قراءة في كتاب: “الإسلام والوحدة القومية”

مراجعة الناصر خشيني

الكتاب: الإسلام والوحدة القومية
الكاتب: د. محمد عماره
الناشر:المؤسسة العربية للدراسات والنشر
طبعة ثانية بيروت 1979

ماذا سيحدث لهذه الأمة إذا مزّقتها الطائفية الدينية شراذم وأشلاء.. بدلاً من تحقيق وحدتها القومية؟ ولماذا نظلم الدين، فنجعله أداة فرقة وبغضاء.. على حين أراده الله: جامعة وحدة وإخاء لكل الذين يتوجهون بقلوبهم إلى السماء!

من المستفيد إذا نحن جئنا “بمشاعر” العصور المظلمة و”أوهامها” فأغرقنا بها واقعنا الراهن ومستقبلنا المأمول؟! وهل نريد للكيان العنصري؟ الذي برر “بالتعصّب والطائفية” قيامه في قلب أمتنا، أن يكون الرائد، والنموذج، والإمام؟!

وكيف يجوز لأمة تملك: وحدة الحضارة، والقومية، ويدعوها ربها إلى وحدة الدين، وإخاء كل المؤمنين أن تنام – غافلة – على الخطر الذي يهدّد حضارتها وحاضرها وحلمها في الوحدة والتقدم؟!

الدكتور محمد عمارة يجيب عن هذه الأسئلة في كتابه “الإسلام.. والوحدة القومية” الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر / بيروت، طبعة ثانية 1979.

هذا الكتاب.. رأى فيه البعض خطاباً بليغاً، مدعماً بالشواهد التاريخية والنصوص المأخوذة من القرآن الكريم والحديث وأقوال الصحابة وعلماء الدين المستنيرين.. وهو موجه إلى عقول أصحاب العقائد جميعاً، وإلى ضمائرهم.. يدعوهم إلى دراسة مشكلة من أهم المشكلات في كثير من البلدان العربية والإسلامية.. ويعد وثيقة تبرئ الإسلام من تهمة التعصب والطائفية والشقاق الديني.

وهناك من رأى فيه غير ذلك واتهم الكاتب الذي ترك الفكر الماركسي، وتحوّل إلى الفكر العربي الإسلامي العقلاني المستنير، بأنه اعتنق وأحيا مذهب المعتزلة، كما اتهمه بالمغالاة في تعظيم العقل البشري وبأن له العديد من الانحرافات..

إلا أن ما يهمنا من عرض هذا الكتاب، هو أن من أهم ما يميز فكر الدكتور عمارة إيمانه ودفاعه عن وحدة الأمة.. وتدعيم شرعيتها في مواجهة نفي البعض.

يقول الكاتب في تمهيده للكتاب: “إن أعداء الأمة يريدون أن يصبح الإخاء الديني، الذي يقرّره الإسلام إطاراً لتعايش الديانات المتعدّدة، ثغرة لتحطيم وحدة هذه الأمة القومية والوطنية، وأن تتحوّل الجزر البشرية غير المسلمة، بل وبعض المذاهب الإسلامية، أن تتحول من وسام على صدر هذه الأمة، يشهد بتحضّرها، إلى سبل للتجزئة، ووقود للفتنة، ومراكز جذب للتفتّت القومي والتشرذم الوطني، إنهم يريدون أن تعود هذه الأمة إلى
جاهليتها الأولى”.

ويشير إلى أن الشرق الطامح إلى التحرّر والوحدة، واجه الغرب الاستعماري بسيوف العرب، وتحت راية الإسلام في عصر الفتوحات، ثم عاد العرب فواجهوا هذا الغرب الاستعماري في الحروب الصليبية بالعصور الوسطى، وفي كلتا الحقيقتين والمواجهتين جمعت القومية والوطنية والمصلحة كل العرب، على اختلاف عقائدهم في الدين من المستعمرين والغزاة.

لم تأت دعوة الكتاب إلى الوحدة الوطنية والقومية من منطلق “تجاوز الدين واستبعاده”، بل من فكر الدين الحق ومنطلقه، فالدين ينكر كل ما يمسّ الوحدة الوطنية والقومية بسوء، وإن الكثير مما شاع ويشاع وانتشر وينتشر باسم الدين في هذا الحقل هو إلى التجارة بالدين أقرب منه إلى جوهر الدين.. خاصة إذا كان هذا الدين هو دين الإسلام.. الذي هو دين الله..
ودين كل المؤمنين بالله.

حضارة واحدة

وتحت عنوان. “حضارة واحدة” يؤكد د.عمارة حقيقة أن لهذه الأمة.. على اختلاف شرائع أبنائها الدينية، حضارة واحدة متحدة، ذات قسمات محددة طبعت وتطبع العرب أجمعين.. وهي حضارة لا يماري أحد بأن وحدتها قد استعصت على سهام التجزئة والإقليمية التي سادت في فترات طويلة، وتغلّبت على آثار اختلافات المذاهب والشرائع، بل استفادت من ذلك التعدّد والاختلاف على الجبهة الفكرية، في إثراء محتواها وإغناء مضامينها، واكتساب الطابع الإنساني البريء من العنصرية وضيق الأفق والنظرة وحيدة الجانب للأمور.

فمنذ أن ظهر الإسلام بذر رسوله الكريم (صلى الله عليه وسلم)، في واقع العرب، بذرة القومية والحضارة بمفهومها الإنساني، غير العرقي، وذلك عندما وضع للعروبة مفهوماً ومضموناً حضارياً بقوله لقومه: “أيها الناس إن الرب واحد، والأب واحد، وليست العربية بأحدكم من أب ولا أم، وإنما هي اللسان، فمن تكلّم العربية فهو عربي”.

ويشير المؤلف إلى الشخصية القومية الجديدة والواحدة التي جاءت وحدتها تعبيراً عن تبلور الحضارة الواحدة لأصحاب هذه الشخصية القومية العربية، ويستعرض جملة من أسماء علماء هذه الحضارة الذين تدينوا بشريعة الإسلام، وأكدوا أن هذه الحضارة الواحدة جاءت ثمرة امتزج في تكوينها عطاء العرب أجمعين، من كل المذاهب والشرائع والديانات.

قومية واحدة

تحت عنوان..”قومية واحدة” يتحدث مؤلف الكتاب عن تبلور الحضارة الواحدة للجماعة البشرية العربية وما صاحبه من تبلور لقسماتها القومية المشتركة، التي جمعت وألّفت ووحّدت بين العرب الأوائل وبين الذين تعرّبوا بعد أن ولدوا من أصول غير عربية.

وقال: “لقد خرجت هذه القسمات القومية المشتركة إلى الوجود قوية مناضلة، لأنها ولدت ونمت واشتد عودها في بوتقة تموج بعوامل الصراع، ووسط تيارات متنازعة وأعاصير غير مواتية”، ويضيف: “تقاسمت النشاط على ساحة الدولة العربية في القرن الأول الهجري تيارات الشعوبية، والعصبية العربية، والقومية العربية”.

أما القومية العربية فظهر تيارها ليعبّر عن الضرورات التوحيدية لهوية أبناء الدولة الجديدة، وليعكس حقائق الواقع الجديد الزاخر بالمصالح الموحدة لأبناء هذه الدولة، بصرف النظر عن الأصول العرقية والخلفيات الحضارية التي كانت سائدة قبل نشأة هذا الواقع التوحيدي الجديد، وبصرف النظر عن الشرائع الدينية والتيارات الفكرية التي تتوزعهم.

ويبرز الكتاب قسمات وشروط القومية المتمثلة بأرض مشتركة، ولغة مشتركة، وتكوين نفسي مشترك، وسوق تجارية واحدة واقتصاد متحد، لكنه يطرح تساؤلاً هاماً مفاده: ماذا صنعت الدولة؟ إذ يرى الكاتب أن “الدين” براء من تبعة الطائفية والشقاق الديني، أما “الدولة” فعليها تقع التبعة كاملة فيما شهده التاريخ من صفحات شوّهتها الطائفية وأذهبت بهاءها أحداث هذا الشقاق.

ويشير إلى مثال هام على دور الدولة في عرضه لما ورد في الدستور الأول للدولة العربية الإسلامية التي أقامها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، والمهاجرون والأنصار بالمدينة، وفيه وضع الأساس الأول والمتين للدولة التي لا تميّز، في السياسة وشؤونها، بين المواطنين بسبب الاختلاف في الشرائع الدينية، ولقد تحدّث هذا الدستور – الذي سمي بالصحيفة وبالكتاب ـ عن القبائل التي كوّنت رعية الدولة.. وكانت كثير من قبائل المدينة قد دخلت فيها اليهودية، وبقي أكثر اليهود من أبنائها على شريعتهم، على حين دخلت قطاعاتها غير اليهودية في الإسلام.. فلما تحدث الدستور عن الرعية، ذكر القطاعات اليهودية من هذه القبائل، كما ذكر القطاعات الإسلامية، وقرر أن الجميع، رغم اختلاف الشريعة، هم رعية الدولة الجديدة الواحدة.. وأنهم متساوون في حقوق المواطنة.. بل ويكوّنون “أمة واحدة”.

دعوة للأمة.. أن تستيقظ

ويدعو الكاتب الضمائر المستنيرة لهذه الأمة أن تستيقظ للخطر الذي يهب على وحدتها، بين الحين والحين، من أهواء السياسة وشهوات السلطة، وأعداء تحررها وتقدمها المتربصين بها الدوائر عبر تاريخها الطويل.. ويدعو العقول المستنيرة لهذه الأمة أن تستيقظ لما يلقيه في ساحتها، أنصار الطائفية والشقاق الديني، كما يدعو جماهير الأمة أن تعي حجم الخطر الذي يتهدّدها من وراء الطائفية وباسم الشقاق الديني.

فبالوحدة الوطنية والقومية نستطيع أن نجابه إعصار التشرذم الطائفي والعنصري، وبغيابها تتآكل جبهة صمودنا أمام الأعداء، والوحدة القومية لن تبنى بموقف منفرد.. ولا بجهود فريق واحد، ولن تورق شجرتها وتثمر إلا في مناخ من الفكر الديني العقلاني والمستنير.

ويختم د. محمد عمارة كتابه بالقول: “نعم.. نحن عرب.. وبقدر ما على طريق وحدتنا من عقبات وأشواك، بقدر ما في ترسانة هذه الأمة من أسلحة فعالة في النضال الوحدوي.. وديننا الإلهي الواحد من بين هذه الأسلحة، على الرغم من استخدامه لخدمة الطائفية والشقاق الديني، من قبل البعض، في بعض الأحيان، وبقدر ما تكشف هذه الصفحات، لأمتنا، عن مكان الإسلام ودوره في التآلف الوطني والوحدة القومية، تكون السعادة التي تغمر صاحب القلم المناضل على هذا الطريق”.