التاريخ لا يُصنَع على هذه الكنَبة

 

التاريخ لا يُصنَع على هذه الكنَبة

هشام البستاني

 

لثوّار مصر الذين غادروا كنباتهم، وأحرقوا الشاشة.
إنها تمطر الآن، مرّةً أخرى. كأنَّه شتاء طفولتي، لكنَّ الرأس تغيَّر وامتلأ بالنُّدوب، ولم يعُد بخفَّة الأيام التي مضَت. إنها تُمطر الآن، وما يسقُط على رأسي هو كلمات الإمام الثقيلة المتساقطة من المئذنة القريبة.
الجمعةُ الأولى من شباط (فبراير) ليست يوماً عاديّاً في غرفتي. الشوارع في التلفاز تفيض بقطرات ملوّنة من البشر والحجارة والمتاريس. وبين حين وآخر، تُرعِد رشقاتُ طلقات ناريّة وتُبرِق قنبلة المولوتوف.
يتصاعد الأذان وصداع في رأسي، وأصير أغوص وأغوص باحثاً عن ذلك الطفل/ أنا مدفون تحت أعماق طبقات وطبقات من الخيانة.
«
الشعب يريد إسقاط النظام.» يصيح المطر الذي يصير سيلاً يتزحلق على إسفلت الشارع ويسقُط في البالوعة، فوق رأسي مباشرةً. وأنا أُحسّ بالبرد، ولا أمدُّ يدي من تحت الغطاء لتلمس الريموت فتتغيّر المحطّة. ستتجمّد في الطريق رغم سيل الماء المنهمر، ثم تتعفّن وتنقطع.
«
آآآآميييين ن ن ن» سأصيرُ بلا يد.
«
آآآآميييين ن ن ن»
قلتُ: سأصيرُ بلا يد!
«
آآآآميييين ن ن ن»
هكذا إذاً.
«
ارحَلْ بَأَهْ يا عَمّ». خَلِّ عَندكْ دمّ. كان العامل يصرخُ على باب سفارته في عمّان. عامل سيعفّن في أقبية الفرعون الميّت إن عاد للحياة، فلا متظاهرون في كشك ضابط الحدود، لكنّه يصرخُ رغم ذلك، وأصحابُ ربطات الأعناق يبتسمون للكاميرات ويبحثون عن شخص يهتف. «وين الهتِّيفة؟» قال أحدهم للهواء ثمّ تابع لهاتفه الخلويّ: «وين اللافتات؟»
خَلِّ عَندكْ دمّ.
«
وين اللافتات؟». ارحَلْ بَأَهْ يا عَمّ.
بيدي مظلّةٌ مكسورة المقبض، ولا مطر. توقّف المطر، ويجلسُ في صالوني مذيع ومحلّلون سياسيون، وصوتُ الخطيب الممتلئ بالبصاق. أفتح المظلّة وأتكوّر تحتها، فأجد دفتراً وقلماً وفُتات كلام وصوتاً مُفاجئاً: تررررنْ. رسالة نصيّة: «أنتَ لا تشكو أبداً. على كلّ حال، سأتركك لتُكملَ ما تفعلهُ، ويا ليتني كُنت معكَ لأحتضنكَ بقوّة وأخبركَ عندها أنني أمتلكُ العالم بين يديّ».
تررررنْ. رسالة نصيّة: «البلطجيّة. إنّهم يقتلوننا».
تررررنْ. رسالة نصيّة: «لم أتوقّع منكَ ذلك يا رفيق. سأَقطع علاقتي بكَ تماماً منذ الآن».
تررررنْ. تررررنْ. تررررنْ. حجارةٌ وبصاقٌ ومحللون سياسيون وسياراتٌ مسرعةٌ تدهس متظاهرين، وأصدقاء متآمرون وجموعُ مصلّين تشتري الخضر خارج الجامع القريب. سيّاراتُهم تُغلق الشارع وموكبٌ رسميٌّ كامل الزّمامير يُفرِغ المدينةَ وأنا بَردان.
كيفَ سأجدُ ذلك الطفل/ أنا؟ كيف؟
الشاشة تحترق، والتاريخ لا يُصنَع على هذه الكَنَبة. الشاشة تحترق، والريموتُ لا يغيّر التاريخ.
الشاشةُ تحترق، وأنا هُنا، خلفها.
لأَمُت إذاً. آمين.