الكتابة الجديدة في الأردن – مدخل

هشام البستاني

(مقدمة ملف “الكتابة الجديدة في الأردن: مختارات” – الآداب، العدد 9/10 – 2010)

http://adabmag.com/node/337

ستسأل: وماذا تعني “الكتابةُ الجديدة”؟ أهي كتابةُ الجيل الجديد من الكتّاب؟ أمْ هي نوعٌ جديدٌ غير مسبوقٍ من الكتابة؟

الكتابة الجديدة التي نحن بصددها لا علاقة لها بالعمر، ولم تسقطْ فجأةً بلا مقدِّمات من فضاء الأدب، بل هي مرتبطةٌ بتقنيات الشكل الأدبيّ وموضوعاته، وبطبيعة علاقة الكاتب بـ “السلطة الثقافيّة” والمشهد الثقافيّ الرسميّ أو “المكرَّس.”

سنجد في هذا الملفّ كتّابًا وكاتباتٍ نشروا مجموعاتٍ قصصيّةً وشعريّةً وروايات. كما سنجد آخرين وأخريات لم تُتَح لهم هذه “الميزة،” أو لا يزالون يعملون على استكمال أوّل أعمالهم. ما يَجْمع هؤلاء بشكل أساسٍ (إضافةً إلى جودة إنتاجهم) مسألتان:

الأولى: أنهم جميعًا يحاولون تجاوزَ الكلاسيكيّة (شكلاً وموضوعًا) في الأنواع التي يكتبونها. إنهم تجريبيّون بالمعنى الواسع للمصطلح. وتقوم التجريبيّة على الحركة والتثوير والتجاوز، بعكس الكلاسيكيّة التي تظلّ ثابتةً خلف تعريفاتها الجامدة للأنواع الأدبيّة وتراتبيّة بُناها الداخليّة. ليس في ذلك حكمُ قيمةٍ طبعًا (فلدى الكلاسيكيّين والتجريبيّين ما هو جيّدٌ وما هو رديء)، والتجريبيّة التي نتحدّث عنها ليست خبطَ عشواء: ففي نظري أنّ أحدَ أهمّ أركانها هو “القصديّة،” أيْ إنّ الكاتب التجريبيّ يعي ويقصد الأدواتِ التي يستعملها والأشكالَ التي يتبنّاها في مقارباته الكتابيّة ـ وهو ما يتحقّق، كما آمل، في نخبة النصوص المختارة لهذا الملفّ. هكذا نرى أنّ الكتّاب والكاتبات يلجؤون إلى التكثيف، واستعمالِ تقنيّات السينما المشهديّة، ومدارس التحليل النفسيّ، والتجارب الصوفيّة، والقَطْعِ والانتقال، وإبرازِ شخصيّات غير محددة الملامح. ولئن كانت الكلاسيكيّةُ العربيّةُ في مواضيعها، كما في كتابات عبد الرحمن منيف ويوسف إدريس وجبرا إبراهيم جبرا وسهيل إدريس، تتراوح بين الرومانسيّة والواقعيّة، وتتناول ثيمة التحرّر بشكل خاصّ مدفوعةً بظهورها في “عصر النهضة” أوائلَ القرن العشرين ومن ثم فترة “الصعود القوميّ” في خمسينيّات ذلك القرن وستينيّاته، فإنّ التجريبيّين يحاولون الانطلاقَ من ذواتهم المنفعلة تجاه عالمنا المعاصر وإشكاليّاته ليناقشوا مسائلَ وجوديّةً ومفاهيميّةً بمقارباتٍ تستند على الفانتازيا وتخييل الواقع ورؤيته من خلال مَصافٍ (فلترات) متعدّدة. نصوصُ التجريبيين تصف التشظّي والتداعي والإحباط، إذ يرى كتّابُها أنّ المفاهيم التي رَسَختْ خلال العقود السابقة، مقولاتٍ مقدّسةً، تهوي اليومَ تحت معاول تحوّلات عالم القطب الواحد. لهذا ينسحبون تحت وقع الهزيمة، والواقعِ المنهار، إلى الداخل، في رحلة بحثٍ عن معنى، ويكتبون ما يجدونه قصائدَ وقصصًَا وروايات.

الثانية: أنهم جميعًا خارج المؤسّسة الرّسمية للثقافة في البلاد. وهذه المؤسّسة منغلقة على نفسها، تَعزل مَن هم خارجها وتحارب تجاربَهم، متكتّلةً على شكل شللٍ ينتشر أفرادُها في وزارة الثقافة وأمانة عمّان ورابطة الكتّاب والصحف: يستأثرون بالدّعم الحكوميّ للنشر، والفعّاليّات الثقافيّة، ومكافآتِ التفرّغ الإبداعيّ، والابتعاثِ الى المؤتمرات، والمشاركات الخارجيّة، والاستكتابِ في المجلات والملاحق الثقافيّة، وعضويّةِ لجان التحكيم و”اللجان الثقافيّة العليا،” والتكريس. المؤسّسة الرّسمية لا تعترف بالكتابة الجديدة، إذ تراها مصدرَ فضحٍ لرداءة معظم إنتاجها، وتهديدًا لتقاليدها البالية.

أدباءُ المؤسّسة الرسميّة يميلون إلى المحافظة والالتزام بقائمة الممنوعات الطويلة الملتصقة بالثالوث المعروف (الدين والجنس والسياسة). أما كتّابُ هذا الملفّ فنأمل أن يَظْهر لكم أنّهم يمتلكون أدواتٍ لغويّةً وتقنيّةً مميّزة للكتابة، وآفاقًا تقارب الكليّ والوجوديّ، تنطلق من الأزمة الذاتيّة للكاتب: من تساؤلاته، وهواجسه، وخساراته، وانكساراته. كتابتُهم، كما أرى، لا تخافُ التابوهات التقليديّة بل تتحدّاها، وتستنطق ثيماتٍ وموتيفاتٍ معاصرة. وهم في الوقت ذاته كتّابُ “هامش”: يحافظون على مواقعهم المستقلّة والنقديّة والمتمرّدة، ويبشّرون باستمرارِ تقاليدَ ثقافيّةٍ اندثرتْ بانتحار تيسير سبول، وموتِ غالب هلسا الفجائعيّ في المنفى.

وتنسحب أمراضُ المؤسّسة الرَّسميّة على “رابطة الكتّاب الأردنيين” التي تحوّلتْ إلى امتدادٍ باهتٍ لهذه المؤسّسة، بعد أن أصبحتْ طاردةً للمبدعين (استقال منها عزّ الدين المناصرة، وإلياس فركوح، وعديّ مدانات، فيما يرفض مبدعون العضويّةَ فيها أصلاً). كما تسلّلتْ اليها أمراضُ الإقليميّة والعصبويّة. هذا وقد أصبحتْ مرتهنة، بمقرّها الجديد المكوّن من فيلا بطابقين وبركة سباحة، للسلطة التي تدفع ثلاثين ألف دينار إيجارًا لهذا المقرّ الذي لا يَصْلح لعقد أيّ فعّاليّة فيه. يضاف إلى ذلك أنّ كثيرًا من أعضاء الهيئات الإداريّة لـ “الرابطة” هم من موظّفي وزارة الثقافة أو أمانة عمّان، وتقام أكثرُ مؤتمراتها في مقرّ الأمانة المذكورة. بل رعت الرابطةُ إضرابًا للكتّاب عن الطعام للمطالبة بتوظيف الكتّاب في مؤسّسات الدولة (الرابطة هنا تطالب باحتواء المثقّف في بنية السلطة!). وفيما تَجْهد رئاسةُ الرابطة في طلب المال من السلطة على شكل دعم لأنشطتها ومقرّها ومجلّتها، نجد أنّ الرابطة انسحبتْ من كونها منتِجًا ثقافيًا: فالعضويّة فيها لا تتمّ على قاعدة الإبداع بل على قاعدة التوازنات الانتخابيّة؛ ولا نجد لها أيَّ أثر يُذكر في معارك تخصّ الكُتّابَ مثل الرقابة؛ واختفت جوائزُ الرابطة الخاصّة بالإبداعات السرديّة والشعريّة وغيرها؛ ويقتصر حضورُ أنشطتها على أعداد قليلة من الدائرة المغلقة للهيئة الإداريّة الفائزة.

* * *

يبقى أنّ الملفّ تعمّد الابتعادَ عن الاسماء المكرّسة. لذلك تجب الإشارة إلى أنّ الكتابة الجديدة في الأردن لم تبدأ بمن سيأتي من كُتّاب وكاتبات؛ فهناك تجاربُ مكرّسةٌ في السرد (مثل إلياس فركوح، وبسمة النسور..) والشعر (مثل يوسف عبد العزيز، وطاهر رياض، وزياد العناني..) ينطبق عليها تعريفُ الكتابة التجريبيّة؛ كما أنّ هناك من الكاتبات والكُتّاب مَن لا نعرف عنهم أو لا نعرف طريقًا إليهم. فالكتابة الجديدة، إذنْ، لا تنتهي بهذا الملفّ الذي نرجو أن يشكل دعوةً إلى مَن لا نعرفهم للمشاركة في ملفٍّ ثانٍ يُكرّس للموضوع نفسه.

:::::

ملف “الكتابة الجديدة في الأردن: مختارات”، الآداب، العدد 9/10 – 2010

إعداد وتقديم: هشام البستاني

المشاركون: سيف محاسنه، كوليت أبو حسين، هشام البستاني، مثنّى حامد، عبد السلام صالح، عهود نايلة، أحمد المُغربي، محمد المعايطه، عائد نبعة، محمد سالم العمري، ناصر أبو نصّار

الرسوم المرافقة وغلاف العدد: مقاطع من أعمال الفنّان التشكيلي عماد أبو حشيش.