الهيمنة العالمية لاميركا: بداية النهاية..

جورج حداد*

في اواخر الحرب العالمية الثانية، استغلت اميركا وضعها العسكري والسياسي والاقتصادي والمالي المتفوق (كونها كانت خارج مسرح القتال وكانت الحرب بالنسبة لها “صفقة تجارية” رابحة وليس شيئا آخر) فدعت الى حضور مؤتمر “بريتون وودز” في تموز 1944، الذي وضعت فيه اسس انشاء صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، كركائز وادوات للنظام العالمي المالي والعملوي، القائم على الدولار الاميركي. ولما كان الدولار بدون تغطية ذهبية، لان الدولة الاميركية سبق لها ان الغت نظام التغطية الذهبية، وربطت الدولار بارادة السلطة المعبر عنها بقرارات البنك المركزي والحكومة الاميركية. واي مواطن اميركي كان يضبط ومعه دولار ذهبي قديم كان مصيره السجن. وفي مؤتمر بريتون وودز طرح الرئيس الاميركي فرانكلين روزفلت ان الدولة الاميركية تلتزم، و”تطلب” من جميع دول العالم الاخرى الالتزام، بتسعيرة محددة مقدارها (اونصة الذهب = 35 دولارا ورقيا اميركيا). علما ان الدولة الاميركية لم تكن تملك احتياطيا ذهبيا كافيا لتغطية كمية الدولارت الورقية المتداولة، والمرشحة للزيادة اضعافا مضاعفة بعد اقرار هذه التسعيرة وتحويل الدولا من “عملة وطنية” لاميركا الى “عملة العالم”. ولكن فرانكلين روزفلت لم يكن غرا كذلك الصبي اليهودي الذي سيطلق النار فيما بعد على اسحق رابين؛ كما انه لم يكن ـ اي روزفلت ـ ستالينيا خشبيا متنمرا يقيس المحيط بالمتر الخشبي، او يعتقد ان ترهاته يمكن ان تستبدل قوانين الاقتصاد السياسي الرأسمالي، بل كان احد دهاقنة النظام الرأسمالي الاميركي والعالمي، وهو كان يعلم تمام العلم ان احكام السوق هي، في الحساب الاخير، فوق احكام اي دولة حتى الدولة الاميركية، ويعلم ان “انتاج الارباح” هو شيء و”انتاج السلع” هو شيء آخر تماما، ويعلم انه مهما غيرت الرأسمالية من اشكال “انتاج الارباح”، فإن المربط الاول والاخير لكل الخيول والثيران الهرمة والفتية للرأسمالية الجديدة والقديمة والمتجددة يبقى “الانتاج السلعي”، اي انتاج السلع الانتاجية والاستهلاكية الحقيقية، التي يحتاج اليها “الانسان الحقيقي” بحكم الضرورة الحياتية ذاتها.

ومع انه حصل على موافقة جميع دول العالم، راضية او راغمة، على النظام العملوي الدولاري الورقي و”التسعيرة الذهبية ـ الدولارية” الاعتباطية التي فرضتها اميركا في بريتون وودز، وخشية ان تنكشف هذه اللعبة بسرعة لمجرد ان تقوم دولة واحدة متوسطة الحجم وتهتف: لا للدولار الورقي. ولا تملك اميركا حينذاك الا ان ترسل اساطيلها البحرية والجوية لاخراس تلك الدولة. وحتى لا يحدث شيء من هذا القبيل فإن فرانكلين روزفلت، وطبعا بعد التداول مع جهابذة الستراتيجية السياسية والاقتصادية الاميركية، عمد بعد وقت قصير جدا من مؤتمر بريتون وودز والاتفاقات التي صدرت عنه، الى الاجتماع مع الملك السعودي عبدالعزيز آل سعود، الذي كان يلقب “ابن سعود” لكونه انتزع السلطة من يد الاشراف الهاشميين واسس “المملكة السعودية” والغى اسمها التاريخي وسماها باسم عائلته. وتم الاجتماع الاميركي ـ السعودي عالي المستوى في شهر شباط 1945. ولم يحضر هذا الاجتماع السري (الشخصي!) بين “الصديقين!” روزفلت و”ابن سعود” سوى المترجم. واحيط الاجتماع وما دار فيه بالسرية التامة حتى الان. ومع ذلك فقد كتب عنه الكثير الكثير. الا ان كل ما كتب عنه استند فقط الى بعض التسريبات، التي لا شك انها مدروسة مسبقا مع المراجع الاميركية والسعودية المعنية. ويتبين من هذه التسريبات ان هذا الاجتماع مثـّل نقطة مفصلية ليس في العلاقات الاميركية ـ السعودية (واستطرادا: العربية) وحسب، بل وفي الحياة الاقتصادية الدولية والسياسة العالمية بمجملها. وحسب التسريبات المنشورة (يمكن البحث عنها والاطلاع عليها في الاثير الالكتروني) فإن “ابن سعود”، بكل ما يحمله من تقاليد بدوية اصيلة، توجه الى روزفلت بعبارة “انت أخي!”. ومن جهته فإن روزفلت استجار بـ”الكرم العربي!” لدى ابن سعود وتقدم منه بطلبين (طبعا من اخ لأخيه): الاول ـ ان تساعد السعودية في قبول توطين “اليهود المساكين” في فلسطين، لما نالهم من ظلم على ايدي النازيين الالمان، ولما لهم ـ اي اليهود ـ من تعلق روحي بـ”ارض الميعاد”. والثاني ـ ان تلتزم العائلة السعودية باشباع السوق النفطي باسعار مخفضة، وان لا يتجاوز سعر البرميل (باسعار ذلك الوقت) 2،5 ـ 3،00 دولارات. ولعله من الضروري ان نذكر انه ليس من الصدفة ان يتم اختيار البحيرات المرة (في وسط قناة السويس) كمكان لاجتماع الرئيس الاميركي والملك السعودي على ظهر البارجة الحربية الاميركية كوينسي، باعتبار ان القناة هي الممر الرئيسي للنفط الى الاسواق العالمية، اي ان النفط كان هو “الحاضر الثالث” في هذا الاجتماع الاميركي ـ السعودي ذي الاهمية المفصلية تاريخيا. وبصرف النظر عما دار من نقاش وما اتفق عليه بين الزعيمين، فمن المعلوم ان كل كلمة للملك المؤسس عبدالعزيز آل سعود لا تزال الى اليوم مقدسة في المملكة السعودية.ونحن لا ندري ما هي “وعود الشرف” التي قد يكون ابن سعود التزم بها امام “اخيه!” الاميركي. ولكننا نعلم ان الداهية فرانكلين روزفلت عاد راضيا جدا من هذا الاجتماع الاستثنائي الذي تجشم عناء حضوره بالرغم من وضعه الصحي السيئ، حيث انه كان في اواخر حياته ويعاني من الشلل الذي سمّره على كرسي متحرك. والاهم من ذلك: اننا اذا راجعنا مسار سياسة المملكة السعودية، منذ اجتماع روزفلت ـ عبدالعزيز الى اليوم، نجد انها تلتزم بتنفيذ طلبي روزفلت وهما: المساعدة على توطين اليهود في فلسطين؛ واشباع اسواق النفط العالمية (بواسطة اميركا) باسعار مخفضة. وحتى حينما قام الملك فيصل بن عبدالعزيز (الذي كان مثقفا كبيرا ورجل دولة من الطراز العالمي، وسبق وجاء الى السلطة بشبه انقلاب على اخيه سعود بن عبدالعزيز) بما يسمى “استخدام سلاح النفط” في ظروف حرب تشرين 1973، تمت ازاحته.

واذا اجرينا عملية حسابية بسيطة نجد ان سعر اونصة الذهب، اي عمليا “سعر الدولار”، (كما حدده روزفلت في بريتون وودز) مقيّما بوحدة قياسية سلعية ثالثة هي النفط يتراوح بين (2،5 ./.35 ) 14 برميل نفط و (3،00 ./. 35) 12 برميل نفط. علما انه مع الاخذ بالاعتبار تقلبات السوق فإن هذين الحدين يمكن ان يتحركا الى ما فوقهما او ما تحتهما بنسبة 10 ـ 20% في الظروف “الاعتيادية” ذاتها. واذا اجرينا الان بالذات، وفي اي وقت آخر سابق او لاحق، حسابا لسعر اونصة الذهب على سعر برميل النفط سنكتشف (بالصدفة طبعا!) ان سعر اونصة الذهب يتراوح بين 9 ـ 16 برميل نفط.

وهذا يعني ان روزفلت (والدولة الاميركية معه وبعده)، (وبالاستناد الى السيطرة على مصادر النفط، = السلعة الاساس في الاقتصاد العالمي برمته، وخلف القناع الذهبي الذي اصبح شكليا) وضعا للعملة الورقية الوطنية الاميركية المقبولة عالميا (الدولار) معادلا عاما سلعيا آخر (غير الذهب) هو: النفط (مسيّر الاقتصاد برمته). وبكلمات اخرى، فإن عملية تسعير النفط بالدولار تكتسب بعدا اقتصاديا آخر، هو تسعير الدولار بالنفط، بدلا من تسعيره بالذهب، كما هي كل عملة اخرى، بحيث اصبح من الممكن او الضروري الحديث عن: التغطية النفطية للدولار، بدلا عن: التغطية الذهبية للدولار. (ومن زاوية نظر معينة، فإن هذه “التغطية النفطية” للدولار، ومن ثم للذهب ولكل عملات العالم، ترتبط، شكليا على الاقل، بارادة السلطة السعودية “المستقلة” ومن ورائها سلطة جميع حكام الخليج النفطيين “المستقلين”. وهذا ما يفسر لنا التمسك الدائم للادارة الاميركية بالسيطرة الكاملة على الخليج، بما فيه العراق. وفي بعض المعطيات التاريخية انه خلال الحرب العالمية الثانية سأل تشرشل حليفه روزفلت بكل دبلوماسية “كم يعتقد ان اميركا تريد ان تكون حصتها في نفط العراق؟” فإجابه روزفلت على الفور “100%”.

وكلنا يذكر النصاب الفولكلوري الذي يقف على الرصيف ومعه 3 اوراق لعب او 3 كشاتبين، ويأخذ في التلاعب بها وتحزير المارة عليها كي يسلبهم اموالهم.

واذا استعرنا تعبير انور السادات عن “الاوراق” التي تمتلكها اميركا، فانها ـ اي اميركا ـ وخلافا لاي دولة اخرى ـ صارت تمتلك ثلاثة اوراق في اللعبة المالية الدولية وهي:

ـ الدولار الورقي

ـ الذهب الاسمي او الوهمي

ـ والنفط الفعلي

ومنذ بريتون وودز اخذت اميركا تنهب ثروات العالم كله بواسطة لعبة الثلاثة الاوراق:

ـ تطبع ما تشاء من الدولار الورقي الذي لا يكلفها سوى ثمن الحبر والورق، وتغرق به الاسواق العالمية بموجب تسعيرة روزفلت كحد ادنى.

ـ تشتري الذهب الفعلي وتتلاعب باسعاره.

ـ تحتكر النفط وتتلاعب باسعاره.

وبهذا التلاعب اصبحت كل خيرات العالم تصب في اميركا: العلماء والادمغة البشرية، الخامات، مختلف المنتوجات مهما غلا ثمنها، وطبعا الذهب، والنساء الجميلات من كل الالوان والاجناس لتزويد بيزنس الشو والسكس والبورنو اهم فرع في قطاع الخدمات الذي اصبح الطابع الغالب والمميز للرأسمالية الاميركية “المتجددة”.

ولم تعد اميركا بحاجة الى ان تنتج هي بنفسها السلع “التقليدية” القديمة، طالما انها تسيطر على الانتاج والاقتصاد العالمي، وتستطيع الحصول على اي سلعة تريد من اي مكان كان. وتحول الرأسمال الاميركي بغالبيته الى قطاع الخدمات واقتصاد اللااقتصاد، اي الجريمة المنظمة والفساد والتهريب والتزوير واللصوصية والمخدرات والدعارة والقمار و”الشو بيزنس” و”الفن الهابط” وكل الخزعبلات الشبيهة، اي كل ما ينتج ارباحا سريعة بدون انتاج سلعي حقيقي)، وتحول الرأسماليون الاميركان من منتجين الى مجموعة من اللصوص والنصابين الكبار ناهبي ومخربي الكوكب الارضي ومصاصي دماء شعوب العالم بأسره. واصبح الاغنياء الاميركيون يملكون المليارات ومئات المليارات. والبنوك والشركات عابرة القارات تمتلك الوف ومئات الوف والوف الوف مليارات الدولارات. وهذه العملية الرأسمالية المفضوحة التي يمكن لتلميذ ابتدائي ان يكتشفها يسميها احد الستالينيين المتخشبين “ان اميركا لم تعد دولة رأسمالية، بل دولة خدمات” (راجع العبقري فؤاد النمري في “الحوار المتمدن”) كما يسمي المليارديرية النصابين العالميين “برجوازيين صغارا” (“البرجوازية الوضيعة” حسب تعابيره العبقرية) اي ان النمري يساوي بين مصاصي دماء شعوب العالم امثال سوروس وروتشيلد ومورغان وامثالهم وبين بائع سندويتش قذر مدمن مخدرات او منحرف جنسيا مرمي على رصيف في احدى المدن الاميركية.

XXX

طبعا ان اوروبا (الغربية) كانت في مقدمة المتضررين من هذا النظام الرأسمالي الاميركي المتوحش، الذي اخذ يأكل الاخضر واليابس. ولم يعد من السهل على الرأسماليين الالمان والفرنسيين والطليان والاسبان والانكليز وغيرهم ان يروا نصابين سفلة مثل جورج سوروس واضرابه يسرحون ويمرحون في البورصات الاوروبية ويكبدونها خسائر بالمليارات، ويزعزعون العملة الوطنية لاي بلد، ويهزون الاوضاع الاجتماعية، بكبسة زر او غمزة او فركة كعب. علما ان اميركا ذاتها يعود الفضل في “اكتشافها” للاوروبيين انفسهم (بمعية وتمويل “ابناء عمومتنا!” اليهود الاسبان ـ راجع كتاب: هنري فورد، اليهودي الكوسموبوليتي، مترجم الى العربية والبلغارية)؛ كما انها ـ اي اميركا ـ كانت هي ذاتها مستعمرة اوروبية، ولا تزال العائلات الغنية الاميركية تذكر وتفتخر بجذورها الاوروبية.

وفي الستينات كانت اوروبا قد بدأت “تقف على رجليها” كما يقولون، بعد الحرب العالمية الثانية التي كانت بمثابة كارثة لاوروبا على كل المستويات، وبدأت اوروبا تتململ بحذر من اشكال الهيمنة الاميركية، ولا سيما اقتصاديا وماليا، وبدأ طرح الاقتراحات والمبادرات للتملص من سيطرة الدولار، وفي تلك المرحلة بدأ طرح مسألة ايجاد عملة اوروبية موحدة قوية، ولكن هذا كان يقتضي وقتا واوروبا مستعجلة لاتخاذ تدابير اسرع لحماية اقتصاداتها المتعافية تدريجيا من هجمات الدولار وتلاعب اللصوص الاميركيين، خصوصا اليهود. وفي تلك الظروفصدرت في 22 كانون الثاني 1963 معاهدة الإليزيه التي أنشئت بموجبها السوق الأوروبية المشتركة، وطرح الزعيم التاريخي الفرنسي شارل ديغول موضوع اعتماد الذهب كعملة دولية بدلا من الدولار.

ولكن ديغول لم يستطع الاستمرار في “معركته الذهبية” لعدة اسباب ابرزها:

ـ1ـ بعد ما سمي ثورة الشباب والطلاب في ايار 1968، تقدم ديغول باقتراح اجراء اصلاحات اجتماعية، رفضها مجلس النواب، فقام ديغول بحله، وفي نيسان 1969 دعا الى اجراء استفتاء على الاصلاحات المقترحة، والتزم بتقديم استقالته اذا لم يحصل على الاغلبية في الاستفتاء. وفشل اقتراحه بنسبة 52،4% فقدم استقالته.

ـ2ـ بعد فشله في الاستفتاء، اعتكف ديغول الحياة السياسية وانصرف الى كتابة مذكراته. ولم يلبث ان توفي بعد فترة قصيرة، في 9 تشرين الثاني 1970. ومع ان خلفاء ديغول تابعوا انتهاج سياسة استقلالية نسبيا عن الولايات المتحدة الاميركية، الا انهم لم يتابعوا “معركته الذهبية”، اي معركة “النظام العملوي العالمي” الذي تسيطر اميركا بواسطته على الاقتصاد العالمي، والذي هو الركيزة الاولى للهيمنة الاميركية على مختلف دول العالم.

ـ3ـ السبب الاهم لفشل “المعركة الذهبية” لفرنسا حينذاك انها لم تكن تمتلك “الاداة” او “السلاح الانتاجي” الذي يعادل او يفوق سلاح النفط الذي كانت تمسك به اميركا وتفرض ارادتها على العالم.

ومع ذلك فإن وقفة ديغول ضد الهيمنة الاميركية زعزعت هيمنتها الدولية؛ ولكن اقوى ضربة تلقتها الامبريالية الاميركية في تلك الفترة هو هزيمتها العسكرية والسياسية امام الثورة الفيتنامية العظيمة.

ولجأت الادارة الاميركية من جديد الى السلاح المالي، فأعلن الرئيس نيكسون في 15 اب 1971 فك ارتباط الدولار بالذهب والتوقف عن الالتزام بتسعيرة روزفلت (35 دولارا = 1 اونصة ذهب) التي كانت بحد ذاتها مجحفة بحق جميع متداولي الدولار. وفي خلال سنة واحدة فقط، اي في سنة 1972، بلغ سعر اونصة الذهب في الاسواق الحرة 70 دولارا. وهذا معناه ان اميركا نهبت في خلال سنة واحدة نصف قيمة المدخرات الدولارية لجميع دول العالم. وهذا ما ادى الى انهيار سوق الأوراق المالية (1973-1974)، وقد وصلت جميع مؤشرات الأسهم الرئيسية للدول الصناعية السبع الكبرى إلى أدنى مستوياته ما بين ايلول وتشرين الاول 1974، بعد أن فقدت على الأقل 34 ٪ من قيمة الأسهم الاسمية، و 43 ٪ من القيمة الحقيقية. (راجع الموسوعة الالكترونية: ويكيبيديا).

وبالاضافة الى الاداة المالية ـ العملوية، استفادت اميركا ايضا من وضعها المميز في سوق النفط، لا سيما بعد “الصدمة النفطية” الاولى التي تمثلت في رفع الاسعار الفجائي بعد حرب تشرين 1973 العربية ـ الاسرائيلية، ثم في اعقاب “صدمة رفع الاسعار النفطية” الثانية بعد اندلاع حرب الخليج الاولى بين العراق وايران في 1980.

وهكذا، عن طريق التسلط المالي ـ العملوي، والنفطي ـ الطاقوي، استطاعت الولايات المتحدة الاميركية تجاوز الاثار الاقتصادية والسياسية لهزيمتها الفيتنامية، والزوبعة الجانبية التي اثارها ديغول، وفرضت هيمنتها من جديد وبشدة غير مسبوقة على دول العالم بأسرها (باستثناء الدول “الاشتراكية”).

وبصرف النظر عن طبيعة “الاشتراكية” السوفياتية والصينية، فإن مجرد وجود “الحرب الباردة” ومعسكر معاد، هو المعسكر “الشرقي” او “الاشتراكي”، كان يشكل تهديدا موضوعيا يوميا لاستمرار الهيمنة العالمية الاميركية. وهذا ما دفع الامبريالية الاميركية والصهيونية العالمية لتجنيد كل قدراتهما، لاجل القضاء على المعسكر “الشرقي”. ومنذ البدء ميزت الامبريالية الاميركية بين: الصين الشعبية، والاتحاد السوفياتي.

أ ـ فحيال الصين بدأت اميركا تطبيق ما يسمى “دبلوماسية البينغ بونغ”، اي الانفتاح المتبادل المتدرج، اعتمادا على مركب النقص لدى القيادة الصينية في الجانب الاقتصادي والهم الدائم في امتلاك جهاز بيروقراطي واسع وفي الوقت نفسه كيفية تأمين الغذاء لاكثر من مليار انسان في بلد متخلف. وقد نجحت الولايات المتحدة في اقامة علاقات اقتصادية واسعة مع الصين، مما ساهم في “تطرية” مواقف القيادة الصينية من النظام الرأسمالي، وخلق ما يسمى “المناطق الحرة” في الصين، التي سمح فيها بالتوظيفات الاجنبية المباشرة واقامة المشاريع الرأسمالية، وانعكس ذلك في السماح للمليونيرية بالانضمام الى الحزب الشيوعي الصينيوهيئاته القيادية مما غلـّب الطابع البرجوازي على الطابع البروليتاري للحزب. وقد توجت هذه العملية “الانفتاحية” في 1997 حينما اعيدت هونغ كونغ الى الصين، على قاعدة الاحتفاظ بالنظام الرأسمالي فيها تحت شعار “بلد واحد ونظامان”. وحدثت تطورات وتغيرات داخل الصين والحزب الشيوعي الصيني، في تناغم مع الانفتاح على اميركا، وأدت الى تقليص وضرب الاتجاه الاكثر ثورية في الصين. وحققت الصين نجاحات اقتصادية كبيرة عن طريق التحول “الملجوم” الى الرأسمالية وفتح الابواب امام التوظيفات الاجنبية التي بلغت مئات مليارات الدولارات. وهكذا بالت القيادة الصينية الجديدة “الليبيرالية” على قبور ملايين الشيوعيين والمناضلين الصينيين الذين ضحوا بحياتهم لاجل انتصار الثورة الاشتراكية في الصين. وبالتدريج تحولت الصين الى بلد رأسمالي بقيادة “شيوعية”، والى ملحق وحوش خلفي للامبريالية الاميركية. وتم ذلك على حساب الدفن النهائي للخيار الاشتراكي، وفقدان دور الصين كقاعدة لحركة شيوعية عالمية ثورية، وكحليف عالمي مركزي لحركات التحرر الوطني في العالم. وبنتيجة ذلك فإن قسما كبيرا من الماويين السابقين، في مختلف البلدان العربية والعالم، الذين كانوا يعارضون الانظمة الدكتاتورية التي نصبتها الامبريالية الاميركية في بلدانهم، فقدوا البوصلة تماما، وتحولوا الى مناصرين للامبريالية الاميركية، بحجة تأييد “الدمقراطية” الاميركية والاستمرار في معارضة الدكتاتورية، واصبحت الماوية بالنسبة لهم، كما الستالينية، مجرد قناع “ثوري” بال لا يمكن له ان يستر عمالتهم الفعلية للامبريالية الاميركية، الحليفة البرغماتية للقيادة الصينية “البرجوازية ـ الشيوعية” الجديدة.

ب ـ اما بالنسبة للاتحاد السوفياتي فقد وضعت الامبريالية الاميركية وشريكتها الستراتيجية الصهيونية العالمية نصب اعينهما ان تضربا ضربتهما الاخيرة، بغزو الاتحاد السوفياتي وتفكيكه والسيطرة على روسيا خصوصا وغيرها من الجمهوريات السوفياتية السابقة عموما، واستعمارها ونهب اقتصادياتها ولا سيما نهب ثرواتها الطبيعية غير المحدودة. فأطلق الرئيس الاميركي المأفون رونالد ريغان شعارا شبه ديني هو شعار “امبراطورية الشر”، ويقصد به الاتحاد السوفياتي. وأعطيت الاوامر للطابور الخامس الستاليني ـ الصهيوني (الذي تلوّن و”تكيـّف” بعد مقتل ستالين سنة 1953 تحت شكل “النيوستالينية”: الخروشوفية، ثم الغورباتشوفية) كي يضرب ضربته الاخيرة ويسلم القلعة السوفياتية من الداخل الى الامبريالية الاميركية والصهيونية العالمية. وحركت الجبهة الامبريالية ـ الصهيونية العالمية كل قواها وتحالفاتها واحتياطاتها في كل مكان، داخل الاتحاد السوفياتي وخارجه، في الحملة المعادية للسوفيات، من ابسط الليبيراليين المغفلين، الى التنظيم العالمي الكاثوليكي بقيادة الفاتيكان، الى الاسلاميين العميان الذين لا يرون ابعد من انوف “مجاهديهم” او ابعد من كروش ملوكهم وابناء عائلاتهم المالكة. وقد استفادت المخابرات الاميركية ـ الاسرائيلية استفادة كبرى من جريمة قرار القيادة البيروقراطية السوفياتية بالتدخل غير المبرر في افغانستان، لتوريط الجيش السوفياتي في مواجهة مع العالم الاسلامي، مما ادى ولاول مرة الى تفسخ الجيش الاحمر على اساس ديني ـ عنصري (مسلم ـ غير مسلم، سلافي ـ غير سلافي)، وهو ما مثل ضربة المعول الهدامة والحاسمة الاكبر في اسس قيام الاتحاد السوفياتي، اي اسس الوحدة بين الشعوب المسيحية الشرقية ـ السلافية والشعوب الاسلامية غير السلافية. وتحت ثقل الضغوط الداخلية والخارجية الهائلة بدأت القيادة البيروقراطية السوفياتية تتفسخ وتتشكل من جديد في ثلاث كتل: كتلة بيروقراطية تقليدية لا تجد اي قيمة لها خارج الاطار “السوفياتي” من النمط البيروقراطي ـ القمعي ـ الستاليني والنيوستاليني، وكانت بقيادة بريجنيف قبل وفاته في 1982، وكتلة اصلاحية كانت ترى ضرورة القيام باصلاحات تدريجية ضمن النظام ذاته، وكان يقودها يوري اندروبوف، وكتلة الطابور الخامس المرتبطة بالسي آي ايه والموساد، وكانت تتلون حربائيا وتلعب على الجميع قبل ان تتبلور لاحقا بقيادة القوّاد السياسي غورباتشوف والسكير المأفون يلتسين. ولدى وفاة بريجنيف حل محله الزعيم الاصلاحي يوري اندروبوف، الذي سبق ان قاد جهاز الكا جي بي مدة 15 سنة. ولعله من المفيد للقارئ ان نذكر هنا الحادثة او الواقعة التالية التي تلقي بعض الضوء على الصراع الذي كان دائرا في الطوابق العليا للقيادة السوفياتية:

في 21 كانون الثاني 1969كان هناك احتفال باستقبال احد رواد الفضاء السوفيات في الكرملين من قبل ليونيد بريجنيف، الذي كان من المفروض ان يمر موكبه في الساحة الحمراء. وفي هذا التاريخ حاول احد ضباط الجيش اغتيال بريجنيف، وهو الملازم فكتور إليين. وقد حضـّر إليين لجريمته بعناية شديدة، فهرب من فصيلته في ضواحي مدينة لينينغراد (سانت بيتروغراد حاليا ـ التي “للصدفة” سيأتي منها لاحقا فلاديمير بوتين ودميتريي ميدفيدييف) حيث كان يقوم بالخدمة ومعه مسدسان من طراز ماكاروف. وأتى الى الساحة الحمراء في الصباح قبل ساعتين من وصول الموكب الرسمي وهو يرتدي بزة شرطي حصل عليها من عمه الذي كان انذاك يخدم في شرطة موسكو. وأطلق إليين 16 طلقة على سيارتين من الموكب الحكومي، لكنها لم تبلغ هدفها الأساسي لأن بريجنيف كان راكبا في السيارة الثالثة. قتل في الحادث جاركوف سائق إحدى السيارات بينما أصيب رائد الفضاء وأحد الحراس بجروح. اعتقل إليين على الفور، وقام رئيس أجهزة الأمن السوفييتية يوري أندروبوف باستجوابه بنفسه. وربما كان أكثر ما أثار الاستغراب في هذه القصة هو عدم الحكم بالإعدام على إليين وإرساله بدلا من ذلك إلى مستشفى للمجانين. لكن الكثيرين شككوا في أن يكون مريضا عقليا. (راجع ارشيف القناة التلفزيونية الروسية: “روسيا اليوم” باللغة العربية). وتقول بعض الانباء ان إيليين ادعى انه قام بمحاولته انطلاقا من قناعات اصلاحية. والسؤال الذي لم يجب عليه التحقيق: هل كان إيليين وحده في هذه المحاولة؟ ويرجع الكثيرون تخفيف الحكم على إليين الى موقف “المحقق” اندروبوف، الذي لم يكن من الشخصيات العامة المعروفة ولم يكن بالامكان في وقتها تصنيفه سياسيا وخصوصا لم يكن بالامكان اتهامه بمعاداة بريجنيف وزمرته. وربما كانت حادثة إليين ذاتها هي الاساس للسمعة التي احاطت بأندروبوف لاحقا بأنه “متعاطف مع الاصلاحيين”.

نعود الى تداول الزعامة بعد وفاة بريجنيف. لقد دام عهد اندروبوف لا اكثر من 15 شهرا، اذ توفي في شباط 1984 اثر مرض عضال كما اذيع رسميا. ولكنه سرت شائعة قوية واسعة الانتشار في صفوف كوادر الحزب الشيوعي والبعثات السوفياتية في الخارج انه قتل غيلة ضربا بالرصاص. ومن خلال الاحاديث والنقاشات بيني وبين بعض كوادر السفارة والصحافة السوفياتيتين، الشيوعيين، في بيروت، تواجد لدي ايضا انطباع بأن اندروبوف لم يمت ميتة “طبيعية”، بل قتل اغتيالا، سواء بالرصاص او بطريقة طبية. وكان اندروبوف ذا شخصية فولاذية ومعروفا بالدهاء. وتميز عهده القصير بالغموض، ولم يتخذ فيه اية تدابير ملحوظة. الا ان الانطباع السائد في صفوف الكثير من الشيوعيين السوفيات المؤيدين للاصلاح حينذاك انه كان يحضر لـ”شيء كبير”، الا انه لم يتح له تنفيذ مخططه. وللتاريخ ان يكشف اسرار عهد اندروبوف القصير اذا كان ذلك ممكنا. واذا كان صحيحا ام لا ان اندروبوف كان يحضر لـ “شيء ما”، واذا كان صحيحا ام لا انه قتل غيلة، فقد حل محله بعد غيابه قسطنطين تشيرنينكو، الذي كان رجلا بلا ملامح وكان يعتبر “ظلا لبريجنيف” مدة سنوات طويلة؛ ولكن تشيرنينكو كان مسنا ومريضا جدا، ولم يواظب بشكل منتظم وفاعل على تحمل مسؤولياته الروتينية، ولم يلبث ان توفي في اذار 1985. فحل محله العميل الغربي ـ الصهيوني ميخائيل غورباتشوف، الذي طرح شعار البريسترويكا (اعادة البناء) والغلاسنوست (الإشهار). ووصل غورباتشوف الى السلطة بدعم اساسي من زمرة بريجنيف، على امل ان ينضم اليهم. ومنذ اللحظة الاولى لاستلام السلطة من قبل العميل غورباتشوف بدأت، بشكل محموم وفي سباق مع الساعة، عملية الغزو الامبريالي ـ الصهيوني للاتحاد السوفياتي والمنظومة السوفياتية. وفي غضون سنوات قليلة سيطرت الاوليغارخية اليهودية على اجهزة الاعلام والبنوك وبدأت السيطرة على قطاع النفط والغاز، وبدأت عمليات التخريب في الاسطول والوحدات العسكرية والمصانع والمناجم، وتكثفت العمليات الارهابية للجماعات “الاسلامية!!” المشبوهة المرتبطة بالسي آي ايه والموساد والممولة والمدعومة من قبل بوريس بيريزوفسكي وغيره من رؤوس الاوليغارخية اليهودية الصهيونية في روسيا، وبدأت عملية مكثفة لابادة الشعب الروسي بالبطالة والجوع والفودكا الرخيصة المغشوشة والمخدرات والايدز وغيره من الاوبئة والامراض التي تطلقها المختبرات العسكرية الاميركية وتنشرها بالتعاون مع السي آي ايه والموساد. وفي غضون سنوات قليلة نقص عدد سكان روسيا بضعة ملايين.

XXX

وخلال هذه المرحلة السوداء تم التخلص من كمال جنبلاط والامام موسى الصدر في لبنان، والاجتياح الاسرائيلي للبنان واحتلال العاصمة بيروت ذاتها، وطرد منظمة التحرير الفلسطينية، وتنصيب عملاء اسرائيل على رأس السلطة اللبنانية.

وانتقل السادات الى رحمته تعالى مطمئن البال وقرير العين بأن 99% من الاوراق (اي اوراق حل الصراع العربي ـ الاسرائيلي) هي في اليد “الامينة” لاميركا. ولكن حسابات السادات اخطأت “قليلا” فقط. ولعله الاقرب الى المعقول ان تنحل الدولة الاميركية في اميركا ذاتها، قبل ان تتحقق “الدولة الفلسطينية” الاميركية في فلسطين.

ثم قتل اسحق رابين على يد صبي يهودي لانه راهن على الدور الاميركي في حل مسألة الصراع الفلسطيني ـ الاسرائيلي اكثر مما تسمح به يهودية صبيان وكهول وشيوخ اسرائيل الصهاينة، اليمينيين و”اليساريين”، ومعهم كل العربان المراهنين على الوساطة الاميركية لتحقيق “السلام العادل والشامل” مع اسرائيل، الذين لم يستحوا ـ كلهم ـ من الاختباء خلف “تهمة الاعتدال” التي ألصقت برابين وتهمة “التطرف” التي ألصقت بذلك الصبي اليهودي.

وقد اعتصم المرحوم ياسر عرفات بالمقاطعة، وتحمل بكل صبر كل اشكال الحصار والتضييقات والاستفزازات والاهانات من قبل الفاشية الاسرائيلية، واخيرا “فضـّل” الموت مسموما، على ان يتخلى عن الوساطة الاميركية ودور “الراعي” الاميركي للسماح له ـ على الاقل ـ بأن يدفن جثمانه في القدس الشريف. ولكنه لم يحصل حتى على هذا “التنازل” من قبل اميركا وربيبتها اسرائيل. سامحه الله وتغمده بألف الف رحمة ورحمة.

XXX

وحينما كشف غورباتشوف وعصابته الخائنة نهائيا عن وجوههم واقفيتهم وسلموا القلعة السوفياتية من الداخل للامبريالية الاميركية والصهيونية العالمية، تحركت بقايا كتلة بريجنيف وقاموا بمحاولة انقلاب اب 1991 لانقاذ ما يمكن انقاذه؛ ولكن العربيد يلتسين، وفي اتصال مباشر مع جورج بوش الاب قام بقصف مبنى البرلمان الروسي فوق رؤوس النواب، وانهارت المنظومة السوفياتية والاتحاد السوفياتي، وانطلقت جوقة البروباغندا الاميركية في نوبة نباح كلبي مسعور، من كل ارجاء العالم، تبشر بـ”نهاية التاريخ” وبداية العصر الجليدي الجديد لما يسمى “الدمقراطية الاميركية” و”العولمة” و”الامركة” و”الدولرة” و”القطبية الآحادية لاميركا”.

وبلغ من درجة او عيار الكذب في هذه الحملة انه ليس فقط المواطن الاميركي البسيط المسطـّل بهموم الازمة والبطالة والامراض النفسية والمخدرات، بل والقيادة الاميركية ذاتها صدقت كذبتها الخاصة. وطلع علينا جورج “بوشت” الاب ذاته بأطروحة “النظام العالمي الجديد” الذي تقوده اميركا طبعا، وهي اطروحة منبوشة من قبر هتلر بالذات.

وزاد في الطين بلة ان كل سقط المتاع في الحركة الشيوعية العالمية والعربية، الرسمية وغير الرسمية، من غلاة الستالينيين المخصيين الى الخروشوفيين والغورباتشوفيين الاشبه بعاهرات الرصيف، انضموا الى جوقة النباح “الدمقراطية” الاميركية والتسليم بالزعامة العالمية لاميركا، بحجج “علمية” مثل ان “الرأسمالية تجدد نفسها بنفسها” او “ان اميركا لم تعد دولة رأسمالية”، او حجج “عملية” مثل كوبونات النفط التي وزعها صدام حسين والمتاجرة بدم رفيق الحريري.

وعلى انغام نوبة النباح الاميركية والمتأمركة، كشرت اسرائيل عن انيابها، وولغت من جديد في الدماء الفلسطينية، مستندة الى الدعم الستراتيجي الاميركي. كما شددت قبضة الاحتلال للبنان. وكانت اميركا واسرائيل واثقتين ان لبنان سيوقع اخيرا “معاهدة سلام” مع اسرائيل، بحجة الانسحاب الاسرائيلي، لتحويله نهائيا الى قاعدة اميركية ـ اسرائيلية، بكل ما يملكه لبنان من سمعة ونفوذ ومميزات، تجارية ـ مالية وثقافية ـ سياسية، على النطاق العربي والعالمي بأسره.

وفي 1999 تم تحطيم وتمزيق صربيا بواسطة الحلف الاطلسي، واقتطاع كوسوفو منها لتحويلها الى قاعدة عسكرية ـ مخابراتية ـ مافياوية ـ مخدراتية، اميركية ـ اسرائيلية ـ “اسلامية!!!”.

XXX

ولكن ردة الفعل ضد موجة الطغيان الامبريالي الاميركي ـ الصهيوني لم تلبث ان بدأت بالظهور:

ـ1ـ كان الاختراق الاول لمظلة الهيمنة العالمية لاميركا في بلد كان يعتبر قاعدة مضمونة لاميركا واسرائيل، وهو ايران الشاه. ومع انتصار الثورة الاسلامية في هذا البلد أغلق وكر التجسس الذي كان يسمى “السفارة الاميركية” في طهران. ومنذ الايام الاولى لانتصار الثورة تم تحرير السفارة الاسرائيلية ورفع العلم الفلسطيني فوقها وتحويلها الى سفارة للشعب الفلسطيني المجاهد. (وللاسف ان منظمة عرفات ـ عباس المسماة “منظمة التحرير الفلسطينية” لم تنجح في استيعاب الفرصة التاريخية التي اتاحها لها انتصار الثورة الاسلامية في ايران). ودفع العميل السري صدام حسين لافتعال الحرب العراقية ـ الايرانية، وتكوكب حوله كل ملوك وأمراء النفط الذين يسمون زورا “عربا”. وطرح بيل كلينتون شعار “الاحتواء المزدوج” لايران والعراق. وحينما ادرك صدام حسين انه سيضحى به ككبش فداء شن لاحقا حرب الكويت، واطلق بضعة صواريخ ضد القواعد الاميركية في السعودية وضد اسرائيل واحرق ابار النفط الكويتية، ولكنه دفع الثمن لاحقا. اما الثورة الاسلامية الايرانية فقد خرجت من هذه التجربة المريرة اكثر صلابة وتجذرا، واكثر ادراكا وتصميما على مواجهة القاعدة الاخطر للامبريالية والصهيونية في العالم وهي: اسرائيل. وهو ما تجلى في الدعم غير المحدود للمقاومة الوطنية الاسلامية في لبنان بقيادة حزب الله، مما اسهم الى حد كبير في تحقيق الانتصار التاريخي على الجيش الاسرائيلي واجباره على الانسحاب من المناطق اللبنانية المحتلة (باستثناء مزارع شبعا ومرتفعات كفرشوبا) بدون قيد ولا شرط في ايار 2000. وهو ما يحدث لاول مرة في تاريخ الصراع العربي ـ الاسرائيلي. وقد اسودت الدنيا في عيون جنرالات وقادة اسرائيل الى درجة ان وزير الدفاع الاسرائيلي، الاشتراكي المزيف والخائن عمير بيرتس، حينما وقف على الحدود ووجه منظاره نحو الاراضي اللبنانية لم يدرك انه نسي ان يفتح غطاءي المنظار.

ـ2ـ وجاء الرد الثاني على هجمة الهيمنة العالمية، الاميركية ـ الصهيونية، من روسيا. فبعد ان تمزق وتشتت الصف الاول للبيروقراطية السوفياتية السابقة غير الراضية عما آلت اليه الامور، فإن الصفوف الخلفية للبيروقراطية، الاكثر قربا من نبض “الشارع الروسي”، وخصوصا ضباط المخابرات والجيش، بدأت في التحرك لوقف التدهور الهادف الى تحويل روسيا العظمى الى مستعمرة “عالمثالثية” لا غير. وفي الدقيقة 0.0 الساعة 0.0 في 1-1-2000 اعلن العميل العربيد بوريس يلتسين تنحيه “بارادته” عن الرئاسة الروسية، وتسليم السلطة الى فلاديمير بوتين، مقابل ضمان حياته وحياة افراد عائلته. وقبل وبعد ازاحة يلتسين تم سحق المافيا الشيشانية في موسكو، وتحطيم التمرد الشيشاني المنظم موساديا والمتستر “اسلاميا!!” في تشيشنيا. كما بدأت حملة مطاردة واعتقال واغتيال وتصفية رموز ورؤوس الاوليغارخية اليهودية، امثال بيريزوفسكي وخضركوفسكي ومايكل تشورني، الذين بدأوا يفرون الى اوروبا الغربية واسرائيل. ونفض الغبار عن الصواريخ الستراتيجية السوفياتية وأعيد توجيهها نحو جميع الاهداف الاميركية والاطلسية “الضرورية”. الامر الذي اعاد الامور الى نصابها “الطبيعي” قبل انهيار الاتحاد السوفياتي. وفي هذا المناخ الجديد، تحركت كوريا الشمالية لامتلاك القنبلة النووية، وتحركت ايران الاسلامية لامتلاك “الطاقة النووية السلمية” و”الصواريخ الدفاعية”. وادركت اميركا مرة اخرى انها، في الحساب الاخير، ومعها اسرائيل والاطلسي وكل اموال الطغمة المالية اليهودية العالمية، ليست اكثر من عملاق من الطين يقف على رجلين من الخزف، ويرتعد رعبا امام شعب صغير، محاصر، فقير وشبه جائع، كشعب كوريا الشمالية، لمجرد انه يمتلك بضعة صواريخ ميدانية وبضع قنابل نووية صغيرة ومتوسطة، بالاضافة طبعا الى كرامته الانسانية وتصميمه الحازم على عدم الانحناء امام اميركا وعدم السماح لها بالهيمنة على شعوب العالم.

XXX

ولكن لا يمكن ان يتصور عاقل ان الدولة الاغتصابية الاميركية، التي تأسست فوق جماجم عشرات الملايين ممن يسمون “الهنود الحمر” اي سكان اميركا الاصليين، الذين ابيدوا واغتصبت بلادهم بالكامل، ـ نقول لا يمكن لعاقل ان يتصور ان مثل هذا الطاغوت، ومعه الصهيونية العالمية، يمكن ان يتنازلا بسهولة. وفي مطلع القرن الحالي، بعد ان تأكدت الفاشية الاميركية من عجزها عن تركيع واستعمار روسيا، وبعد ان خشيت من امتداد عدوى الثورة الاسلامية في ايران والمقاومة الاسلامية في لبنان، شمرت عن زنودها، وافتعلت احداث 11 ايلول 2001، واعلنت “الحرب الصليبية الجديدة” على العرب والمسلمين، ووجهت جحافلها باتجاه الشرق العربي ـ الاسلامي، لاعادة اخضاعه وتطويعه، وجعله “امثولة” ترهب العالم اجمع بها، كي يجدد عهود الخضوع للهيمنة الاميركية، سواء عن طريق الاحتلال، او حتى بدون الحاجة الى الاحتلال المباشر.

ونجحت اميركا في المرحلة القصيرة السابقة في احتلال العراق وافغانستان، حيث ارتكبدت من الجرائم والمجازر ما تقشعر له الابدان، وزرعت لدى شعوب المنطقة، وبالاخص لدى العرب والافغان، حقدا عميقا على الامبريالية والصهيونية سيستمر في التفجر جيلا بعد جيل طالما استمرت اميركا واسرائيل وكل من يسير معهما في الوجود كدول.

وقد جاءت اميركا بقضها وقضيضها الى المنطقة وهي تضع نصب عينيها تشديد قبضتها على منابع وممرات النفط، من اجل ضمان هيمنتها المالية ـ العملوية (الدولارية) على دول وشعوب العالم. ولكنها ـ بالصدفة او بغيرها ـ “اكتشفت” ايضا الخشخاش والافيون والهيرويين في افغانستان، واهمية هذه “المنتوجات” بالنسبة لـ”الاقتصاد البديل” العالمي. ولذلك، ومهما تشدقت الادارة الاميركية الاوبامية او غيرها عن الرغبة في الانسحاب من المنطقة، فإنه يمكن القول ان اميركا لم تعد لها الكلمة الفصل، ولم يعد بامكانها ان تنسحب من ميدان القتال الذي دشنته لسببين موضوعيين وجوهريين هما:

ـ1ـ ان “الاقتصاد” الاميركي (الخدماتي ـ العملوي ـ النفطي ـ المخدراتي) اصبح مرتبطا عضويا ارتباط حياة وموت بـ”اقتصاد” المنطقة. واذا انسحبت الجحافل العسكرية الاميركية من المنطقة، فإنه لا توجد اية قوة عسكرية او زعامة سياسية اقليمية يمكن بعد الان ان تضمن “المصالح” الاميركية بموجب اي “اتفاقات صداقة” او “تعاون” او ما اشبه. بل على العكس، فإنه في حال انسحاب القوة العسكرية الاميركية، فإن عملاء اميركا الحاليين انفسهم سيتسابقون للتبرؤ منها اكثر من الوطنيين، خوفا على انفسهم ومصالحهم، حتى لا تعلق رقابهم على حبال الغسيل الوسخ وحتى لا تسحل جثثهم النتنة في الشوارع وترمى بقاياها للكلاب الشاردة.

ـ2ـ انه من سوء حظ الرأسمالية (القاعدة الاجتماعية ـ الاقتصادية للامبريالية) انها، اولا، لا تخلق فقط اعداءها وحفاري قبرها؛ بل هي، ثانيا، وبطبيعتها ونزعتها “الربحية”، “تقدم” لهم الاسلحة والادوات الضرورية لدفنها، وفي هذا السياق فهي لا تستطيع ان تقف بوجه التطور العلمي، بل هي مضطرة، ان تخدم العلم وتسهم في تطوره، من خلال سعيها لاستخدامه لاجل تأمين المزيد من الارباح. والتطور العلمي يسير بسرعة مذهلة، وتصبح المنتوجات العلمية اكثر فأكثر “بساطة” وفي متناول الاولاد انفسهم. كما ان المسافات والقياسات الزمنية قد اختصرت، سواء بالمواصلات او بالاتصالات. وهذا ينطبق على الوسائل و”السلع” السلمية والحربية على السواء، بل انه يزيل “الحدود” بين ما هو سلمي وما هو حربي. وهذا الشيء يقال عن مختلف انواع الاسلحة الميكانيكية، والاوتوماتيكية، والكيماوية، والجرثومية، والنووية الخ. فلم يعد بالامكان احتكار لا البندقية ولا المدفع ولا المواد المتفجرة ولا الصاروخ ولا القنبلة النووية (المنمنمة مثلا) ذاتها. ولم يعد بامكان اية قوة، مهما كانت كبيرة وعظيمة، ان تختار “ميدان المعركة” وتحصر الصراع في منطقة بعينها بالذات. ونحن الان نعيش في عصر علوم الفضاء والكومبيوتر والكيمياء والفيزياء المتطورة والمبسطة. والقوة (العلمية والاخلاقية والقانونية) التي اعطت اميركا “الحق” في ان تأتي وتقتل الملايين في العراق وافغانستان، هذه القوة، بمفعولها المضاد، تعطي العرب والافغان والشعوب الاسلامية الاخرى وشعوب العالم المظلومة قاطبة الحق في ان تنقل ميدان المعركة الى داخل اميركا والى اي مكان يوجد فيه وجود اميركي وصهيوني للرد على النار بالنار والاذية بالاذية والموت بالموت والشر بالشر والبادئ أظلم.

XXX

الان نحن امام مشهد جديد تحاول فيه اوروبا (الغربية طبعا) ان تقف عائقا بوجه النزعة التسلطية العالمية لاميركا.

واوروبا (الغربية) لا تفعل ذلك حبا بروسيا او الشرق العربي ـ الاسلامي او مبادئ الحق والحرية والاخاء الانساني. بل تفعل ذلك دفاعا عن نفسها، والاصح القول خوفا على نفسها. فأوروبا تنوء بفاتورة جرائم تاريخية كبرى ضد شعوب الشرق (العربي ـ الاسلامي، والروسي) نكتفي بذكر بعضها: صلب السيد المسيح بالمشاركة مع الطغمة اليهودية، ومطاردة وقتل المسيحيين الاوائل بعشرات الالاف؛ شن “الحروب الصليبية”؛ دعم الامبراطورية العثمانية في استعمار واستعباد وتخليف ونهب الشرق العربي؛ استعمار البلدان الشرقية وقتل الملايين من خيرة ابنائها ونهب خيراتها وابقائها في مستوى متدن ومنحط من التطور والتقدم؛ تمزيق وتجزئة البلاد العربية الى دول كراكوزية على قياس المصالح الامبريالية؛ انشاء ودعم اسرائيل قبل اميركا ذاتها؛ المشاركة ولو الجزئية في قوات الاطلسي والقوات متعددة الجنسية التي تحتل العراق وافغانستان، مما يشرعن الاحتلال والعدوان الاميركي؛ اما بالنسبة لروسيا فقد كانت الضحية الاكبر للعدوان النازي والفاشي في الحرب العالمية الثانية حيث دمرت الاراضي المحتلة السوفياتية تدميرا شبه كامل، وسقط ما يتراوح بين 20 و 30 مليون قتيل سوفياتي اغلبهم من الروس؛ لقد دفعت المانيا مليارات الدولارات لاسرائيل تعويضا عن الهولوكوست، ولكن المانيا واوروبا الغربية التي انتجت النازية والفاشية لم تدفع شيئا الى الان لروسيا التي يعود لها الفضل الاول في سحق النازية والفاشية.

وتدرك اوروبا الغربية انها، بحكم الوقائع التاريخية والراهنة وبحكم الموقع الجغرافي، لا يمكن الا ان تكون احدى الساحات الكبرى، وربما الساحة الرئيسية في ظروف معينة، للصراع المصيري بين اميركا والشرق الكبير (العربي ـ الاسلامي والروسي ـ السلافي ـ والارثوذكسي). والهم الاكبر للدبلوماسية الاوروبية اليوم هو العمل الحثيث للتخلص من الوصاية الاميركية، من جهة، وتحييد نفسها عن الصراع العربي ـ الاسرائيلي، من جهة ثانية، ومد الجسور وتمتين العلاقات الايجابية البناءة مع الشرق الكبير، من جهة ثالثة.

ولاسباب جوهرية عديدة يقع على عاتق فرنسا، اكثر من اي بلد اوروبي غربي آخر، ان تضطلع بدور المبادر في الدبلوماسية الاوروبية الغربية الراهنة، وهي تمتلك مفتاحا رئيسيا هو “تجميد” الدبلوماسية الاطلسية التي ساقتها اليها اميركا، والعمل على تحقيق “اوروبا الكبرى” اي “الاتحاد الاوروبي” + روسيا، التي هي اعظم واكبر بلد اوروبي، وفي الوقت نفسه بلد “اوراسي” اي “اوروبي ـ اسيوي”. وكما تقول بعض المبادئ الستراتيجية فإن اوروبا بدون روسيا هي شيء ما، او لا شيء، اما اوروبا مع روسيا فهي كل شيء.

وتفيد الانباء مؤخرا انه، على غرار فرنسا ـ ديغول في الستينات، فإن الرئيس الفرنسي الحالي نيكولا ساركوزي يخطط لتقديم برنامج للتعاون بين الاتحاد الاوروبي وروسيا في حقلي الاقتصاد والامن.

ويعتبرساركوزي انه لاجل ان يسير الاقتصاد بشكل طبيعي ينبغي ان يتم وضع هندسة جديدة للعالم. والرئيس الفرنسي هو مقتنع بأن الصين وروسيا ينبغي ان تشاركا في هذه العملية. وحسب تقدير موظفين فرنسيين كبار فإن ذلك ينبغي ان ينطلق من القمة الفرنسية ـ الروسية ـ الالمانية التي عقدت في دوفيل (فرنسا) في 18 ـ 19 تشرين الاول الجاري. وتثمن موسكو بشكل ايجابي هذه المبادرة لباريس. وكتبت جريدة “تايمز” البريطانية تقول ان واشنطن تتخوف من انه اذا تحققت هذه الفكرة، فإنها ستؤدي الى الاخلال بتفوق الولايات المتحدة الاميركية. وتقوم الفكرة على انشاء منطقة مشتركة للتعاون في حقل الامن والاقتصاد، مما سيؤدي الى زيادة نفوذ الصين.

والتعاون ينبغي ان يساعد على التقريب بين روسيا والاتحاد الاوروبي، بمعزل عن حلف الناتو.

وقد لاحظت جريدة “نيويورك تايمز” الاميركية ان اقتراح ساركوزي اثار الاستياء في واشنطن. وعلق موظف اميركي كبير فضل عدم البوح باسمه قائلا “منذ متى توقف الامن الاوروبي عن ان يكون محط اهتمام الاميركيين، واصبح مسألة ينبغي حلها من قبل اوروبا وروسيا”.

ولدىساركوزي رغبة في ان يستغل مناسبة رئاسة فرنسا لقمة العشرين الكبار (G-20)، التي ستفتتح في 14 تشرين الثاني القادم، من اجل ان يطرح فكرته. وهو قد طرح هذه المسألة في دوفيل ايضا خلال الاجتماع مع الرئيس الروسي دميتريي ميدفيدييف والمستشارة الالمانية انجيلا ميركيل. وليس من الصدفة ان لقاء ساركوزي، ميدفيدييف وميركيل قد تم قبل قمة الناتو في ليشبونة، التي ستنعقد في 20 تشرين الثاني. وقبل اللقاء الثلاثي صدر عن قصر الاليزيه بلاغ مكرس للقمة الفرنسية ـ الروسية ـ الالمانية، واشار البلاغ ان القمة ستطرح امكانية ان تقوم البلدان الثلاثة بتبادل الاراء حول المشاركة في جميع الحقول، وفي مواجهة جميع التحديات، وفي قضايا الامن.

ومن جهة ثانية اذاعت وكالة الصحافة الفرنسية ان الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، الذي سيتولى في تشرين الثاني رئاسة قمة الـ (G-20)، دعا الى اقامة “نظام عملوي جديد”، في اليوم الاول لملتقى اوروبا ـ اسيا، الذي ينعقد في بروكسل.

وجاء في الكلمة التي القاها ساركوزي يوم الاثنين 11 تشرين الاول الجاري امام المشاركين في الملتقى “اننا نعيش في عالم، يحمل فيه عدم التوازن العملوي الخطر على جميع الاقتصادات”. واشار الى ان كل بلد يستخدم حقه في الدفاع عن سيادته من خلال انتهاج سياسته العملوية الخاصة. الا انه اشار ايضا الى وجود خلل في غياب اجراء مباحثات بين اقتصادات مختلف البلدان فيما يتعلق بالمسائل العملوية، في ظل عدم وجود نظام عملوي موحد.

ان ايجاد نظام عملوي جديد يعتبر من اولويات رئيس الدولة الفرنسية خلال فترة رئاسة فرنسا لمجموعة (G-20)، التي ستبدأ في 12 تشرين الثاني القادم.

وفي هذا السياق تواجه اوروبا (بما فيها روسيا) مشكلة تردد الصين في رفع سعر اليوان الصيني، من اجل المساهمة في زيادة الصادرات وتعديل الميزان التجاري لمختلف دول العالم، والتخفيف من التبعية الاقتصادية الصينية لاميركا عبر التوظيفات الاميركية الكبرى في الصين. ولكن اوروبا الكبرى يمكنها تعويض الصين عن خسائرها المحتملة في الميزان التجاري الخارجي، عن طريق دعمها من قبل روسيا بالطاقة، وعن طريق التعديل الايجابي لميزان المدفوعات الصيني بحقن الاقتصاد الصيني بتوظيفات اوروبية جديدة تعادل وقد تفوق التوظيفات الاميركية الراهنة.

XXX

واذا قدر للمبادرة الفرنسية الراهنة ان تنجح، اكثر مما نجحت المبادرة الديغولية في ستينات القرن الماضي، وبكلمات اخرى اذا قدر للتعاون الاقتصادي ـ الامني، الاوروبي ـ الروسي ـ الصيني، ان ينجح، فهو سيفتح الباب واسعا لنجاح التعاون بين اوروبا الكبرى (وعمودها الفقري روسيا) وبين الشرق الكبير عامة، ومع ايران والعالم العربي ـ الاسلامي خاصة. والنتيجة الاولى المحتمة لذلك هي رفع الوصاية الاميركية على نفط الدول العربية وقطع حبل السرة بين الدولار والنفط.

وهذا يعني ان الاقتصاد الاميركي كله، وخصوصا الدولار غير المغطى بالذهب والنفط، سيوضعان مرة والى الابد في مهب الريح، وبالتالي سيوضع وجود الدولة الاميركية الموحدة ذاتها في مهب الريح.

الملجأ الوحيد والاخير للدولار ستبقى زراعة الخشخاش في افغانستان والكولا في كولومبيا وغيرها وسيوضع البيت الابيض نهائيا تحت رحمة أمراء الافيون الافغان وبارونات الهيرويين الكولومبيين. وبعد ان كان حامد كارزاي موظفا لدى ديك تشيني، سيصبح تشيني وبوش واوباما موظفين صغارا عند حامد كارزاي.

:::::

* كاتب لبناني مستقل