الكلام المباح

(أو حين تتكلم المرأة )

كلاديس مطر

يفتح موضوع اللغة الباب على مصراعية على موضوع “المعنى”. هل لكل كلمة أو عبارة تُقال معنا حقا؟ وكيف نعطي للكلام دلالته بدقة؟ وهل التأويل حتمي، أي اكتشاف معانٍ في النص لا وجود لها البتَّة في العلاقة بين “الدَّال”، أي الكلمة أو اللفظ، و”المدلول”، أي المعنى ؟

حين نقول مثلا “امرأة حديدية”، فنحن لا نعني حقا أن هناك امرأة مصنوعة من الحديد. فهذه امرأة غير موجودة في الواقع الفعلي. صحيح أن هناك مخلوق انساني اسمه امرأة في الواقع، وهناك مادة الحديد إلا أن المعنى الذي “ركبناه” من الكلمتين هو معنى خرافي غير واقعي بشكل ما. هكذا، يمكننا أن نولَد من رحم اللغة (أي الكلمات) مخلوقات لغوية لا تخطر على بال.

والملفت هنا في هذا النوع من العبارات إنها تنطوي على شيء من التدليس اللغوي. أي إننا نُسقط معنا ما على النص غير موجود حقا بغية تقويض هذه العلاقة الواضحة والطبيعية بين الدال والمدلول. والتقويض هو إحدى السمات البارزة في اللغة التي تستعملها المرأة. وهي لا تميل للتقويض لذاته وإنما هي تفعل ذلك انطلاقا من طبيعة علاقتها مع اللغة كإمرأة.

اللغة الخرافية

إن عواطف المرأة و مشاعرها مرتبطة ارتباطا وثيقا باللغة التي تستعملها. فأنت لكي تحرض فيها المشاعر الأكثر غنى ليس عليك سوى أن تستعمل معها اللغة الأكثر غنى أيضا وذلك لأن عواطفها مرتبطة بقوة بالكلمات التي تستعملها. فحين يتحدث الرجل، فإنه يحاول أن يقدم من خلال لغته “مجموعة من الوقائع” التي يرغب بإيصالها الى محدثه وبهذا المعنى فإن لغته “إخبارية” وخطابه أقرب الى لغة الجرائد التي تريد أن توصل ما تريد مباشرة ومن دون لف أو دوران. أما حين تتحدث المرأة، فإن اللغة الإخبارية لديها تختلط بلغة مشاعرها وانفعالاتها والأهم بخبرتها. إنها ليست لغة جرائد فقط وإنما هي نزهة في الجبال، وقراءة في كتاب لتربية الطيور، وتطريز شراشف الأسرة، واختراع العاب جديدة في الحب، ورقص على الجليد…الخ وذلك لان المرأة تستنفذ كل طاقة عقلها حين تتعامل مع الكلمات و ذلك أكثر بكثير مما يفعل الرجل. إنها مايسترو الكلمات. لكن اللغة التي “تطورها” إنما هي لغتها الخاصة المجبولة بروحها وقلق هذه الروح وتطلعاتها وآمالها وفرحها والندوب. إنها لغة تقوض العلاقة بين الدال والمدلول بكل براعة لكي تقدم الشعور الأقوى على طبق الكلمات الأكثر تأثيرا و تعبيرا عن ذاتها. وهذا التقويض ليس موجودا فقط في لغة المرأة وإنما يكثر أيضا:

1) في الشعر الحديث بكثرة. فاللغة الشعرية التي تسود اليوم هي لغة شعرية انثوية أي تقويضية يتفكك فيها المعنى الصحيح بين الدال والمدلول. لقد كان الشعر العربي فيما مضى مظهرا حقيقيا من مظاهر الفحولة والرجولة. فحين نقول هذا شاعر فحل إنما نعني أن شعره رجولي جيد. و”الشاعر الفحل” عبارة إطراء كبير كانت تقدم للشاعر فيما مضى كمكافأة على جودة شعره. لكن ماذا حدث اليوم؟ لقد خبت هذه الهيئة الذكورية للغة الشعرية (وأقول اللغة وليس الشعر) لتظهر هذه المسحة الأنثوية التقويضية في الشعر الحديث بشكل أكثر تبديا وليبدأ بركان لا ينتهي من العبارات الخرافية المركبة الطاغية على لغة الشعر. لقد جعل الاهتمام بالظاهرة النسوية (مساواة وحقوق) العالم كله يميل الى هذا النوع من التقويض أو التدليس اللغوي وكأنه احدى ميزات وسمات الحداثة الأكبر في القرن.

لكن هذه اللغة التي تستعملها المرأة والتي أصبحت متبناة شعريا اليوم ظلت عصية على الفهم، فالنقد الذي تلقته المرأة العربية المبدعة لأعمالها من قبل الرجل لم يكن على هذا المستوى من الجدية كما أرى. إن اهتمامه بنقد أعمالها لم يكن حقيقيا وإنما أتى كجزء من ظاهرة الحداثة والاهتمام الظاهري بالحركات النسوية وتشجيعها كما انتبهت لذلك الباحثة سعدية مفرح في دراسة هامة بعنوان “لغة النساء”. والحق، لا أعرف إن كان عدم جديته في نقد أعمالها ودراستها منبعها سوء فهمه لهذه اللغة أم هذا الإرث القديم من الاستعلاء وعدم الاعتراف “بالشريك” كند فكري وروحي!

ما دفعني الى هذا الاستنتاج هو ملاحظتي أن النقد لم ينشغل بفك رموز اللغة النسائية ودلالاتها ولم هي مرتبطة بعالم المرأة الداخلي و جوانيتها وانما انشغل في مدح جرأتها أو التنوية بنوعية المواضيع التي أقحمت نفسها فيها والتي كان يُظن لفترات طويلة أن لا شأن لها بها.

2) نعثر على اللغة النسوية التقويضية أيضا في الرواية النسائية التي تنم بدرجة ما عن لغة مسترجلة بشكل عام. والتقويضية هنا تتبدى في ظاهرة الوصف وليس السرد في أغلب الروايات النسائية. ولقد شكل هذا النقد موضوعا لسجال حاد جدا في ملتقى الرواية العربية في دمشق العام الفائت (2009 ). فلقد ذكر الناقد المغربي في هذا الملتقى سعيد بنكراد “أن الغالبية العظمى من الروايات النسوية العربية تعتمد على الوصف وتفتقد السرد”. وقال بنكراد ان “الوصف هو للهروب من المواجهة” مغلبا السرد “الذكوري” عليه. فالوصف لا يبني عالما وإنما يستعيد معرفة متداولة. وهذه إحدى سمات اللغة الذكورية بامتياز. وهكذا فان لغة الرواية النسائية اليوم هي لغة المرأة التقويضية التوصيفية التي تستعيد ولا تخلق بشكل ما وذلك على عكس إحدى أهم وظائف جسدها الفيزيولوجية الطبيعية: الحمل.

لهذا، إذا ما أرادت الرواية النسائية أن تقدم أية خدمة للرواية العربية فلا يجب أن تُكتب بلغة ذكورية مسترجلة (أي أن تقلد المرأة الرجل أو تنظر الى نفسها كما ينظر هو اليها أو تستعيد خبراتها كما هو يفعل) أو بلغة تقويضية توصيفية وإنما بلغة حقيقية عاكسة لمرآة الداخل كما هي بشفافيتها الاعمق والاكثر تبديا. إن لغة المرأة هي وجودها ويجب أن يسرد هذا الوجود كما هو.

لغة ” النوشو “

هناك مثال ممتاز على هذا النوع من الروايات النسائية السردية التي لم تكتب بلغة مسترجلة ذكورية أو بشكل توصيفي أو بدلالات لفظية تقويضية وهي رواية “زهرة الثلج والمروحة السرية” للكاتبة الاميركية من أصل صيني “ليزا سي” التي هزت العالم حقا.

ولنفهم خلفية الرواية دعوني أخبر تلك الحادثة أولا: في ستينيات القرن العشرين، فقدت امرأة عجوز وعيها في محطة قطار ريفية في الصين. عندما بحثت الشرطة في أشيائها لكي تحدد هويتها، عثروا مصادفة على أوراق كتبت بلغة “شيفرة” سرية. ولأن هذه الحادثة وقعت أثناء “الثورة الثقافية” فقد اعتُقلت المرأة، واحتُجزت للشك في كونها جاسوسة.

أدرك العلماء الذي أتوا لتحليل “الشيفرة” على الفور أنها لم تكن شيئاً يتعلق بخديعة دولية، فقد كانت هذه اللغة المكتوبة تُستخدم حصرياً من قبل النساء في الصين، وكان قد احتفظ بها بعيداً عن أعين ومعرفة الرجال لمدة ألف عام. ومن هنا جاء بحث الكاتبة عن تلك اللغة السرية التي كانت موضوعا لرواية حكت عن تبادل صديقتين لرسائل مكتوبة بهذه اللغة على مراوح كانت تتبادلانها من نوافذ غرفهما التي حبستهما فيها قوانين المجتمع الصارمة في ذلك العصر.

تعتبر الآن لغة الـ”نوشو” عنصراً مهماً من كفاح الشعب الصيني الثوري ضد القمع. والى هذا اليوم تقوم الحكومة ببذل جهود للحفاظ على هذه اللغة علي قيد الحياة، ففتحت مدرسة لتعليم هذه ” اللغة النسائية” في قرية “بوواي”. إن لغة الـ”نوشو” تعتمد بشكل كبير على الجمل والصور مثل” الطير يصيح” و”زوج من البجع” أو “إن الأرواح السماوية تجمع بيننا”. والنوشو هي لغة نساء الصين المخفية التي ابتكرنها من اجل اخفاء معاناتهن عن الرجال وللتعبير عن عالمهن الداخلي الغني بعد ان استعصى توصيف هذا العالم الانثوي على اللغة العادية، لغة كل الناس.

صحيح أن وضع المرأة اختلف اليوم ولكن ما زال الكثير من النساء يعانين مثلنا من الزيجات المرتبة مسبقاً والخالية من الحب، ومن حمولة من القمع والعنف المبررين لا يمكن التخفيف منها بسهولة. رواية “زهرة الثلج والمروحة السرية” هي عمل أدبي سردي وليس فقط توصيفي. إنه عمل لا يلجأ الى التقويض ولا التدليس اللغوي. والرواية كما تقول الكاتبة لا تدعي أنها تتحدث عن كل شيىء يتعلق بلغة النوشو؛ لغة نساء الصين المقموعات وإنما هي رواية كما تقول “رشحت من خلال قلبي، وخبرتي وبحثي وبمعنى آخر فكل الأخطاء التي فيها هي أخطائي”.إنها رواية غير مسترجلة حقيقية وتشبه المرأة التي كتبتها.

لقد كانت الجدة الكبرى للكاتبة تحمل الناس على ظهرها من قرية إلى أخرى لتكسب المال والدعم لأولادها، وكان الحزن بسبب فقدان طفل أو عيش أي مأساة أخرى ترفاً لم تكن هي والمهاجرون المنحدرون منها يستطيعون تحمل نفقاته. لذلك استطاعت التعبير عن مآسي المرأة الصينية، واستطاعت أن تظهر هذا النوع من السلوك غير المتأثر بالأحداث وتقبلها في شخصية “زهرة الثلج” والنساء الأخريات في هذه الرواية. لقد تحدثت أيضاً عن معتقدات أخرى كان قد تم تناقلها في عائلتها. لقد نشأت وقريباتها وهن يسمعن المقولة القائلة: “عندما تكونين فتاة أطيعي أباك، وعندما تكونين زوجة أطيعي زوجك، وعندما تكونين أرملة أطيعي ابنك”.. وقد تمردن على ذلك بالطبع، ولكنهن تشربن أيضاً مقداراً أكبر من هذه ” التعاليم” ربما أكثر مما هن راغبات من الاعتراف به.

اذا كيف لا يكون للمرأة لغة سرية خاصة بها إذا كان ممنوع عليها أن تبث ألم روحها لأحد، أو إذا كان ما تقوله “لا يصل” الى الرجل كما هي تريده حقا؟ لعل “سؤ الفهم اللغوي” هذا بين المرأة والرجل هو مفتاح الحل والتعايش بينهما. فالرجل والمرأة حتى ولو كانا يتحدثان اللغة نفسها، إلا أنهما يختلفان في توظيف الكلمات و طريقة استخدامها. ولكي أقرب الفكرة اكثر الى ذهن القارىء أقول أن الاختلاف يشبه تماما طبقي طعام من نفس النوع. الاول يقدم كما هو بمواده الأولية الخام والثاني مطبوخ ومعالج بالبهارات والاعشاب والمنكهات. الأول هو من إعداد الرجل والثاني من إعداد المرأة.

اللغة – المفتاح

لقد اخترعت نساء العالم لغات خاصة بهن أكثرها وضوحا اليوم تلك اللغة التقويضية للعلاقة بين الدال والمدلول كما أسلفت. إنها لغة غير مباشرة خرافية طورتها هذه الحاجة للاختباء والسرية والخوف التاريخي القديم. إنها لغة نسائية باطنية في أغلب مقارباتها وتبدياتها، تخفي أكثر مما تعلن، وتبطن أكثر مما تظهر، أو ربما تعلن عكس ما ترغب في قوله في أغلب الأحيان. لكن ليس المجاز اللغوي أو التقويض قانون المتكلم. إنه اختيار وشغف قبل كل شيىء. لكنه بالنسبة للمرأة، في صلب استعمالها للغة. فالحديث معها خبرة غنية الى أقصى حد تنقل محدثها الى عالمها المخيالي بقوة. إنها أيضا ـ هذه اللغة – مفتاح جسدها في لحظة حاسمة ما. إن إعطاء المراة ما تحلم به تماما من دفق وجداني متفهم واقتراب من هذا العالم المخيالي من شأنه ان يقدم هذا المفتاح الاخير بكل طيبة خاطر في كثير من الأحيان. مع ذلك، أرى أن اللغة لكي تعكس شكلا راقيا من التفكير إنما يجب أن لا تلجأ الى هذا التقويض الجنوني بين الدال والمدلول. فاللغة إما ان تكون حقيقية (أي تعني ما تقول) أو مجازية بمنطق وأقصد أن تحمل الكلمة المجازية تشبيها واقعيا. كأن نشبه الشوق بالنار مثلا لا أن نشبهه بالثلج، وأن نشبه الغضب بالبركان لا أن نشبهه بالزهرة مثلا.. الخ. لكن هذا، في نهاية الأمر، لا يعتبر معيارا ولا مقياسا ولا ربما ينطبق على هذه التعديدية المهولة من وجهات النظر الإنسانية. فأشياء كثيرة غير منطقية أو مألوفة أصبحت تدرج براحة تحت عنوان “الفن” العريض.

الطريف أو الملفت في آن، أن هناك دار نشر ألمانية رائدة في نشر القواميس باللغات الأجنبية تنوي إطلاق قاموس بعنوان “المرشد الى لغة المرأة “. وهو قاموس من نوع خاص يساعد على ترجمة ما تقوله النساء الى المعاني التي يقصدنها بالفعل. كل فصل في هذا القاموس إنما يدور حول فكرة معينة تقدم للرجل من خلالها إرشادات سلوكية وتكشف الرسائل الخفية التي تبثها المرأة في مواقف الحياة اليومية مثل تلك التي تحدث خلال العطلات أو رحلات التسوق او الحياة اليومية بكل بساطة. إن هذا القاموس يقول إنها لمن الخطأ الشائع أن تُفهم عبارات المرأة حرفيا ولا تفهم حقيقة ما تقصده من وراء هذه العبارات. فالمرأة لا تتحدث بشكل مباشر عادة عندما تطلب شيء أو تحاول التملص من شيء أو اقناع أحد ما بوجهة نظرها. إنها تستعمل لغة أنثوية تقويضية، تدليسية أو خرافية كما أسلفت خاصة بها. إنها تؤول الدنيا حولها أو تفسرها كما تراها معكوسة في مرآتها الداخلية ثم تترجم هذا التأويل بلغة خاصة لها رموزها واستعارتها ودلالاتها.

فحين على سبيل المثال تطلب رأي زوجها أو شريكها بفستان تجربه في مخزن للملبوسات إنما هي تريد منه أن يتطلع الى الفستان الذي سوف يدفع هو ثمنه ولا تعني، أغلب الوقت، إنها تريد رأيه فيما إذا كان يجده لائقا عليها أم لا. وحين تقول له بحماس إنها راغبة في دعوة صديقة له في العمل على الغذاء مثلا فانها تعني تماما إنها لا تتمنى رؤيتها في أي مكان على هذا الكوكب وإنما هو فضول المرأة لتتعرف على صديقات الزوج في العمل. وحين تقول نعم في عشرات المناسبات بحماس فهي قد تقصد بهذا الحماس نفسه ” اللا ” الخائفة من الخروج. بالمقابل، تسيىء المرأة بشكل عام وشائع فهم صمت الرجل أو استعماله “الإخباري” أو ” التقريري” للكلمات وتعتبره محلقا في سرب غير سربها.

إن هذا التاريخ الطويل من القمع للمرأة جعلها تبتكر لغتها الخاصة الخرافية. لغة داخلية تشبه موقع جهازها التناسلي تماما. منكفئة وباطنية، تعج بالتشابيه والتوصيف والمجاز والاستعارات والتدليس اللغوي والأفكار الخرافية. إنها مبدعة أو مبتدعة للغة خاصة بها قد لا تكون أضعف من لغة الرجل ولكنها من دون شك أكثر ألما في تضاعيفها وذلك لانه لم يكن مسموح لها أن تعبر بشكل مباشر عن مشاعرها وهواجسها وطموحاتها وأفكارها عبر حقب طويلة خلت، وهكذا اعتادت أن تطور من استعمالها للغة خاصة مملحة إياها بالتلميحات المبطنة واللامباشرة، إما تحايلا على السلطة والمرجعية خوفا من الاعتداء عليها أو خوفا من الإبعاد والعزل والادانة. لغة المرأة ليست لغة طبيعية في كل جوانبها وإنما هي لغة خلقتها الضرورة والرغبة في البقاء على قيد الحياة.

لقد كانت لغة شهرزاد مثلا أكبر دليل على اللغة الانثوية التي عرفت كيف تتحايل على السلطة لتهرب من سيف كان مسلط على رقبتها كل ليلة. طبعا لن تستطيع اللغة العادية المباشرة من أن تواجه قدر الموت اليومي، فاستبدلتها بلغة أكثر تدليسا وتحايلا لكي تنقذ عنقها الجميل.

لقد بقي الكثير اليوم من إرث لغة شهرزاد. صحيح ان المرأة العربية قد تغيرت ظروفها في بعض من بقع هذا الوطن العربي المترامي الأطراف ولكن فيروسات الحريم القديمة ما زالت فاعلة وهي في جدران الكثير من رؤوس الرجال المثقفين والمتحمسين للحداثة ظاهريا.

إن الخطاب اللغوي الانثوي المجازي هو تحية هذا العقل، عقل المرأة للواقع لا كما هو وإنما كما تشعر به هي وكما ينعكس في مرآتها الكاذبة والمحسنة. إنها تكذب لكي تقول الحقيقة، مطورة في ذاتها نوعا من الحساسية الشعرية الفطرية تجاه الدنيا حولها. عقل المرأة هو صوتها الشعري المتألق في المجاز. لكنه صوت حزين أخرق وربما غير ناضج تماما. انه صوت مؤسس بالدرجة الاولى على ثقافة “افعلي و لا تفعلي” وعلى مدلول التحريم والنهي وعلى معرفة تميل إلى تفريغ شكل الكلمة من معناها وإغراقها في التلميح والتورية والتسييس والتقديس. إنه صوت تربى على المجاز أصلا كشريك لازم في بنية هذه الثقافة.

اللغة الام … لغة الجنس اللطيف

مرة أخرى. تأخذاللغة هنا مكانا هاما جدا في القدرة على تبيان التمييز والاختلاف. إنها الوسيلة الأكثر فنية ومباشرة للتعبير عن الاعضاء الجنسية. فالكلمات التي يستخدمها الرجل هي التعبير الأوفى عن القوة و التحكم والسيطرة. إنها تعبر عن الاختلاف الجندري القضيبي، إن صح التعبير، في حالته المعلنة المباشرة والخارجية. كما تعبر كلمات المرأة أو لغتها عن الدبلوماسية والخجل وتمليح النوايا باللامباشرة والحدس. إنها تعبر باللغة عن موقع عضوها الجنسي في وضعيته الداخلية الانكفائية اللامنظورة والمحجوبة. وحين نقول أنها تعبر عن اختلافها من خلال اللغة فهذا معناه إنها تستثمر وتستخدم هذه الصور العقلية التي لديها باعتبارها هي. وهكذا فان اختلافها باعتبارها “الجنس اللطيف” نظرية تتجلى أكثر ما تتجلى في اللغة التي تعبر عن نفسها من خلالها و لا تتجلى بنفس الدرجة في أي اختلاف فيزيولوجي أو جيني آخر.

ولكن كيف تنقل المرأة ـ الأم لغتها الى أبنائها؟

عندما نتحدث على سبيل المثال عن لغتنا العربية فنحن نشير إليها (باللغة الأم). ونقصد بها اللغة الاولى التي يتحدث بها الانسان. وكلمة “الأم” هنا مجازا إنما تشير إلى مقومات الانتماء والوئام بين اللغة والفرد ثم بين اللغة والجماعة من خلال الفرد، وبين اللغة والفرد من خلال الجماعة.

لكن آخر أدبيات اليونسكو بينت أن للإنسان حقوقًا ثلاثة فيما يخص اللغة وهذه الحقوق هي: الاكتساب الأمومي: أي لغة الأم، والتداول الجماعي: أي لغة القوم، ولغة التحصيل المعرفي وهي لغة أخرى قادرة على نقل المعرفة العلمية، التي تعجز اللغة القومية عن حملها. لكن الأكثر تأثيرا وخطورة تبقى اللغة التي تتحدث بها الام في المنزل. إنها لغة الحوار مع الطفل والتأنيب والتعليم، لغة الحب وحكايا قبل النوم والهمس المتواصل في أذنه (طريقة المرأة في مداراة أفكارها). إنها لغة متلصصة على العالم من ثقوب روحها، لغة يكثر فيها دهاليز القصص الرومانسية وقضايا العيش الصغيرة وطموحاتها وأحلامها المطرزة بحليها وزينتها و التنهدات.

يبقى الطفل مبهورا بأمه حتى عندما يصبح كهلا عجوزا، يتذكز كلماتها وأقوالها وحكمها وأمثالها الشعبية وتشبيهاتها وعباراتها الغريبة والطريفة ويحن بقوة الى عالمها الذي يعتبره الأنقى والأجمل. ولهذا، إن عثرنا على لغة جميلة لكاتب أو أديب رجل فهي حتما مستقاة من الحرملك الصغير في منزله عندما كان صغيرا حيث اللغة حوله تملىء الفضاء بالصور الملونة والمشاعر والانفعالات والقصص التي لا تنتهي.

لقد استيقظت الإنسانية على حقيقة معرفية هي اندثار الألسنة البشرية و تعرضها لدورات حياة تشبه حياة البشر. فاللسانيون يرون أن عالمنا فيه 4000 لغة دون الفروع ومع الفروع تصل إلى 6000 لغة، وبينوا أنه في كل سنة تموت 25 لغة وعند انتهاء القرن الحادي والعشرين ستندثر 3000 لغة والحبل على الجرار. لكن تبقى لغة المرأة عاكسة لعالم داخلي مليء بسوء الفهم والجمال في آن حتى وإن كانت تحيا على انقاض المعنى المقوض مع كل عبارة.

اللغة العربية

لفت انتباهي أن اللغة العربية أيام الاستعمار كانت لها مكانة أرفع في نفوس أبنائها مما هي عليه أيام الاستقلال التي ما زلنا نعيشها. ولعل المسألة اللغوية هي مسألة سياسية محضة تتعلق بالاختيارات المركزية لسياساتنا، ولكن للأسف أمة العرب لا تملك مشروعًا لغويًا واضحا فعالا وذلك لانها لا تملك مشروعا سياسيا وحدويا قوميا يؤمن بشد الامة كلها بحبل لغة قوية حية.

والحق، إن وأد اللغة العربية يبدأ من مصدرها أي من الأم ومدى وعيها بقيمة وقدسية هذه اللغة بحيث تعمل على تلقينها كاملة صحيحة الى أبنائها من دون هذا التهديد اللساني الجديد الذي يلوح في الافق والمتمثل:

1) بدخول لغات أخرى (وهي لغات التحصيل العلمي) بكل ما تحمله من قيم وعادات وفكر مختلف عن قيم وعادات حياتنا العربية من دون أن تنتبه هذه الأم الى تلك العملية التخريبية التي تحدث بهدوء ومن دون ضجيج.

2) دخول كلمات جديدة على لغة الطفل مصدرها لغة الخادمات المستقدمات الى بلادنا. بحيث يعملن لا على ادخال مصطلحات وكلمات من لغتهن الى لغة الطفل الأم وإنما الى تشوية لفظها وجرسها فتأتي بعيدة جدا عن منطوقها الحقيقي بحيث يتحول بعضها الى كلمة أخرى تماما.

3) لغة الام ذاتها التي تعمل على نقلها للطفل بصالحها وطالحها من دون أي تفنيد للكلمات التي تلقنه إياها. انه يرثها ويرث معها فكرها و طريقة تفكيرها وهذا التضخم “الأنوي” في تركيب الكلمات من دون أن تعير لذلك أي انتباه. فليست لغة الام دائما صحيحة، وقد تكون مختلطة بكثير من الكلمات الاجنبية، أو لغة مملحة بالمحاز والتدليس اللغوي ومبهرة بعامية ذات الفاظ وتراكيب بعيدة جدا عن أصلها الصحيح النحوي في الفصحى.

لهذا من الملزم أن يكون هناك:

1) عملية إصلاح لغوي على غرار الاصلاح السياسي والاقتصادي يكون هما من هموم القرار السياسي العربي.

2) ان يشمل هذا الاصلاح توعية الام أولا وبشكل جدي على خطورة نقل اللغة مشوهة أو مهجنة أو مزيفة الى ابناءها.

3) الاعتقاد الراسخ بأن لغتنا العربية إنما هي لغة تحصيل معرفي بدرجة امتياز وهي قادرة على استيعاب المستجدات المعرفية والثقافية في العالم وإنها ليست صنما غير قابل للتطور.

لقد ذكر الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية مرة في مقر الأمانة العامة لجامعة الدول العربية في مؤتمر حول”لغة الطفل في عصر العولمة” أن “عدد الجذور اللغوية في القرآن الكريم 1810، وبهذا فإن جذور لغة القرآن الكريم لا تمثل سوى 3% من مجموع جذور العربية، إذًا فالتطور ملامس لـ 97% من جذور اللغة وهذه النسبة تعد كافية لتعانق اللغة من خلالها كل تطور حاصل ولتوليد كلمات أو معانٍ جديدة لألفاظ قديمة.

اللغة حقل مطاطي قادر على استيعاب تراكيب لانهائية ذات مضامين لانهائية ايضا. من دون هذه ” الأداة ” لا يمكن ترجمة الأفكار الى حضارة ذات ابعاد حقيقية ملموسة، وكذلك لا يمكن لاي تطور نفسي إنساني ان يأخد مكانه. أكانت اللغة تقويضا أم تدلسيا أو حتى خرافة عالية الجمال والإتقان تبقى تعبيرا عن حالة جوانية إنسانية لا لبس فيها.

:::::

موقع الكاتبة:

www.gladysmatar.net