ملفوفا بالعلم السوري كأي محارب قديم مات بين أوسمته والذكريات، الى بلدته السلمية وهكذا خيم الصمت على دمشق.

في السلمية احتشد عشرون الفا في جنازته ومن بينهم نساء البلدة على غير العادة، فالنساء هناك لا يخرجن في التشييع. المطر لم يتوقف في ذلك اليوم بينما الكل يستقبل هالة الماغوط، ريحه، عبثه، سخريته ومجده القادم اليهم في صندوق. اخيرا احتفظت به بلدته التي طالما تاق للمجيء اليها خلال الخمسة عشر سنة الاخيرة من حياته ولم تسعفه لا الظروف ولا صحته.

كان في السلمية ايضا ممثلا عن الرئيس السوري و وزير الاعلام ووزير الثقافة ورؤساء اتحاد الكتاب والصحافة ونقابة الفنانين ودريد لحام شريكه في امجاد الثمانينات، كما القيت كلمة انذاك باسم الرئيس لحود.

لقد شتم الماغوط كل ما استطاع ان يشتمه في بلاد العرب ومع ذلك كان ابداعه يتفوق على المقصلة و حضوره طاغ لدرجة بدا العقاب سخيفا وبلا مبرر. خلال تأبينه اعترفت سوريا على لسان الدكتور رياض نعسان آغا وزير الثقافة ان الرجل كان عبقريا وهو خسارة للانسانية.

عبقريا في شتمه وعبقريا في خوفه من وعلى البلد وعبقريا في عزلته ايضا.

قالوا عنه الكثير وقال عن نفسه اكثر. لكن راي يعقوب الشدراوي المخرج الذي اخرج له ( المهرج والمرسيلياز العربي) قد لخص الرجل حقا: “الماغوط …..لو أنا شاعر كنت بقول عنه: نزوة ومي مرسبة بسقف مغارة جعيتا، وإذا بدّك اختصره للماغوط بقول: في الهزل جدٌ وفي الجد هزلٌ، محمد الماغوط هديك الأيام ماغوط العصفور الأحدب، وماغوط المهرج، وقت كنت تقعد معه وتتحاور كان يخطر عبالك رابليه، لما تقرأه كان يخطر عبالك شعر مايكوفسكي الهجائي، ولما كنت تريد تصوّره كنت تقشع بخيالك رسوم دومييه رسام الثورة الفرنسية، هيدا هو الماغوط.”