فرانز فانون ومقاومة الاختلاف

رامي أبوشهاب

يمتلك الكاتب والمناضل الأممي فرانز فانون (1925-1961 ) مكانته الإنسانية والثقافة كونه مناضلا عرف بمناهضته للإمبريالية والاستعمار،هذا التوجه يمتلك عددا من الإشارات الخاصة جدا بخط سير هذا المفكر والمناضل، إذ وقع فانون في اشتباك فكري وثقافي وإنساني مع كل ما من شانه أن يعادي الحرية والكرامة الإنسانية، ويصادر قيم العدالة والمساواة، فجاء مقاوما لكل من الظلم والاضطهاد والهيمنة، وفي سبيل ذلك فقد امتلك عددا من المستويات للنضال ضد الاضطهاد القائم انطلاقا من لون البشرة؛ مرورا بمعالجة الآثار النفسية للاستعمار على الشخصية الخاضعة للهيمنة، و إلى نقد النخب الحاكمة. هكذا انطلق مشروعه القائم على تفكيك التمايزات التي أحدثها الرجل الأبيض “المستعمر” على الشعوب المستعمَرة، فجاء خطابه متشعبا وعنيفا وصارخا، إذ جاء متواشجا بالفعل والعمل الميداني، حيث انضم لحركة التحرير في الجزائر، وعمل طبيبا وناطقا وممثلا باسمها في عدد من المحافل الدولية.

ولد فرانز فانون Frantz Fanon في جزر المارتينيك 1925 الخاضعة للسيطرة الفرنسية، في الثامنة عشرة من عمره تطوع للقتال في الجيش الفرنسي، بعد الحرب عاد إلى موطنه، ولكنه لم يلبث أن توجه إلى فرنسا لدراسة الطب النفسي في جامعة ليون، وتزوج هناك. ومما لا شك فيه أن تجربته خلال الحرب وإقامته في فرنسا، شكلت لديه أولى مواجهة لمفهوم الاختلاف القائم على التمايز العرقي، واختبار الاستعلاء والهيمنة الممارسة من قبل الرجل الأبيض، لذلك بدأ الكتابة لمواجهة هذا التحيز العرقي من خلال العمل الأول له الموسوم بـ ” بشرة سوداء أقنعة بيضاء.[i] ” ومن العوامل المؤثرة في شخصية هذا المناضل تعليمه لاسيما في المدارس الكولونيالية الفرنسية، هذا العامل يبدو قائما مشتركا بين عدد من مفكري خطاب ما بعد الاستعمار، لعل أشهرهم إدوارد سعيد ونغوجي واثينغو. إن ما يميز تجربة هؤلاء الكتاب ومنهم فرانز فانون تحديدا هو مقدار ملامستهم للأثر الذي تحدثه الثقافة على البنية النفسية للمواطن الأصلاني، إذ تضعه في حالة انسلاخ واغتراب عن واقعه حين يتخذ من اللغة والثقافة المتفوقة أداة للتعبير، مما يبعده عن ملامسه المحيط الثقافي الناتج منه، فيأتي مبتعدا عن تجربته الشعورية التي تحصلت عبر مقاربته البيئة والمحيط، وهذا فعل استراتيجي يهدف له المستعمر في سبيل خلق حالة من الاغتراب عن الواقع الثقافي، كما أشار إلى ذلك نغوجي واثينغو في دراسته “تصفية استعمار العقل”[ii]، حين أسهب في بيان الآثار السلبية لثقافة المستعمر ولغته على الشعوب الأصلانية.

هنالك العديد من المكونات الثقافية التي شكلت شخصية هذا المثقف المناضل، منها الثقافة المحلية والشعبية التي تعد أهم عوامل نشأة التكوين الفطري لفانون، لاسيما موطنه الأصلي في جزر المارتينيك، بالإضافة إلى الثقافة الفرنسية “ثقافة المستعمر ولغته”، بالإضافة إلى تيارات فكرية منها الفكر الماركسي، وغيرها من الاتجاهات التي كانت سائدة آنذاك، لاسيما الوجودية منها، ومن هنا فلا عجب آن تكون هذه بعض المؤثرات قد ألقت بظلالها على منهج وتفكير فرانز فانون، وتحديدا فكر الوجوديين الفرنسيين، ومنهم جان بول سارتر عوضا عن تأثر فانون بأفكار كل من ماركس وهيغل ونيشته وفرويد ويونغ وأدلر وغيرهم[iii]، ولعل الأثر الأكثر تأثيرا قد جاء من خلال أيميه سيزار الذي استطاع أن يشكل أولى حلقات فكر فانون، فسيزار يحتفي بعرقه ولونه، وهو مؤسس حركة الزنوجة التي جاءت ردة فعل على ذاك التمايز العرقي والهيمنة الإمبريالية، وهكذا فقد استمد فانون هذا المنطلق، ولكن هذا لم يلبث أن تطور لاحقا بعد أن تجاوز فانون فكرة ردة الفعل، فالاحتفاء بالزنوجة يعني تأكيد الاختلاف والتمايز التي جاء بها الغربي، مما خلق تحولا فيما بعد عبر تتبع مراحل الكتابة المقاومة لديه.

يلاحظ أن فرانز فانون قد هاجم الطبقة البرجوازية النخبوية التي أوجدها المستعمر، وغذى وجودها كما هي عادة الفكر الاستعماري لتكوين أداة طيعة وقاعدة ثقافية، أي نخبة حاكمة تشيع القيم الغربية في بلاد المستعمر تسهيلا للمهمة، حيث أن فانون قد اقتلع هذا التشكيل الثقافي المنتج من قبل التعليم الكولونيالي، ليقود دفة حياته بصورة أخرى كانت أكثر إنسانية وصدقا وانحيازا للإنسان، وقد شغل هذا الموضوع فانون كثيرا في تحديد كيفية المقاومة عبر الكتابة، وهو ما يعرف بالكتابة المحلية، أو كتابة المستعمرات، وقد توصل فانون إلى ثلاث مراحل تشكل عملية الكتابة في المستعمرات، حيث تبتدئ في طورها الأول عبر تَمثُّل لغة المستعمِر المحتل وتبني ثقافته، ومن ثم عملية نكوص تتمثل بالعودة إلى محلية خالصة أصيلة، وفيها نرى مبالغة في الاعتماد على الماضي وأساطيره والفن البدائي، وأخيرا مرحلة الكتابة الثورية التي تسعى إلى الكفاح والمقاومة، أي تحقيق عملية الانصهار الكامل مع رؤى وتطلعات الشعب[iv]، ومع ما يُوجه من انتقاد إلى هذه التصورات وغيرها من الأفكار التي توصل لها فانون، إلا أن أهميته تكمن في خلق المناخ الذي ألهم العديد من المناضلين والكتاب والمفكرين طرائق وسائل للمناهضة، حتى أنه ألهم وترك أثرا على أهم مؤسسي خطاب ما بعد الاستعمار، وخاصة في الكثير من الأفكار التي تختص بدائرة الثقافة والهوية، كما في كتابات إدوارد سعيد.

اختبار الاختلاف

يسرد فرانز فانون تجربة إدراك معنى الاختلاف عند مشاهدة فتاة بيضاء له، وردة فعلها على لون بشرته قائلة: «انظر … إنه زنجي Look, a Negro![v] ».

أدرك فانون حينها ما وراء العبارة من طبقات سحيقة من الإشكاليات التاريخية والعرقية والإنسانية، وعندئذ أدرك مقدار العطب الذي يمكن أن يصيب البنية النفسية للشخص الأسود، فبدأ بتتبع ومعالجة هذا الانعكاس النفسي على الإنسان المستعمر والمضطهد، عبر ممارسة قامت المعالجة العيادية النفسية فيها بدور كبير. إذ لم يكن فانون يعتقد أن هذا التشكيل الفيزيائي يقف عائقا في سبيل انغماسه كوجود، وكيان إنساني في المجموع الكلي للبشرية جمعاء، فكما يقول أنه قد جاء إلى هذا العالم ليكتشف معاني الأشياء ورغبة في أن يصل إلى مصدر هذا العالم، ولكنه اكتشف فجأة أنه أصبح موضوعا بحد ذاته، في وسط موضوعات أخرى، ذلك يعني أن يصبح الإنسان صاحب البشرة السوداء بما يختص بحدوده كيانه مصدر تساؤلات وبحث، فهو يتحول إلى موضوع للدراسة والاختلاف والتمايز السلبي، وهكذا يصبح محل اختلاف، أي موضوعا مختلفا عليه، بينما الآخرون منسجمون مع ذواتهم، ويسيرون في نسق منسجم في التكوين البشري.

إن الإشكالية القائمة على الوجود المادي للبشرة السوداء لا يعني صلب المشكلة، إنما ما ينتج من ذلك من انعكاس على البنية الاجتماعية والثقافية لكون الإنسان أسود، يقول فانون بهذا الصدد: “عندما أتحدث إلى من يحبونني، يقولون أنهم يحبونني على الرغم من لوني، وحينما أتحدث إلى من يكرهونني، يعتذرون بأنهم لا يكرهونني بسبب لوني، وفي كلتا الحالتين أجدني حبيس الحلقة نفسها”[vi]، ولهذا فهو يرى أن مشكلة الإنسان الأسود هي علاقته مع الرجل الأبيض، أو حتى مع المحيط، وبالتالي على الإنسان الأسود أن يطابق الصورة الموضوعة له، أي التمثيل representation المسبق له، وأن يتصرف بناء على تشكله في عقل الرجل الأبيض، فالدونية والانحطاط والتخلف والبذاءة، وكل هذه المكونات التي اختلقها الأبيض للأسود، هي صورة تعمل على تنميط شخصية ووجود الإنسان الأسود، ولهذا فإن فانون يرى أن عملية المقاومة تكمن في نقض وجوده الفيزيائي أولا، وقبل ذلك نقض كونه فكرة في عيون وعقل الرجل الأبيض، وطبعا كل ذلك مصاحب بتنظير فكري وفلسفي ونفسي عميق، تشهد عليه كتابات التي تعد علامات مضيئة في الفكر الإنساني المعاصر، حيث شكلت قراءة مختلفة للتاريخ القائم على التنازع والفوقية والاستعلاء والظلم، فجاءت كتاباته والتي تحمل في عناوينها إدانة مباشرة لهذه الممارسة التي تميزت بها الدول الاستعمارية، التي أحدثت ووضعت جرثومة تفوق الرجل الأبيض، وأسطورة تفوقه، كما في جاء كتبه لاسيما كتبه الأكثر تأثيرا (المعذبون في الأرض) و (بشرة سوداء أقنعة بيضاء). فالاستعمار كما أشار إيميه سيزار، هو عبارة عن عملية يتم من خلالها نفي الصفة الإنسانية عن الشعوب المستعمرة، وتحويلها إلى أشياء، أو كما يقول “تحويل الإنسان إلى جماد”.[vii]

يقول هومي بابا أحد أهم منظري نظرية ما بعد الكولونيالية في معرض تقديمه لكتاب (بشرة سوداء أقنعة بيضاء) الصادر بالإنجليزية بأن أعمال فانون جاءت لتقديم الثورة الإفريقية إلى العالم[viii]، ومما يدلل على شمولية وأممية تفكير هذا المناضل، عدم وجود محدودية للأفق الذي يُعرف به مفهوم النضال، فهو ينطلق من نظرة إنسانية أممية تتجاوز الاختلاف العرقي والديني والجغرافي، إنما انحياز إلى قيم الحق والعدالة والحرية، ورفض كل ما من شأنه أن يقوم على استعباد الآخر، ومصادرة حقه وثرواته و وجوده، لذلك نراه يمثل حركة التحرير الجزائرية بعد سنوات من النضال العملي والفكري ضد الهيمنة الاستعمارية لفرنسا على الجزائر.

فرانز فانون كان ينحاز إلى العنف في سبيل المواجهة كونها حتمية، وذلك بعد تيقن من أن عملية الاتحاد بين الأبيض والأسود، لن تكون ناجعة، لأن الأبيض، أو لنقل أن المستعمر الأبيض، يريد من الأصلاني أن يكون مثله، والأبيض على قناعة تامة أن الأسود يستحيل أن يصبح مثله، أو حتى على نفس القدر من المستوى[ix]، هذه الفكرة التي نرى أصداءها في أعمال إدوارد سعيد حيث فانون حاضر في الكثير من آراء وتنظيرات سعيد والهوية الثقافية، والعلاقة مع المستعمر التي تتكئ على التمييز العرقي القائم على خلق مفهوم الاختلاف لبناء الذات والآخر، ووضع العقل الأوروبي والاستعانة به للأعراق الأدنى كحاجة ضرورية، وهذا بدوره يستحضر مفهوم الوصاية ونزع الرشاد عن الدول البعيدة عن المركز الحواضري، مما يجعلها في احتياج للعقل والتوازن الغربي، وهذا يعني ذرائعية صاغت التجربة الإمبريالية، لاسيما خلال القرن التاسع والقرن العشرين.

في النهاية يقوم مشروع فرانز فانون على تعرية الفكر الاستعماري، ونزعته العنصرية القائمة على التمييز العرقي، كما عالجها في كتاب ” بشرة سوداء وأقنعة بيضاء”، ومن ثم بيان الأضرار النفسية للممارسة العرقية على الإنسان المستعمر والمضطهد والمستعمَر على حد سواء، من خلال دراسات أقامها على مرضى من كلا الطرفين، و يتضح ذلك في كتابه ” المعذبون في الأرض”، بالإضافة إلى تحليل للبنى الاجتماعية والاقتصادية عبر المنظور الماركسي، إذ نعثر على نقد للنخب الوطنية الحاكمة، التي تمارس الآلية ذاتها التي جاء بها المستعمر، دون أي اهتمام ببناء المجتمع الذي تم تقويضه بسبب الاستعمار، فهذه النخبة كما يصورها فانون ترتدي البشرة السوداء كأقنعة للقوى الإمبريالية البيضاء[x] لتبقى محافظة على القواعد الإمبريالية، أو لتوظيف الآلية ذاتها في سبيل مصالحها الخاصة، كما في عدد من الدول المستعمرة سابقا؛ وإلى الآن. وهكذا نتوصل إلى أثر هذا الكاتب والمناضل في خلق محاور المقاومة للاستعمار، ليس على مستوى المناهضة لمقولة وفعل المستعمر الأبيض، إنما امتدت لتشمل نقد مواقع من الداخل، ومحاولات لتعريف مفهوم الوطنية وعملية البناء للذات والهوية الوطنية، اللتين من خلالها يمكن أن تنشأ دولة حرة تحفظ كرامة الإنسان وحريته.

:::::

* كاتب فلسطيني مقيم في قطر

rabushehab@gmail.com

المصدر: موقع مَنْ فتى http://www.manfata.com/us/، 18 يوليو 2010

الرابط:

http://www.manfata.com/%D9%81%D8%B1%D8%A7%D9%86%D8%B2-%D9%81%D8%A7%D9%86%D9%88%D9%86-%D9%88%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%88%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AE%D8%AA%D9%84%D8%A7%D9%81/#more-1590


[i] انظر:

. John C. Hawley, Encyclopedia of Postcolonial Studies, Greenwood press , London p 162

[ii] انظر : نغوجي واثينغو، تصفية استعمار العقل، تر سعدي يوسف، مؤسسة الأبحاث العربية، ط1، بيروت، 1987.

[iii] المرجع السابق، ص 50.

[iv] دافيد كوت، فرانز فانون، تر عدنان كيالي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، بيروت، 1971، ص 47.

[v] انظر:

Frantz fanon, Black Skin, White Masks , 1st p, Pluto press , London , 1986, p 113.

[vi] انظر فرانز فانون، المرجع السابق، ص 116.

[vii] دافيد كوت، المرجع السابق، ص 22.

[viii] انظر :

Homi Bahbha , foreword ” remembering fanon ‘, Black skin, white masks by Frantz fanon, p vii

[ix] دافيد كوت، ص 21.

[x] انظر:

Bill Ashcroft, Gareth Griffiths and Helen Tiffin , Key Concepts in Post- Colonial Studies, , Routledge, London, 1998, P 99