ألخنثى

حنظلة

المعنى الشائع والأوّلي للخُنث، أنه حالة خَلقية محايدة بين الأنثى والذكر. فالخنثى شخص اختلطت فيه صفات المشاهدة، بين الأنثى والذكر، فيحتار فيه الرائي كيف يعده أفي الذكور أم في الإناث. وهو في الحقيقة لا مع هؤلاء ولا هؤلاء. إن قلت فيه أنه ليس رجلا أصبت، وإن قلت فيه أنه ليس أنثى أصبت. أما إذا نسبته إلى جنس بعينه فقلت هو رجل فقد أخطأت، وكذلك إذا قلت أنه امرأة. فجوهر الذكر أنه مُوَلِّد، وجوهر الأنثي أنها وَلاّدة، والخنثى خال من الحالتين. أي أنه مخلوق حيادي لا وظيفة له في التكاثر. ولا بد هنا من الإشارة إلى أن الخنثى يختلف جوهريا عن المخنث والمتخنث. فالأول خنثى بالخلقة رغما عنه، بينما الثاني والثالث مخنث أو متخنث بالطبع أو الإرادة وحدهما.

والخنث استعارة ورمزا، يشمل كل أنماط السلوك المريض، التي تصيب البنية الفردية والجماعية. فمنه الخنث الإجتماعي المتمثل قي توقف المجتمع عن الحركة التطورية والإنتاج العلمي والثقافي والإبداعي. ومنه الخنث السياسي، وهو متعلق بالأول، ويتمثل في السكوت على استباحة الحقوق المادية من مصالح وأوطان، والحقوق المعنوية من كرامة وطنية وقومية وإنسانية. فهناك الدولة المخنثة التي هي قائمة لصالح غيرها، ومنها الأمة المخنثة التي غادرت كل شعور بالعزة، وأصبحت كالسبية توطأ بدون أجر. وهناك نوع من المخنثين يسمونهم المخنثين الدوليين، مثل بعض الحكام الذين يعملون بأجر من عائدات بلادهم.

ويعتبر الخنثى أكثر الكائنات إثارة للنفور. وكانت العرب الجاهلية لا تصاهر القبيلة التي فيها خنثى، لأنها كانت تعتبر الخنث نوعا من المسخ. تصوّر بعد ذلك قبيلة كل من فيها خُنث، كيف سيكون حالها مع القبائل الأخرى لو حدث ذلك. كانت القبائل – فيما يصور المنطق – ستقوم على هذه القبيلة وتبيدها. ولكن الله بحكمته جنب الجاهليين هذا الإبتلاء، ولم يظهر الخنث الجماعي إلا بعد الإسلام، لأن الإسلام يحمي الخناث والمخنثين ويمنع قتلهم. والمسلمون لا ينفرون من الخناث أو المخنثين أو المتخنثين، باعتبارهم عبرة إلهية، وأن فيهم فضلاء في الفقه والعلم، وإلا لكانوا نفروا من ” الشيوخ ” جمعاء وقتلوهم.

ويقول منطق العدل أن الخنثى خلقة ليس له ذنب. فهل يلام على صنعة الله أحد؟ وهل خُيّر المبتلى فاختار ما هو فيه؟ ولكن ليس كل خنثى من النوع الذي مر. فهناك المخنث والمتخنث، ( ولا يقال له الخنثى ) الذي خلق سويا، لكن التربية ووضاعة النشأة واضطهاد الأقران له، أو الإصابة بعاهة نفسية، صيرته، إلى تقليد طبع المرأة إن كان رجلا، أو تقليد طبع الرجل إذا كان امرأة. وهذا مسؤول عما اكتسب امام الله وأمام الناس. فلو صارع وعيه بعقله، وتمسك بما فطره الله عليه لنجا. ولكنه استسلم لعبث النفس المريضة وأطاع ضلاله، فكأنه يستأنف، بما يصنعه، على إرادة الخالق. فهذا يستحق أن يضرب بالحذاء.

والمخنث سيكيولوجيا وليس جسديا، يكون مدفوعا أكثر ما يكون، بحب الخمول والسلامة وتجنب مسؤوليات السّوِيّة. ولا يشترط فيه أية علامة جسدية من علامات الخنت. فقد يكون طويلا عريضا مشوربا جهوري الصوت، ولكنه رخو جبان يفر عن بيته واسرته وأرضه لينال السلامة. وأحيانا يكون ملكا أو حاكما فحلا، لا يسلم من شبقه جارية ولا صبي. ويكون ظالما للرعية يقتل على الشبهة. ولكنه حينما يحضر مجالس أمثاله من الملوك أو الحكام، يستخذي كالمغتصبة. وإذا صرخ فيه القوي لحقه الحيض، وقال له متخنثا : ” أنا جاريتك إن شئت، وإلا فأنا حمارك أو بغلتك، وإذا رغبت فأنا نعلك إلى بيت الخلاء. ملكي ملكك، وبلادي بلادك، وشعبي شعبك، فأنا ميراث فضلك، وطليق عفوك، وصنع يديك. لا إله سواك ولا عبد سواي. ” فيقول له القوي : ” إذهب وأطعم الكلب وأحسن خدمته “. فيهب واقفا وهو يقول : ” وكيف لا أفعل وهو أخي؟ ” فيصرخ الطاغية : ” لا تقلها مرة أخرى! هو سيدك وليس أخاك.إياك أن أسمعك تقول له يا أخي! قل له : يا سيدي! ” فيقول وهو لا يدري ما يقول : ” نعم، يا سيدي!”.

لا يوجد في اللغة كفاء قدر هذا المخلوق غير ما قاله الفلاسفة ” المخنث هو الموجود بغير وجود “. ولكن الفقهاء، يدعون له في المساجد، طاعة لله في اتباع أولى الأمر. ونرى هذا الحاكم شعبه مثله على الأغلب، يتخنث الضعيف للقوي. وتتخنث دولتهم للدول، وحميرهم لحمير الغرباء. وكلابهم لكلاب النواحي.

سئل في شأن الخنثى، واعظ متخنث يشهق في كلامه، ويتقصع كالأنثى المبتذلة، ويبتسم إعجابا بنفسه، كما يفعل مخنث سياسي معروف يقدم برنامجا في قناة الجزيرة، فقال فيه كلاما لوقيل في نبي لأعجبه. قال وهو يشهق ويتقصع ويضحك طربا للسؤال : ” ألخنثى خلق كريم على الله، يجزيه يوم القيامة عن خنثه في الدنيا، سبع وسائل للذة الذكر، وسبعا للذة الأنثي. فكما جمع فيه في الدنيا حرمان الذكر والأنثى، يجمع فيه في الآخرة لذة الذكر ولذة الأنثى “، ثم شهق وأغمي عليه. وقد تسبب قوله، لعنه الله، وحرمه لذات الدنيا والأخرة، في تخنث الملايين من سامعيه من من المسلمين رجالا ونساء. وقد صلى هذا الخسيس الجمعة بالناس يوم الأربعاء الماضي، ثلاث مرات في ثلاثة مساجد في المحروسة، فجاء للصلاة وراءه خلق كثير ملأوا باحات الصلاة، والشوارع الموازية، والأكثر ممن جاء لم يجد له مصلى، فوقف في الحر الشديد ليسمع الخطبة. وقد نشرت الخطبة ووزعت كتابة على الناس. وفيها أعاد الواعظ المخنث فضائل الخنث، وفتن الخلق بما أعاد وزاد. وكان دعاؤه في آخر الخطبة أن صاح : “اللهم اجعلنا أمة خنثى، واهد ولاة أمورنا إلى اتباعه، لتتم علينا وعليهم نعمة الإسلام، إنك مجيب الدعوات. يا مغيث أغثنا! يا مخنث خنثنا! قولوا آمين، ويلكم! ” وقالت الألوف المؤلفة بخشوع منغم…آمين! فلا الصوت السيمفوني، ولا حفيف أجنحة الملائكة حول العرش! وطرب الداعية المخنث طربا يشبه نشوة الصوفي، فرمى ما بيده ووقف يرقص على المنبر بقامته الفارعة، ويصفق بيديه ويردد منغما : وكمان آمين، وكمان آمين، وكمان آمين، والناس تفعل فعله، حتى اهتزت بهم الأرض.

وقد يستغرب البعض الكتابة في موضوع كالخنث. ولكن أردت أن لا أحرم الناس فضل عقلي، بعد أن أصبحت الكتابة في السياسة، بالنسبة لي حراما مثل الدم والميتة ولحم الخنزير. وقد آليت على نفسي ألا أقارفها حلالا أو حراما. وقد فكرت بشيء أكتبه ليس فيه سياسة، فلم أجد. تصوروا أني كتبت عن الحمار، فهل سأجد غرضي؟ كم رجل سياسة يسميه خصومه حمارا؟ ألم يقل سياسي إسرائيلي عن رئيس عربي رفض استقباله أن ” الحمار يحب الشعير أكثر من الحديث في السياسة ” فقال له رئيسه : ” ليس عندما يقابل حمارا آخر “. فقال السياسي :” ولكن لماذا يحب مقابلتك ويرفض مقابلتي؟”. فأجاب الرئيس : ” إنه لا يعرف الحقيقة “. ورد السياسي : ” الأن فهمت! إنه يعرفك حق المعرفة “.

وشعرت بيأس مطبق عندما تذكرت حادثة “زائدتي الدودية “. ذهبت عندما كنت في مقتبل العمر إلى المستشفى لإزالة الزائدة الدودية. فقال الجراح الأشكنازي للممرضة وهو يقرأ تقرير الطبيب الذي أحالني، مندهشا : ” وهل للعربي زائدة دودية؟”. ولم يكن يعرف أن الممرضة عربية من الناصرة، فردت عليه بخبث : ” العرب كلهم زوائد دودية. ألم تعرف ذلك؟ ” قال الطبيب : ” ولماذا أهاجر إلى هنا لو عرفت ذلك؟ قالوا لي بأن لدي فرصة للتعامل طبيا في فلسطين، مع أناس ليس لهم زائدة دودية ” وسألته الممرضة : وماذا بعد أن عرفت الآن. هل ستعود إلى رومانيا؟ ” فقال وماذا بقي لي هنا؟! ولكن علي أولا أن أطلب تعويضا من الوكالة. لقد خدعوني! “. وأخبرتني الممرضة بعد ذلك، أنه ذهب إلى الوكالة محتجا فقالوا له : ” في أية سنة هاجرت؟ ” قال : ” قبل أقل من شهرين “، فأخبروه أن جميع العرب أزالوا زوائدهم الدودية سنة 1948، كي لا يذهبوا إلى الحرب. وسألتها إذا كان قد عاد إلى رومانيا، فقالت أخبرني أنه قرر هجر مهنة الطب، وهو يعمل الآن حمالا في الميناء ليجمع ثمن تذكرة العودة. فإذا كانت زائدتي الدودية من المباحث الجوهرية في سياسة الوكالة اليهودية، فأين سأجد موضوعا بدون سياسة؟ وأخيرا قررت أن أستشير أخي وصديقي د. عادل سمارة. فهو ممن يحملون النكبة بسهولها وجبالها ومدنها وقراها، وفلسطينييها ورومانييها، وروسييها وفلاشييها، وشهدائها، ومطبعيها، على كتفيه. قلت له :

– لا أريد أن أكتب في السياسة!

قال مستاء :

– أكتب عن الغرام إذن!

قلت :

– لا أحب الكذب! وقد هجرني الحب وهجرته.

قال وهو يوليني ظهره :

– أكتب عن لا شيء!

فتشبثت به وقلت كالغريق :

– حاولت والله ولم أنجح! حاولت الكتابة في اللامعلوم على اعتبار أنه ليس شيئا. فوجدت بعد تدبر أننا لم نكتب في تاريخنا الهجري كله شيئا عن المعلوم. وأن اللامعلوم لكثرة ما كتبنا عنه أصبح معلوما.

وصاح بي محتارا :

– أنا دكتور في الإقتصاد السياسي. وبما أن الإقتصاد وراء كل شيء في الدنيا. إذن لا يوجد شيء ليس فيه سياسة، ولا توجد سياسة عن لاشيء. ولا أستطيع إفادتك، أو أن أحدا آخر يستطيع ذلك. ثم أضاف مغتاظا :

– ما رأيك لو تكتب عن الموت.

قلت يائسا وكأني أكلم نفسي :

– وهل السياسة اليوم غير قتل الناس؟

وأخيرا قررت أن أؤلف كتابا جامعا في حكاية الفلسطينيين أكتب فيه حتى عن السياسة، ولكن بدون أن أتدخل في النكبة. أي أن أتخنث مثل غيري. واخترت له إسما عاميا باللهجة المصرية العذبة، وسميته ” ألف نيلة…. ونيلة “. وهذا الذي بين أيديكم هو أحد أبوابه. فإذا وافق ما فيه هواكم، سررت بذلك. وإن لم يوافق هواكم لن أحزن. فمن أنتم في النهاية، ومن أنا؟