قراءة في كتاب هاشم صالح: “في انتظار ديكارت العربي”

مراجعة ريتا فرج

يبني الباحث السوري أطروحته «الإسلام والانغلاق اللاهوتي» حول إمكان تفكيك لاهوت القرون الوسطى في الإسلام. تلميذ الراحل محمد أركون ومترجمه، يتحرّى الانبعاثات الأولى لمدرسة التفكيك في الفكر الغربي، كمدخل لزعزعة الدوغمائية، مسلّطاً الضوء على أبرز الأطروحات الأوروبيّة التي عالجت انسدادات الإسلام

ريتا فرج

لم تصل المسيحية الغربية إلى القطع مع الإرث الديني القروسطي، إلّا بعد تحرير وعيها من الدوغما اللاهوتية مع رائد العقلانية رينيه ديكارت ومَنْ بعده. وإذا أحلنا معادلة ديكارت «أنا أفكر، إذاً أنا موجود» إلى الإسلام الراهن، لما استطعنا الكشف عن تمثلاتها، إلا عبر وجوه خاضت حروب التنوير ضد المعتقد الديني الانغلاقي: محمد أركون الذي غادرنا قبل يومين، وهشام جعيط، ومحمد عابد الجابري، وعبد الله العروي.. كلّهم جمعهم همّ معرفي واحد: إحياء الإسلام بالعقل.

«الإسلام والانغلاق اللاهوتي» (دار الطليعة)، أطروحة يمكن إدراجها تحت هذا العنوان. في كتابه الجديد، يوضح هاشم صالح رؤيته للمصالحة بين الإسلام والعلم. تلميذ أركون ومترجمه الذي تمرّس في دراسة مناهج أستاذه وتعريبها، ينجز اليوم مادّة علمية تحاول الإجابة عن سؤال إمكان تفكيك لاهوت القرون الوسطى في الإسلام. يخوض الباحث السوري في المسكوت عنه في إسلام النص وإسلام التاريخ. يتحرّى صاحب «مخاضات الحداثة التنويرية» عن الانبعاثات الأولى لمدرسة التفكيك في الفكر الأوروبي، كمدخل منهجي لزعزعة اليقينيات الدينية بغية إخراج الإسلام من أزمته.

اللافت في أطروحة صالح أنّه استند إلى شروح عدد من المفكرين الأوروبيين والعرب، من أمثال هانز كونغ عالِم اللاهوت المسيحي السويسري المتخصص في علم الأديان المقارن، وغيره. في قراءته للإسلام، لا يتَّجه كونغ إلى تبنّي مقولات المدرسة الاستشراقية الكلاسيكية ـــــ أي المدرسة التي شكّكت في القرآن واعتبرته مجرّد نصوص مسيحية ويهودية ـــــ وعبر عن رؤيته هذه في أطروحته «المسيحية وأديان العالم: الإسلام، الهندوسية، البوذية». وخلص كونغ إلى أنَّ الرسول الناشئ في الجزيرة العربية عاش تجربة السر الإلهي، داعياً المسيحيين إلى الاعتراف بحصول الوحي بعد المسيح. وأهمية كونغ كلاهوتي مسيحي، أنه لم ينكر «التعالي الديني للقرآن»، لكنّه طالب كما يشرح صالح بتطبيق «المشروطية التاريخية» على القرآن كما فعل سبينوزا في نقده التاريخي للتوراة، وريشار سيمون في نقده للمسيحية الكاثوليكية. فهل إسلام العصر هو أحوج لسبينوزا إسلامي بعدما سيطرت عليه الأصولية الحنبلية؟ ويتساءل كونغ ماذا يضير المسلمين أن يعترفوا بالحقيقة التاريخية، فالنقد سيؤدي إلى صدمة وعي عند المسلمين كما حدث في اليهودية والمسيحية.

«مرض الإسلام» عنوان استفزازي لكتاب عبد الوهاب المؤدب، لكنّه واقعي. يذكّرنا صالح بطرح المفكّر التونسي عن محاربة «المرض العضال» الذي أصاب الإسلام، أي السلفيّة المتطرفة التي يعزو صحوتها إلى أسباب داخلية وخارجية. وعلى طريقة فوكو الأركيولوجية، يتبحر المؤدب، كما يلحظ صالح، تاريخ العنف الأصولي الممتد من ابن حنبل وصولاً الى بن لادن. ويسأل الانغلاقيين: ماذا فعل ابن حنبل كي يطمس كل ذلك ويقدِّم صورة نموذجية عن السلف الصالح؟ وما معنى اندلاع الخلافات بعد موت الرسول؟ وأن يموت الخلفاء، عمر، وعثمان وعلي، قتلاً؟ محاربة التراث بالتراث، أي محاربة الجزء المريض المتعصب منه بالجزء المستنير والعقلاني المنفتح، شكَّلت منهجية المؤدب، متبعاً منهجية روسو حين قال «إنّ العلاج موجود في المرض نفسه»، كما يلفت صالح.

من جهته، يجيب الباحث الفرنسي وأستاذ التاريخ المقارن في جامعة السوربون ميشال دوس عن أكثر الأسئلة تعقيداً: هل القرآن عنيف؟ مؤلف كتاب «الله في حالة حرب. العنف في صميم الأديان التوحيدية الثلاثة»، يسأل كيف يمكن المواءمة بين مسيحية التسامح وإسلام الجهاد وقتل الكفّار؟ ويخرج بنتيجة «أن الجهاد يعني ممارسة الجهد الروحاني وليس له أي استخدام عنيف في القرآن، ولم يبدأ المسلمون باستخدام الجهاد بالمعنى الحربي إلا بعد شنّ المسيحيين للحروب الصليبية المقدسة في نظرهم». لكن آيات القتل الموجودة في النص المقدس (ترد كلمة قتل ومتعلقاتها 51 مرة في القرآن) والمشروطة بالاستخدام القرآني، يستخدمها الأصوليون في أعمال عنف إرهابية. هذا ما يسعى دوس الى توضيحه، كما يخبرنا صالح، من خلال مقارنة العنف القرآني والعنف التوراتي. إله التوراة هو رجل حرب، «الرب رجل حرب، الربُّ اسمه» هذا ما جاء في سفر الخروج (وردت كلمات الحرب والمحاربين والمعارك حوالى ألف مرة في التوراة). ويستنتج دوس «وجود تواطؤ للإله الواحد أي إله الأديان التوحيدية مع العنف والحرب»، مع فارق أن عنف المسيحية أقل وطأة، لكنه موجود في إنجيل متى «… ما جئت لأحمل سلاماً بل سيفاً».

تعود أهمية «الإسلام والانغلاق اللاهوتي» إلى اعتماد صالح على المناهج التي استخدمها محمد أركون في تحريكه للمسكوت عنه، وتعريفه القارئ العربي على أهمّ الأطروحات الأوروبية التي عالجت انسدادات الإسلام الراهن من زاوية موضوعية، وتأكيده أهمية المواءمة بين الإسلام والحداثة لدحض الاتجاهات الأصولية. والأهمّ من هذا كله عمله الدؤوب، لتظهير العقلانية الديكارتية التي عرفها الإسلام مع فرقة المعتزلة، وامتداداتها المعاصرة عند العقلانيين العرب وإن ببطء شديد.

:::::

المصدر: “الاخبار”، ١٧ أيلول ٢٠١٠|

http://www.al-akhbar.com/ar/node/206537