مخاوف العقل الأنثوي الخمسة (الجزء الاول)

كلاديس مطر[1]

(1)

كان الخوف سمة واضحة في سلوك نساء العائلة، فعلى الرغم من الحرية النسبية التي كن يتمتعن بها، إلا أنه كان هناك كم كبير من المحظورات، التي كن يتجنبن الاقتراب منها، تلك التي لم أعد ألقى لها بالاً في مرحلتي العمرية هذه. لقد تطور الزمن الروحي والأخلاقي للمرأة ظاهريا، بنفس سرعة التطور التكنولوجي، على الأقل في سوريا، وذلك على عكس ما يُظن. لكن هذه السرعة، لربما كانت سطحية وضلالاً، لأنها لم تستطع أن تنتزع، مع ذلك هذه المخاوف في بنية عقل المرأة. فما عانت منه جدتي ووالدتي من صعوبات تمييزية معينة، أدفع ثمنها الآن لأن عقلي اليوم يعيش ما يسمى باضطراب ما بعد الصدمة أو

.post-traumatic stress disorder

إن هذه المساحة من الحرية التي أمنها لي القرار السياسي بتمكين المرأة في سوريا، سمح لي أن أهدأ قليلاً، وأن أعيد تقييم الأمور في عقلي، وأن أبقى على مسافة معينة مما كان يحدث. لقد فطرت من خلال تربيتي، على بعض الحريات التي لم تكن متاحة من قبل، لكن بقايا الخوف مازال هناك في بنية عقلي، هذه البقايا التي ألمحها أيضاً في عقل الكثير من النساء، بغض النظر عن بيئتهن وطريقة نشأتهن. فحين كان جدي، يمنع أمي وخالاتي من الذهاب إلى السينما أو الحلاق النسائي أو مضغ اللبان، ويرى فيها إشارات واضحة على التسيب والانحلال، كان والدي المثقف يسمح لي بذلك من دون مجادلة. وحين كان جدي يستشيط غضباً عندما يرى في ثياب أمي وخالاتي ما لا يتوقعه من حشمة، كان والدي يهمس لأمي بشكل عابر “ما حلو هالفستان خليها تقلعو” ([2]) أو حتى لا ينتبه إلى الأمر، كما كان يسمح لي بالسفر إلى أي مكان”على الرغم من قلقي عليكِ” إذا كان الغرض هو أن أتعلم. لقد كان يؤمن هو الأخر بتمكين المرأة بحذر أقل، ولكن ليس معدوماً. لقد تغير الزمن ولكن الخوف بقي على حاله، لأن صوت جدي وليس أبي هو الأقوى في أذني، أو لربما لأن هذه النقلة في الحرية التي عاشتها المرأة في بعض الدول العربية، ومنها سورية، إنما ترجع كما قلت إلى قرار سياسي (مهما كان هذا القرار إيجابياً) وليست إلى حاجتها الروحية، وتطور هذه الحاجات عبر الزمن، أو من خلال قانون صاغته هي بما يتلاءم مع تطورها في الزمن ومن خلاله. فهذا القرار إنما أتى، مثل كل القرارات في وطننا العربي الحزين “من فوق” ومنزلاً، وليس نتيجة لصراع الفرد مع ميوله الإيديولوجية والفيزيائية.

ولكي أفسر أكثر ما أعني بهذا، يجب أن أسرع فأقول، إنني لا أتحدث عن عقلية نسوية مريضة بالمطلق، ولست أشمل بكلامي كل العقول العربية النسوية من دون استثناء، ولا أطلق أحكاماً معممة على هذه البنية، فأنعتها بالقصور فقط، وإنما أتحدث عن عقل عربي نسوي جمعي، ضمن سياق تطوره التاريخي وإلى اليوم، وأدرس في بنيته المخاوف التي تراكمت فيه عبر العصور كنتيجة للصدمات الثقافية والروحية والفلكلورية التي عاشها هذا العقل. فإذا وافق أغلبنا على أن المرأة العربية تحديداً مرت في فترات غير مسبوقة من القمع والشدة والتهميش – وهذه الفترات تشكل الصدمة طويلة الأمد ـ فإننا نوافق على أن هذا العقل اليوم، يعيش فترة ما بعد الصدمة، محاولاً أن يتعايش مع الدنيا حوله من خلال الباقي من قدراته.

إن العلاقة بين السبب والمرض أو بين الحدث والمرض (الخوف) ليس صدفة، وإنما يعتبر الأول مقدمة أو نتيجة للثاني. فالمرأة العربية تعرضت إلى حوادث هدد فيها بقاؤها حرفياً عبر مراحل تاريخنا العربي الطويل. وهذه الحوادث لا يمكن إلا أن تترك أثرها في بنية عقلها وسلوكها الذي سوف يعمد من الآن فصاعداً إلى تجنب كل الاحتمالات المستقبلية لهذا النوع من الحوادث. فإذا كان الترك أو العزل مثلاً أحد هذه الحوادث نتيجة لمفهوم ثقافي معين سائد في المجتمع، فإنه سوف يتشكل لديها خوف باطني دائم، من أي احتمال مستقبلي بتكرار هذا العزل. إن بنية عقلها سوف تتشرب هذا النوع من الخوف أو الوسواس، حتى ولو لم يكن ذلك يتناسب مع حجم الخطر الحالي.

في هذا الفصل أريد أن ألقي بعض الضوء على مرحلة ما بعد الصدمة، وهذه المخاوف الخمسة التي ترسبت في هذا العقل نتيجة لذلك. كما أريد تصفية آثار هذه الصدمة ذات الوضعية الاضطهادية ومواجهتها إن أمكن لي ذلك.

(2)

إن المجتمعات التي تتعرض للكوارث والحروب مثلاً، تنتشر الوساوس المرضية بين أفرادها بشكل كبير. فهذه الفترات المحنية العصيبة تترك من بين آثارها على الفرد 1- الوساوس والمخاوف([3]) (الفوبيا) 2- إيذاء الذات بصورة غير مباشرة 3- الاكتئاب 4-القلق الذي يصل إلى حدود الهلع ( panic attacks).

ومن بين هذه الآثار يبرز الخوف كسمة اقوى وأكثر رسوخاً وحدة من بين الآثار الأخرى التي تترك بصمتها على بنية هذا العقل. والخوف أو الفوبيا ليس معطى أعني به أن هذا العقل خائف من كل شيء، فهذا أمر غير طبيعي ولا منطقي، وإنما أقصد أن هناك مخاوف من أمور بعينها، ارتبطت أكثر من غيرها ببنية هذا العقل عبر مراحل تطوره، وإلى هذا اليوم، وذلك بما يتناسب مع القواعد الاجتماعية والمحرمات الدينية والثقافية التي كان هذا العقل مضطراً لمواجهتها والتعاطي معها والخضوع لها عبر العصور.

صحيح إن هذه المخاوف قد لا تجد في أغلب الأحيان ما يبررها اليوم، لكنها تتبدى في هذه الرغبة القهرية لتجنب أشياء بعينها، يمكن أن ترمي بها الصدفة أمام هذا العقل. وهذه المخاوف أو الوساوس إنما هي محاولات دفاعية استباقية لاستبعاد هذا النوع من الخطر. وهذا سبب آخر يدل على لا قدرة هذه البنية العقلية على أن تكون قدرية. إن هذا العقل يعرف أن خوفه قد لا يتناسب مع حجم الخطر المتوقع أو المدرك، ولكنه غير قادر على التحكم بالأمر أو تفسير ذلك.

واللافت أنه من الصعب أن نتوقع أن تختفي مثل هذه المخاوف أو تزول من بنية العقل، وذلك متى وجد هذا العقل نفسه في بيئة مختلفة، بسبب هذا الطابع التراكمي للصدمات. ذلك أن أية صدمة جديدة ـ وهذا احتمال وارد جداً ـ من شأنه أن يعيد إحياء كل التبديات النفسية والصدمات السابقة من مكامنها وتفعيلها. لكن فهماً لمعنى الحادث وظروف حدوثه الثقافية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والابيستمولوجية، و(النظر إليه انطلاقا من كونه سوء فهم كبير عام أو كارثة عامة ليست موجهة إلى فرد بعينه)، من شأنه أن يعيد شيئاً من الأمان لبنية هذا العقل فيجعله أكثر هدوءاً وتركيزاً وفهماً وأقل تشتتاً.

خلال سفري الكثير، لم أستطع كأنثى أن أتغير كثيراً. صحيح إنني كنت أعيش في بيئات أكثر ليبرالية وانفتاحاً، إلا أن عاداتي لم تتغير، ولقد تطلب مني جهداً هائلاً في البداية، لكي أحمل “اللاب توب” خاصتي وأنزوي وحيدة في إحدى المقاهي الصغيرة في مدينة لوس أنجلس وأكتب بهدوء.. لقد كنت اعتقد أن الجميع يتطلعون إلي، لكن انتباهاً صغيراً مني لما حولي، جعلني أدرك أن الجميع مثلي، والكل منهمك فيما يفعل، عندها لم أسترخ فقط، وإنما فكرت بحسرة بهذه الحريات الصغيرة التي تكافح النساء في بعض الدول العربية للحصول عليها. لقد تغيرت البيئة حولي، ولكن الصدمات التراكمية جعلتني متحفزة. صحيح أن جدي وأبي قد توفيا ولكن صدى كلماتهما مازالت ترن في أرجاء المنزل، فتارة أخاف، وتارة أخرى أتذكر لامبالاة أبي فأكمل طريقي منتبهة إلى إنه هو من منحني حريتي بالكامل وفوقها ثقته من دون مقدمات فقط محبة لله والعلم.

إن المجتمع العربي بخصائصه وتناقضاته الحادة وعدم قدرته على التعاطي مع مشاكل الواقع بالتحليل والفهم المنهجي لما يحدث، واللجوء عوضاً عن ذلك إلى التمنيات، أو إلى الهبات الحماسية والتفكير اللاجدلي والعصبي الذي لا يرى الأمور إلا حلقات منفصلة لا رابط بينها، ولا نتائج تتمخض عن مقدماتها، إنما هو مجتمع يشكل الأرضية التي تسمح لعوارض الصدمة بالحدوث. وهو الحدث الكبير الذي على العقل النسوي العربي أن يفهمه لكي يبدأ بأولى دروب الشفاء.

فالعنف المشروع طويل الأمد الذي وجه ـ ومازال ـ ضد المرأة العربية، بشقيه المعنوي والجسدي، كان فوق طاقة جهازها العصبي على الاحتمال. إنه عنف مكرر شكل ضغطاً مهولاً عليها عبر الزمن، بحيث توجب على عقلها أن يلجأ إلى وسائل دفاعية كثيرة لكي يتخلص منه، أقلها التجاهل والتجنب، وربما الهروب من صور مأساوية بعينها شكلت عبءاً على قوى عقلها وقدراته. إن تكرار حدوث أو تكريس هذه الصورة التبخيسية عن المرأة عبر العصور، قد بدل نظرتها إلى ذاتها وإلى العالم، وأصابها أولاً، بمزيج من هذه المخاوف التي غدت مع الوقت جزءاً من بنية عقلها. فالتركيز عبر التاريخ على قوة الرجل وتميزه، بحيث يبدو عملاقاً بمقاييس استثنائية في عقلها، جعل من المستحيل عليها أن ترى في ذاتها حتى مكملاً له. لقد كان العنف الموجه ضدها معنوياً بأصوله تماماً، كما هو الحال في تكرار الصور والأنباء التي تقدمها وسائل الإعلام طوال الوقت، عن الوضع الخطير الذي نحيا فيه. إن تكرار هذه الصور التبخيسية عن ذاتها قد أصابها بالشلل، وجعل فكرة مجرد البحث عن الذات الحقيقية حتى في مرآة المجاز أمراً ربما حتى غير وارد. باختصار إنها خائفة.

(3)

واللافت أن الخوف (phobia) هو الأكثر انتشاراً بين النساء، عنه بين الرجال خصوصاً هذا النوع من الخوف الذي يعرف بـ الخوف من البقاء وحيدة.

الحق يرجع هذا النوع من الخوف إلى صدمات كثيرة قديمة تحمل نفس المحتوى. إن عزل المرأة عبر التاريخ، إما في حرملك أو إقصاءها عن المشاركة المجتمعية على نطاق رحب، بدوافع ثقافية ودينية كما أسلفت، ثم لاحقاً تنميق هذا العزل عبر إخضاعها إلى قوانين عمل ذكورية لا تتناسب مع بنيتها، إنما خلق لديها شعوراً راسخاً ومتمكناً من كونها “وحيدة” و”مقصية” و”مهمشة”، فقط لأنها تتمتع ببنية هشة وقدرات عقلية عنونت بـ “ناقصة” كما تقول المرجعية من الدرجة الثانية. وفوق هذا وذاك تعتبر بنيتها الأكثر خطراً على المجتمع، فهي مضللة ومغرية وتوحي بالفساد واللهو. إنها ليست جزءاً من حركة العالم ولا طرفاً في حيويته، وإنما رحم أو بطن مرتبط بفورة الطبيعة والهرمونات والعواطف التي لا يمكن ضبطها أو التعويل عليها.

إن الخوف من البقاء وحيدة، يميل لكي يكون خوفاً مزمناً، وهو لا يتطور ويتبدى إلا عندما يتنامى القلق تجاه شيء أو موقف يجبر المرء على تجنبه. صحيح أن أسباب المخاوف المباشرة لربما كانت مجهولة، غير أن علم النفس يعتقد أن سببها قد يرجع في حقيقته إلى نوع من الكبت، وإلى هذه الانزياحات القوية التي تفور ضمن هذه الصراعات الداخلية التي يعيشها الفرد. بينما يرى الباحثون في السلوك الإنساني ان هذه المخاوف، ما هي إلا ردود فعل يحاول من خلالها هذا الفرد أن يتجنب موقفاً ما أو أمراً كان السبب في قلقه.([4])

“واللافت أن الذي يتجنب بشكل روتيني الشيء الذي يخاف منه أو “موضوع الفوبيا” التي يعاني منها، إنما قد يخسر مع الوقت تقديره لذاته، ويشعر بالضعف والجبن وعدم الفاعلية (و هي الصفات التي تتهم بها المرأة عموماً). وإذا لم يستطع أن يسيطر على مخاوفه ويتحكم بها، فإنه قد يستشعر نوعاً من الاكتئاب متوسط القوة، قد يدفعه إلى معالجة نفسه بتعاطي الكحول أو العقاقير([5])“. لكن هذا ليس شأنناً هنا. إننا نريد فقط أن نفهم طبيعة الخوف من البقاء وحيدة باعتباره الخوف الأول، وتأثيره على سلوك وتركيبة عقل المرأة العربية.

مع الوقت أتيح لجزء من بنية هذا العقل، أن يتعايش مع صورته عن ذاته في مرآة المجتمع والآخر، وأن يقبل بدونيته، بينما عمد جزء آخر منه إلى تجنب الأمر ومقاومته والعمل على الابتعاد عن أي شيء يمكن أن يكرسه أو يعيد هذه التجربة المؤلمة التي حدثت بشكل متكرر عبر سياق التاريخ.

فالمرأة وحيدة كعاقر، ووحيدة كمطلقة وكعانس وككبيرة في السن وكامرأة لا تحمل الكثير من مواصفات الجمال الخارجية. إنها وحيدة عندما تبادر في الحب، وعندما تتحدث عن مشاعرها الخاصة، وذلك لأن ” الآخرين ” يضعونها في الحال، في خانة جانبية مختلفة معزولة ومقصية، باعتبارها لم تتردد من أن تكون ذاتها. أليست هذه الحالات هي التي تتجنبها امرأة اليوم وتخاف منها!!!؟؟

إنهم يطلبون منها “كمال باطل”، هذه التي لم يعترفوا أبدا بوجودها.

لنراقب معاً فتاة تقدمت بها السن، ولم تتزوج، مع الانتباه إلى أنه ليست كل من لم تتزوج هي كذلك. راقبوا سلوكها وانتبهوا إلى هذه التبدلات الغريبة في طريقة تعاطيها مع الدنيا حولها. قد تتحول هذه الفتاة بسبب الخوف الدفين من الوحدة إلى أخرى تعاني من وساوس قهرية، أو تصرفات متكررة، كأن تصر مثلاً على النظافة والترتيب بشكل مفرط، أو تخضع حياتها الشخصية لنظام صارم معين، وكأنها تريد أن تهدئ من شكوكها أو تتجنب خطراً ما. إننا نسمع الكثير عن فتيات لم يتزوجن بارعات في الترتيب وإعادة الأشياء حولهن إلى أماكنها، نعثر على مثيلاتهن لدى المديرات الإداريات غير المتزوجات، على سبيل المثال اللواتي يلفتن بترتيب مكاتبهن الصارم وحتى بيوتهن. إنهن مذبوحات بهذا اللا أمان الوجداني الذي يقض مضاجعهن، والذي يملأنه بهذه الممارسات القهرية غير المبررة. إنهن يرتبن كل شيء من دون توقف لساعات وساعات. ترى ماذا يدفعهن إلى ذلك سوى الخوف المربك من الوحدة المضنية التي يجب أن يملأنها بأي شيء؟ إنه “ترتيب” الاكتئاب الدفين، والعجز عن رؤية الحياة بغزارتها الفوضوية المبدعة. إن طبيعة المرأة الخلاقة لا تعترف بالقوانين الصارمة المركبة والمصنعة، وذلك لأنها مفطورة على التلقائية والنزعة العاطفية وإضفاء كل ما هو شخصي على الأشياء حولها. لكننا حين نراها قابعة في حسابات الترتيب والتنظيم الاستحواذية، نعرف أنها الآن امرأة مكتئبة وحيدة، ومدعاة للشفقة.

وفوق هذا وذاك، لا يوجد أي بعد أخلاقي في هذه الوساوس والنزعات السلوكية المفرطة، وذلك لأن وجدان المرأة يكون غائباً في جلبتها. إنها امرأة وحيدة تملا فراغ روحها بإعادة الأشياء المتناثرة مكانها وكأنها آلة لا تعي ماذا تفعل.

(4)

من المخاوف الرئيسية الأخرى التي تميز بنية عقلها هو الخوف من أن تدفن حية. يفسر علم النفس والقواميس الطبية النفسية هذا النوع من الخوف “بالخوف من أن توضع في قبر وهي حية، على أثر ظن خاطئ بأنها متوفاة ([6])“. والحق أن التاريخ مليء بحوادث عن نساء ورجال دفنوا أحياء ظناً أنهم متوفين. فالطب لم يكن بهذه الدقة كما هو عليه اليوم، ولهذا لم يكن هذا النمط من الخوف غير مبرر بالكامل. لكن هذا أمر آخر، ولسنا في معرض البحث عنه. إن هذا النوع من الخوف الذي اعنيه هنا والذي لمحته في بنية عقل المرأة يرجع إلى الصدمات القديمة المتراكمة عن حوادث ” وأدها ” التي كانت تتم عن سابق تصور وتصميم، وهي مازالت حديثة الولادة، فقط لكونها أنثى قد تجلب العار والخزي للعائلة والقبيلة.

يخبرنا التاريخ قصة الوأد بشكل مفصل أكثر. يتحدث الباحث والطبيب لاري ميلنر([7]) في كتابه الهام الذي يعتبر نتيجة عشر سنوات من البحث والاستقصاء العلمي حول نسبة الأطفال الذين يقتلون على أيدي ذويهم، وذلك بناءً على دراسات تاريخية ومعطيات حديثه. يقول إن النسبة تصل إلى 10-15 % من الأطفال حديثي الولادة، الذين يقتلون على أيدي ذويهم. أي ما يقرب من 7 مليون ضحية.

حين نرجع إلى الوراء قليلاً عبر خط الزمن، نجد أن هذا النوع من القتل أو الوأد، إنما كان منتشراً بين المجتمعات القديمة القبلية المتخلفة، والمتحضرة الحديثة على حد سواء. والوأد، بمعنى قتل الطفل حياً، كان يمارس في كل قارة من هذه المعمورة، وبيد أشخاص من مختلف المستويات الثقافية ابتداءً من الصيادين والمزارعين وانتهاءً بأكثر الحضارات تقدماً بما فيها أجدادنا.

ولقد عثر الكاتب على هذا الميل غير المعقول لدى الأهل لقتل أطفالهم، تحت ضغط توليفة معينة من المواقف الصعبة. ففي القرن التاسع عشر في إنكلترا مثلاً انتشر قتل الأطفال بشكل لافت جداً، بحيث أثير جدل كبير في الأوساط الطبية والعلمية حول كيفية ضبط الأمر ومعالجته. الحق لقد انتشر هذا النوع من القتل في كل مجتمعات الأرض ابتداءً من العصر الذهبي اليوناني، وصولاً إلى مجد الإمبراطورية الفارسية. وبالرغم من تعدد أسباب هذا النوع من القتل، إلا أنه أمكن إحصائياً رصد عاملين هامين وراء ذلك: الفقر والرغبة في ضبط التكاثر السكاني. فمنذ فجر التاريخ كان تأمين المأكل مهدداً بتفاقم عدد السكان. ولقد كان ضبط عدد الأطفال عن طريق قتلهم، أحد الطرق للتحكم بآثار المجاعات المحتملة. لقد اعتقد داروين أن قتل الأطفال وخصوصاً الفتيات منهم ” كان أكبر وأهم قيد أمام تكاثر البشرية في العصور الأولى”.

ولكن، لما كان موت الإناث الرضع ضرورياً لبقاء القبيلة ؟ هل كان هذا البقاء مرتبطاً بتامين الطعام فقط؟ أم كان في عمقه تمييزاً دفيناً ضد الأنثى بالذات ؟ هل كان قتلها أو دفنها حية هو لتوفير طعامها للراشدين؟ أم لأنها مرتبطة مباشرة بكل مفاهيم العار والشرف وهذا الموت ” يريح ” قبيلتها من خزي محتمل؟

لقد وقف الإسلام موقفاً حاسماً من قتل الإناث أو وأدهن([8]). لكن هذا لم يلغ التمييز ولم يجتثه من جذوره، وكأن وجوده يعود إلى أمر أعمق وأكثر تعقيداً في بنية المجتمعات القديمة. لقد كانت الإمبراطورية الفارسية قبل الإسلام، عبارة عن مجتمع ذكوري بامتياز. ولقد كانت الأنثى تعتبر جحيماً غير مرغوب فيه أمام عائلة تكافح لكي تعيش. كذلك كان الوأد معروفاً لدى قبائل العرب قبل الإسلام، وإن اختلفت أسباب الوأد من قبيلة لأخرى، إذ كان يرى فيها البعض غيرة على العرض، أو خوفاً من أن يلحق العار بأهلها إن سبيت إثر غزو أو حرب، وانتهى بها الأمر مسبية بيد الأعداء، بينما كان البعض الآخر يئد البنات لعاهة أو تشوه فيها، الأمر الذي يربط كينونتها مسبقاً بجمالها وحسنها، وليس بأي أمرآخر. كما كان هناك من يئد بناته أيام الجوع والفقر التي كانت تأتي على القبيلة، وكان هناك مقولة منتشرة في ذلك الوقت ورائجة كأحد القوانين الشفهية المعمول بها؛ “من الشهامة دفن رضيعة أنثى” .

أما اليهودية فقد حرمت قتل النفس في واحدة من الوصايا المعروفة “لا تقتل”. لكن الأمر لم ينته هنا حقاً. لان المرأة لم تكن إلا ملكية من بين الممتلكات الأخرى للرجل “لا تشته امرأة قريبك ولا خادمه ولا خادمته ولا ثوره ولا حماره ولا شيئاً مما لقريبك”([9]) كما كان بيعها معروفاً ورائجاً “وإن باع رجل ابنته أمة”([10]) و ذلك بغض النظر عن السن الذي يبيع بها ابنته. وفوق هذا وذاك لا يحق للمرأة اليهودية المثول أمام القضاء، بينما يقوم الأب مقامها في قبض المهر أو تعويض الاغتصاب. كما يمكن له تقديم ابنته قرباناً لنذوره تحت ما يسمى البغاء المقدس.([11]) وهكذا تبدو وصية لا تقتل، غير ذات قيمة أمام وضع المرأة المتدني في اليهودية. والعهد القديم مليء بالشواهد اللانهائية عن وضعها، ابتداء من وضع مسؤولية الخطيئة الأولى عليها (واليهودية تشترك مع المسيحية في إلقاء اللوم عليها) وانتهاءً بمقايضتها في أسواق البضائع. أما عندما كان يطلق عليها قديسة، فذلك بسبب احتلالها مكاناً مرموقاً في المعبد، كبغي مقدسة. إنها مولودة بالإثم “إني في الإثم ولدت وفي الخطيئة حبلت بي أمي”([12]) وهي اذاً” مدعاة “للقتل.

لقد بني الفقة اليهودي كله على قاعدة أن المرأة قد ولدت مأثومة، وأن وصية لا تقتل قد تعني ضمناً أي شيء عدا المرأة.

هل ما زلنا نتحدث عن الوأد هنا!!! حسناً!

حين أتت المسيحية اختلفت النظرة إلى المرأة بعض الشيء. صحيح أن المسيحية ولدت في بيئة يهودية، غير أنها انفصلت عنها ولم تبنِ صرحها على هذا الفقه الذي كانت تجد فيه تمييزاً لا بين المرأة والرجل فقط، وإنما بين اليهودي وغير اليهودي.

فحين كانت الزانية ترجم حتى الموت في اليهودية، لم يستطع السيد المسيح أن يدينها قائلاً لمن أراد إحراجه “من يكن بلا خطيئة فليرمها بحجر” وهكذا انفض الكل عنه، وبقي هو يخط في الأرض غير متطلع إليها. لقد كان موقفه ثورة رهيبة في تلك الأزمنة. فوأد المرأة كان حدثاً متواصلاً يتم منذ الولادة وحتى يوم الوفاة (إذا ماتت ميتة طبيعية) ضمن منظومة اجتماعية سلوكية تمييزية قهرية مرعبة. حتى مراسم الزواج اليهودي الذي تشكل المرأة طرفا فيه، كان الرجل يردد فيه، كجزء من طقوسه “مبارك الذي خلقني رجلاً. مبارك الذي لم يخلقني امرأة. مبارك الذي لم يخلقني امرأة. بينما ترد العروس قائلة: مبارك الذي خلقني حسب مشيئته”([13]).

لقد كان هناك نوع من الانقطاع الفكري بين اليهودية والمسيحية، وذلك على عكس ما يٌظن في أغلب الأحيان. فهذا الربط بين العهدين القديم والجديد، أوحى بان الأول ما هو إلا خلفية للثاني أو مكمل له. ولأن إشكالية الربط وظروفها ليست مجال بحثنا هنا، فإنه يهمنا أن ننبه إلى أنه لا يوجد ما يوحي بأي تمييز ضد المرأة في العهد الجديد، اللهم ما ورد في بعض رسائل القديس بولس على الرغم من أن النساء شكلن ما يقرب من 40% من مساعديه خلال رحلاته التبشيرية، وعلى الرغم من الشكر الكبير الذي كان يوجهه لهن في بداية رسائله لمساعدته في نشر الدين المسيحي ويخصهن بعاطفته. والحق لا يمكننا أن نفصل أقوال بولس عن خلفيته التاريخية والثقافية، وهذا أيضا ليس مثار بحثنا هنا.

لكن طالما أعفيت الزانية من العقاب في المسيحية، وترك أمرها لله، فإن هذا ترميز ذو دلالة كبيرة بالنسبة لمعنى “المرأة” ودورها في المسيحية. بالمقابل تظهر الأنثى المكرمة هنا، في شخصية مريم العذراء، الأم البتول المنزهة عن كل عيب، مقابل حشد النسوة الزانيات والمحتالات في العهد القديم.

لكن الوأد بقي كحادث حي في بنية عقل المرأة العربية تحت أشكال كثيرة. إنها موءودة بالضرورة، بفعل التمييز الجندري الأبسط. وهذا يعني أن عليها أن تقاوم لكي تبقى على قيد الحياة، كما يعني أن هذه المقاومة، تفرض سلوكيات معينة وتجنب وحذر كبيرين من نوع خاص، وربما وساوس بعينها.

الوأد اليوم نراه في شكله الكلاسيكي القديم، في بعض مناطق الهند الريفية المتخلفة. يقتل الجنين الأنثى في رحم الأم أو بعد الولادة بوقت قصير جداً، إما خنقاً أو تجويعاً حتى الموت أو إغراقاً.. الخ حيث ترمى لا في حفرة وهي مزينة ومطيبة كما كانت تفعل القبائل العربية قبل الإسلام وإنما ربما في حاويات الزبالة أو مجاري الصرف الصحي الكبرى (البالوعات).

أما في الصين فالوأد اليوم يتم بمباركة رسمية حكومية بسبب التزايد المهول في عدد السكان حيث لم يعد مسموحاً إلا بإنجاب ولد واحد فقط. لكن تفضيل الذكر على الأنثى جعل الصين على حافة كارثة جيوسياسة وديمغرافية كبرى، فعدد الذكور يفوق بكثير عدد الإناث[14] ووأد الأجنة الإناث يتم حالما يكتشف الأمر عن طريق التصوير الشعاعي المافوق صوتي الذي يعتبر الأداة الخفية والمباشرة والعصرية التي تسهل عملية الوأد الحديث.

بقي الوأد إذاً كحادثة تخص الأنثى فقط من بين كل عمليات التمييز الجندري التي تتم ضدها. صحيح أن هذا النوع من الحوادث لربما ليس رائجاً اليوم في بلادنا فيهدد بقاء المرأة ولكنه مازال هناك في بنية عقلها، عارفة به وفاهمة لمعناه تماماً عبر سياق التاريخ.

(5)

هناك نوع آخر من الخوف مكرس بشكل أكثر ظهوراً وعلانية من المخاوف الأخرى وهو “الخوف من الحرية“. إنه خوف علني مصرح عنه أحياناً بدافع القهر والألم (أنا لست حرة !) وأحياناً أخرى بدافع الالتزام المزيف بالأخلاق والقيم الاجتماعية والدينية المعمول بها (لا يجب أن أكون حرة). وبين هذين القطبين يتأرجح العقل الأنثوي بين شد وجذب. اللافت أن هذا الفهم لمعنى الحرية يكمن تماماً في أبسط وأكثر معانيه تسطحاً: إنه يعني حرية الحركة والتصرف من دون أن يكون هناك وعي متكامل لمعنى الكلمة.

إن الحرية التي يبحث عنها الفرد العربي اليوم عموماً تعني التالي : إن هناك قيودا اجتماعية ودينية وسياسية وفكرية يجب تذليلها والقضاء عليها مهما كلف الثمن. ويستقر في قلب هذه المطالبة قناعتنا أننا لسنا مربوطين بواقع الحداثة العالمي وأننا مشدودون بسبب من هذه القيود إلى ما وراء الركب تماماً، وإن العولمة انطلاقاً من التراث أو دمج هذا التراث بهذا القطار العالمي المنطلق بقوة إنما هو أمر غير صحيح ولا يعول عليه. وهذه القناعة لا تعكس جميع العرب وإنما القسم الذي يلقي تبعات حالة اللاحرية على هذا الابتعاد أو الإبعاد عن الركب العالمي. أما القسم الآخر فإنه يضع كفيه على عينيه كعصابة فلا يرى أن العرب يموتون اختناقاً من نقص هذه الحريات وليس من أي شيء آخر. الحق، على هذا التصور نبني مفهومنا للحرية التي “نريدها”. لكن لننتبه هنا “إن الإرادة هي ما يصوره لها العقل على أنه خير” كما يقول سقراط؛ أي إن الإرادة تنزع إلى تحقيق الخير باختيار من العقل وانتقاء منه. وإذاً! ألسنا بحاجة إلى إعادة فهم لمنطوق الحرية انطلاقاً من هذه العبارة أم يجب علينا الاكتفاء بالصراع من اجل حرية انكفأت ضمن الإطار الذي أسلفته سابقاً!؟

أما أرسطو فإنه يربط الحرية بالمعرفة. وهذا الربط لربما من أكثر المستويات دقة وفهماً لمضمون الحرية. فالحرية من دون معرفة قد تجنح إلى جهة التدمير والخراب. وهكذا فإن من يطلب أمراً ما عليه أولاً فهم أبعاده كلها ودرجة الخير فيه. فحين نطلب حرية التعبير فإن علينا بالمقابل أن نعي ما يجب أن نقوله، أن “نعرف” ماذا نطلب وما هي النتائج التي تترتب على هذا الطلب، فإذا كان خيراً أو للصالح العام ولا يسعى إلى خراب قطاع ما من حياتنا فإنه والحالة هذه يمكن أن يدمج في سياق الفعاليات التي تدعم بقاء الإنسان، أما إذا كان موضوع الحرية بعيداً عن أي معرفة وفهم من قبلنا فإنه سيف قاطع لا تحمد عقباه. لهذا من السخف أن نعتقد أن حرية التعبير مثلاً التي يطالب بها الجميع من المحيط إلى الخليج هي من دون حواف أو قيد أو شرط على الإطلاق، والأهم من دون مسؤولية. إن حرية التعبير التي تؤدي إلى فتنة داخلية مثلاً، أو ذاك الذي يطلق العنان لنفسه من دون أي انتباه إلى النتائج هو تعبير أخرق غرضه راحة أعصاب صاحبه ليس إلا وهذا أدنى أنواع الحريات وأضيقها. في الغرب هناك شكل من المنظومة المؤسساتية الاجتماعية السياسية المبنية على إرث القوانين الحامية، وعلى تركة من الديمقراطية هي التي تسمح بحرية التعبير. والمحرمات المعول بها عندهم هي احترام عقيدة الآخر ووجهة نظره وممارساته الدينية وأفكاره، بينما لم نبنِ بعد نحن العرب صرحنا من “ثقافة احترام الآخر” فهو إما معنا أو ضدنا، إما مناصر لنا أو عميل يعمل لخرابنا، إما صديق أو عدو. عندهم الإنسان هو القيمة العليا، إذ أن كل شيء يعمل ويسخر من أجل بنيانه الروحي والمادي وأولهم الدين الذي أتى أصلاً لتحرير الإنسان، بينما كل إنسان لدينا هو مسخر لسلطة الدولة والثقافة والقوانين من كل صنف ونوع.

:::::

الموقع الالكتروني للمؤلفة www.gladysmatar.net


[1] ننشر اليوم الجزء الاول من الفصل الرابع من كتاب الباحثة كلاديس مطر”تأخير الغروب: التقديس والتأثيم” وعنوان فرعي “بحث في إزدواجية بنية العقل النسوي العربي”، والذي صدر عن دار التكوين في دمشق عام 2009.

[2] هذا الثوب غير لائق قولي لها أن تخلعه

[3] بحث بعنوان “الوساوس المرضية وانتشارها الوبائي في مجتمعات الكوارث والحروب” للدكتور محمد احمد النابلسي؛ عضو مجلس إدارة اتحاد الأطباء النفسيين العرب.

[4] www.wrongdiagnosis.com/symptoms/phobia/book-ccauses-12a.htm

[5] المرجع السابق.

[6] http://wikipedia.org/wiki/fear_of_being_buried_alive+taphophbia&hl=a

[7] Hardness of heart hardness of life – the stain of human infanticide ” Dr. Larry Stephen Milner. university press of America، February 22، 2000.

[8] إذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون” 59 سورة النحل.

“قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهاً بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين ” 140 سورة النعام.

-صحيح البخاري، باب صلاة النساء خلف الرجال: “عن عمرو بن شرحبيل قال عبد الله قال رجل يا رسول الله أي الذنب اكبر عند الله قال أن تدعو لله نداً وهو خلقك قال ثم أي قال ثم أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك قال ثم أي قال أن تزاني حليلة جارك فانزل الله تصديقها (والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولايزنون ومن يفعل ذلك أثاما يضاعف له العذاب).

[9] خروج 20:17

[10] خروج 21:17

[11]– قضاة : 29-11:40

[12]– مزمور 51:7

[13]– رحب/رحاب، المرأة التي تحولت إلى رجل في اليهودية، وحبل الخلاص في المسيحية” احمد شقير، مجلة الموقف الأدبي، العدد 440 كانون الأول 2007

[14] The unintended consequences of this government policy are staggering. The proportion of male births to female births (the “sex ratio”) is not merely unusual، but alarming. Worldwide، there are already 100 million girls “missing” due to sex-selective abortion and female infanticide، according to the English medical journal The Lancet. Fifty million of these girls are thought to be from China. In many provinces، the sex ratio at birth is between 120 to 130 boys for every 100 girls; the natural number is about 104. What will happen in future decades when these boys grow up and look e for wives ? ” China’s surplus of sons: A geopolitical time bomb

By Michael Fragoso from the October 19، 2007 edition – Christian science monitor magazine