عربوش في ركاب “السيدة من تل أبيب”:

فلسطيني بلا ذاكرة يقدم أوراق اعتماده

محمد الأسعد

يمكن تلخيص رواية “السيدة من تل أبيب” لربعي المدهون بهذه السطور القليلة: عربوش يطير من مطار هيثرو حاملا جنسية بريطانية إلى مطار اللد مؤكداً منذ البداية أنه ذاهب إلى “مطاربن غوريون في تل أبيب”، ربما خشية من اتهامه بأنه “فلسطيني غير متحضر”، فلسطيني يتذكر أن هناك حركة صهيونية تستعمر وطنه، فلسطيني يتذكر أن شعبه ما زالت أراضيه تُسرق وتُهدم بيوته ويُقتل أطفاله منذ أكثر من ستين سنة وحتى الآن. الهدف هو زيارة أمه التي لم يرها منذ 38 عاماً. وحتى تكتسب هذه الرحلة كل مستلزمات “العربشة الحضارية”، يأتي بممثلة إسرائيلة إلى مقعده المجاور، ويمضي عبر أكثر من 70 صفحة في سرد حوار مصطنع لا يرسم سمات فكرية مقنعة لشخصين من لحم ودم، تارة بينه وبينها، وتارة منفردا بنفسه تحت عنوان (هو) أو يجعلها تنفرد بنفسها تحت عنوان (هي)، وتتناثر بين سطور الرواية عبارات عبرية بلا سبب سوى سبب ساذج كما يبدو، وهو اعتقاد الكاتب أن نثار الكلمات العبرية يكسب شخصياته اليهودية سمات الشخصيات الحية، أو يكسبه ميزة على غيره من الكتاب الفلسطينيين الذين لايستخدمون الكلمات العبرية. ويصل العربوش إلى غزة بعد مرور مرهق على حاجز بيت حانون إلى أمه وإلى أقاربه، متذكرا صباه وأصدقاءه ومستمعا ومشاهدا لما حوله بأذنين وعينين مصممتين لتسمعا وتشاهدا ما يود الكاتب تأكيده كما سنرى. في خيال القادم من لندن قصتان، قصة فلسطيني من ألمانيا (عادل) جاء إلى غزة بحثا عن حب قديم له، وقصة حب إسرائيلية الطائرة (دانا) لإبن زعيم عربي (نور الدين) تلتقيه سرا في أماكن متنوعة تارة في روما وتارة في لندن، وهي قصة لاتكتسب قواما من أحداث ذات دلالة أو مواقف ذات معنى بقدر ما تظل شبه مجموعة أخبار صحافية. وتنتهي الحكاية كلها بعودته إلى لندن، وعودة الإسرائيلية أيضا، على موعد لايتحقق، لأن الأخيرة تقتل كما تقول صفحة في جريدة، بينما يبتلعه النفق حالما يغلق قطار الأنفاق أبوابه.

العربوش هي لفظة ساخرة محقرة يطلقها الصهاينة على الفلسطيني والعربي بعامة، وقد صادفتها في كتابات أمثال الروائيين الصهيونيين” عاموس عوز” و” عاموس كينان”، ويبدو أنها من إبداعات العبرية الاشكنازية، ولكن لم يخطر ببالي أن تتقمص شخصية روائية فلسطينية، وكاتبها أيضا، مثل هذه الشخصية بكل ما تحمله من صفات كاريكاتورية مضحكة أصبحت من سمات الفلسطيني “الجديد” الذي أبدعته تدريبات وأموال الجنرال الأمريكي “دايتون”، وتأوهات شعراء بلاط منظمة التحرير الذين تعيشوا على قوائم مدفوعاتها المالية، ونهم رجال البزنس المتكأكين حول صحن سلطة الإدارة الذاتية في رام الله. لم يكن يخطر ببالي أن يحول كاتب فلسطيني المستعمر الصهيوني إلى إنسان كامل الأوصاف، ويجرد الفلسطيني من كل سمة تمت للإنسانية بصلة، لمجرد أنه حصل على جنسية بريطانية، وطار آمنا بجواز سفره من مطار هيثرو إلى مطار “بن غوريون في تل أبيب” من دون أن يعرف أن هذا اسمه مطار اللد، وأن الصهاينة ألصقوا به اسم بن غوريون، كما ألصقوا بفلسطين الاسم الزائف “إسرائيل”، بل ومن دون أن يعرف حتى أن هذا المطار يقع في ضاحية من ضواحي اللد وليس تل أبيب، فرحا باكتشاف أن ” البيت الواحد يمكن أن يلقي ظلين” حسب اقتراح رفيقة السفر الاسرائيلية المرحة والحساسة، والمجندة السابقة، والبريئة جداً. صحيح إن البيت يمكن أن يتسع لاثنين وأكثر كما تشير الاستعارة، ولكن من المحال أن يتسع للصوص وأصحاب البيت في وقت واحد معاً. والبيت الفلسطيني، وكل بيت في الدنيا على أية حال، لايلقي إلا ظلا واحداً، وكذلك تفعل شجرة الزيتون والجبل والتل والإنسان.

قد يقال إن هذه إلا شخصية روائية، عربوشية أو ما شئت من أوصاف، وأن الكاتب ليس مسؤولا عن الشخصية التي يرسمها وأفكارها مهما بلغت من التفاهة والسخف، وإن بطل الرواية “وليد دهمان” ليس هو الكاتب “ربعي المدهون” بالضرورة، ولكن هذا الظن سرعان ما يتبدد بدليلين؛ الأول خارجي من اعتراف الكاتب نفسه مزهوا بأن ” وليد هو البطل وسيرته موضوع الرواية، وهو المؤلف، وسيرة عادل البشيتي موضوع رواية أخرى يكتبها” ( الدستور الأردنية، حوار، 8 نوفمبر 2009)، والدليل الثاني داخلي نستمده من أسلوبية السرد والسمات الفكرية للسارد التي لاتتمايز، بل تفرض نفسها على كل الشخصيات، مما يقطع من جانب بوحدة الخطاب رغم تعدد الألسنة، وبفشل فن الكاتب الروائي في أن يخلق عالما مستقلا بكواكبه ومداراته من جانب آخر. والطريف أن الكاتب ينسب هذه السمات العربوشية إلى نفسه بوضوح حين يكرر في الحوار نفسه مع صحيفة الدستور رؤية بطله “دهمان” في الرواية لحل ما يراه وتراه المجندة المرحة ” ظلين لمأساتين اجتمعتا في مكان واحد” : ” تعايش شعبين على أرض واحدة، ظلان لبيت واحد كما تقترح الرواية”.

* * *

تبدأ هذه الشخصية العربوشية حكايتها، التي هي شخصية الكاتب نفسه وأطروحته كما يخبرنا، بهذه السطور الدالة:” غداً صباحاً يصل وليد دهمان إلى قطاع غزة. لاتصدق أمه الخبر. تعتبره إشاعة، خرافة، مثل عودة الفلسطينيين إلى بلادهم”. وكقاريء يتبادر إلى ذهني السؤال : من القائل هنا؟ من الذي يتحدث من خارج سياق حياة الفلسطينيين” عنهم” كما هو واضح، ويصف حقهم في العودة إلى وطنهم بالخرافة؟ ليس الأم بالطبع، لأن الأم لا تذكر أو تتذكر ابنها بصيغة ” غداً.. يصل وليد دهمان”. المتحدث هنا هو الكاتب ووليده الذي يختفي وراء اسمه مرة، وينطق باسمه مرات، ويخرج في سبيله ما استطاع من سياقه كفلسطيني وينظر إليه من الخارج، ربما اعتقادا منه أن هذا هو الفن الروائي على أصوله، فن يخرج به على “الرواية الفلسطينية التقليدية”، كما يزعم، رواية العودة التي وصفها بالخرافة، ويجعله مبتكر “الحكاية الفلسطينية”.

لا أدري لماذا أصبحت عودة الفلسطيني إلى أرضه خرافة، هل لأن الاستعمار الصهيوني طال أكثر من اللازم؟ هل لأن الفلسطيني توقف عن المطالبة بحقه في العودة؟ هل لأن مقاومته طيلة أكثر من قرن تبددت؟ هل لأن السيد الكاتب وصل سن اليأس؟ لا العربوش دهمان ولا الكاتب العربوش الذي لا يكلف نفسه حتى التستر وراء بطله، يجيب على هذه الإسئلة. فقط، أصبحت لديه “عودة الفلسطينيين خرافة”! هذه المقولة التي يبدأ بها الكاتب روايته متوهما أنها مقولة مبتكرة، لا تفاجئنا، فهي ليست ابتكاراً خاصا به ولا بالسيد دهمان، فهي منثورة في الأدب الصهيوني منذ سنوات، ولم يفعل الكاتب سوى أن استعارها كما استعارها فلسطينيون فقدوا ظلالهم. كذلك لايفاجئنا تكراره لكلمة “الانتحاريين”، وشطبه الكامل لكلمة “الشهداء” حتى من ألسنة الناس الذين قد لا يشاطرونه رأيه العربوشي هذا، فهذه هي مصطلحات الصحافة الغربية والصهيونية، وهل يتصور أنه يأتي بجديد حين يسخر من الصلاة والمصلين، ويسمي حركات المقاومة ميليشيات مسلحة؟ أليست هذه هي ذاتها لغة المستعمرين الصهاينة وخدمهم من العربشيم الذين يقودهم الجنرال دايتون؟

هكذا يستعير الكاتب لغة معروفة ومبذولة ومبتذلة، معتقداً أنه يكتب “الحكاية الفلسطينية”، بعد أن لاحظ، كما يقول في حواره المشار إليه مع صحيفة الدستور، خلال إقامته الطويلة نسبيا في بريطانيا (16 عاماً) “حضور الرواية اليهودية بقوة” واستوقفته “حكاية آن فرانك المؤلمة” وصدمه “غياب الحكاية الفلسطينية” !!

بالطبع حضور الرواية اليهودية بقوة في الثقافة الغربية أمر معروف ولا تحتاج معرفته إلى إقامة طويلة نسبيا في بريطانيا، ولكن المجهول بالنسبة للكاتب المتعربش على هذه المعلومة التي اكتشفها متأخرا جداً، أن الحكاية الفلسطينية ليست غائبة في اللغة العربية وليست غائبة في وسط ملايين الفلسطينيين الذين تتوفر حكاياتهم في مئات التسجيلات والمواقع الالكترونية. فهل يعرف الكاتب على سبيل المثال سميرة عزام؟ هل يعرف غسان كنفاني؟ هل يعرف إميل حبيبي؟ هل يعرف سليم الفحماوي؟ هل يعرف إبراهيم نصر الله؟ هل سمع بابراهيم زعرور؟ هل وصله خبر محمد القيسي؟.. وعشرات غيرهم؟

إذا كان المقصود غياب الحكاية الفلسطينية في الثقافة الغربية إلا في ما ندر، فهذه واقعة صحيحة، وأسبابها معروفة أيضا، لأن الحرب على الحكاية الفلسطينية توازي الحرب على وجود الفلسطيني على أرضه، وتخوضها الصهيونية وأنصارها في عالم الغرب بشراسة، كما بدأت تخوضها مع الصهيونية جنبا إلى جنب عصابة رام الله (العربشيم) متذرعة بالحجة السخيفة ، “إنها تعرقل عملية السلام”، كما زعمت في محاولتها طمس مفاعيل “تقرير غولدستون” عن جرائم الصهيونية، وكما تزعم في تصديها لكل محاولة أممية لمقاطعة مؤسسات الاستعمار الصهيوني، أو لكسر الحصار على غزة. ولكن “الحكاية الصهيونية” ومقولاتها ليست هي الحكاية الفلسطينية بالتأكيد.

الحكاية الفلسطينية موجودة، ومترسخة في وجدان هذا الشعب، إلا أن الكاتب المسافر من مطار هيثرو إلى “مطار تل أبيب” غير الموجود إلا في خياله، لا يعتقد كما يبدو أنها جديرة بالذكر، وربما سيطالب بإحراقها وإعدامها حتى تجد “روايته”، رواية “الفلسطيني” الذي تحول إلى عربوش، طريقها إلى الناس، وحيدة وفريدة من نوعها، وليتسنى له القول، كما قالت عصابة العربشيم، هذا هو الفلسطيني حقا، وليس ذلك الذي تتحدث عنه أمهاتنا وترويه مسيرة المقاومة الدامية منذ أكثر من قرن.

* * *

هذه الرواية “الفلسطينية”، المستمدة خلفيتها الفكرية من الأقاويل الصهيونية وأقاويل العربشيم الذين يقفون في خدمتها، ليست فضاءً روائيا حراً، تتعدد فيه الأصوات والرؤى، بل هي جملة أحداث مصممة بناءً على فكرة مسبقة تستولي على كيان الكاتب نفسه، وجاءت لتقول هذه الأفكار المسبقة، لا لتستكشف وتتفهم وترى وتتأمل. وتتردد هذه الأفكار وتؤكد نفسها داخل السياق السردي، وتتكرر في لقاءات الكاتب وحواراته. أبرز هذه الأفكار “أنسنة” المستعمر الصهيوني الذي لا يستخدم الكاتب صفته هذه الدالة على واقعة وجوده على أرض فلسطين، أبداً. بينما لا يتأخر في المقابل عن إخراج الفلسطيني من خصائصه الإنسانية.

يكتب واصفاً “دانا” فتاة الطائرة التي لم يمض على تعرفه عليها إلا دقائق:

” تقول بمرح، وتقرصني في ساقي القريبة منها، وتضيف “ذكرني جنونك أيها الفلسطيني بجنون السينما، المسلسلات التلفزيونية وبعض سيناريوهاتها الغربية التي شاركتُ بها.. تتوقف للحظات. ترفع رأسها، تحدق في المصباح الباهت المعلق فوق رأسينا، ثم تعود وتلتفت إليّ وتضيف “لمع في ذهني عنوان جميل لروايتك التي لم تزل في بطن أمها “ظلان لبيت واحد”.. ما رأيك؟”.

من العبث بالطبع البحث عن هذا الجنون المزعوم الذي بعث كل هذا المرح، فهو لايعدو فكرته عن تخيل شخص آخر يشاركه رحلته ويدخل في روايته، ولكن اللافت للنظر أن الكاتب في المقابل لا يرى في أمه ذاتها إنسانة تمتلك يدين وعينين ولساناً ومشاعر، فهي كما يصفها أشبه بدمية خشبية:

” تتربع مثل تمثال لبوذا على فرشة قطنية صغيرة مدت فوق حصيرة من القصب. قبضتها تحت ذقنها تماماً (ليس مهماً قبضة أي يد تكون، فهي تستبدلها من وقت لآخر) تسند رأساً صغيرة يشبه بطيخ القرارة، وتبقيه معلقاً فوق عكاز من لحم وعظم ينتهي بكوعها مدفوناً في ساقها. تبقى على هذا الحال بعض الوقت، وحين تشعر بالتعب وبملل ذراعيها، تريحهما في حجرها”.

هذا النهج في “الأنسنة” وما يقابلها من نزع إنسانية الفلسطيني، يتواصل في كل صفحات الرواية، ويتخذه الكاتب، ليس في وصف الأفراد فقط، بل والجموع البشرية أيضاً. حين يصل إلى قاعة المطار ويشاهد الإسرائيليين يتطلع بدهشة “إلى أناس عاديين، يتناول بعضهم وجبة إفطار، وآخرون يرتشفون القهوة، متناثرين على مقاعد عدد من المقاهي الصغيرة الجميلة، الموزعة بعناية داخل دائرة تشعل رغبة المسافر في البقاء ضمن حلقتها” ويشعر بالألفة.

من المؤكد بالطبع أن هاهنا أناسا عاديين، بشرا، ولكن لماذا لايكون أهل غزة في نظر الكاتب أناساً عاديين يشعر بينهم بالألفة؟ إنهم كما يراهم أناس بلا ملامح : ” تجولت في شوارع اكتظت ببشر يزاحمون السيارات والعربات التي تجرها الحمير، وسيارات الميليشيات المسلحة، تقل أناساً مقنعين يراقبون المارة من ثقوب صغيرة في أقنعة رؤوسهم السود. شعرتُ بي وحيداً لا أعني أحداً، ولايعنيني أحد”.

ويعمق الكاتب رؤيته للفلسطينيين، المقتلعين من أرضهم، وسكان غزة الأصليين، ومأساتهم المتواصلة منذ العام 1948، مرورا بالعام 1976، بوصف لايمكن نسبته إلا إلى متبلد لم يفقد ظله فقط بل وفقد ضمير الكاتب الذي تحدثت عنه الأمريكية/ الأفريقية “آليس ووكر” حين زارت قطاع غزة: ” فقدتُ سعيد دهمان، أعز أصدقاء طفولتي وصباي وشبابي الأول برصاصة طائشة، مات زوج ليلى دهمان برصاصة طائشة، مات زوج ليلى دهمان الثانية برصاصة مماثلة. كأن الحياة في قطاع غزة مرحلة طائشة، يضع نهايتها موت متجول يختار ضحاياه بالصدفة، وموت مخطط له يذهب إليه الراغبون فيه بإرادتهم، وموت عشوائي تقرره العلاقات بين المليشيات المسلحة. مليون ونصف فلسطيني يتزاحمون على العيش الطاريء في حياة طارئة. يعيشون من أجل الموت الذي مضى والموت الذي يأتي”.

بالطبع هناك موت برصاص طائش، ولكن حين تصبح هذه التفاصيل هي الصورة كلها، لايملك القاريء إلا أن يتساءل عن حرص الكاتب على إخفاء الغابة بشجرة واحدة من أشجارها، أعني حرصه على تجنب حتى الإشارة إلى كارثة الاحتلال والحصار الإسرائيلي والعربي والدولي لهذا القطاع، وما يوقعه بالفلسطينيين من مآسي بعد أن أجبروه على تفكيك مستعمراته والرحيل عن قطاع غزة، وبعد أن اختاروا أن لايسلموا له بأي حق له في قراهم ومدنهم التي اقتلعهم منها.

الجواب، الجواب على “الأنسنة” الحولاء التي يمارسها الكاتب، وعلى إغفال الصورة الشاملة للوضعية الفلسطينية، نجدها في سياق السرد نفسه، فهو حين يتحدث عن أهالي قرية بيت دراس لا يرى فيهم إلا عائلات هاجرت من قرية بيت دراس: ” يقع بيت محمد خديجة خلف بيت وليد مباشرة في مجمع يضمهما وبيوت تسكنها عائلات هاجرت من قرية بيت دراس”. ! لاأدري إن كان هذا الكاتب يعرف أن عائلات بيت دراس ليسوا مهاجرين شأنهم في ذلك شأن أي مهاجرين يبحثون عن عمل، بل هم ضحايا مجزرة صهيونية ارتكبها لواء يسمى “لواء جفعاتي” في 11 مايو 1948، فقتل من أهلها العزل من قتل، وطرد من بقي حياً، ثم دمر بيوتهم تدميرا كاملا؟

هذه القرية تبعد 32 كم شمال شرق غزة، ولا أعتقد أن أي موسوعة فلسطينية أو أي ذاكرة أم من أمهات سكانها لا تعرف ما حدث، أو تزعم أن أهلها مجرد مهاجرين إلى غزة. ويتكررالأمر مع قرية أسدود التي استولى عليها المستعمرون الصهاينة، فيقول الكاتب أن عائلته “هاجرت منها خلال الحرب إلى قطاع غزة مع من هاجر من جنوب فلسطين واستقرت هناك”.

هذه اللغة، لغة أنهم “هاجروا” أو “سافروا” أو “اختاروا الرحيل” توقف حتى الباحثون الصهاينة عن استخدامها في وصف مجازر الصهاينة واقتلاع الفلسطينيين من مدنهم وقراهم بالقوة وسرقة أراضيهم، ولم تعد تحاول ترسيخها في الأذهان وتشيعها في الأوساط العالمية سوى عصابة “العربشيم” في رام الله ومن والاها من المنتفعين بوجودها ومكاسبها المالية، ولايجدر بكاتب فلسطيني مجاراتها، والتنكر لذاكرة ملايين الفلسطينيين بحجة أنه يريد كتابة “الحكاية الفلسطينية”.

* * *

هنا نسق فكري مقرر مسبقا يجعل مناقشة بنية فضاء هذه الرواية التقاني عملا لامعنى له، لأنه فضاء محكوم مسبقا بانحيازات الكاتب، إضافة إلى أنه فضاء تقليدي تمتلك فيه الرواية بداية ووسطا ونهاية، ويجري فيها الزمن على إيقاع الزمن الشمسي. ورغم محاولة الكاتب جعل السرد متناوبا بين الحديث بوساطة ضمير المتكلم صاحب السيرة تارة، هو أوهي، أو الشخص الثالث الغائب أو ضمير الراوي تارة أخرى، في محاولة لإيجاد ما يسمى تعدد الأصوات، إلا أن هناك صوتا واحدا مهيمنا هو صوت الكاتب ذاته، ويظهر هذا في طرائق التصوير والتعبير وزوايا الإلتقاط، وموضع الاهتمام، واللغة التقريرية القريبة من لغة التقارير الصحافية لا لغة التجارب الحية.

ولأن الكاتب عبر عن نفسه في عدة مواضع، مواضع في الرواية ومواضع في التصريحات الصحافية، وكان هناك تطابق كامل بين ما يقوله هنا وهناك، نعتقد أن مناقشة خلفيته الفكرية هي الأكثر دلالة في هذا السياق.

لم يدهشني موقف الكاتب المسبق من مسألة “البيت الذي يلقي ظلين”، واحتفاله بها، أي احتفاله باكتشاف أن هذه الأرض “تضم مأساتين، وظلين، وشعبين” كما يزعم، لا مستعمرين محوا وجود شعب ووطن واغتالوا ذاكرة أرض وفرضوا عليها ذاكرة زائفة، فقد صادفته في قبرص في أوائل تسعينات القرن الماضي، وكان يعمل، ويا للمفارقة، في مركز الأبحاث الفلسطيني، ولا زلت أتذكر جيدا يوماً فاجأني فيه بقول ترافقه تعابير الدهشة والذهول” كنا نحسب أن الصهيونية حركة استعمارية، فإذا هي حركة تحرر قومي”، وحين سألته عن مصدر هذا الاكتشاف أخبرني أن “يائل دايان، ابنة موشي دايان هي من أخبرتهم خلال محاضرة لها ونقاش لها معهم في قبرص”.

استغربت آنذاك من هذه السذاجة الصافية القريبة من الغباء، وقلت له “هل تصبح الصهيونية حركة تحرر قومي لمجرد أن ابنة دايان زعمت هذا؟”. لم يجبني يومذاك، و حاذر الغوص في الموضوع، إلا أنني أحسست يومها أن ثمة ما يعد في أوساط الفلسطينيين، وإن هذه المزاعم ستكون مقدمة لشيء يتحرك في عقليات بعضهم.

كنت كتبت منذ أواخر ثمانينات القرن العشرين عن محاولات تجري لتطبيع العقل الفلسطيني، أو تخليق تشكيلة من المضبوعين على الصعيد الثقافي، وذكرت أسماء بعض أبطالها الذين لم يتورعوا آنذاك عن تهديدي، وتهديد ناجي العلي، وعدد من الفلسطينيين الذين اكتشفوا وفضحوا مبكرا رموز وأبطال “الحكاية الفلسطينية” الجديدة؛ حكاية الفلسطيني العربوش، الحطاب والسقاء في مستعمرات الصهاينة، إلا أنني لم يبلغ بي الخيال حد أن أتصور من يرى أن مشروع احتلال وطنه وتشريد أهله، هو فعل “حركة تحرر قومي”.

إذاً في هذه العقلية المضبوعة يمكن للبيت أن يلقي ظلين، بل وأكثر من ظل، في تحد للطبيعة الأخلاقية والفيزيائية معاً، ولكنه كما قرأتُ لم يعد يلقي ظلين فقط، بل بدأ يلغي الواقع الراهن، الواقع الفلسطيني والعربي المقاوم أيضا. ويحل محله واقعا رغبويا.

يقول الكاتب ربعي المدهون في اللقاء الصحفي المشار إليه بمناسبة صدور روايته: ” الوطن لم يعد مسقط رأس ومكان ولادة نحن إليه. علينا أن لا نبقى غرباء بل نحوّل المنافي إلى أوطان ثانية.. ولم يعد ممكناً الاستمرار في ما عرف بأدب المقاومة والشتات، تلك مراحل استهلكت فيها رموز وأبطال وحكايات لم يعد لها أساس في الواقع الراهن”!

بعد هذا الإعلان الفخم عن سقوط معنى الوطن، واختراع فكرة استبداله بوطن آخر، وسقوط أدب المقاومة والشتات، واعتبار تلك المراحل مستهلكة، ولا أساس لها في الواقع الراهن، تجيء فكرة ما يسمى “المصالحة التاريخية” التي لا معنى لها في ظل سطوة العدو ومشروعه المتواصل في التهويد سوى معنى واحد هو بحث الفلسطيني عن وطن آخر، ومن المستحسن أن يكون كما يرى الصهاينة وخدمهم العربشيم في كوكب آخر. وقد يكون على كل عربي، بل وكل إنسان، حسب هذا الهذر، أن يسقط من ذهنه فكرة الوطن، ويحول المنفى القادم مع قدوم جحافل الغزاة الغربيين إلى وطن ثان.

كنت أتمنى أن يحتفظ هذا الروائي بهذا الهذرلنفسه، لأن من الفضيحة بالنسبة لكاتب، وفلسطيني بخاصة، أن يتجاهل، أو يجهل ربما، “واقع الصراع” و”الواقع الراهن”معاً. واقع الصراع مع مشروع استعمار غربي متواصل ومتجدد ولد في سياقه استعمار فلسطين والهيمنة على الوطن العربي، وواقع راهن من أبرز علاماته ميلاد مقاومة تحرر الأرض في العام 2000، وتحرر قطاع غزة من الإحتلال ومستعمراته، وتهزم جحافل العدو الصهيوني في العام 2006. هذا هو الواقع الراهن الذي يمتلك رموزا وأبطالا وحكايات، وهذا هو منبع الحكاية الفلسطينية وأي حكاية عربية وإنسانية ذات قيمة.