لقاء مع الشاعر والروائي والناقد محمد الاسعد

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2230)

· أضافت روايتك الاخيرة “أصوات الصمت” محاولة جديدة، لكتابة تجربة فلسطينيي الكويت، ما مدى رضاك عن المحاولة؟

· هي تجربة، بمعنى أنها كتابة في سياقٍ ممتدٍ طابعه التجريب. ولا أجد كلمات مثل “الرضا” أو”السخط” ملائمة لوصفِ ما أشعر به تجاه هذه الرواية، الأفضل أن نتحدث بتعابير تقييم هذه التجربة، أي وضعها في سياقٍ امتيازه الأول رفض تكرار القوالب. ربما هنا يمكنني الحديث عن ميزة نادرة أحبها في كتابتي وكل كتابة لآخرين. ميزة الكتابة التي لايمكن تعليمها، لايمكن تكرارها، لايمكن حتى لصاحبها أن يتحدث عنها. مادمنا نتحدث عن تجربة، والتجربة تحمل عادة شتى الممكنات، فمن الطبيعي أن تمتلك أبعاداً متنوعة بتنوع القراء. وعلمني الإصغاء إلى مختلف القراءات التي اطلعتُ عليها، لهذه الرواية وغيرها، أن علي أن أعلن قصور قراءتي الشخصية مقارنة بقراءة هذا القاريء أو ذاك. وحين يقال لي ما مدى رضاك، أو كيف ترى النص الذي تكتبه، أجد نفسي فوراً في مرتبة وعي أدنى من غيري. لأن ما كتبته ليس هو الرواية فقط بل ما تسعى إليه، ومعرفة هذا المآل مرهونة بالقاريء. أنا فعلا لاأستطيع الإحاطة بكل ردود الفعل الممكنة على ما أكتب، أو لاأستطيع تخيلها. مثلا يعتبر السؤال هذه الرواية محاولة جديدة لكتابة تجربة فلسطينيي الكويت. هل كنتُ أفكر فعلا بكتابة تجربة بهذه المواصفات؟ لا أعرف. بل قد أستغرب من منح هذه التجربة صفة “تجربة فلسطينيي الكويت”. ألا يكفي أن تكون الشخصيات التي حاولتُ “تمثيلها” بشراً شأنها شأن غيرها، ونصيبها من الحياة يماثل نصيب أي شخصية إنسانية؟ ومن هو ذلك الذي يزعم أنه يكتب تجربة جماعة أوشعب ولا يكون في نظري محتالا يسعى وراء مرعى خاص به؟ ما يكتبه الكاتب هو تجربته، وفي هذه الحدود لا أمتلك أن أكتب أو أقول إلا ما يعبر عن مستوى ثقافي محدد خاص بي، يتعمق أو يتسطح بقدر جهدي الشخصي. الكثيرون زعموا أنهم يعبرون عن “تجربة الشعب الفلسطيني” أو “وجدان الشعب الفلسطيني” كما يشاع، ولكن هذا الزعم أكبر من حجمي كإنسان. ولا أهوى الإنسياق وراء أمثال هذه الأساطير والإدعاءات. قد يكون هذا الشعب أو هذه الجماعة موضوعاً لهذا الكاتب أو ذاك، ولكن الموضوع لايمنح امتيازا لأحد كما تعرفون. ما يمنح الامتياز هو رؤيته الخاصة الفريدة، وعلى أساسها من المفترض أن نتناول عمله.

· الا تعتقد بوجود قصور في التأريخ الروائي لتلك التجربة، اذا ما قارناها بما كتب عن عوالم الفلسطينيين في اماكن تواجد اخرى كلبنان وسوريا والاردن، لا سيما وانها من التجارب المهمة، سواء حاولنا قراءتها من بعدها الانساني، او مساهمتها في الحراك السياسي الفلسطيني؟

* الرواية ليست تأريخاً، لأن الروائي يلتقط ماهو ذو دلالة بالنسبة له من سلاسل ما نسميه التاريخ. ويذكرني هذا بنقد وجهه أحدهم إلى إحدى روايتي، بالقول أنها لاتمنحنا تاريخا للشخصيات ولا تسلسلا للحوادث.. وما إلى ذلك. يمكن أن نبحث عن التاريخ في مكان آخر، أما هنا فأمامنا عوالم وتجارب، فلنسأل كيف تناول الكتّابُ تجارب الفلسطينيين، وما مدى إقترابهم من الإنسان الفلسطيني الحي كتجربة إنسانية، هنا أو هناك، لا كصورة ورقية كتلك التي رسمتها الخطابات السياسية والأكاديمية، وتراكض وراءها الكتاب، يأخذ كل منهم بطرف. لنسأل عن الغياب شبه المطلق للفلسطيني في غالبية النتاجات الفلسطينية. ليست هناك تجربة أكثر أهمية من الأخرى، ولا مكان أكثر أهمية من مكان آخر. ما يمنح الأهمية في نهاية المطاف هو النص الذي نكتبه. الفنان، والروائي فنان بالطبع، لايخضع لنقط الضوء التي يسلطها المهرج السياسي على هذا المكان أو ذاك، فيلاحقها ويلاحق المهرجين بحجة أنهم “الثورة” أو “قادة الثورة ” كما حدث طيلة العقود الماضية، ويُسقط الفلسطيني البعيد عن نقطة الضوء العجيبة هذه في العتمة.

المؤسف، أو المأساوي بالأصح، أن الفلسطيني كإنسان نادرا ما نلمحه في روايات الكتاب الفلسطينيين وشعرهم، مثلما لانلمحه أيضاً بشكل شبه مطلق في الخطاب السياسي والنقدي والسجالي مع الآخر، الصهيوني أو الغربي. إنه البحيرة التي وضعوا لافتة على حافتها تقول “ممنوع الصيد هنا”. وحين تشاهد أو تقرأ لقاء مع “مثقف” فلسطيني تشاهد مثقفاً يجلس في الصف الأمامي وأمامه وأمام الجمهور مسرحية الفلسطينيين تلفها العتمة لأنه سَحبَ عنها كل الأضواء وسلطها على هيئته وشكله وجلسته وألوان ربطة عنقه وقوائم مواعيده. قد يكون هذا إما نتاج قصور ثقافي أو خضوعا لبرنامج سياسي اخترعه سمسار حوّل فلسطين إلى صفقة بيع وشراء. تقولون أن هناك قصورا في “التأريخ الروائي لتلك التجربة”، أي تجربة الفلسطينين في الكويت. الأمر لايرجع إلى القصور، بل هو أمر نتاجات فلسطينية يغيب عنها مفهوم التجربة ذاته، لأن العقلية الأدبية، شعرا ورواية ونقدا، كانت تتجه إلى نقطة ضوء متخيلة في مكان آخر. وكان للعمل الأدبي “الناجح” أو “الثوري” بالمفاهيم الشائعة أن يدور حول محاور محددة سلفا، وإلا سقط من حساب الفن والأدب، بل وتاريخ الثقافة الفلسطينية. الكثيرون كانوا ضحايا هذا الوهم. ويكتشف من يدقق في نتاجات عدد من “كبار” ممثلي بلاط الثقافة الفلسطينية، وكان لها بلاط وما زال بكل مواصفات البلاط من مهرجين وتنابلة ومنتفعين ومداحين ورئيس، أن بعضهم بذل جهدا مضنيا “ليعرفنا بأن الصهيوني إنسان، ولابد أن نلتفت إلى روحه الإنسانية” في الوقت الذي كان ينظر فيه إلى الفلسطيني ذاته نظرة إزدراء وكراهية، بل ولا يتورع عن وصف الفلسطيني المقاوم بالأفعى التي تفاجئه مع خصمه هو(أي الصهيوني) الذي سكن معه في حفرة واحدة!

أي تشويه أبلغ من هذا لإنسانية الفلسطيني؟ أن يضفي “ممثله الثقافي” على العدو سمات الإنسانية والتهذيب والتحضر، ويجرد الفلسطيني من أبسط سمة من هذه السمات؟

دعونا نسأل قبل شيء عن إنساننا الفلسطيني الغائب في كل أماكن وجوده، أو المغيب بالأحرى. عن الفلسطيني الذي لايقف بوجهه الصهيوني فقط، بل وضباع اتفاقيات الاستسلام، و”الفلسطيني الجديد” الذي يصنعه الآن الجنرال دايتون في الضفة الغربية.

· من يتحمل مسؤولية هذا القصور؟ اليس المثقف الفلسطيني الذي عاش تلك التجربة؟ أم ان حجم التجربة لا يحوي من العوالم ما يكفي لظهور رواية ناضجة؟

* تتحمل هذا القصور ثقافة ذات مفاهيم مغلوطة، ليس في المضمار السياسي فقط، بل وفي مضمار التقانة الفنية بالدرجة الأولى. ثقافة قرأتُ ما كتبته من ثرثرة وهذيان عن أبشع مجزرة شاهدها العالم، مجزرة صبرا وشاتيلا، ولم تخجل أن تلصق نفسها بجوار نص للفرنسي العظيم “جان جينيه”، ذلك النص الوحيد، بين كل هذا الركام المنشور في أحد أعداد “الكرمل”، الذي عرفني وعرف العالم بالفلسطيني حقا (4 ساعات في شاتيلا).

المسألة لاتتعلق بحجم التجربة الكافي أو غير الكافي، بل بدرجة الزاوية التي ينظر منها الكاتب. بعض الثقافات، بسبب أنها نتاج بيئة وتقاليد فكرية وفلسفية وفنية معينة رفيعة المستوى، تمنح الكاتب درجة زاوية نظر بمقدار معين، ولنقل 90 درجة، وبعضها يمنح بمقدار 180 درجة أو أكثر. نحن ثقافتنا لاتمنح كاتبنا إلا درجة ضئيلة قد تصل في أحسن الحالات إلى 45 درجة، أي زاوية حادة لايصل منها إحساسه أو طرفه إلى أبعد من محيطه الضيق.

أضف إلى هذا المحيط الثقافي العربي ذاته الذي ضاقت قيمه ومفاهيمه حتى ما عاد قادرا حتى على تجاوز مفهوم “التكسب بالشعر” أو”تقدير الثقافة بعدد ما تأتي به من أوراق خضراء أو مهرجانات أو أرصدة في المصارف”.

· الا ترى أن بعض الكتاب الكويتيين كانوا اكثر تناولا لتلك التجربة من الكتاب الفلسطينيين الذين اقاموا في الكويت؟

* لم ألمس هذا. وإن لمحتُ محاولات لاتخاذ الفلسطيني موضوعاً. محاولات لاتعبر عن تميز خاص يمكن أن يشار إليه. المعضلة هي ذاتها بالنسبة للكاتب من أي جنسية كانت. معضلة القدرة على اكتشاف زاوية نظر أوسع درجة من المألوف والمعتاد والتقليدي. كل تجربة كتابة إبداعية تعنيني، سواء كانت تجربة فلسطيني أو غير فلسطيني. ومنذ الصغر جذبت اهتمامي رواية “إيثيل مانين” المسماة “الطريق إلى بئر سبع”، وبحثت عن ما يناظرها على الأقل في الأدب العربي فلم أجد. وحين رجعت إلى قصص “سميرة عزام” و”غسان كنفاني”، وإلى شعر “أبوسلمى” و “يوسف الخطيب”،على سبيل المثال، اكتشفتُ شيئا غريبا؛ كان اللاجيء الفلسطيني، جوهر قضية فلسطين، حاضراً في هذه النتاجات، بينما بدأ محوه ومحو قضيته من أدبنا ومنتدياتنا مع ظهور الممثل السياسي الذي احتل المشهد وأخفى وراءه وجود الفلسطيني الإنسان. ما الذي حدث؟ هذه قصة لم يروها أحد حتى الآن، قصة بدء الهجوم على الأدب الذي يكتب تجارب اللجوء والتشرد منذ وقت مبكر حين زعم محمود درويش في مقال “انقذونا من هذا الحب القاسي” أن “الشعر الذي يكتبه فلسطينيون خارج إسرائيل غير صادق ولايمتلك سمة أصيلة !” وأن “ما يكتب في إسرائيل هو الجدير بالإهتمام”!(الآداب، أغسطس، 1969) الوحيد الذي كشف عن مغزى هذا الإنتقاص من قيمة قضية اللاجئين وتجربتهم، من دون أن يقصد ربما، هو الناقد “غالي شكري” حين أماط اللثام عن شعر يكتب في الأرض المحتلة تحت هاجس معارضة شكل نظام لا وجود هذا النظام المغتصب ذاته لوطن الفلسطينيين، وأطلق عليه “شعر المعارضة” لكي يميزه عن شعر المقاومة الذي يكتبه الإنسان اللاجيء(الآداب، يوليو/تموز، 1969). كان غالي شكري على حق، ليس فقط في ضوء تحليله الصائب آنذاك، بل في ضوء ما تكشف في مابعد حين بدأ من ألصقوا بهم صفة “شعراء مقاومة” وروجوا الأساطير عن “نضالهم”، بالتعبير عن رغبتهم في شتم فلسطين لكي يصبحوا أناساً عاديين لايتهمهم أحد بالخيانة ( السفير،17/7/2001) محتذين في ذلك احتذاءا كاريكاتوريا شاعرا صهيونيا هو يهودا عميخاي الذي شارك في ذبح الفلسطينيين وتدمير قراهم في العام 1948، وعبر بعد اتمام المهمة شعراً عن ضيقه بأيديولوجيته وبدأ يطالب بحقه في شتم “إسرائيل” ليصبح إنسانا عاديا لايتهمه أحد بخيانة إسرائيل! ترى هل كان غالي شكري يعرف أنه حتى صفة “المعارضة” ذاتها، سيتخلى عنها هؤلاء الذين أطلقوا على الفلسطيني تحت الإحتلال صفة” المقيم في إسرائيل” منذ العام 1970، وسينتحلون صفة “حضارية” تناسبهم، بالقول مثلا “الإدعاء بأن قصيدتي اعتراض على وجود إسرائيل كلام ينأى عن الحقيقة وتكذبه الأحداث” ( محمود درويش في حوار مع هآرتس، 3/10/2000)؟

مأساة تجربتنا كما ترون، ليس أنها وجدت أو لم تجد صدى لدى الكاتب الكويتي أو غيره، بل هي مأساة أو فضيحة الهجوم عليها والإنتقاص من أهميتها من قلب “ثقافة المؤسسة الفلسطينية” وعلى ألسنة من نصبوهم ممثلين لها. هل يمكن الربط بين هذا الهجوم المبكر على تجربة اللاجيء وقضيته بالتالي بما يحدث الآن من محاولات لمحو حق العودة؟ أعتقد أن الرابط موجود، لأن المؤسسة التي نصبت هؤلاء دعاة لها وفرضتهم على الذاكرة وسوقتهم في المحافل الدولية والعربية ومحت اسم وصوت من يختلف معها ومعهم، هي ذاتها التي أصبح اللاجيء الفلسطيني بالنسبة لها عبئا يجب الخلاص منه، وقد فعلت هذا في أوسلو علنا وما زالت تفعل بصلافة قل نظيرها.

· إلى أي حد أثرت فيك المنافي، وأية فضاءات اتاحتها اقامتك الطويلة في الكويت، وهل كانت تلك الشرفة كافية للاطلال على العالم؟

* شرفة الإطلال على العالم لايحكمها مكان، ضيقا واتساعاً، بل طموحات الكاتب، وجهده لتطوير بصيرة تتخطى الحدود المكانية والزمنية. نحن لم نعش تجارب من سبقونا زمنيا منذ مئات السنين، ومع ذلك نحن قادرون مع جهد مناسب على تملك تجاربهم. وكذلك الأمر بالنسبة للأمكنة، هناك من هو قادر على التحرك من مكان إلى آخر، من دون حاجة حتى للإنتقال المادي. أما المنافي فلها قصة أخرى، قد تكون فرصة ثمينة لملامسة المشهد الإنساني، وقد تكون لدى البعض لعنة. الأمر يعتمد على ماالذي نفعله بالمنفى الذي فرض علينا. أعرف كتابا حولتهم المنافي إلى شرانق مغلقة، بحيث لم يكونوا قادرين على لمس الشجر أو النهر من حولهم أوالتعرف على ملامح الناس. أعني بالشرانق تلك الحالات التي يعيش فيها الكاتب وراء شرفة بيت أخذه معه أو شباك يحمله أينما حل ليطل منه على العالم من حوله. وأعرف كتابا كانت تجربة المنافي بالنسبة إليهم تجربة تحرر من الشرفات والنوافذ والأبواب وإطلالة حرة على الناس واللغات والجغرافية وتجارب إخوتهم في الإنسانية.

إذا نظر المنفي إلى نفسه من هذا المنظور سيكون قادرا على معرفة نفسه أفضل، بل ومعرفة العالم من حوله. مثالي في هذا تجربتي في الكويت، أو في أي مكان حللت فيه؛ إنها تجربة الإمكانيات التي تتيحها لك الأمكنة لتتواصل مع الأصداء الآتية من مختلف الأرجاء، لتقرأ، لتكتب بحرية، لتفكر بحرية من دون خوف من إلزامات تجاه هذه السلطة أو تلك. وكل هذا تحقق لي إلى حد كبير في الكويت. لم تكن لدي أي مشكلة سواء في جهدي لتطوير قدراتي أو في الإطلاع أو في التعبير عن نفسي. أضيف إلى هذا أن الكويت مرت عليها أزمان كانت فيها ساحة تتجمع فيها روافد تيارات الثقافة العربية، عبر المؤتمرات وأساتذة الجامعات والصحافة والطباعة والنشر.. إلخ. ولا تنسوا بالطبع أن مطبوعات المجلس الوطني للثقافة والفنون هنا مفتوحة لكل المثقفين العرب، وتساهم بإصدارتها في التنمية الثقافية على نطاق الوطن العربي وليس على نطاق الكويت فقط.

لاأشعر أنني منفي في أي مكان أحل فيه، وبخاصة في أي بلد عربي. المنفى الحقيقي هو الشرنقة التي أشرت إليها، وهذه يمكن أن تحيط بها نفسك وتسعد بها حتى وأنت في بلدك الأصلي. هل أنا في حالة منفى؟ لاأدري، لأنني لم تتح لي فرصة العيش في وطني ذاته لأستطيع المقارنة. ويخيل لي أن المنفى مفهوم نسبي. كان ترحيل كاتب من بيروت إلى القدس مأساة ما بعدها مأساة قبل ثمانين سنة، بل وحتى القروي كثيرا ما يعبر عن شعور بالنفي والغربة حين يسافر ويعيش في المدينة في بلده ذاته. أعتقد أننا ككتاب لسنا في منفى ما دمنا على صلة بجوهرنا الإنساني، باستقلاليتنا، ما دمنا في هذا المحيط الإنساني ولم نغادره إلى حالة التماهي مع عالم آخر، كأن يكون عالم السماسرة أوكلاب الصيد؛ الكتاب اللاهثين وراء منافعهم الخاصة بهم.

· سواء في “أصوات الصمت” أو رواية “نص اللاجئ” التي سبقتها بأعوام ظهر الفلسطيني تائها اكثر مما كان عليه في “أطفال الندى” رغم أن الاخيرة وضعت الارضية لحدث بداية اللجوء، هل لسنوات البعاد علاقة بهذا التيه؟

* لهذا الذي تسمونه التيه صلة بوعي تشتت تجربة الفلسطيني، زمانا ومكاناً، ثم محاولة أن أكون أمينا لهذا الواقعة، أن تتخلى عن التتابع في القصة التقليدية، لأن لاتتابع في مسار حياة اللاجئين الفلسطينيين، أن تتخطى الأزمان لأن زمنهم ليس هو ذاته الزمن التقليدي ولا ذاكرتهم هي الذاكرة التقليدية، أن تستخدم أسلوب “المونتاج” لأن المجاورة بين صور الأزمنة والأمكنة المتباعدة هي التي تمنح وجودك معنى منبثق غير موجود في نظرة الوعي الشائع ( الأحداث والصور المتسلسلة وفق منطق دقات الساعة). كل هذه التقانات ليست وليدة نظرية، بل نتاج تأمل طويل في تجربتنا. لاعلاقة لهذا بالبعد عن فلسطين أوالقرب منها، فاللاجيء أقرب إلى فلسطين من جملة المبتهجين بإنعام المحتلين عليهم. ربما أشار الكثيرون إلى هذه الخصوصية في تجربة الفلسطيني، ولكن لاأحد على حد علمي أخذها إلى أوراقه بوعي نظري جديد سوى الرسام الفلسطيني “كمال بلاّطة” في مقدمة كتابه الصادر بالإنجليزية “الفن الفلسطيني: من 1850 إلى الزمن الراهن” (2009). في مقدمة هذا الكتاب يلاحظ الكاتب ضرورة التحرك في الزمن جيئة وذهابا، والتنقل بين الأمكنة، لكتابة وتأريخ تجربة الفنانين الفلسطينيين، والسبب هو التقطع وانعدام التواصل بين هذه التجارب على صعيدين؛ المكان والزمان. هل هذا تعبير عن تيه الفلسطيني؟ بالطبع، إذا كنا نفهم من التيه واقعة فرضها اغتصاب أرض الفلسطيني وذاكرته وزمنه، وتشتيته. وأعتقد مثلا أن النص الفلسطيني الروائي حين يخضع للسرد المألوف في القصة العربية أو الغربية( الزمن المتصل والمكان المترابط والمجتمع المستقر كغيره من المجتمعات) سيكون نصاً مصطنعاً، كما هي مصطنعة الآن مثلا قوانين وأنظمة وخطابات سلطة الغيتو في رام الله التي تقوم على أساس وهم أن الشتات الفلسطيني لم يعد له وجود، وأن لا لاجئين بعد اليوم لمجرد أنهم اخترعوا لنا تسمية” المغتربين”، وأن قضية الفلسطيني الآن هي فقط قضية”الحفاظ على أمن الغيتو” بوجه ” ارهابيين” فلسطينيين، أو “مخربين” كما سنسمع قريبا، أو كما سمعنا بالأحرى على لسان أحد هؤلاء المضبوعين في رام الله حين قال على شاشة تلفاز أنه “لن يسمح لحماس (ويعني الفعل المقاوم) بتخريب الأمن” !

علينا أن نتذكر هنا أن صفة “المخربين” هي الصفة التي اخترعتها “إسرائيل في الخمسينات، وألصقتها باللاجئين الفلسطينيين الذي كانوا يعبرون الحدود عائدين إلى قراهم وحقولهم المسروقة.

سنؤكد إذن دائما أننا في التيه، وأننا لم نصل إلى فلسطين بعد، وأننا ما زلنا لاجئين، لنقاوم هذه المرة، بالإضافة إلى قطعان الصهاينة، قطعان المضبوعين من فلسطينيين وعرب وغيرهم، ولن نتصنع ما لانعيشه ونجربه، سعيا وراء مهرجان أو جائزة أو حصة من أموال الغرب التي تنهال على هؤلاء المضبوعين.

التصنع في الأدب والنتاج الثقافي يوازيه التصنع والتوهم في ما يسمونها سياسة، وهي ليست كذلك بل هي نوع من السمسرة لاغير. ولا يظنن أحد أن الاستهداف ظل، وكما كان منذ ستين سنة، لشيئ آخر غير اللاجيء الفلسطيني وذاكرته وأرضه التي يريد لنا هؤلاء المصنوعون والمصطنعون تحت تهديد السلاح والإغتيال في سجونهم وخارج سجونهم الإيمان أن اسمها “أرض إسرائيل”.

· في أكثر من مقالة نقدية تم الربط بين رواية أطفال الندى والمتشائل لاميل حبيبي، لو حاولنا تفسير هذا الربط، هل يعود الى عوالم الروايتين، أم الموضوع الذي تتناولانه، أم في كونهما روايتين فلسطينيتين بامتياز؟

· لكل هذه الأسباب مجتمعة كما أعتقد، ولأسباب أخرى. حدث هذا الربط في مقالة نقدية نشرتها مجلة “نزوى” العمانية لطالبة الكتوراه “أناهيد الحردان”، وكانت كما علمت ورقة جامعية. وحسب قراءتي لهذه الورقة جاء الربط على أساس أن الأدب الفلسطيني لايمكن أن يمتلك كامل دلالاته إلا بدراسته في إطار دوائر الوجود الفلسطيني الثلاث؛ فلسطين المحتلة في العام 1948، وشرق فلسطين المسمى الضفة الغربية، وقطاع غزة، وأماكن اللجوء. المقولة الأساسية هنا هي أننا حين ننظر في الأدب الذي يكتبه فلسطينيون في إطار هذه الدوائر الثلاث، نستطيع الكشف عن دلالات أبعد من دلالاته الموضوعية، أي دلالاته كنص فني ينتمي لهذا الكاتب أوذاك. وقد كشفت الورقة بالفعل عن دلالات التناغم والتكامل بين الثيمات أولا، وثانيا في الخلفية التاريخية التي هي الخلفية الثقافية ذاتها لكلا الكاتبين، وثالثا في رد الفعل على المحتلين، وأخيرا في الإشارات إلى أن تنوع النتاج الأدبي يحتفظ بوحدة من نوع ما هي وحدة قضية هذا الشعب رغم توزعه على الدوائر الثلاث. هي إذن مقارنة بين تجربتين متميزتين لكاتبين فلسطينيين أحدهما عاش وكتب تحت الإحتلال وآخر عاش وكتب في أمكنة اللجوء. الكشف عن هذا التكامل الدلالي جديد جدة غير مسبوقة في الكتابة النقدية الفلسطينية بخاصة والعربية بعامة، ويعكس الوعي السياسي المقاوم لكل أشكال تمزيق هذا الشعب، أدبيا وسياسيا واجتماعيا. واللافت للنظر بالطبع هو أن هذا الوعي ليس وليد رغبة الكاتبة أو طموحها، بل هو تلمس ذكي مباشر لواقع فلسطيني قائم لايلتفت إليه لا الناقد الفلسطيني الواقعي ولا الخيالي ولا ذو الأخيولة الجامحة، واقع يعيشه ويلمسه اللاجيء الفلسطيني وحده ربما دون غيره.

· بدأ اهتمامك بقصيدة الهايكو اليابانية مبكراً، وتاثرت بها بشكل او بآخر، ما هو سر هذه العلاقة بينكما؟

* بالفعل أثر بي عميقاً هذا النمط الشعري، ولاحظتُ أنني كنت أسير نحوه حتى قبل أن أقرأ عنه في ثمانينات القرن العشرين. وسيجد القاريء للجزء الأول من أعمالي الشعرية الذي صدر حديثا في القاهرة، وضم أخر ثماني مجموعات شعرية لي، أنه يحتوي على ثلاث مجموعات كتبت في السنوات الأخيرة تحت ظلال شعراء الهايكو الياباني الكبار. وحين يصدر الجزء الثاني من أعمالي، ويضم تسع مجموعات، سيكتشف القاريء أن بوادر قصيدة الهايكو كانت موجودة لدي منذ سبعينات القرن العشرين.

إذا حاولتُ تفسير هذا الإهتمام، يمكنني القول أنه تأثرٌ دفعت إليه فكرتان، الأولى فلسفية تتعلق بالموقف النقدي من الثنائية الغربية والعربية المشتقة منها، والثانية شعرية أساسها الانتباه إلى ما يسمى بيت القصيد في القصيدة العربية. ويرجع الفضل في تنبيهي إلى بيت القصيد تحليلات كاتب في علم الجمال اعتقد أنه رضوان الشهال، في معرض تحليله لأبيات شعرية حاول أن ينظر فيها إلى كل بيت كوحدة جمالية متكاملة، بل ووزع البيت الواحد على بضعة سطور استجابة لما سماه الإيقاع المتموج.

في الموقف الفلسفي كنت على إطلاع على بعض الفلسفات الشرقية، الهندوسية والطاوية والبوذية، وجذبني فيها البعد الذي شعرت به في بعض جوانب الثقافة العربية في مرحلتها الإسلامية، وهي مرحلتها الأخيرة، أعني وحدة الأضداد، وتناغم السماوي والأرضي، وحدة المادة والفكر، أو التصوف زيادة في الإيضاح. وأعطتني قراءاتي في نظريات الفيزياء الحديثة (فيزياء الكوانتم) تسميات لما كان مجرد مشاعر غامضة، أعطتني تفسيراً للظاهرة الإبداعية لم يكن متوفرا في أي من النظريات النقدية الغربية الشائعة في الكتابة العربية، وإن كان قريبا قربا لافتا للنظر من نظرية النظم عند عبد القاهر الجرجاني في محاولته تفسير السمة” الإعجازية” في النص، أو السمة “الخلاقة” كما أعتقد، حين تنبعث من مجموع الأجزاء ولكنها غير هذه الأجزاء في الوقت عينه، أو أكبر من مجرد مجموعها، وهويتها ليست من مجموعها بل هي هوية جديدة منبثقة من اجتماعها، وليست هوية هذا الجزء أو ذاك.

وأخيراً، فوجئت من قراءاتي في كتابات السرياليين وفلسفة هايدجر ونيتشة الألمانيين، بأن أصول أفكار السرياليين وأفكار هذين تكمن في الفلسفة الشرقية، سواء تعلق الأمر بتعريف السيريالية للإبداع بوصفه حالة عاطفية-فكرية تنبثق من علو على أنساق التفكير الواقعي المعتاد، أو بماهية ما يسميه هايدجر”الوجود الوثيق” أو ” الوطيد” أو “الصادق” كضد للوجود الزائف غير الحقيقي، أو بفكرة نيتشة عن ما يسمى في الترجمة “الإنسان المتفوق” أو السوبرمان، الذي هو ذاته الحكيم الطاوي في علوه على الخير والشر. وكان الأكثر مفاجأة بالنسبة لي أن محاولات هؤلاء لتخطي الفلسفة الغربية ونقد تاريخها الممتد طيلة أكثر من ألف عام، إنما جاء بتأثير مدارس الفلسفة اليونانية المبكرة، هيراقليطس وأمثاله، ذات المصدر شرقي، ولم تصب الفلسفة بوباء الثنائية إلا تحت تأثير مراحل يونانية متأخرة، ومنها جاءت الثنائية إلى ثقافتنا العربية.

بالطبع لم يعترف السرياليون أنهم ترجموا الفعل التلقائي الذي يكمن خلفه تمكن وخبرة سنوات”إفعل وكأنك لاتفعل” في الحكمة الطاوية إلى مصطلح سخيف اسمه”الكتابة الآلية”، ولا اعترف نيتشة بفضل الحكيم الطاوي عليه، ولا هايدجر اهتم بنسبة تقسيمه الوجود إلى وجود”حقيقي عميق” و”زائف على السطح” إلى مذهب الزن البوذي. ولكن إذا كانت لهؤلاء أسبابهم، فلا سبب لدينا يمنعنا من كشف هذا “التلقيح” الثقافي في أحسن الحالات، أو “السطو” الثقافي في أسوء الحالات.

بتأثير هذه القراءات جاءت عودتي إلى الشرق، أو “شرقنا” كما قلتُ في تقديمي لكتاب “قصيدة الهايكو: دراسة ومختارات” الذي ترجمته ونشر في العام 1999 تحت عنوان”واحدة بعد أخرى تتفتح أزهار البرقوق” للكاتب “كينيث ياسودا”.

في الجانب الفني، وبتأثير فكرة وحدة الوجود، وحدة الإنسان والطبيعة، كانت تجربة الهايكو متميزة في هذا المضمار. فهي الومضة الشعرية التي تتلامح في أخيلة بعض الشعراء، ولكنهم بدل أن يتوقفوا عندها ويكتفوا بها، تأخذهم العادة إلى محاولة الإضافة إليها وتمديدها، لأن مفهوم القصيدة الوامضة بسطور قليلة كان غريبا عن عوالم الشعراء العرب، رغم أن العربي بحسه البسيط أو فطرته الجمالية يكتفي عادة من القصيدة بالبيت الواحد فيحفظه ويردده. هناك سبب آخر لعدم الإهتمام بقصيدة من هذا النوع، وهو ارتباط الشعر عندنا حتى الآن بالمهرجانات وخدمة أغراض غير شعرية. ومن هو ذلك الذي يخاطر فلا يسمح لإغراء من هذا النوع بجره إلى تدبيج الخطب المطولة ونيل التصفيق والعطايا؟.

لاعلاقة لقصيدة الهايكو بالمهرجانات الخطابية، فهي لحظة جمالية لاتخدم غرضا خارج اكتشاف الجمال في الطبيعة والإنسان والعلاقة بين كل هذا ومعنى الوجود الإنساني. هي تأمل فلسفي ـ جمالي على درجة عالية من الصفاء. هذه اهتمامات تحتاج إلى شجاعة في وسط يقدم فيه الشعراء أنفسهم فرحين على أنهم” صوت القبيلة” أو “الشعب” وما إلى ذلك. شاعر الهايكو الحقيقي مكافح على صعيد الجهاد الروحي، تمتزج في تجربته حياته كشاعر مع حياته كإنسان، أو هو بتعبير أبسط يعيش حياة شعرية خالصة، حياة تتوفر على قدر كبير من الاستبصار يتخطى الأزمان والأغراض الزائلة. هل في جهاده مايحمل “الشفاء للروح الإنسانية” على حد تعبير الألماني”هولدرن”؟ ربما.

· صدر لك مؤخرا كتاب حول الاثار والاستشراق، ألا ترى أن هناك مساهمات استشراقية مؤثرة بالمعني الايجابي للكلمة في مساعدة العرب على معرفة ذواتهم وتاريخهم، لا سيما وان عملية الاستشراق كانت تستند الى مناهج ومدارس غير معروفة للمشرقيين؟

* هناك بالطبع كتب استشراقية تقع بين حدين، حد كيل المديح لشمس الثقافة العربية، وحد الإنتقاص منها، وهناك نوع ثالث ونادر طابعه بحثي يمكن أن يفيد في اكتشاف مناهج معرفية نحو الذات والتاريخ، هذا إذا أخذنا المستشرقين كمشروعات فردية. ولكن موضوع الإستشراق لم يعد يطرح في إطار البحث في إطار عمل أفراد منفردين، بل في إطار الاسشراق كمؤسسة بحثية غربية للتعرف على الشرق وبحثه و”تمثيله” لأنه أدنى من أن يستطيع مطاولة الباحث الغربي و”تمثيل” نفسه كما يزعمون، ثم توظيف هذه المعرفة أو “التمثيل” للهيمنة على الشرق وحكمه، والتحكم بمصيره. إنه خطاب موجه لإنشاء الشرق في المخيلة الغربية ومن أجلها ومن أجل مصالحها، وهو الخطاب الذي كشف آلياته بمهارة عالية د.إدوارد سعيد، مما ساهم في تنبيه باحثي شعوب عديدة إلى ما حدث لهم ولثقافاتهم على يد هؤلاء المستشرقين. والآن لم يعد باحث في هذا الموضوع قادر على تجاوز ما قدمه د. سعيد، ولن تجد بحثا جادا في هذا المجال يخلو من العودة إليه.

هذه المؤسسة لاتعني قيام مركز واحد وفريق عمل واحد يعمل في مبنى واحد، بل تعني اعتماد مناهج بحث في هذا الشرق تحمل رؤيا وتسعى إلى هدف، فتبحث في التاريخ واللغات والثقافات والمجتمعات.. إلخ، في الأكاديميات ومراكز الأبحاث الغربية، بل وحتى في دوائر المخابرات، وترسخ قواعد ومعايير لأي دراسة للشرق يتبعها ويخضع لها كل من يباشر هذه المهمة.

تاريخيا خدمت هذه الدراسات الاستشراقية وثبتت عن الشرق، والعربي منه تحديدا، صورا نمطية في الثقافة الغربية سلبية إلى أقصى درجة، وساهمت هذه الصور في تبرير المذابح والاحتلالات المتواصلة للوطن العربي وإشاعة البهجة والحماس في نفوس الرأي العام الغربي لسنوات طويلة. هذا هو القانون العام الذي تحكم في مسيرة الاستشراق، ولا يجهل أحد دور المستشرقين في خدمة مؤسسات بلادهم الاستخباراتية والعسكرية والقيام بوظائف لاتعلق لها بالعلم وأهله كما حدث بالنسبة للحلقة الاستشراقية التي تجمعت في جامعة القاهرة منذ بداية إنشائها والتي قدم بعض من أفرادها خدماته للجيوش الغربية إثناء الحرب العالمية الأولى. ولعل أكثر أفاعيل الاستشراق وضوحا هو دوره في التمهيد لاحتلال فلسطين وإبادة سكانها وقراها وتبرير إقامة كيان استعماري على أرضها منذ ستينات القرن التاسع عشر، وهذا تاريخ ذو مغزى لأنه شهد تأسيس “صندوق استكشاف فلسطين” البريطاني، وإعلان رعاة هذا الصندوق بوضوح أن دراستهم لهذا البلد والتجول في جغرافيته إنما تستهدف” امتلاكه” لأنه حسب زعمهم هبة من الله لهم. ونشط في إطار هذا الصندوق العسكري والمخابراتي واللاهوتي والمؤرخ والمهندس. في فلسطين لم تكن مهمة الاستشراق، وبخاصة في جانب التنقيب عن الآثار، “تمثيل” الفلسطيني كإنسان هامشي في الأرض المقدسة وجد بالمصادفة فقط، بل إحتلال أرضه ومحو وجوده في الماضي والحاضر، وهذا هو محور كتابي الذي صدر في بيروت في اكتوبر الماضي تحت عنوان ” مستشرقون في علم الآثار: كيف قرأوا الألواح وكتبوا التاريخ”. وفيه شرحت في دراسة موثقة كيف “مثل” علماء الآثار بلادنا على مسرح الرأي العام الغربي، وأظهروا فلسطين بلدا خاليا من السكان، ينتظر وفود “أصحابه” الصهاينة. ولإثبات ملكية هؤلاء المستعمرين لفلسطين في الحاضر والماضي على حد سواء اخترعوا ولفقوا قصص العثور على مدن”توراتية”، وأطلقوا أسماء توراتية على مدننا وجبالنا وسهولنا، وخلعوا فلسطين من تاريخها الحقيقي، ولفقوا لها تاريخا مستمدا من حكايات وأساطير توراتية. بل امتدت يد بعضهم مثل د.س. مرغوليوث إلى القرآن الكريم فترجم كلمة “إرم” إلى “آرام” انسجاما مع التوراة وأدبها في معرض مقالة له عن أصالة الشعر العربي (1925)، ولجأ مستشرق آخر مثل وليم فوكسويل البرايت إلى إضافة كلمات إلى نقوش كتابية كنعانية عثر عليها في تل فلسطيني وجعلها تتحدث عن ما تسميها التوراة “اورشليم” وسقوطها(1936)، وما زال هذا النص الزائف يدرس في المدارس الغربية رغم افتضاحه منذ زمن طويل. والأكثر مدعاة للتفكهة أن يخترع أحدهم المدعو “شابيرا” وجود حضارة اسمها حضارة مؤاب، فيلفق نصوصا وتماثيل وفخاريات، ثم يعترف غربيون بهذا التلفيق وينشرون الإعتراف في دورياتهم، ولكن اسطورة مؤاب تواصل حياتها كما نعرف، بل ويدخلها شعراء عرب مغفلون في شعرهم ويتغنون بها.

والآن يلعب مستشرقون من أمثال “برنارد لويس” و” دانيال فايبس” دورا محوريا في ترسيخ العداء لكل ما هو عربي أو إسلامي في سياق حملة الوحش الاستعماري الغربي الذي عاد إلى وحشيته بعد أن كمم أشداقه وعقره في بعض البلاد وجود الاتحاد السوفياتي لأكثر من ستين عاماً. عاد بالشعارات الكاذبة القديمة نفسها لاحتلال مكامن وممرات الطاقة وفرض إرادته على العالم كله.

لم تتوقف مؤسسة الاستشراق الغربي عن لعب دورها في سياق حروب هذا الوحش، بل انتقلت إلى وظائف جديدة مع ثورة الاتصالات والمعلومات، فأصبحت لاتتمركز في الجامعات فقط ومراكز الأبحاث، بل تجاوزت ذلك إلى الصحافة اليومية وشاشات الفضائيات العربية مباشرة، وإلى صياغة البيانات الدعائية، لإقناع العربي ان لااحتلال هناك ولا استعمار ولا نهب ثروات، وأن هذه مجرد هلوسات يهلوس بها عقله المريض. ويعمل الان “علماء” انثروبولوجيا ولغات واجتماع سياسي وإقتصاد مجندين وملحقين بقوات البطش العسكري في عدة أماكن من العالم على شن حرب نفسية ـ اجتماعية على الشعوب التي تقصفها الطائرات بأكثر صنوف الأسلحة تدميراً.

هذه هي مرحلة أطلق عليها كاتب أمريكي اسم” مابعد ـ الاستشراق”، على غرار الحداثة وما بعدها، وكل “مابعد” يعني في الفكر الغربي تحولا نحو شحذ أدوات الفكر لتكون أكثر فاعلية. يبدو أن الاستشراق بطبعته القديمة المقنعة لم يعد يكفي، وهاهو يتقدم الآن إلى ساحة الصراع عاريا من كل حجج إدعاء “الموضوعية” و”العلمية”، إنه يتقدم برفقة الطائرات والدبابات وأرتال الجنود.

· لعب النص التوراتي دوراً في إنتاج ماضي الشرق العربي، فوضع تاريخه ولغاته وفنونه في سياقات لا تمت الى حقيقته، ما هو دور المثقف العربي في إعادة الاعتبار لهذا الماضي؟

* كانت ساحة الصراع مع هذا الانتاج التوراتي لماضي وحاضر الشرق العربي حتى وقت قريب تدور في عالم الغرب، وأصبحت تدور الآن في وطننا العربي، أي أن مقولات وثوابت هذا الانتاج أصبحت تدخل علينا عبر الصحيفة والشاشة والمهرجان والمؤتمر. ومظاهرها هي “إقناع العربي” بنظرية أن قيام الكيان الاستعماري على أرض فلسطين إنما هو “عودة أصحاب الأرض إليها”، وأن” العرب” ورابطتهم القومية ليست سوى خرافة، وما هم إلا قبائل ومذاهب وأعراق مختلفة متعادية منذ الأزل، ولا منقذ لهم من أيدي بعضهم إلا السيد الديموقراطي الغربي. ومن مظاهرها أيضاً، أن الغرب ليس قوة احتلالية متوحشة، بل هو قوة تحضر وتمدن للمتوحشين العرب. ومشكلة العربي ليست مع هذا الغرب بل مع عقيدته الدينية التي تحمل في مكوناتها كل عناصر التخلف والإرهاب ورفض “الآخر”.. إلخ.

هذه الأساطير دخلت منذ زمن طويل في العقلية الغربية، ونشأت عليها وما تزال تنشأ أجيالهم عليها جيلا بعد جيل، وهناك دار صراع مع هذه الأساطير ساهم فيه باحثون عرب ومسلمون وغربيون منذ الخمسينات من أمثال أنور عبد الملك وطيباوي وإدوارد سعيد وروجيه غارودي.. وأخرون، كان خلاله العرب بمعزل عن كل هذا إلا من سجالات سطحية كانت تظهر في اللغة العربية ضد الصور الغربية، فكأنها كانت تغمس خارج الصحن. لأن ساحة المعركة التي يجري الصراع لكسبها كانت الرأي العام الغربي لا العربي.

الآن، ومع وصول هذا المنتج إلينا باللغة العربية، ونشره على ألسنة أشباه ببغاوات عرباً، يجد أي مثقف عربي جاد نفسه في اللجة تماما، ومطالب بالمساهمة في هذا الصراع، والتمكن قبل كل شيء من أدواته، لأن ما يردده الببغاوات مستل حرفا حرفا ونقطة نقطة وفاصلة فاصلة من منشورات ومقالات مراكز أبحاث الحرب الفكرية والنفسية والإجتماعية القابعة في تل أبيب والعواصم الغربية. المعرفة والإطلاع أولا، وتقصي مصادر هذه الحملات الإعلامية وتحليلها، وامتلاك ثقافة سياسية ـ اقتصادية وتاريخية، للدخول في جبهة ضد هذا العدو الخطر، العدو الذي يتخفى ويتحرك مثل الشبح، لأن من شروط الصراع الفكري إخفاء أدواته والتعتيم على مسرحه وإبعاده عن الوعي العام.

موقف المثقف العربي المقاوم في هذا الصراع سيكون فاجعا، فالأدوات الكبيرة والمؤثرة بيد العدو وببغاواته، تمويلا وأجهزة وتخطيطا لإغتيال فكرة أو شخص أو تدمير مؤسسة، ولا يمتلك المثقف العربي سندا وسط الجهل العام بأن ثمة صراعا دائرا حتى، كل مؤسساته “الفكرية” مشغولة بمؤتمرات التغميس خارج الصحن، وتخضع في أنشطتها حتى من دون أن تشعر لبوصلة التوجيه الفكري المضلل الذي هو جزء من أسلحة العدو نفسها فتتداول قضايا تافهة لامعنى لها في الصراع الحقيقي الدائر حول الأرض والثروة والممرات، قضايا مثل”حوار الحضارات” أو ” التوفيق بين الأديان” أو “مفاوضات السلام”.. وما إلى ذلك.

هذا الموقف الفاجع قد يدفع إلى اليأس، ويبدو أننا بحاجة أولى إلى ثقافة ضد اليأس قبل أن نكون بحاجة إلى ثقافة مقاومة تتلامح هنا وهناك فتغرقها مراكز المراقبة الفكرية بالتشويه، أو تحاول حرمانها من التواصل مع الناس بإلغاء بث فضائيات من قمر صناعي ومصادرة صحف ومنع مطبوعات، والسيطرة على أجهزة الإعلام. أليس غريبا أن نفشل في نشر ترجمة موضوعات نقدية، ينشرها حتى الإعلام الغربي بكامل حريته، في صحيفة عربية؟ أليس غريبا أن العربي ممنوع من الوصول إلى مصادر المعلومات المتاحة حتى للقطط في العالم كله؟

إذا كنا بحاجة إلى ثقافة ضد اليأس، فنحن أيضا بحاجة إلى حرية الحد الأدنى، ولو جزءا من الحرية الشاسعة المتاحة للقردة والببغاوات التي تكاد تنفرد بأجهزة الإعلام العربية.

· كانت لك علاقة مميزة مع الروائي الراحل غالب هلسا، ما الذي بقي منه في ذاكرتك، ومتى تستحضره؟

* غالب ! لايذكر غالب في المناسبات، ولا يسأل عما تبقى منه في الذاكرة، أو متى أستحضره. هو جزء من تكويني الثقافي، أي حاضر دائماً، سواء برواياته أو أحاديثه أو بانحنائه على شجيرات بجانب الطريق والتقاطه ساق سيسبانة، والبدء بمضغها كمن يتلذذ بمضغ ذكرى. تحدثت عن غالب في مكان آخر، عن لقاءاتي به، عن وعيه الاستثنائي بالنص الأدبي، عن رؤيته الساخرة، عن اكتشافاته للجميل والبسيط والعادي الذي نمر به ولا يلفتنا إلى جماله سوى فنان. ولكنني لم أقل آنذاك ان الحديث عن أصدقاء فقدناهم مبكراً مؤلم إلى حد معذب. لماذا؟ لأن أحلامهم ورؤاهم تطوف بكل مشهد حولك، بمشهد الأحلام والرؤى المجهضة، بمشهد يسيطر عليه كل ما قاتلوا لمحوه، بمشهد تدفن فيه رسالاتهم، بمشهد كان جميلا حين كانوا ملء السمع والبصر فإذا به يتحول إلى مشهد بشع.

لاأفهم موت الجميل حين نكون بأمس الحاجة إليه. هذا كان حالي مع غالب كما كان مع ناجي العلي الذي لايُنسى. حال الذين كانوا جزءا منا، فسقط بعضهم منهكا بوحدته، وسقط بعضهم اغتيالا برصاص البلاهة المطلقة. وفقدنا بفقدهم جزءا منا. صحيح أن أعمالهم هي جزء من تكويننا، ولكن المؤلم انها لم تصل بعد لتصبح جزءا من الإيقاع الجماهيري العام الذي حلموا أن يحتويهم ويكون علامة على انتصارهم.

أذكر ان د. إدوارد سعيد تحدث عن “الخاسرين” و”المنتصرين” في سياق حديثه عن المصير الذي انحدرت إليه حركة التحرر الفلسطينية، فوضع في صف الخاسرين كل ما هو جميل ونقي وجاد ونزيه، ووضع في صف المنتصرين كل ما هو بشع ومنحط وسافل. كان د.إدوارد سعيد يحسب خسائرنا متحسرا بالطبع وكنا جزءا من الخاسرين.

هذا زمن شارف على نهايته كما تشارف على نهايتها دورات الفصول. ولكن الفصول ما زالت تتجدد على الأرض كما قال الياباني “يوشيدا” بطل نهضة اليابان قبل ساعات من إعدامه.