حوار مع سمير أمين في القومية والقطرية والشيوعية (الحلقة الثانية)

في القومية والقطرية والشيوعية

ومسائل أخرى

حوار عن بعد مع سمير أمين

(الحلقة الثانية)

عادل سمارة ـ رام الله المحتلة

أمين:

“… ألفت الانتباه هنا إلى أن “المجتمع العربى” فى عصره الذهبى (القرون الهجرية الثلاثة الأولى) لم يتسم بكونه وسطًا عربيًا إسلاميًا متجانسًا كما تزعم خرافة العروبة. بل اتسم هذا المجتمع باختلاط وتفاعل عناصر ثقافية ولغوية، بل ودينية من أصول متباينة، على نمط إمبراطورية الاسكندر ثم الإمبراطورية الرومانية. ولم تمثل هذه “العروبة الناقصة” (غير المكتملة) عاملاً سلبياً، بل على النقيض أصبح هذا التنوع عاملاً إيجابياً فى ازدهار الفكر والحضارة.…”

ليس دقيقاً أن يدمج أمين ثلاثة قرون من الزمن في وحدة واحدة، فالدولة الأموية كانت أقل اختلاطاً بغير العرب وأكثر تجانساً عربيا من العباسية سواء في قرنها الأول او الثاني. لست أدري من هم العرب الذين يعتبرون العروبة حالاً خالصاً نقياً؟ والعروبة كما هي هوية أو انتماء اية أمة، هي حالة انتماء عام. كنت أتوقع من أمين أن يباعد ما بين طرحه وما بين التعميمات العاطفية مثل العروبة، فالانتماء العام عاطفي أكثر مما هو علمي بل لا يعرض نفسه كتوصيف علمي/اجتماعي. ربما الأدق أن يتناول الباحث طبيعة التشكيلات الاجتماعية الاقتصادية في الزمن المبحوث وهو ما ناقشه أمين في مواضع أخرى، وابتعد عنه في الفقرة أعلاه ربما لغرض الرد على (بعض الداعين للعروبة) مع أنه كان في غنىً عن ذلك. ما من دولة في الماضي والحاضر غزت أمماً أخرى إلا وكان هناك تأثير بدرجات على الطرفين، وهذا شأن العرب. ولا شك أن امين محقاً في رفضه سحب العروبة على الحيز المتسع للإمبراطورية العربية ولاحقا الإسلامية، وإن كان هذا لا يُجيز له وصف العروبة ب الخرافة. قد يكون من قبيل الخرافة وصف خُراسان بأنها جزء من العروبة، ولكن لا تكتنف الخرافة كل مكان في تلك الدولة. هذا وإن كان السطر الأخير من الفقرة قد أعاد أمين من الرد المنفعل إلى الرد المادي التاريخي.

أمين:

هذا وقد دخلت المنطقة فى مرحلة انحطاط بدءًا من القرن الرابع أو الخامس الهجرى. وقد انعكس هذا الأمر فى ثبات (بل وأحياناً تدهور) عدد سكانها الذى لم يزد فى أواخر القرن التاسع عشر عما كان عليه فى العصور القديمة، هذا بينما شاهدت الديموغرافية فى كل من أوروبا والهند والصين تزايداً مستمراً خلال نفس القرون. لقد ذكرت هذه الأمور فى كتاباتى، ولكن للأسف لم يلق هذا الذكر تعليقاً مناسباً من القراء فى الوطن العربى.

تعقيبي على هذه الفقرة بعيد عن جوهرها لأنها تثير مسألة هامة متعلقة بتاريخ الوطن العربي منذ حينها وحتى اليوم. فمرحلة الانحطاط لا علاقة لها لا بالعروبة (من حيث دقة المصطلح ومدى انطباقه الجغرافي/الديمغرافي) ولا بالقومية والأمة، بقدر ما هي متعلقة بأمرين:

الأول: عدم قدرة الدولة/الإمبراطورية على الدفاع عن نفسها أمام الغزو الخارجي، وهذا عامل بنيوي داخلي.

والثاني: دور هذا الغزو في القطع التاريخي للتطور أو الانتقال إلى تشكيلات أخرى (سواء الراسمالية أو اي منحى آخر ما بعد التشكيلات القروسطية سواء وصفها البعض بالإقطاع العسكري، المجتمع الحربي Worrier Society (مكسيم رودنسون)، التشكيلات الخراجية (أمين وإلى حد ما تيرنر)، النمط الاسيوي في الإنتاج (ماركس)…الخ). إن قراءة هذه المسألة هي التي باعتقادي تُبقي على مستوى أمين المفكر المبدع، اكثر من دخوله في نقاش أمور جانبية مطروحة في العصر وليست ضرورية فيه إلا من قبيل المناكفة السياسية.

قد أغامر بالقول إن هذا القطع قد اسس بتواصله، اي تواصل دور الغزاة الأجانب، في تخليق خصوصيات قطرية هنا أو هناك، وهو ما تركز لاحقاً في عهد السلاجقة فالمماليك فالعثمانيين إلى أن وصل الاستعمار الأوروبي. هذه مسيرة الاحتلال فالدفاع أو المقاومة بلغة العصر التي تحتاج منا اليوم مزيداً من التركيز.

أعتقد أن هذه المسألة بحاجة إلى دراسة ضافية جدا لإثبات أو نفي، على الأقل لبحث فيما إذا كان أن الوطن العربي يمكن أن ينتقل إلى الراسمالية (أو غيرها) لولا هذا التدمير الخارجي[1].

ويفتح هذا الأمر على مسألة هامة أخرى وهي أن اقتحام الإمبراطورية العربية وهزيمتها وتفكيكها فتح فرصاً لمراكز أخرى في العالم وربما كانت العثمانية هي الوريث الإمبراطوري بعد العرب، لكنه الوريث الذي عجز (كمركز) عن احتجاز تطور أوروبا، بل إن نهضتها وحداثتها جائتا زمنياً في حقبة غياب مركز عالمي ذي قبضة قوية، وهو ما اتاح لأوروبا ذلك التطور. وقد تكون أطروحتي صحيحة في هذا السياق بمعنى أن القول الدارج بين الاقتصاديين والسوسيولوجيين أن: “لا يابان بعد اليابان” ليس دقيقاً، بل إن واقع الحال: “لا أوروبا بعد أوروبا”[2]. ولو حاولنا دفع هذه المسألة أبعد للأمام لكان لا بد من الحديث عن أوروبا الرأسمالية /الاستعمارية فالإمبريالية فالمعولمة، وهي الحلقات المتواصلة التي احتجزت تطور المحيط كما يؤكد ذلك أمين والثلاثة الآخرون من فريقه (الراحلان فرانك و أريغي، وإيمانويل ويلرشتاين). هذا الاحتجاز هو الذي وضع الوطن العربي بعربه وغير عربه في حالة من الفترة الانتقالية المديدة طوال القرن العشرين، لنجد هذا الوطن، سواء كان أمة واحدة وقومية واحدة أم العديد من هذه وتلك، لنجده لم ينتقل لا إلى تشكيلات راسمالية متقدمة ولا إلى تشكيلات اشتراكية. وأعتقد أن هذا الأهم، وان هذا جوهر ما يضغط أمين على محاوره باستمرار اي: قراءة المسالة الطبقية، وهو في هذا صحيح.

صحيح أن أمين لفت النظر إلى النمو الديمغرافي في الصين وأوروبا والهند. ولكن صحيح ايضاً أن نقرأ التراجع السكاني في الوطن العربي عبر العوامل التي ورائه. فالحروب والغزوات التي تمت ضد الوطن العربي لعبت دوراً اساسياً في التراجع السكاني. بل إن أمين نفسه من الذين كتبوا بأن الازدهار العربي كان قد قام على التجارة أو الدور في التجارة بعيدة المدى، وركز على الدخل المتأتي من الخراج وهو ما طبع التشكيلة بطابعه (التشكيلات الخراجية). وعليه، حين تراجع أو توقف الخراج كان لا بد أن يحل الخراب والفقر ومن ثم التناقص العددي. تختلف الحالات الثلاثة التي طرحها أمين من حيث الموهوبية الثرواتية، الخصب الطبيعي لتلك المناطق. وهنا لا يجد القارىء أمامه سوى مقارنة موهوبية الموقع بالموهوبية الثرواتية بمعنى أن الثانية هي تكوين المكان هي بيد المجتمع في حين أن الموقع يتطلب دوراً خارجه وليس داخله فقط، وهذا يتطلب قدرة عسكرية مناسبة لا تتأتى في ظروف ضعف الدولة.

أليس الخصب والقحط وراء التنقلات القبائلية من الجزيرة إلى بلاد الشام وحتى إلى المغارب العربية هذا مع العلم أن مجمل الوطن العربي ليس غني زراعياً باستثناء بقع هنا وهناك تشكل مصر بقعة كبيرة وما بين النهرين، وحتى هاتان المنطقتان تتعرضان اليوم لخطر العطش والتصحر لأن منابع النهار ألتي ترويهما ليست محلية (في أغلبها على الأقل). وهذا يطرح مجدداً ضرورة الدولة العربية الموحدة اي شكل بمعنى أن الاعتداء على السيلان الطبيعي للماء لا يتم إلا إذا كان الشريك ضعيفاً وهذا لا ينفي وجوب التفاوض، ليس هذا موضوع النقاش.

من جهة أخرى، أليست الموهوبية الثرواتية هي التي حددت في الوطن العربي في القطرية المعاصرة مسار تطور القطريات العربية غالباً في منحيين:

الأول: منحى تطور القطريات ذات الموهوبية الثرواتية (زراعياً) مصر سوريا العراق بشكل خاص وهي التي كانت الموئل المبكر للحركة القومية بعمومها.

الثاني: منحى التطور التابع للقطريات الفقيرة ثرواتيا وديمغرافيا وحتى المبددة سكانياً، وخاصة السعودية ومختلف قطريات الجزيرة وليبيا وهي قطريات استنامت باكرا للتبعية وحين اكتشاف النفط كانت جاهزة للدور الريعي التابع والباذخ لا سيما وان ثقافة السلطة والمجتمع قامت على اعتبار النفط لمن اكتشفه.

أمين:

خامساًَ: نعم عاشت النخب المثقفة العربية الإسلامية فى جو كوسموبوليتى فى حدود العالم العربى الأول ثم العالم العثمانى الوريث.

وكان لا بد أن تعيش هذه النخب هكذا، وأن تكون نخباً مُعوَّمة، طالما أن الدولة المركزية لم تعد عربية، وبالتالي لم تتحول او لم تلعب هذه النخب دور المثقف العضوي للطبقة الحاكمة، إن صح التعبير، فالسلطة لم تعد عربية، والنخبة العربية لم تجد لها مكاناً إلى جانبها، فكانت هذه النخبة إسلامية أكثر مما هي عربية بما أن الإسلام اصبح هو المظلة التي يحكم بموجبها كل خليفة. ربما تضيىء هذا الأقوال مقارنة النخب المثقفة في العصر العباسي الأول والثاني حين كان المثقف مثقفا عضويا للسلطة/ الدولة فكان النشاط الثقافي سواء الترجمة أو التأليف. ومع ذلك كانت كل فرقة ثقافية تتعرض للقمع من النظام الذي يعتمد فرقة أخرى. (مشكلة المعتزلة وإخوان الصفا والقرامطة) وضياع الكثير من أنتاجاتهم.

أمين:

وهنا يجدر ذكر أن هذه الظاهرة ليست خاصة بالعالم العربى الإسلامى. فإن جميع النخب فى العصور القديمة مارست كوسموبوليتية متماثلة. هكذا رأينا النخب الأوروبية تنتقل من قطر إلى آخر على مدى قرون، حينما كانت اللاتينية لغة مشتركة للثقافة. كما مارست النخب البوذية السفر والتنقل لمسافات طويلة فى الهند والصين واليابان وجنوب آسيا. إذن لا يُعد مجرد تواجد هذه الظاهرة دليلاً على أن الشعوب التى عاشت تلك النخب فى أوساطها كانت تكون “قوميات موحدة“.

ليس شرطاً أن تشكل قوميات موحدة بقدر ما أن الشرط هو الدور الذي لعبته النخب في الأنظمة السياسية الاجتماعية في كل مرحلة، وهذا ما دفعني للإشارة إلى دور النخب في العصر العباسي مقارنة مع نفس النخب في قرون الاحتلال العثماني. من المفيد الإشارة هنا إلى أن حرية تنقل النخب خلقت مناخا لتقبل الوحدة الثقافية في الصين التي لم تُجزَّأ كما هو حال الوطن العربي. وحتى أوروبا الإقطاعية، ومن ثم الراسمالية فقد بقيت منطقة مفتوحة على بعضها البعض. ألم تلعب الإيديولوجيا الدينية دورها في خدمة امراء الإقطاع من مختلف أنحاء أوروبا ليشنوا حملات الفرنجة ضد الشرق العربي؟ ألم يكن ذلك الغزو أوروبياً جماعياً؟ لذا نجد أن النهضة في اوروبا كانت “نهضة أوروبية” وليس فرنسية أو بريطانية وحسب،لقد شكل هذا الحراك المرن للنخب مناخ التبادل والتطور المتوازي في أوروبا الغربية خاصة. كان تطور أوروبا متوازيا رغم حروبها الشرسة قوميا. أما احتلالات الوطن العربي وتجزئته فقد قزمت حتى فكر النخب.

أمين:

إن إشكالية تحديد مكونات ما يمكن أن نطلق عليه اسم “القومية”، وتعريفها الدقيق، وتمييزها عن أشكال أخرى من ظاهرة “الجماعة”، وبالتالى إشكالية وجود أو غياب مثل هذه الظاهرة هنا أو هناك عبر التاريخ.. هى إشكالية معقدة أكثر مما يتصوره القوميون بصفة عامة، والكيلانى بصفة خاصة.

فالوقائع “الظاهرة” لا تثبت شيئاً، لا أن هناك “قومية (بمعنى أمة) عربية واحدة تواجدت عبر التاريخ، ولا أن هناك “قوميات قطرية” هى الأخرى كرست وجودها عبر التاريخ. فالجمع بين الظاهرتين، والتقدم والتراجع لمختلف أشكال واقع الجماعة، هو احتمال أكثر واقعية.

ليس المهم إثبات الجمع بين الظاهرتين، وكذلك التقدم والتراجع، فهذا تحصيل حاصل، لا يوجد تطور خطي ومتصل ونقي لمجتمع معين في أية فترة، كل العلاقات تمفصل صراع…الخ. هنا تكون الأهم مفاعيل هذه الوحدة/صراع بين القومي والقطري ونتائجهما ليس على صعيد الصراع الاجتماعي الداخلي بل على صعيد الارتباط بالأجنبي، بالمستعمِر كذلك.

قد يكون مفيداً أن نتابع موقف المركز من الدولة القومية والدولة القطرية. لهذا مدلوله. هل كان موقف المركز من الدولة الناصرية، بغض النظر عن محدودية قوميتها، كموقفه من الأنظمة في السعودية والأردن وغيرهما؟ ألا يحمل هذا معنى ما؟

هناك عامل آخر يفرض نفسه هنا وهو التناقض وجوباً بين القومية والقطرية، الصراع الطبقي تحديداً بمعنى دور الطبقات الشعبية صاحبة المصلحة في الوحدة مع الكمبرادور صاحبة المصلحة في التجزئة. سيكون بل هناك اصطفاف طبقي في الحالتين، وهو أمر طبيعي. ولكي لا يفهمني أمين بشكل مختلف عما أعني، فإن مصلحة، حتى البرجوازية ذات التوجه الإنتاجي التنموي تتطلب الوحدة على الأقل بمفهوم السوق الأوسع، مغايرة ومناقضة لمصلحة الكمبرادور الذي يكتفي بالسوق القطري. قد يقول قائل، وماذا يضير الكمبرادور لو كان يستورد لسوق أوسع؟ وهذا صحيح، ولكن السوق القطرية الأخرى هي كذلك مفتوحة للمركز، فلماذا لا يحافظ على هذا النمط الجديد من “الملتزمين”، هذا إضافة إلى أن سوقاً واسعة سوف تشترط بدرجة أو أخرى مستوى من الوحدة أعلى من تبعية السوق وحسب.

من هنا كان وجوب ضرب تجربة محمد علي وعبد الناصر وصدام حسين طالما هناك توجه تصنيعي إنتاجي.

أمين:

ومن ثم فمقولة أن القومية العربية أمر ثابت متواصل عبر تاريخ الشعوب الناطقة بالعربية هى مقولة ذات طابع أيديولوجى البحت. وينتمى هذا النوع من المقولات إلى ما أسميته “النظرة الثقافوية” للمجتمع والتاريخ. وأقصد بها نظرة تبحث عن “ثوابت” تظل تحكم مسيرة التاريخ وبحيث يتسم كل شعب بسمة خاصة له، مختلفة عما هى عليه عند الشعوب الأخرى. وينفى هذا المنهج من الأصل احتمال فعل قاسم مشترك يتيح الحديث عن “تاريخ الإنسانية”، بشكل عام. فالمنهج الثقافوى ينظر إلى التاريخ على أنه مشكل من مسيرات موازية تبقى خاصة بالرغم من احتمال تفاعلها.

ولقد أنكرت صلاحية هذا المنهج بقولى إن مثل هذه الثوابت لا وجود لها فى التاريخ. بل إن جميع ظواهر الحياة الاجتماعية عند جميع الشعوب خضعت للتغير، بما فيه تلك الظواهر التى تبدو “ثابتة” بسبب طابعها المقدس، وأقصد بالطبع العقائد الدينية. فالبحث عن “صحيح الإسلام” (أو “صحيح المسيحية”) هو بحث ذو طابع لا علمى. أما البحث العلمى فهو ذلك البحث الذى يدرس ذلك المجتمع الإسلامى (أو المسيحى) الملموس، ويسعى إلى كشف الأسباب التى أنتجت فهماً معيناً للعقيدة الدينية نفسها وتمفصله مع الظروف المرحلية الملموسة.

هل المسألة المركزية هي في الوجود المتواصل والمطلق للقومية أم للأمة؟ ألا توجد الأمة قبل القومية؟ وإذا كانت المسألة القومية ثقافوية بدرجة ما وهذا صحيح، فلماذا لا ينشغل أمين في مسالة الوجود التاريخي الاجتماعي المادي للأمم، ومنها الأمة العربية. والثقافة لا تنحصر في ثقافة أمة أي لا تتوحد حتى ثقافة الأمة الواحدة. فهل ثقافة الفلاحين هي ثقافة الكمبرادور؟ وكي لا نغالي فهي تتوحد بالمعنى التاريخي وتختلف بالمعنى المعاشي الطبقي. تتوحد في الفلكلور أكثر مما تتوحد في نمط حياة ومصدر حياة كل طبقة.

ربما فات أمين التنبه إلى أن إحياء المسألة الثقافوية على صعيد عالمي جاء كأحد التيارات المضادة للماركسية وتحديداً للمفهوم والواقع ومن ثم الصراع الطبقي. وفي هذا يمكن للقوميين من الطراز الذي يرد عليه امين أن يجعلوا من الثقافة أداة لخدمة الطبقات الحاكمة بحيث نبدو “جميعنا عرباً” تحت السلطة السياسية و “جميعنا عباد الله” في مكان العبادة ! ألا يجلس المليونير لبضع دقائق إلى جانب الفقير في المسجد؟ أليست هذه اللحظة هي التي جذبت ملايين السود في اميركا إلى الإسلام، وهم بالطبع لا يعرفون حقاً ما هو وضع هذه “المساواة” في دار الإسلام.

هنا يصبح السؤال الأساس أين ندير النقاش؟ هل باتجاه وجود ثقافة دائمة محددة و “مستقلة” عن الثقافات الأخرى، أم وجود أمة (من كل القطريات أو من بعضها لا يقلقني هذا كثيراً ) تبحث عن مستقبل أفضل وتناضل عبر طبقاتها الشعبية ضد الطبقات الحاكمة من جهة وضد المركز الراسمالي بالطبع. وهذا يعيد وجوب التركيز على القطع الذي فرض على تطور المجتمع العربي كمجتمع، كطبقات، لا كثقافة، ومن ثم وجوب العمل من أجل الوحدة ليس لكي تبدو الأمة العربية وحدها حاملة “ثقافة إكرام الضيف” من بين كل الأمم، بل من أجل أمة تعيش بكرامة وتخدم توجه الإنسانية إلى الأمام في مواجهة أمم، وخاصة في المركز، تعتاش على دماء الأمم الأخرى وتزعم الثقافة الواحدة التي تحاول فرضها على العالم! ربما يفتح هذا على وجوب قراءة جادة لما يسمى المجتمع المدني وخاصة في الغرب، وهل مجتمعات الاستعمار مدنية حقاً؟ لكن لهذا نقاش آخر.

إن “السمة الخاصة” للمجتمع التي يتحدث عنها وينقضها أمين مقصود بها ممن يزعمون وجودها الدائم والأبدي “التصالح الاجتماعي” اي التخدير الطبقي للطبقات الشعبية وهذا مصدر الخطر الأساسي، بمعنى تكريس سيطرة وهيمنة الطبقة/ات الحاكمة.

وأخيراً، قد تصح أو تتجلَّس مسألة الوحدة الثقافية في المجتمعات المغلقة والصغيرة، في بعض الإثنيات والطوائف،.

أمين: يتناول القوميون (والكيلانى منهم) إشكالية “القومية” تناولاً ثقافوياً ذا طابع المطلق على نمط تناول الإسلاميين لإشكالية الإسلام. فليس من الغريب إذن أن من تبقى من القوميين بعد هزيمتهم السياسية قد مالوا إلى الاندماج مع الإسلاميين فى تكتل سياسى موحد.

أعتقد ان هذا المثال قد زرع في المبنى الفكري لأمين كعب أخيل. فهو ينتقل من تعميم “القوميين” إلى تعميم الإسلاميين. وكأن التلاقي بين محيطات المعتقدات أمر يعني اندماج المعتقدين. فلا القوميون كتلة مصمتة واحدة ولا الإسلاميون كذلك. ويكفي ما اشرت إليه سابقا أن هناك قومية الطبقات الشعبية وقومية الطبقات الحاكمة/التابعة. وتكفي كذلك الإشارة إلى أن عربياً أو تياراً في الوطن العربي لم يناضل ضد التخلف والتبعية العربية لن يكون شيوعياً حقيقياً. ما قول امين في شيوعيين عرباً يفخرون حتى اليوم هم وحتى أنسالهم، أليس عجيباً حتى انسالهم، بالاعتراف بالكيان الصهيوني؟ وشيوعيين عرب عملوا مع المحتل الأميركي للعراق ! فهل كل الشيوعيين من نفس الطراز؟ ومن الذي له موقع في التاريخ بالمعنى الحقيقي للتاريخ، اي البناء إلى الأمام، حزب الله في لبنان أم هؤلاء الشيوعيون؟ وهل إسلام السلفية السعودية هو إسلام حزب الله. إن من الغرابة أن يتمسك امين بموقف عام ومعمم وتعميمي من الإسلام ليصوره كوحدة أو كتلة واحدة متخلياً عن المرونة العلمية التي تطبع أطروحاته وإنتاجه. وكأن أمين يخشى الحرج مع اليسار الأوروبي أو الغربي عموماً الذي يهتم جداً بالتقرب من امين وتقريبه إليه! ومثلما أن لا ثقافة واحدة لأمة، كذلك لا يوجد إسلام سياسي واحد ولا موقف قومي واحد لكل من هم مسلم أو قومي أو مسيحي. هل مسيحية أميركا الاتينية نسخة عن المحافظية الجديدة؟

أما بخصوص تكتل سياسي موحد بين الإسلاميين والقوميين، فالإسلاميون ليسوا تكتلاً موحداً. هل حزب الدعوة في العراق في تكتل موحد مع حزب الله في لبنان؟ تجدر الإشارة إلى أن “التكتل الموحد” بين قوميين وإسلاميين ممكن أكثر في المسألة الاجتماعية وخاصة مسألة المرأة، أكثر مما هو ممكن في النضال السياسي.


[1] قراءة كتابات عبد العزيز الدوري تغري بالبحث في هذه المسألة، مثلا كتابه: مقدمة في التاريخ الاقتصادي العربي، دار الطليعة، بيروت 1969.

[2] ناقشت هذا في كراس بعنوان: “الثورات نظرة وقراءة…لا استدارة للخلف”، منشورات لجان المرأة الفلسطينية آذار 2010 رام الله.