حول المصالحة الفلسطينية!؟؟

إحسان سالم

رام الله ـ الأراضي المحتلة

لقد جسدت منظمة التحرير الفلسطينية منذ انشائها اطارا جامعا للشعب العربي الفلسطيني في كل امكنة تواجده وقد التف حولها ومنحها كل تاييده باعتبارها راس الحربة في المواجهة مع المشروع الصهيوني حسبما رسمها الميثاق الوطني “الكفاح المسلح هو الطريق الوحيد لتحرير فلسطين وهو بذلك استراتيجية وليس تكتيكا ” وعلى هذا الهدف كان الشعب الفلسطيني موحدا خلف منظمته ولم تكن هناك اية ظروف موضوعية تسمح بولادة او نشوء اية قوى او تنظيمات اخرى طالما ان هذه المنظمة تسير وفقا للمبادئ والاهداف التي رسمها ميثاقها الوطني، ولكن عندما بدأ الوهن والخلل يصيب قيادات المنظمة اثر الردات التي قامت بها بعض الانظمة العربية والتي بدأت تغري بعض القيادات لتسيرفي ركابها في التعاطي مع المشاريع الامبريالية لتسوية وتصفية القضية الفلسطينية التي لم يطل الوقت كثيرا حتى وقعت في شباكها .

لذلك وفي فلسطين تحديدا وعلى خلفية الاحباطات والاخفاقات ظهرت حركة حماس ذات الايدولوجية الدينية وتخطت حالة الدعوة الدينية بالمجتمع الفلسطيني الى حالة النضال ضد الاحتلال وسرعان ما تحولت منذ الانتفاضة الاولى الى عنصر اساسي في المقاومة والتف حولها العديد من الطبقات الشعبية وحظيت باحترامهم والتفافهم بشكل سريع كرد على سلسلة الاخفاقات والمواقف المتعرجة والرائحة الكريهة التي بدأت تفوح من اروقة المنظمة وبخاصة الجهات المتنفذة فيها فيما بعد تحولت هذه المنظمة التي كانت فيما سبق العدو اللدود للصهيونية وحلفائها الى منظمة معترف بها اسرائيليا ودوليا بعد ان تم تفريغها من مضامينها الكفاحية وشطبت جميع البنود الاساسية من الميثاق الوطني الذي قامت عليه هذه المنظمة فكان من الطبيعي ان تلتف الجماهير حول الحركات الاسلامية المقاتلة وسرعان ما احتلت مكان منظمة التحرير وفصائلها المختلفة واصبحت هي العدو اللدود للكيان الصهيوني وحلفائه، وكان اتفاق اوسلو تتويجا لهذه التنازلات هذا الاتفاق الذي الغى حقيقة ومبرر وجود المنظمة وبرغم ان المنظمة من ناحية نظرية هي التي شكلت السلطة الفلسطينية فقد اصبح التمايز ما بين المنظمة “السلطة لا وجود له.

اشتد الصراع حول المنظمة ودورها بعد انتخابات المجلس التشريعي وذلك بانجاح النهج المقاوم على المستوى السياسي والمطالبة بالتغيير والاصلاح ومحاربة الفساد والافساد،التناقض الفاضح بين سياسات “م،ت،ف”وميثاقها الوطني على سبيل المثال منظمة أنشئت من اجل تحرير فلسطين فليس من حقها التنازل عن أي شبر من اراضي فلسطين وان المادة”21” واضحة حيث تقول “الشعب العربي الفلسطيني معبرا عن ذاته بالثورة الفلسطينية المسلحة يرفض كل الحلول البديلة عن تحرير فلسطين كاملا ويرفض كل المشاريع الرامية الى تصفية القضية الفلسطينيةاو تدويلها ” وتوقيع قيادة المنظمة لاتفاق اوسلو كان تناقضا فاضحا مع مواد الميثاق ،لاسباب كثيرة اهمها تقديم اعتراف مجاني بالكيان الصهيوني،علما بان منظمة التحرير قد تشكلت قبل وقوع احتلال اراضي عام 67 الفلسطينية وهذا ما افقد قيادة المنظمة شرعيتها بتوقيعها هذه الاتفاقية لانها لا تملك التنازل عن أي شبر من فلسطين.

مسار المفاوضات اكد للشعب الفلسطيني استحالة قيام دولة فلسطينية على عكس ما كان وما زال يروج له قادة السلطة الفلسطيننية وقادة فصائل المنظمة المتحالفة معها وبرغم كل الصخب الاعلامي والتعمية والتضليل الذي رافق اتفاق اوسلو وقيام السلطة كانت انتخابات التشريعي بمثابة الرد الطبيعي للشارع الفلسطيني حيث عبر للقيادة المتنفذة بشكل واضح انه استعاد وعيه ويرفض السير وراء سياستها التفريطية .

الاختلال القائم في بنية “م،ت،ف” فالمنظمة كما يفترض هي اطار جامع لكل قوى الثورة الفلسطينية بينما ظلت القوى الإسلامية غير ممثلة في جميع مؤسسات المنظمة وهذا ايضا مخالفا للميثاق الوطني حسب المادة”26″وقد تكرس هذا المبدأ منذ اقرار الميثاق الوطني وكانت جميع الفصائل التي تظهر او تنشق على نفسها تجد لها مكانا في مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية حتى لو كانت نسبة وجودها صفرا .

وبقي هذا الامر قائما حتى خروج المنظمة على ميثاقها واهدافها واختيارها طريق التفاوض العبثي فاضحت منظمات المقاومة ممنوع علها دخول المنظمة رغم انها بموجب الميثاق هي من قوى الثورة الفلسطينية وتزامن هذا مع اشتداد المطالبة الجماهيرية باشراك جميع القوى والفصائل بالقرار السياسي والقيادة وفق برنامج وطني يتم الاتفاق عليه وعقد مؤتمر القاهرة . وتم اقرار اتفاق القاهرة عام 2005 ،الامر الذي تراجع رئيس هذه المنظمة عن تنفيذه بشكل مطلق ولعل هذا الامر الاساسي هو ما شكل لاحقا بداية للصراع الذي ادى الى للانقسام.

انسياق قيادة م،ت،ف مع الانظمة العريبة التي تتعاطى مع المشاريع الامريكية الصهيونية في المنطقة وهذا يعكس المادة “27” فالتفاوض مع الانظمة العربية كان مشروطا بالتحرير وليس بالتفريط .

اصرار القيادة عى تفردها بالقرار دون خضوعها للمسائلة علما بان مشروعية تمثيل المنظمة مشروطة بقيادة نضاله من اجل استرداد الوطن وتحريره والعودة اليه وممارسة حق تقرير المصير وقد استغلت قيادة هذه المنظمة الحالة التراجعية للفصائل التي تسير بركابها فحولتها عبر الاموال التي تضخها اليها وعبر الوظائف التي توفرها لعناصرها الى مجرد ذيل لها بدون أي وجود مستقل حقيقي ،واصبحت بذلك هذه المنظمة مشلولة تماما ،ترفع يدها المفلوجة للتوقيع كلما دعت الحاجة، لم يكن عفويا الاقتتال الذي شهده قطاع غزة بل كان وليده خطة حرب امريكية وفق ما اكدته تقارير عديدة موثقة نشرتها مجلة”فانيتي فير”الأمريكية مثلا ،لقد خططت الادارة الامريكية وفق وثائق وموقف القيادات الامريكية ومواقف اقطاب سلطة رام الله منذ ظهور نتائج الانتخابات التشريعية لدعم السلطة ورجالاتها من اجل الاطاحة النهائية بحماس سياسيا وعسكريا واشعال حرب اهلية في قطاع غزة بعد النصر الذي حقته حماس في الانتخابات التشريعية ،لكن مجريات الامور ادت الى فشل الخطة بل واسفرت على تعزيز قبضة حماس على قطاع غزة،ووفقا للخطة الأمريكية التي وافق عليها جورج بوش ورايس ونائب مستشار الامن القومي اليوت ابرامز، “وافق ابو مازن على حل الحكومة الفلسطينية المنتخبة والاعلان عن عزمه إعلان حالة طوارئ وتشكيل حكومة طوارئ في حال رفضت حماس تشكيل حكومة جديدة “تنسجم مع مبادئ الرباعية ” .

“لقدت تورطت الادارة الامريكية في حرب قذرة لمحاولة منح النصر لديكتاتورية فتحاوية فاسدة وفق المستشار لنائب الرئيس الامريكي ديل تشيني ديفيد وارمسر مؤكدا ان حماس لم تكن تعتزم الاستيلاء على غزة قبل الاستفزازات العسكرية لجماعة السلطة”.

اعتبرت حركة حماس ان اتفاق اوسلو سينهي المقاطعة على الكيان الصهيوني ، وستكون مدخلا له لتطبيع علاقاته مع العالمين العربي والاسلامي وهو ما يحصل حاليا ، كما ان حماس تنطلق في رفضها الاعتراف بالكيان الصهيوني من مواقف عقائدية ،برغم اضطرارها الان للتمسك الحازم بالسلطة في قطاع غزة فهي تعتبر فلسطين “ارض وقف اسلامي على اجيال المسلمين الى يوم القيامة ” وهي تعتبر ان الدولة الفلسطينية في حدود عام 67 في مقابل الاعتراف باسرائيل منافية لاحكام ميثاق حماس المادة”11″.

وانطلاقا من موقف حماس السياسي والعقائدي واجهت اثر تشكيلها الحكومة رفضا من جميع القوى المتحالفة مع السلطة تحت ذرائع واهية وواجهت حصار دولي وفلسطيني واقليمي وتم الاشتراط عليها شروط تعجيزية لرفع الحصار وهي الاعتراف بالكيان الصهيوني ونبذ العنف والاعتراف بالاتفاقات الموقعة بين سلطة اوسلو والصهاينة ومن الطبيعي ان لا تستجيب حماس لهذه الشروط وهي تشدد حتى الآن على رفضها الاعتراف بالكيان الصهيوني واعتبرت ان الحل الامثل هو وجود هدنة بين الطرفين لفترة محددة بدون الاعتراف ،وهي تعتمد بذلك على ان الهدنة امر يجيزه الاسلام .

” لا نؤمن بتسويات دائمة مع اسرائيل هذه ارضنا التاريخية وكلها لنا، نحن مستعدون ان نوقع هدنة “يحيى موسى نائب عن حماس”.

بينما اكدت تطورات السنوات العشرين السابقة وحتى الان ان ما يسمى بفصائل منظمة التحرير والراسة قد عملت بجد وبدون كلل على النكوص والارتداد بمشروع التحرير الوطني والى الغاء برنامج تحرير الوطن والاستعاضة عنه ببحث قضايا خلافية حول الحدود والمياه مستبعدة عمليا الاستيطان وحق العودة والقدس وحق تقرير المصير، ومهيئة نفسها دوما للخضوع للاملاءات الامريكية والدخول بشكل مستمر بمفاوضات جلبت لشعبها الكوارث تلو الكوارث وما زالت تبحث عن شكل ما او غطاء ما يمكنها من الدخول في اخر حلقة من حلقات المفاوضات المباشرة ،فقط من اجل ان تدفع ثمن بقائها بالسلطة والقيادة التي لم يمنحها اياها الشارع الفلسطيني اصلا بل جاءت بالمشيئة الصهيونية والامريكية ، ونحن نشاهد اليوم كيف ان هذه المجموعة التي تطلق على نفسها اسم قيادة كلما دعت الحاجة الى تنازل جوهري تنطلق الصحف والاعلام الاصفر محذرا من انهيار السلطة التي وضعت جميع من يعمل بها واسرهم رهائن لاستمراريتها، علما بان الاحتلال والقوى المعادية التي شكلت هذه السلطة لن تسمح بانهائها لانها قد تشكلت عبر ممر امني بحت، واراحت الاحتلال من نشر مات الوف الجنود في شوارع وازقة الاراضي المحتلة، كما ان بقائها يوفر لهذا الاحتلال جميع الاغطية السياسية والامنية لكل ما يقومون به.

ومن الواضح ان الضجيج الاعلامي المفتعل حول الدخول في مفاوضات مباشرة لا يعدو كونه مجادلة لاعطاء دفعة ودماء لقوى السلطة للخروج من مأزقها امام شعبها ابتداء من اوسلو والوعود التي رافقت ذلك وسكوتها طيلة السنوات الماضية عن تهويد القدس والاستيطان واقتلاع ابناء شعبها والاعتقالات المستمرة وسط استمرارها بالتنسيق الأمني الكاسح ومرورا بالموقف الشائن لهذه القوى من تقرير جولد ستون ودعواتها المستمرة للمقاومة بضرورة الاعتراف بالاتفاقات المشينة كمدخل للمصالحة ودخول الجانب المصري على الخط وطرحه شروطه” إما ان يبقى معبر رفح مغلقا او توقعوا على ورقتنا المشؤومة !! التي تعني عمليا وأد فكرة المقاومة والثبات والحقوق . لذلك فانني اعتبر الورقة المصرية هي ورقة اذعانية خبيثة تصب في مجرى تفريغ الحركة الفلسطينية من اية مضامين كفاحية لذلك فانني ارى ان الحل الحقيقي يكمن بالعودة لتنفيذ اتفاق القاهرة ويتطلب من كل القوى السياسية الشروع الفوري بصياغة برنامج عمل سياسي كفاحي يعيد التاكيد بشكل عملي لا كلامي على الثوابت الاساسية للشعب العربي الفلسطيني وبناء منظمة تحرير فلسطينية ملتزمة بالميثاق الوطني لاستعادة هذه المنظمة دورها المقاوم ووقف كل اشكال التطبيع والمساومة اتي لم ولن تجدي.

نقطة اخيرة لعله من المفيد حقا الاشارة للدور العبثي الذي تقوم به القوى التي تسمي نفسها يسارية في تحالفها مع سلطة تأتمر مباشرة بأوامر العدو الامريكي ، فمنذ اللحظة الاولى لانقلاب سلطة رام الله على الشرعية الفلسطينية التي افرزتها الانتخابات الاخيرة اعلنت وقامت واصطفت هذه القوى الى جانب السلطة في مواجهة حماس ، وما كان رفض هذه القوى للمشاركة في حكومة تشكلها حماس تحت ذرائع “ان حماس لا تعترف بميثاق منظمة التحرير”علما بانهم قبل ذلك شاركوا ودعموا السلطة التي اسقطت ميثاق هذه المنظمة وهم من عارضوا جميع الاتفاقات التي وقعتها سلطة اوسلو هم يطالبوا حماس بالاعتراف بها ولعل المال السياسي الذي تضخه امريكا لانقاذ سلطة اوسلو والحركات المتحالفة معها في مواجهة حماس تؤتي ثمارها ، وما حصل مؤخرا من رفع مستوى تمثيل منظمة التحرير في امريكا بعد ان حازت قيادة هذه المنظمة على شهادة حسن السلوك الا مثالا قريبا وصارخا ، فهذا الموقف من هذه الحركات مدفوع الثمن مسبقا ومستمرا.

اذن جميع هذه الحركات اصبحت في دور الاحنضار وهي لم تستطع ان تشكل بديلا لا لفتح ولا لحماس رغم استماتها بذلك وان استخدام السلطة لهذا التحالف المشبوه ما هو الا لكي يبدو المشهدى افلسطيني اكثر ديمقراطية .

وعليه فان فرص المصالحة لا تبدو الان متاحة طالما ان قيادة المنظمة الحالية تسير بركاب الامر الامريكي وطالما انها رهنت مصيرها باستمرار التنسيق الامني مع العدو وهي اصلا قد اقامت البنى التحتية المنفصلة والتي لن تستطيع مستقبلا السيطرة عليها “الاجهزة الامنية ذات الصلة بدايتون وغيره ” لهذا الامر .ولا شك بان هناك بعض التاثيرات والتجاذبات الاقليمية ولكنها ليست هي الاساس بل هناك الاستعداد المسبق للانخراط مع تلك الجهة او غيرها ويبقى الاساس هو الانخراط في التسوية والتصفية وابتعاد فصائل منظمة التحرير عن التخندق مع سلطة اوسلو او على الاقل جزء منها لكي تستطيع ان تكون فعلا او تشكل مشروع مصالحة .

كما انني وانا اضع انصاف الحلول لانهاء حالة الانقسام اجد من الضروري القول بانه بات واضحا وعلى ضوء التجربة الحية بان مشروع الحكم الذاتي كان و سيظل مشروعا امبرياليا استعماريا من الدرجة الاولى وعليه فان كلمة الفصل في انهاء حالة الانقسام هي لهذه القوى التي فصلت هذا المشروع لتفريغ القضية الفلسطينية من عمقها العربي اولا ومن مضامينها العادلة والشرعية ثانيا وما يدلل على ذلك هو ان التدهور لم يبدأمن لحظة توقيع اتفاق اوسلو بل سبق ذلك مراحل ومحطات عديدة لتدمير المشروع الوطني الفلسطيني وتحويله الى عملية مقايضة للمصالح الاستراتيجية للشعب العربي الفلسطيني الى مصالح فئوية ، فالتدهور بدأ في ما سمي ببرنامج النقاط العشرة 1974 والبرنامج المرحلي هو ما أسس للاستعداد للاعتراف بالكيان الصهيوني وكان لزاما ان تتم ترجمة هذا التدهور على الارض بحيث يكون ويتحول الصراع ضد المحتل الى صراع بين الفلسطينين انفسهم وهذ اقصر الطرق لضياع وتدمير القضية وإلا فلماذا لم يحصل الصراع رغم التباين في الموقف غداة التوقيع على اتفاق اوسلو وغداة عملية الاعتقالات التي طالت عددا كبيرا من رموز وكوادر حماس ابان حكم ابو عمار .

فقط حينما نضجت الظروف ، واصبحت حركات المقاومة قادرة على ادارة معاركها وحازت على تأيد كاسح من اغلبية الشعب الفلسطيني كان لا بد من ان يحصل ذلك لانه ببساطة اختفاء النخب السياسية التي تتكئ عليها القوى الاستعمارية الصهيونية وفشل مخططاتها وهي غير مستعدة للفشل ، لان هذه المخططات تنسجم مع قرار هذه السلطة بالانسحاب الاستراتيجي من الصراع بجميع اشكاله.