“كنعان” تنشر كتاب “تحوُّل فنزولا إلى اشتراكية القرن الحادي والعشرين”

 تأليف غريغوري وِلْبيرت وترجمة بسام شفيق ابو غزالة.

 

مقدمة

حقيقةُ فنزوِلا

لا تُرَى في النادي الريفيّ

بل في التلال

حيثُ الشعبُ ومتاعبُه([1])

علي بريميرا

مع الارتباكِ العامِّ الذي يُهيمنُ اليومَ على الأحزابِ اليساريةِ وعلى المنظِّرين اليساريين حول العالم بعد الفشل المتتالي الذي حلَّ باشتراكيةِ الدولةِ وبالديمقراطيةِ الاجتماعيةِ، كان صعباً على المرءِ أنْ يتوقَّعَ دولةً في أمريكا اللاتينيةِ صغيرةً، وثريةً نسبياً، ولا تلفتُ النظرَ، أنْ تُعلنَ بجرأةٍ أنها ستُبتدعُ اشتراكيةَ القرنِ الحادي والعشرين. فلماذا وكيف كانت ممكنةً في فنزوِلا؟ وما الذي تعنيه؟ وما إمكانياتُ نجاحِها؟ هذه هي الأسئلةُ الثلاثةُ الرئيسيةُ التي يُحاولُ هذا الكتابُ الإجابةَِ عليها.

السياقُ الدوليّ

كان انتخابُ رئيسٍ يساريٍّ في فنزوِلا عام 1998 إيذاناً بما سيصبحُ في السنواتِ السبعِ التاليةِ موجةَ نجاحاتٍ يُحقِّقُها مرشَّحون للرئاسةِ من ذوي التوجُّهِ اليساريِّ في أمريكا اللاتينية. كان لْويز إغْناسيو “لولا” دا سِلْفا في البرازيل أوَّلَ اليساريين الذين لحقوا بهوغو تشافيز إلى رئاسةِ بلادهم في تشرين الأول 2002، ثم تلاه لوسيو غُتْييريز في الإكوادور في كانون الثاني 2003، ثم نِستور كيرْشْنر في الأرجنتين في أيّار 2003، ثم تاباريه فازْكْويز في الأورغواي في تشرين الأول 2004، ثم إيفو مورالِس في بوليفيا في كانون الأول 2005، ثم رَفائيل كورِيا في الإكوادور في تشرين الثاني 2006، ثم دانيِل أورتيغا في نيكاراغوا في تشرين الثاني 2006 أيضاً. وبينما اعتدل موقفُ بعضِ هؤلاء كثيراً بُعيد توليهم المنصبَ، مثل غُتْييريز و دا سِلْفا، فإنهم يمثلون موجةَ القادةِ من ذوي يسارِ الوسط الذين جاء انتخابُهم مفاجئاً قليلاً بالنظر إلى ما ذكرناه من ارتباكِ اليسارِ حول العالم.

على مدى تسعيناتِ القرنِ العشرينَ، عمليا، بدا “اليسارُ”، الذي كان يتراوح ما بين الديمقراطيين الاجتماعيين المعتدلين والاشتراكيين اليساريين، مرتبكاً نوعاً ما حول ما يجبُ أنْ يكونَ عليه برنامجُه السياسي. كان سقوطُ جدارِ برلينَ عام 1989، وتهافتُ الاتحادِ السوفييتيِّ وأنظمةِ اشتراكيةِ الدولةِ، إيذاناً بزوالٍ تامٍّ لمصداقيةِ اشتراكيةِ الدولةِ والتخطيطِ المركزيِّ كحلٍّ مؤسسيٍّ لتحقيقِ مُثُلِ الاشتراكية. وقد بدا هذا الانهيارُ في البداية تبرئةً للديمقراطيين الاجتماعيين، الذين كانوا ينادون دائماً بمزجِ الدولةِ والسوق، بدل إلغاء السوق إلغاءً تامّا.

بيد أنَّه سريعاً ما اتَّضحَ أنّ الديمقراطيةَ الاجتماعيةَ هي أيضاً مأزومة. ففي الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا، تولَّى يساريو الوسط الحكمَ في تسعيناتِ القرنِ العشرين بعد طولِ غيابٍ، لكنهم وجدوا أن وصفاتِهم الكينْزية حول تدخُّلِ الدولةِ في خلل السوقِ لم تعد تعمل كما كانت.([2]) أما عولمةُ الأسواقِ الماليةِ والديونُ الضخمةُ والعجوزاتُ المالية، فقد جعلت البرامجَ الديمقراطيةَ الاجتماعيةَ غيرَ قابلة للتطبيق. فبالنسبة إلى السياسات الديمقراطية الاجتماعية، غدا رأس المال متحرِّكاً أكثر مما يجب، وباتت دولة الرفاهة الاجتماعية أكثر كلفةً مما يُطاق. نتيجةً لذلك، حاول بِل كْلِنْتُن، وطوني بلير، وغيرْهَرْد شرودر أن يضعوا لليِسار برنامجاً جديداً أكثرَ اعتدالاً، تقبَّل في جوهرِه قواعدَ السوق التي اختلقها اللبراليون الجدد في ثمانينات القرن العشرين وحاولوا، لكي يضبطوا الموازنةَ، التخلَّصَ من البرامج الاجتماعية. في الوقت ذاتِه، حاولوا الإبقاءَ على مصداقيتِهم اليِساريةِ بالانحيازِ قليلاً إلى يِسارِ مناوئيهم المحافظين. في الوقت نفسِه، حكم في أمريكا اللاتينية الرؤساءُ الوسطيون بشكلٍ مشابهٍ، في جزءٍ منه نتيجةَ إقصاءِ اليِسارِ عن السياسة خلال دكتاتوريات سبعينات وثمانينات القرن العشرين، وفي جزءٍ آخرَ بسببِ القيودِ التي فرضتها وطأةُ الديونِ الضخمةِ والتحريرِ الماليِّ على أنظمة الحكم في أمريكا اللاتينية أيضا.

فذلكةُ القول، لم تعدْ الديمقراطيةُ الاجتماعيةُ قابلةً للتطبيقِ في عصرِ التدفقِ الرأسماليِّ غيرِ المقيَّدِ وفي غيابِ المواردِ المالية، بل برزت بدلاً منها اللبراليةُ الجديدة كمبدأٍ سياسيٍّ مهيمِن. وقد طُبِّق هذا البرنامجُ الاقتصاديُّ باعتباره انتقاماً في أمريكا اللاتينيةِ طوال ثمانينات وتسعينات القرن العشرين. أما نتيجةُ اللبراليةِ الجديدةِ، التي تعني خصخصةَ أصولِ الدولة، والتجارةَ الحرةَ، وتقشُّفَ الدولةِ مالياً، وتحريرَ سوقِ العمل، فكانت أبعدَ ما تكونُ عن المحاسنِ التي بشَّر بها رُسُلُ هذه اللبراليةِ الجديدةِ. ففي ما بين العامين 1980 و1999، أي في أوجِ اللبراليةِ الجديدةِ في أمريكا اللاتينية، بلغَ النموُّ الاقتصاديُّ في تلك القارة للفرد الواحد نسبةً تافهةً مقدارُها 11%، مقارنةً بنموٍّ للناتجِ المحليِّ الكليِّ بلغ 80% للفرد الواحد في العشرين سنةً السابقةِ (وكانت في معظمها فترةً كينزية)، بين العامين 1960 و1979.([i]) كذلك أدّت هذه النتائجُ الاقتصاديةُ الفقيرةُ والمصاعبُ الماديةُ التي تضمنتها كثرةٌ من السياسات إلى حركاتِ مقاوَمةٍ واسعةٍ غالباً ما قُمعت بعنف. وكما سوف نرى، كانت فنزوِلا مثلاً رئيسياً لفشل اللبراليةِ الجديدةِ وللمقاومة وللقمع.

 

يِسار جديد جديد؟

ما الذي يتبقى إذاً، كبرنامجٍ اقتصاديٍّ لبلدان أمريكا اللاتينية ولليِسار عموما؟ ذلك أنّ اشتراكيةَ الدولةِ، والديمقراطيةَ الاجتماعيةَ، واللبراليةَ الجديدةَ كلَّها تبدو وقد بلغت ختامَ مسيرتِها الفاشلة. وبحلول القرن الحادي والعشرين لم يظهرْ جوابٌ واضح، لكنَّ الناخبين في أمريكا اللاتينية كانوا مستعدين لمنحِ اليِساريين فرصةً أخرى، بالرغم من غموضِ برامجِهم. بيد أن رئيساً واحداً، من بين الرؤساء اليِساريين الذين انتُخبوا في العقد الأول، هو الرئيسُ الفنزوِليُّ هوغو تشافيز فْرِياس، أعلن أخيراً أنه يتبعُ أجندةً واضحةً مُناهضةً للرأسمالية وداعمةً للاشتراكية. في البدء، بالرغم من خطابيتِه الناريةِ إلى حدٍّ ما (وقد يصفها قائل بالشعبية)، كانت سياساتُ تشافيز معتدلةً كتلك التي يتبعُها زملاؤه اليساريون في أمريكا اللاتينية.

مع هذا، ثمةَ أمران يبرزان حين نقارنُ تشافيز بهؤلاء الرؤساءِ الآخرين. أولاً، جابهَ تشافيز معارضةً لرئاستِه أقوى، بل أعنفَ، مما جابه الآخرون، بالرغم من أنَّ سياساتِه الملموسةَ لم تختلفْ كثيراً عن سياساتِ الرئيسِ البرازيليِّ لولا دا سِلْفا أو الرئيسة التشيلية مِشيل باتشيلِت. ثانياً، كان لاصطدام تشافيز بالمعارضةِ أن جعلته في نهايةِ المَطافِ سياسياً يسارياًً أكثر أصوليةً مما كانت عليه بدايتُه. ولم يكن إلا بعد محاولة الانقلاب عام 2002، وإغلاقِ الصناعة النفطية المهمة في البلاد مدة شهرين في 2002-2003، والاستفتاءِ الشعبيِّ على تنحيةِ الرئيس في آب 2004، أنْ أعلن تشافيز في كانون الثاني 2005 – بعد أن كُرِّس رئيساً لستِّ سنواتٍ كاملة – أنّ برنامجَه السياسيَّ اشتراكيٌّ.

بطبيعة الحال، لا يعني إعلانُ تشافيز أنه يسعى إلى الاشتراكيةِ أن سياساتِه اشتراكية. فكثيراً ما زعم السياسيون تأييدَهم للاشتراكيةَ، ثم اتّبعوا سياساتٍ انتهت بهم إما إلى دكتاتوريةٍ مركزيةٍ أو إلى رأسماليةٍ معتادة. وهكذا، لكي نكتشفَ إن كانت سياساتُ تشافيز تتفقُ وخطابيتَه، ولكي نرى إن كانت هذه السياساتُ تشكِّلُ بديلا حقيقياً لاشتراكيةِ الدولة وللديمقراطية الاجتماعية وللبرالية الجديدة، من المنطقِ أنْ نتفحَّصَها بدقة. كذلك، حتى لو أنها تشكِّلُ بديلا حقيقياً، هل تؤدي حقيقةً إلى مجتمع أفضل؟

الطريق إلى اشتراكية القرن الحادي والعشرين في فنزوِلا

قبل تفحُّص ما إذا كانت فنزوِلا ماضيةً حقيقةً صوب شيءٍ قد يُسمَّى اشتراكيةَ القرن الحادي والعشرين، تُحاولُ هذه الدراسةُ أولاً أن تُفسِّرَ كيف ولماذا وُضِعت اشتراكيةُ القرنِ الحادي والعشرين على الأجندة في فنزوِلا. أي أنَّ تشافيز وحركتَه البُولِفارية ظهرا في فنزوِلا في وقتٍ محدَّدٍ جداً في تاريخ الدولة، في سياقٍ لعلّ الديمقراطيةَ الاجتماعيةَ واللبراليةَ الجديدةَ كانتا قد فقدتا مصداقيتَهما فيه أكثرَ منه في معظم دول العالم.

يُراجعُ الفصلُ الأولُ المُعنوَنُ، “جدلية الثورة المضادة والأصولية،” التاريخَ الفنزوِليَّ الحديثَ وكيف مكّن هذا التاريخُ وجودَ مشروعٍ جذريٍّ كمشروع ثورةِ تشافيز البُولِفاريةِ.([ii])إنه يشرحُ كيف اعتادت فنزوِلا، منذ عشرينات القرن العشرين، على العائدات النفطية المتزايدةِ بثباتٍ، مما أدى إلى تطوُّر دولةٍ قويةٍ ذاتِ اقتصادٍ تدخليّ. لكنْ، حين أخذت عائداتُ النفط تنحدرُ انحداراً طويلاً على مدى عشرين سنة في بدايات ثمانينات القرن العشرين، ولم تعدْ تستطيعُ دعمَ قطاع الدولة الكبير ونظاماً سياسياً كان يشتري الولاءَ السياسيَّ بعائدات النفط، جمح الفقرُ واللامساواةُ في هذه الفترة فبلغا أعلى المستويات في أمريكا اللاتينية. عندئذٍ، بدأ النظامُ السياسيُّ القديم يتهافتُ، وكان استشرى فيه القمعُ والفسادُ في قبضةِ حلفٍ إقصائيٍّ من حزبين، فأعطى ذلك دخيلاً سياسياً، كهوغو تشافيز، الذي وعد بتغييرٍ ثوريٍّ، فرصةً للفوز بالرئاسةِ عام 1998. هناك عاملٌ آخر مهمٌّ في صعود تشافيز إلى السلطة، أنّ حركتَه قد أُسِّست على ائتلافٍ بين قطاعاتٍ تقدميةٍ في جيش فنزوِلا وحركاتها وأحزابها اليسارية الأصولية التي كانت مُقصاةً تقليدياً.

كما قُلنا سابقاً، حين انتُخب تشافيز ألقى خطاباتٍ متطرِّفةً جداً، واعداً أن يقضي على الفقر والفساد وأن يقلبَ النظامَ السياسيَّ المتكلِّسَ في البلد رأساً على عقبٍ بدستور جديد. من المغري الظنُّ بأنّ برنامجَ تشافيز المُعادي للفقر والفساد قد استثار الصفوةَ القديمة في البلاد فشنَّت حملةً شعواءَ للخلاص منه. غير أن نجاحَه حقيقةً في إزاحةِ هذه الصفوةِ القديمةِ من مواقع السلطة هو ما استثار غيظها. فخلال السنوات الثلاث الأولى من رئاسته، كانت إجراءاتُ تشافيز ضد الفقر والفساد وفي إعادة توزيع الثروة متواضعةً جداً. لكنّ الدستور الجديد، الذي اقتضى إعادةَ تشريع جميع فروع الحكومة وما ينتج عنه من إزاحة الصفوة القديمة عن سلطة الدولة، هو ما استثار غضبها.

نتيجةً لذلك رفضت الصفوةُ القديمة في فنزوِلا قبول تشافيز كرئيس منتخبٍ شرعياً، وبذلت جهداً لا يُكبح جماحُه للخلاص منه. مع هذا، أثبت تشافيز أنه خصمٌ عنيدٌ ورفض أن يتنازلَ للمعارضةِ عن أيٍّ من مطالبها. وقد أدى النزاعُ الشديدُ إلى استقطاب المجتمع الفنزوِلي وكذلك إلى انفصام مجموعةٍ مهمة من ائتلاف تشافيز عنه وانضمامِها إلى المعارضة. وقد تمثلت أولُ مواجهةٍ رئيسيةٍ نجمت عن النزاع في محاولة انقلاب نيسان 2002، التي كشفت عن مدى صلَفِ المعارضة، التي لم تكتفِ برفضِ الاعترافِ بتشافيز رئيساً شرعياً، بل تجاهلت كلياً جمهورَه الانتخابيَّ المتنامي بين فقراء البلد ومُهمَّشيه. وقد كتب سوءُ تقديرِ المعارضة لشعبية تشافيز بين الفقراء والعسكر فشل ذلك الانقلاب.

سوءُ حسابِ المعارضةِ هذا، وقد جاء من الاعتقادِ بأنها تمثلُ الأغلبيةَ “العاقلةَ” في البلادِ ومن كونِ تشافيز رئيساً غيرَ شرعيٍّ، قاد إلى عدةِ مغامراتٍ أخرى فاشلة. كانت المغامرةُ التالية إغلاقَ صناعةِ النفطِ الأهمِّ مدةَ شهرين، من أوائلِ كانونَ الأول 2002 حتى أوائلِ شباط 2003، مما أفقدَ المعارضةَ قاعدةَ قوتِها في الصناعةِ النفطية. بعد ذلك حاولت طردَ تشافيز عبرَ الوسائلِ القانونيةِ باستفتاءٍ على إزاحةِ الرئيس. وقد فشلت هذه أيضاً بشكلٍ مشهديّ. ثم انتُخب تشافيز مرةً أخرى في كانون الأول 2006 في انتصارٍ كاسحٍ بنسبة 63%، مقابل 36% لخصمه الرئيسيّ.

غير أنَّ استمرار تهافتِ المعارضةِ نتيجةَ تكرارِ فشلها مع ثباتِ الازدهارِ النفطيِّ الجديدِ عامَ 2004، حرَّر حكومةَ تشافيز من القيود التي يواجهُها معظمُ اليساريين حين يستلمون الحكم. فمن الناحيةِ الاقتصادية، زال عملياً الضغطُ الناجمُ عن استرضاءِ رأسِ المالِ العالميِّ باسم الاستثمارِ الأجنبيِّ والتطويرِ بفضلِ ارتفاعِ أسعارِ النفط. ومن الناحيةِ السياسية، فقدت المعارضةُ قواعدَ قوةٍ حاسمةً في الحكومةِ والجيشِ وصناعةِ النفطِ وفي المجتمعِ عموماً، فتحرَّر تشافيز من حاجتِه إلى أن يأخذ بعين الاعتبار ردةَ فعلِ المعارضةِ لسياساته. وهكذا أشاح تشافيز بوجهِه عن تحفظِه السابقِ وأعلنَ على الملأ عام 2005 تحوُّلَه إلى شكلٍ جديدٍ من الاشتراكيةِ، “اشتراكيةِ القرن الحادي والعشرين”، التي سوف يعمل على مأسستِها في فنزوِلا. وقد دعمت تصريحَه الأحزابُ والقطاعاتُ التي أيَّدت تشافيز بحماسٍ لأنها أيضاً غدت متجذِّرةً من المجابهات السابقة مع المعارضة المدعومةِ من قبل الولايات المتحدة.

التعرف على اشتراكية القرن الحادي والعشرين في فنزوِلا

يُقدِم قلبُ الكتاب، من الفصل الثاني إلى الخامس، توصيفاتٍ وتحليلاتٍ تفصيليةً لسياسةِ الحكم، وسياسةِ الاقتصاد، والسياسةِ الاجتماعية، والسياسةِ الخارجية لدى حكومة تشافيز ومدى قدرتِها على الاقترابِ من المؤسسات التي تُطبِّقُ المُثُلَ التي يتحدث عنها تشافيز. في مجالاتِ السياسةِ الأربعةِ كلِّها إشاراتٌ واضحةٌ على أنّ الحكومةَ تتبعُ حقاً سياساتٍ إبداعيةً تتجاوزُ مؤسساتِ الرأسماليةِ المعهودة. غير أن هذه السياساتِ كثيراً ما تنقضُها أو تُقوَّضُها ميولٌ سياسةٌ منافية. مَثَلُ ذلك أنه بينما كانت حكومةُ تشافيز حادبةً على مشروعٍ مهمٍّ لزيادةِ مشاركةِ المواطنين في تشكيلةٍ واسعةٍ من مؤسساتِ الدولة، عزَّزتْ أيضاً أهميةَ الرئاسةِ وقوتَها، وهو ما يُقوِّضُ السياساتِ التشاركية. وفي مجالِ السياسةِ الاقتصادية، قطعت الحكومة شوطاً طويلاً في طريقِ إرساءِ ديمقراطيةٍ اقتصادية، لكن العائداتِ النفطيةَ العاليةَ التي لا يُمكن ضمانُها، والتي تعتمدُ عليها كثرةٌ من هذه السياسات، تُهدِّدُ قابليةَ التطبيقِ طويلِ المدى في المشاريعِ ذاتيةِ الإدارةِ في فنزوِلا. وتتواجدُ أنواعُ التناقضاتِ هذه في جميعِ مجالاتِ السياسةِ الرئيسيةِ التي نتفحّصُها هنا.

بالرغم من تكرارِ تناقضِ السياساتِ، يؤسسُ كثيرٌ منها لمؤسساتٍ من شأنِها أنْ تفي بمُثُلِ اشتراكيةِ القرنِ الحادي والعشرين. هذا إنجازٌ حاسم، ليس للفنزوِليين حسب، لأنه يُعزِّزُ الآمال بمزيدٍ من العدالةِ الاجتماعيةِ في فنزوِلا، بل يُقدِّمُ أيضاً مَثلاً أوسعَ لما قد تبدو عليه السياسةُ اليساريةُ أو الاشتراكيةُ في المستقبل. إن تحليلاً للمؤسساتِ الفنزوِليةِ التي تعملُ باتجاهِ تطبيقِ مُثُلِ المجتمعِ يمكنُ أنْ يُساعدَ في تقديمِ توجيهٍ وأملٍ ليسارٍ مُرتبكٍ، مُتشظٍّ، وغالباً فاقدٍ للمعنويات في العالم بأسره.

بيد أنه، بالإضافة إلى المشكلةِ المتكررةِ بشأن السياسات المتناقضةِ، هناك عقباتٌ أعمقُ كامنةٌ في مشروعِ الاشتراكيةِ البوُلِفارية متعلقةٌ بالحركةِ البوُلِفارية عينِها. يناقشُ الفصلُ الأخير، “الفرص، والعقبات، والتوقُّعات”، هذه العقباتِ ويرى أن المُعوِّقاتِ الثلاثةَ الأهمَّ في مشروعِ حكومةِ تشافيز هي استمرارُ الثقافةِ الأبوية، واعتمادُ الحركة البوُلِفارية اعتماداً يكادُ يكون تامّاً على تشافيز، وحكمُ تشافيز من الأعلى إلى الأسفل، وهو ما يقوِّض خلقَ مجتمعٍ تشاركي. فإذا استطاع مجتمعُ فنزوِلا وحكومةُ تشافيز حلَّ هذه القضايا الثلاثِ الرئيسيةِ، التي هي أمورٌ داخليةٌ في الحركة البولِفارية، وإذا جُعلت السياساتُ ذاتُها أكثرَ اتساقا، وإذا لم يكنْ هناك أيُّ تدخلٍ خارجيٍّ مهمٍّ، فقد تكون فنزولا مكانَ الأملِ الأعظمِ في إقامةِ الحرية، والمساواة، والعدالة الاجتماعية لأكثرَ من جيل.

من يرغبْ في الاستنادِ إلى قاعدةٍ لتقييمِ ما يمكنُ أنْ تعنيَه اشتراكيةُ القرنِ الحادي والعشرين في فنزوِلا وما إذا كانت سياساتُ حكومةِ تشافيز يمكنُ أنْ تقودَ حقيقةً إلى تطبيقِ مُثُلِ اشتراكيةِ القرنِ الحادي والعشرين، فعليه أنْ يقرأ الملحقَ الممهورَ بالعنوانَ “ما هي اشتراكيةُ القرنِ الحادي والعشرين؟” إنه يُقدِّمُ أولا بعضَ أفكارٍ عامةٍ حول هذه الفكرةِ الاشتراكية. ولسوءِ الحظ أنَّ تشافيز لم يُعرِّفْ بوضوحٍ اشتراكيةَ القرنِ الحادي والعشرين، باستثناءِ القولِ إنها حول إرساءِ الحريةِ، والمساواةِ، والعدالةِ الاجتماعيةِ، والتضامن. وقد أشار أيضاً إلى أنها تختلفُ اختلافاً بيِّناً عن اشتراكيةِ الدولة. بيد أنّ هذه المُثُلَ، بحدِّ ذاتها، لا تجعلُ تلك الاشتراكيةَ متميِّزةً عن معظم المشاريعِ الاجتماعيةِ الأخرى في القرنين العشرين والحادي والعشرين. من المؤكَّدِ أنَّ ما يميِّزُ اشتراكيةَ القرنِ الحادي والعشرين سيكونَ في المؤسساتِ التي تهدفُ إلى إيجادها، لا في المُثُل التي تسعى وراءها. وفي القلب، ستتميَّزُ مثلُ هذه المؤسساتِ بطبيعتِها الديمقراطيةِ والتشاركية. كذلك، إذا أقرَّ المرءُ بأنّ مؤسساتِ الرأسماليةِ الاقتصاديةَ – من مُلكيةِ وسائلِ الإنتاج، ونظامِ السوق، والدولةِ المساندةِ للرأسمالية – غيرُ قادرةٍ على تطبيقِ مُثُلِ المجتمع، فعلى المؤسساتِ الجديدةِ أنْ تُميِّز نفسَها بوضوحٍ عن هذه المؤسسات. يمضى هذا الملحقُ قُدُماً في إجمالِ ما يمكنُ أن تبدو عليه مؤسساتُ القرن الحادي والعشرين السياسية والاقتصادية اللارأسمالية، التي قد نصفها بالاشتراكية.

______

 


[1] الأغلبيةُ الفقيرة من أهل كاراكاس يعيشون على التلال، بينما يعيش أغنياؤها في ذلك الجزء من العاصمة المسمَّى “النادي الريفي”.

[2] “الكِينزية” (Keynesian) نسبة إلى جون م. كينْز (John M. Keynes)، الاقتصادي البريطاني (1883-1946) الذي يُعدُّ أكثر الاقتصاديين تأثيراً في القرن العشرين، وقد لقيت نظريته، بعد الحرب العالمية الثانية، رواجاً لدى الدول الرأسمالية الخارجة من الحرب. ذاع صيته عالميا من كتابه، التبعات الاقتصادية للسلام (The Economic Consequences of the Peace)، الذي نشره على أثر معاهدة فرساي (28 حزيران 1919) منتقداً المبالغة في التعويضات التي فُرضت على ألمانيا المنهزمة، متنبِّئاً بأنها ستحفز الرغبة في الانتقام لدى الألمان. أما كتابه الأشهر فهو النظرية العامة للتشغيل والفائدة والمال (The General Theory of Employment, Interest and Money) الذي نُشر عام 1936 وغدا المرجع للفكر الاقتصادي الرأسمالي. تتلخص فكرة كينز في أن إنفاق أحد الناس يعد دخلا للآخر، وإنفاق الآخر يعد دخلا للأول، وعندما يُحجم أحدهما عن الإنفاق، يقل دخل الآخر، وهكذا. لذلك يفسر كينز حدوث الكساد الاقتصادي بادخار الناس أموالهم وإحجامهم عن الإنفاق لسبب ما. عندها يرى أن على البنك المركزي أن يتدخل لتشجيع الإنفاق العام. [المترجم]


[i] Weisbrot and Rosnick (2003).

[ii] للاطلاع أكثر على هذا التاريخ وعلى تحليله، راجع الموقع التالي على الشبكة العالمية: (www.venezuelanalysis.com).