الوجود المسيحي في العالم العربي.. أزمة معنى ودور!

سركيس ابو زيد

مؤخرا تعددت الأصوات والمنابر التي تعلن عن اهتمامها بالوجود المسيحي في العالم العربي. كتب الكثير عن آفاق هذا الوجود ونشرت إحصاءات عن تزايد الهجرة المسيحية من الشرق، وبرزت مخاوف من اضمحلال الحضور المسيحي. تأسست جمعيات ومراكز أبحاث تعنى بهذه المسألة. خصص الفاتيكان سينودوس عن الوجود المسيحي في الشرق الأوسط، وعقدت محاضرات وندوات وخلوات لدرس هذه القضية، وبرز حراك سياسي لمعالجة هذه المعضلة. وتعددت وجهات النظر التحليلية لمقاربة الأسباب والآفاق.

فهل فعلا المسيحية في خطر يواجهها في مهدها؟ وهل يستطيع المسيحيون الشرقيون إعطاء معنى ودور ورسالة لوجودهم في شرق طابعه الغالب عروبي أو إسلامي؟

تحد وأسئلة تفتش عن استجابة وأجوبة. خاصة بعد أن بات الوجود المسيحي في العالم العربي جزءا أساسيا من أزمة العروبة والعولمة والتحديات الأممية والوطنية.

التحدي الأول والأساسي الذي يواجه الوجود المسيحي في العالم العربي هو تداعيات مقولة صراع الحضارات، كنظرية أحادية لفهم تاريخ البشرية وتفسيره. وتختصر هذه المدرسة الصراع في منطقتنا بأنه بين الحضارة الإسلامية من جهة، والحضارة المسيحية ـ اليهودية من جهة أخرى. وتشجع الصهيونية والمسيحيون الجدد في الولايات المتحدة هذه النظرية، وتختبئ في ظلها إسرائيل للاستقواء بالغرب المسيحي عموما، بغية تحريض المسيحيين على الإسلام.

ولغرض ضبط إيقاع هذه النظرية وإظهار صوابيتها، تعمل القوى المؤيدة لها على إلغاء المسيحيين الشرقيين من العالم العربي والإسلامي. لذلك حيث هناك احتلال إسرائيلي وأميركي نشهد عمليات تهجير للمسيحيين، من خلال التضييق عليهم وتشجيع سفرهم إلى دول أوروبية وأميركية. وهذا ما يحصل فعليا في فلسطين والعراق خصوصا، وفي سوريا ولبنان ومصر عموما، لأن المسيحية الشرقية هي شاهد فعلي على التعددية والتعايش والحياة المشتركة في المشرق العربي. انطلاقا من ذلك، بات الوجود المسيحي في النطاق الانطاكي النقيض الوجودي لنظرية صراع الحضارات التي هي مظهر للصراع بين الأديان.

أما التحدي الثاني فهو تنامي الحركات التكفيرية الإسلامية، التي تسعى إلى إلغاء الآخر المسيحي والإٍسلامي الذي لا يشاركها الرأي والتفسير، وتعمل على طرده من دار الإسلام، بالإرهاب والقتل.

تنطلق هذه الحركات من دمج الاستعمار الغربي بالعقيدة المسيحية، وتكفر كل من لا يوافقها النظرة، إن كان مسيحيا أم مسلما. هذا التحدي لا يواجه المسيحيين الشرقيين فقط بل هو تحدٍّ مصيري للإسلام المعتدل أو الليبرالي، كما هو تحدٍّ للعروبة نفسها التي تواجه مأزقا بين مدارسها،حيث يربط بعضها العروبة بالإسلام. بينما مدارس أخرى تحاول التمييز بين العروبة والإسلام، وتطرح مفهوما جديدا للعروبة الحضارية التي تعتبر المسيحية والإسلام جزءا من حضارتها، وتعمل على قيام دولة عربية مدنية ديموقراطية.

ويتمثّل التحدي الثالث في انزلاق بعض الفئات المسيحية الشرقية إلى منطق انعزالي يرتكز على وهْم قيام دولة أو «كانتون» للمسيحيين، كمخرج وحيد لحمايتهم من البحر الإسلامي، مما يؤدي إلى تحالف بين هذه الجماعات والمخططات الغربية عموما، وهي الرامية إلى تفكيك المنطقة ضمن مشروع أميركي ـ صهيوني للشرق الأوسط الجديد، قائم على أساس دويلات طائفية، الغرض منها استغلال خوف المسيحيين من جهة، وتبرير قيام إسرائيل كدولة يهودية من جهة أخرى، مما يحفظ أمنها على حساب الآخرين. أدى هذا المنطق إلى انقسام المسيحيين في ما بينهم والى تشرذمهم، وتفتيت وجودهم وتعرضهم الى حملة من المضايقات، وصولا إلى إحباطهم وتسهيل هجرتهم لأسباب اقتصادية أو لظروف التمييز والقهر.

تطرح هذه التحديات الأساسية، وغيرها من التحديات الثانوية، على الوجود المسيحي في العالم العربي سؤالا أساسيا: ما هي الاستجابة؟

بداية، لا بد من قراءة تاريخية نقدية لفهم وتجاوز مسألتين أساسيتين:

ـ الأولى عقدة حروب الفرنج التي سميت غربيا الحروب الصليبية. وهي في الواقع حملات أوروبية لخدمة المصالح القومية الأجنبية، اتخذت من الدين غطاءً ومبررا. واضطهدت فعليا وعمليا المسيحية الشرقية، وحاولت إلغاء خصوصيتها وهويتها من أجل المسكونية. وهي اسم آخر للغربنة، علما بأن المسيحية أساسا هي بنت الشرق. من هنا أصلها وجذورها. وهنا كان يتحدد مصيرها وجوهرها.

ـ الثانية عقدة حلف الأقليات، وهي نشأت مع المسألة الشرقية التي اخترعها الاستعمار الأوروبي، من أجل تبرير التدخل في شؤون الرجل المريض أي السلطنة العثمانية وتفكيكها، وربط معاناة الأقليات بمصالحها القومية. ورثت إسرائيل هذا النهج وعملت على قيام حلف الأقليات من خلال اتصالات بقيادات، وإيهامها بجدوى هذا الحلف. وسرعان ما تبين أن إسرائيل تسعى إلى المصالحة، وعقد اتفاقيات مع الأكثرية على حساب الأقليات التي استعملتها للضغط، عبر التغرير بمشاعرها. ولعل مصير جيش لحد هو أبرزها، إذ عبّر عنه أنطوان لحد بقوله خدمنا إسرائيل 25 سنة فتخلت عنا خلال 25 ساعة.

سؤال آخر: ما خيار المسيحيين الشرقيين؟

في العودة إلى التاريخ، يتبين لنا أنه عندما اختارت نخبة مسيحية أن تكون رائدة في النهضة والحداثة حجزت موقعا متقدما. وكان لها حضور حضاري متميز. وعندما اختارت الحل العسكري تحولت ميليشيا ألغت بعضها بعضا، فكانت نكبة على المسيحيين وعلى المجتمع ككل.

ملاحظة: لا يمكن موضوعياً الكلام عن وجود مسيحي في العالم العربي بالجملة من دون درس الظروف الخاصة للمسيحيين في كل دولة عربية.

أ ـ في لبنان، لم يحسن الحكّام الموارنة استعمال الامتيازات المسيحية، لبناء دولة ديموقراطية عادلة وقوية، فتحوّل الحكم فشلاً، وانتقاصا من صلاحيات رئاسة الجمهورية وتعثر بناء الدولة.

ب ـ في فلسطين، ألغى الاحتلال الإسرائيلي الوجود المسيحي الذي كان له دور طليعي في الثورة الفلسطينية.

ج ـ في العراق كان للمسيحيين حضور متميز مع النظام البعثي السابق، وهم يواجهون راهناً مصيراً صعباً في ظل الاحتلال الأميركي.

د ـ في سوريا الحضور المسيحي يشارك في السلطة، لو نسبياً، نتيجة وجود نظام يسعى الى أن يكون علمانيا.

هـ ـ في مصر أزمة طائفية متفاقمة بعد سقوط الناصرية وتوقيع معاهدة سلام مع إسرائيل.

و ـ أما في الدول العربية الأخرى، فيتباين وضع المسيحيين وفق طبيعة الأنظمة وفاعلية الحركات التكفيرية.

في الخلاصة، على المسيحيين أن يتمسكوا بهويتهم الأنطاكية المشرقية وأن يكونوا شهودا للحق، كما عبّر مؤخرا مسيحيو فلسطين في وثيقة «وقفة حق»، تعبيرا عن لاهوت التحرر والمقاومة ضد الظلم والاستبداد الإسرائيلي.

لقد سبق ودعا السينودس من أجل لبنان، المسيحيين إلى التضامن مع القضايا العربية المحقة، لأنهم جزء أساسي من حضارة العالم العربي ومصيره. لكن الترجمة العملية لهذه الدعوة ما زالت متعثرة. وعلى المسيحيين التمسك بهويتهم المشرقية، والتزام بناء دولة المواطنة والعدالة والمساواة والديموقراطية، لأنها الضامن الوحيد لوجودهم.

وبهذا المعنى، للمسيحية المشرقية دور ورسالة مسكونية، شرط أن يعي المسيحيون تاريخهم وجوهر وجودهم في هذا المشرق، لأنهم الأقرب إلى المسيح وهم حملة رسالة المحبة والتسامح والخلاص. وهم الأقدر على تقديم نموذج الحياة المشتركة لخلاص البشرية من التصادم والتناقض والحروب والدمار، بعدما أخفقت الحضارة الغربية في إعطاء قيمة للإنسان وللقيم الروحية.

المسيحيون الشرقيون مدعوون إلى تقديم نموذج جديد للحضارة الإنسانية، خصوصاً بعدما تشيأت الحضارة الغربية التي تدّعي المسيحية وقضت على البــعد الروحي للإنسان.

هم مدعوون الى أن يكونوا رسل حضارة كونية جديدة قائمة على مرتكزيْن:

ـ التعدديــة الاجتماعيــة، أي الاعتراف بحق الاختلاف ضمن الائتلاف والتضــامن، من أجل القضاء على الفقر والظــلم والجهل والاستبداد. لذلك هم شهود على هذه التعددية المتميزة حيث يتم الالتقاء بين المسيحية والإسلام.

ـ أنسنة الحضارة عبر المزاوجة بين البعدين المادي والروحاني. فللإنسان مصالح وحاجات مادية يجب توفيرها بشكل طبيعي وسليم من دون استغلال أو حرمان أو إفراط. وللإنسان أيضا بعد روحاني ذو تطلعات عقلانية جمالية نفسية ومثل عليا وقيم ومناقب، من دونها لا قيمة لأي حضارة أو ثقافة.

فهل نستجيب لهذه التحديات، ونكون على مستوى الرسالة والدور الذي دعانا اليه المسيح، ونحن الأقرب منه وإليه؟

:::::

“السفير”، 24 حزيران 2010

الرابط:

http://assafir.com/Article.aspx?ArticleId=2622&EditionId=1577&ChannelId=36821