ما بعد الخابيرو، وطرفة التهويد

( إلى الرفيقين د.عادل سمارة ومسعد عربيد )

 

ما بعد الخابيرو،  وطرفة التهويد

أحمد حسين

 

أنشأ الخابيرو ” الزملاء ” تنظيمهم الخاص بعد طردهم من مصر جماعيا،  على  خلفية كونهم معسكرا جماعيا لعمال التراحيل. كان معسكر العمل هذا قد تم تجميعه من قبل الإمبراطوريتين الفرعونية والبابلية ( المقصود بالبابلية كل إمبراطوريات أرض ما بين النهربن المتعاقبة )،  من الجنود المرتزقة في  الجانبين،  بعد أن لفظتهم مرحلة الهدوء والتعب من الحرب بينهما،  وأخذوا يشكلون عبئا على الأمن الإجتماعي وطرق التجارة. كانت الفترة هي فترة بناء الأهرامات،  وازدهار مصر الزراعي  والتجاري،  والحاجة إلى الأيدي العاملة الأجنبية. وكان الخابيرو يتألفون في غالبيتهم من الحثيين والقبائل البدوية السامية التي كانت تتحرك على تخوم الدول والإمبراطوريات في ما بين النهرين وسوريا.  وعزل الخابيرو في معسكر عمل صحراوي قرب موقع بناء الأهرامات،  لذا نلاحظ خلو التوراة من ذكر أسماء أية مواقع تفصيلية داخل مصر.

 

فيما بعد،  تحول الخابيرو إلى قوة عمل،  منافسة رخيصة ومنظمة بتلقائية العزل،  شكلت عبئا على العمال المحليين،   ويبدو أن ذلك قد أدى إلى قيام حركة شعبية تطالب بإخراجهم من مصر. يدل على ذلك أن العقاب الإلهي في التوراة،  يوحي بوجود اضطهاد عام لليهود،  يقرينة أن العقاب عم جميع المصريين بدون استثناء (الضربات العشر )،  وأن حادثة قتل موسى للمصري الذي اعتدى على اليهودي توحي بوجود حركة عداء عامة  ضد الخابيرو ( اليهود في التوراة ). وإبقاء اليهود في سيناء وهي أرض مصرية يوحي بأن إبعاد الخابيرو لم يكن بمبادرة رسمية من جانب النظام وأن العلاقة ظلت قائمة بينهم وبين النظام المصري لعقود طويلة  بعد الطرد. ( قصة الميرة   ويوسف وهاجر المصرية ).  ومع أن هذه الأمور الثلاثة  لا يتلائم تاريخها في القصة التوراتية مع السياق الذي تقدمه التوراة،  لأن التوراة ليست تاريخا،  بمدى ما هي  دراما تاريخية خاصة،  دون معظمها الساحق بعد الواقعة المركزية بقرون عديدة. ولا يستبعد أبدا أن تكون هذه الأمور الثلاثة أكثر حداثة في التاريخ منها في التسجيل،  لأن تلك الأمور الثلاثة بما في ذلك حادثة القحط،   لا ذكر لها في الأرشيف المصري رغم أهمية اثنتين منها أهمية تقتضي التسجيل.

 

كان الصراع البابلي المصري على مراكز وطرق التجارة السورية القديمة يشكل سمة العلاقات السياسية والعسكرية بين الدولتين. وفي رحلة سنوحي المصري إلى البلاد السورية،   ما يشير ربما  إلى نشاط ” استشراقي ” مصري هناك،  ما يؤكد إلى جانب إشارات بردية أخرى إلى مدى  الإهتمام الإستراتيجي المصري بالبلاد السورية. لذلك لا يستبعد أن خروج الخابيرو من مصر،  بغض النظر عن ملابساته،  كان محاولة لإقامة مركز استيطاني مصري في أرض كنعان،   على غرار التعاقد الغربي الصهيوني في وقتنا الحاضر. ولا يمكن الإعتماد على سكوت التوراة  أو البرديات المصرية  عن أية صلة ظلت قائمة حتما  بين الطرفين،  أثناء تمركز الخابيرو في سيناء المصرية،  لأنه ليس بالمن والسلوى وحدهما تعيش الجماعات الكبيرة،  إذا أخذنا بعين الإعتبار حالة العداء  والصد التي كانت قائمة بين الخابيرو والشعوب العربية المستوطنة على التخوم بين سيناء والمراكز الحضارية. وحينما نتأمل في بعض نصوص التوراة نجد كثيرا من الشواهد على أن الخابيرو خرجوا من مصر يحملون معهم حلم اقتحام أرض كنعان،  وهو الذي كان وراء ظهور الوعد الإلهي التعبوي،  وليس العكس. وغياب موسى عن الجماعة في سيناء  يوحي بأن حادثة طورسيناء ربما حدثت له أثناء عودته إلى  مصر من سيناء…. ” إذهب إلى فرعون إنه طغى “. ويمكن الإعتماد على الرواية القرآنية في الإستنتاج لأنها في هذا الجانب متوافقة مع الرواية التوراتية.

 

إن الإعتماد على التوراة ككتاب تاريخ غير ممكن. فالتوراة  بحكم كونها  مدونة حديثة نسبيا إلى مضمونها،  تظل كتابا للعقيدة لم يكن أصحابها بحاجة إلى تبرير زمني يدعم مضمونها السماوي. فالمبرر الإيماني هو المطلوب وليس أكثر.  فما الداعي إذن إلى سياق شديد الإحكام والوضوح التفصيلي في التوراة حول موضوع القومية والتاريخ والعقيدة،  بحيث تتساند  كلها وتتبادل  ملء الفراغات،  وتكون في مجموعها عقيدة واحدة ذات وضوح تاريخي  مجمع عليه؟ ألإجابة المنطقية هي أن الحاجة إلى صناعة شعب من أعراق ولغات وثقافات مختلفة جمعتها سلسلة من الصدف في قسرية تاريخية واحدة،  يقتضي تعاون الجميع ليس فقط على إنشاء رواية تاريخية موحدة،  وإنما  تبنيها كموروث تاريخي لا يقبل الشك.  وليس في هذا المشروع أي عيب أخلاقي ما دامت الضرورة تدعو إليه،  في ظروف يعني التفرق فيها فناء الجميع. كما أن التاريخ  ليس إلا  وليد دينامية  ظرفية  وصناعة يمكن أن تتم داخل جدل العزلة والحاجة. لقد تحول الخابيرو عبر مشروعهم  الإستبنائي إلى شعب تنقصه أرض. وهنا يبدأ الإشكال مع التاريح والآخر الذي يملك الأرض،  وموضوعية الإستهداف الإحتلالي أو الإستيطاني،  بالجوار والأهلية. وكان الخيار الكنعاني موجودا في الحلم،  كما يبدو،  سواء بتلقائية الظروف،  أو بالتعاقد مع المصريين.

 

 يمكنك بسهولة شديدة متابعة اليهودية تاريخيا بتفاصيلها في التوراة،  لكن المتابعة في أرشيف التاريخ تصبح في منتهى الغموض،  أو شه مستحيلة،  بدون الإستعانة بنصوص التوراة،  أو بمحاولة تجميع خيوط التاريخ غير الموصولة  لتكوين مجرد صورة  فكرية  لها بعض المنطق التاريخي  الترافعي.

 

إذن يمكن القول أن عقيدة السياسة وسياسة العقيدة،  تتكاملان  في اليهودية لتأدية ما هو أرضي  على خلفية ما هو سماوي.  ولا يمكن  فرض هذا المنهج سياسيا إلا بالقوة المجردة. لذلك لا يمكن تبني الموقف سياسيا،  بدون التبني السياسي أيضا للعقيدة. وهذا يفسر الفلسفة الإيديولوجية العامة،  والفلسفة السياسية العملية التي تخلق التاريخ بالقوة،  التي قامت عليها فكرة الصهيونة. وتفسر بالتالي تبني المواقف السياسية الدولية على نطاق واسع لشرعية التهويد كضرورة سياسية للمصلحة الإقتحامية. وفي حين فشل مشروع المصريين مع الخابيرو في الوصول إلى الهدف،  فإن المشروع المشترك للصهيونية والزميل الرأسمالي الغربي،  قد نجح حتى الآن نجاحا أسطوريا بعد أن ترسخت فكرة الشعب اليهودي تراثيا  وسياسا. 

 

إن فكرة تهويد الوطن الكنعاني – الفلسطيني اليوم –  تنجح الآن بالقوة،  وبالتبني الغربي الجارف،  وبالحضيضية النظامية النادرة للعرب. ولكن ليس هناك مناص أمام الفكرة،  من إشكال الرفض الفلسطيني لنكبة بهذه الفداحة لبنيته،  وجحود حقه التاريخي المحقق في الوجود الوطني  والإنساني والإجتماعي،  بطريقة وتصفيته بطريقة إحلالية على مستوى  همجية  القوة والسياسة.

 

ألغرب والصهيونية يلعبان بقضية تهويد كنعان أو فلسطين ليس على مستوى الحاجة الميدانية الآنية،  أو على أي مستوى إيديولوجي مدعى،  وإنما  فقط  كلوجستية ذهنية من أجل التأبيد الإستراتيجي  النسبي لمشروعهما. ولكن حتى هذا إذا تم  سياسيا،  أي مرحليا،  فلن يحل الأشكال مع الفلسطينيين إلى الأبد. القضية في الوجدان الفلسطيني ليست قضية سياسية. وأصحاب المشروع  بكل عنفوانهم العملي،  لم يستطيعوا أن يحولوها  لدى الشعب الفلسطيني إلى التداول السياسي ولن ينجحوا في ذلك.  وفقاعات السياسة والقوة لا يمكن أن تستوفي أكثر من زمنها،  أمام عقيدة حتم الكينونة الإنسانية  والوطنية للفلسطينيين. إن التزام الفلسطيني ليس خيارا. بحكم كونه إنسانا،  لا مثقفا سياسيا فقط. إن وجوده كإنسان يهان كل يوم على يد السياسة،  ولو كان بوسعه أن يفكر سياسيا فقط،  لما كان له وجود على الساحة اليوم. فقد خسر المعركة السياسية والعسكرية منذ  48 عشرات آلاف المرات. خسر الوطن كله والبنية المدنية كلها،  وما زال على طريق الخسارة اليومية لدمه،  وكرامته تنتهك كل عدة ساعات على المنابر. وآخر هذه الإنتهاكات لعبة التهويد التي تحاول دفعه إلى اليأس،  وكأنها أكثر من مجرد كلام. إنه يعي اللعبة تماما،  ويعرف أنه ما دام فلسطينيا،  فلن يتهود الخابيرو أبدا،  أو تتهود فلسطين. فأية واقعة في العلاقات البشرية مطالبة بمسوغ له وجود في الموضوع والعقل،  لتجد لها مكانا في الصيرورة التاريخية. لا يوجد وقائع مجانية تفرض على الصيرورة  بالتجاوز وحده. ولا يمكن عمليا تمرير مطلق الظلم   بالقوة على مطلق الحق،  لأن هذا يعتبر خللا طبيعيا،  تنتصر فيه القوة على القانون الطبيعي وهو مستحيل تجريبي.  والتهويد موضوع يتجاوز أزلية التاريخ بلحظة القوة. يستطيع أن ينقل الملكية المادية،  ويسقط المواطنة سياسيا،  ولكنه لا يستطيع أن يلغي قانون المعنى،  إلا بإلغاء الأخر. فلننظر إذا كان يستطيع ذلك. فللوجود مكائده الجدلية التي لا تنتهي لحراسة قوانينه من العبث السياسي.

 

إن لعبة التهويد هي مجرد محاولة للتماسك،  وترسيخ الملكية المادية بالقوة على كامل فلسطين. وليس لها أي معنى إسرائيليا،  سوى تجديد دورة المنازلات العسكرية مع الفلسطينيين والشعوب العربية،  بأمل أن يؤدي ذلك إلى استعادة القدرة على الحسم العسكري،  وبدء دورة جديدة من علاقات اليد العليا  في المنطقة. أي أن الموضوع هو موضوع مغامرة  لإجهاض المقاومة،  ومصادرة التاريخ والساحة لعقدين إضافيين أو أكثر من الزمان،  قد تستطيع خلالهما تحقيق الحل النهائي بالعسكرية السياسية المباشرة. وهي لا يهمها أن يعترف الفلسطينيون والعرب بذلك أم لا،  ما دام العالم سيعترف لها  بحدود الحل الأردني،   وينسي كل ما هو متعلق بحدود 67 التي أصبحت خيالا تاريخيا،  وباسطورة دولة الشعب الفلسطيني.

 

إن التهويد قد يكون له دور آخر في عقول استراتيجيي الإستشراق الصهيوني في مراكز البحث الأكاديمية. وليست بدعة ما بعد الصهيونية التي أطلقها بعضهم على ما يفترض أنه  فاصل تطوري  يشكل قفوة نوعية في الأيديولوجيا أو الوضع اللوجستي  أو العقل الإستراتيجي للصهيونية في هذه المرحلة،  حتى لو قبلناه  فإنه تجاوز تطوري في التكتيك يخص علاقة الصهيونية بذاتها وبالشركاء الغربيين والعالم الخارجي،   ولا يخص واقع الصراع الفلسطيني الصهيوني بشئ. والصهيونية لا ينطبق عليها مفهوم المابعد أصلا،  فقد قامت على شمولية مقررة مسبقة دينسياسية أو سياسدينية مما يجعلها إيديولوجية مغلقة وثابتة بكل المقاييس. والمطالبة بالتهويد هي ظاهرة رجعية مفرطة تؤكد على الإشكالات الدينية الخاصة باليهودية في تصور العلاقة بالآخر. وواضعو مصطلح ما بعد الصهيونية،  ينطلقون على الأغلب في إطلاق مصطلحهم من منطقة النوايا الإستراتيجية الخاصة. فالتهويد،  وتموضع الأماكن المقدسة للطوائف اليهودية الثلاث ( اليهودية والمسيحية والإسلامية ) داخل إسرائيل ( مملكة داوود،  الجد الأعلى ليسوع،  والأخ الروحي لمحمد ) يفترض أن تجعل من إسرائيل مركزا روحيا لأكثر من نصف سكان العالم. سيوضع كهنوت الدولار  تحت الوصاية الأمريكية،  أما  كهنوت  الإنسان والحضارة  والروح فسيكون إسرائيليا  بالوراثة والأهلية التأسيسية. فلعل هذا هو ما يقف وراء طرفة المابعد  وطرفة التهويد.  ومن حيث الإمكان الآلي فإن هذا لن يكون صعبا على التعميم والقبول في الغرب،  فاليهودي الغربي  مؤهل لهذا  وجدانيا،  ولا يحتاج ألأمر أكثر من التعميم الإعلامي. فالفكرة بحد ذاتها تتمتع لديه بوسامة  دينية وسياسية واقتصادية  وأمنية. ومع أن الإسلام أقرب إلى اليهودية من اليهود أنفسهم عقديا،  إلا أن  فكرة الشجب الديني ليهود ما بعد الإسلام تسيطر عليه،  لأن أرثذوكسيتهم ناقصة فيما يخص أنبياءهم والتزامهم الديني،  ولأنه كان عليهم أن يعتنقوا الإسلام الذي أعتبر نفسه وريثا طائفيا تطوريا لليهودية. أضف إلى ذلك العوائق النفسية والمآسي العربية التي سببها الصراع الذي فرضته الصهيونية على اليهود الهجريين أي الإسماعيليين من العرب. ولكن التغلب على هذه الصعوبات ممكن حتى خارج موافقة الهجريين المعلنة. فالوجود الهجري وجود شكلي فقط،   والخليجيون  مستعدون لكل ما يراد منهم أو بهم. كما أنه يمكن الإكتفاء  بتمرير التهويد استيطانيا وسياسيا في المرحلة الأولى،  وسيتكامل كل شيء بالهدوء التراكمي المتوقع.  ألصد الفعال والمؤثر يمكن أن يأتي من الروح القومية المترنحة،  ومن بعض دول المنطقة القومية مثل إيران وتركيا. فإذا تكامل المشروع الغربي الصهيوني الى الصورة التي سبق ذكرها،  يمكن القول أننا نعيش في عصر ما بعد الصهيونة بمفهوم البعدية الزمنية للماقبل من حيث التأسيس،  أي ما قبل بداية القرن العشرين. أما المابعدية الوحيدة الممكنة في التاريخ اليهودي فهي ما بعد الخابيرو.