القومية الامريكية اللاتينية والتحدي الامبريالي الامريكي تاريخيا


نورالدين عواد

هافانا، كوبا

 

 

مدخــــــــــــــــــــــــل

“على الرغم من ان ظهور الدولة في حدّ ذاتها لا يقتصر على تشكيلة اقتصادية ـ اجتماعية (مجتمع) معينة، فان ظهور الامم مرتبط بالراسمالية، اذ ان المفهوم الاقتصادي والسياسي المستخدم للامة، والمقبول عالميا حتى اليوم،  يتعلق بتاريخ اوروبا السياسي. نفس الامر ينطبق على مفهوم الدولة ـ الامة، منذ ماكيافيلي وفوكوياما وصولا الى باراك اوباما…

“اعتقد ان الفكر الغربي المركزاني اوروبيا وامريكيا قد اختزله وكثّفه خبير الاجتماع السياسي بارسونز  Parsons، عندما كتب “الطريق الاكثر نجاعة للتطور، تشقه سيرورة المجتمع الغربي. وعليه، فان مجال الاختيار امام المجتمعات الاخرى، يقتصر على اتخاذها قرار بالتغربن (التغريب)، او على العكس، بالحفاظ على نظامها الاصلي ساري المفعول مما يحكم عليها بالتخلف، او بما هو ليس افضل، اي بحالة من الانحلال الدائم”. بمعنى، اما ان نتكيف مع الوضع القائم الجديد، واما ان  نفنى.

“ماركس طرح قضايا حول “الامة” في بعض نصوصه ومن بينها “راس المال” و”الثامن عشر من بروماريو نابليون بونابارت”، اما انجلز فقد درس هذه القضية اكثر من غيره في مؤلفه “اصل العائلة والملكية الخاصة والدولة”، بينما قدم لينين اعتبارات هامة حول جدولة هذه الظاهرة، وفي المقام الاول، تاكيده على ان الحركات القومية تصبح حركات جماهيرية، وبذلك تزجّ باكثرية السكان في السياسة. على الرغم مما تقدم، فان معالجة موضوع “الامة” على يد الماركسيين لا زال بعيد الاكتمال.

“مع ذلك، فان تعاليمهم المنهجية لا زالت صالحة ومن بينها ما يتعلق بـ “المنطق الخاص للموضوع الخاص” الماثل في اعمال ماركس منذ “نقد فلسفة الحقوق عند هيغل”. تقديرات ماركس جاءت نتيجة لدراسته التاريخ السياسي لاوروبا، حيث تطورت الراسمالية اكثر من اي منطقة اخرى في العالم، وهي تقديرات صائبة في ذلك السياق. عندما نذكر “الامة العربية” فان ذلك لا يعود الى دواعي شوفينية، وانما من اجل الاستشهاد بحالة تاريخية، وربما ليست الحالة الوحيدة في العالم (مثلا الامة الهندية او الامة الصينية) التي سبقت زمنيا ظهور الامم في اوروبا”[1].

اما بالنسبة للوضع في امريكا اللاتينية والكاريبي “آبيا يالا” وهذا هو اسمها الاصلي قبل الغزو والاستعمار الاوروبي لها، فهو مختلف تماما، حيث ابادت قوات الاستعمار العسكرية شعوب وامم كاملة في القارة، واستجلبت مستوطنين بيض وعبيد زنوج افارقة وصينيين صفر. وعلى امتداد قرون نشات شعوب مختلطة عرقيا، ومتفاوتة التطور اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا، وضحية لغزو امبريالي امريكي تحديدا، هدد ولا زال كياناتها ومستقبلها.

وجدت هذه الشعوب الناشئة طريق خلاصها عبر نضالات طويلة ومريرة، تتوجت بالاستقلال السياسي الشكلي غالبا، ولا زالت تناضل من اجل خلاصها واستقلالها النهائي فرادى وجماعات. لكنها وجدت في وحدتها القومية الالية الموضوعية اللازمة للصمود، والتنمية، والسيادة على اراضيها ومواردها ومصيرها.

الحلم الكبير (1790 ـ 1891)

                                    

ميراندا (1750 ـ 1816)                       بوليفر (1783 ـ 1830)                    مارتي ( 1842 ـ 1895)

 

ظهر الفنزويلي فرنسيسكو دي ميراندا FRANCISCO DE MIRANDA Y RODRIGUEZرائدا للتكامل الامريكي اللاتيني، عندما قام عام 1790 بطرح خطة من اجل تجميع اراضي اميريكا الاسبانية في اطار كونفيدرالية واحدة اطلق عليها اسم “كولومبيا”  Colombia

ثم جاء بعده فنزويلي آخر هو المحرر سيمون بوليفر SIMON BOLIVARالذي استعاد تلك الفكرة. فعندما كان لاجئا في كينغستون جامايكا ، كتب رسالة بتاريخ 6 سبتمبر 1815 قال فيها “انها لفكرة عظيمة العزم على تشكيل امة واحدة من كل العالم الجديد، بآصرة واحدة تربط كل اجزائها فيما بينها ومع الكلّ […]من المؤكد ان الوحدة هي ما ينقصنا من اجل استكمال انبعاثنا”.

لكن كان لا بد من النضال في سبيل نيل الاستقلال. في 9 ديسمبر 1824، وجهت القوات البوليفرية ضربة قاضية للقوات الاسبانية في معركة آياكوشو (البيرو)؛ وترتب على ذلك فقدان الامبراطورية الاسبانية لاراضيها في القارة باستثناء كوبا وبويرتوريكو. بعد ذلك بعامين (1826) نظّم بوليفر مؤتمرا وحدويا في بنما من اجل الشروع بعملية بناء كونفيدرالية جمهوريات اميريكا الاسبانية، والاسهام في عملية استقلال كوبا وبويرتوريكو.

اما الولايات المتحدة الامريكية، التي لم تكن قد بلغت بعد طور الامبريالية، على الرغم من جموحها الراسمالي التوسعي في غرب البلاد على حساب اراضي وحياة الشعوب الهندية الاصلانية، ولاحقا على حساب المكسيك، التي انتزعت منها بالقوة المسلحة نصف مساحة اراضيها في حرب 1847، وشراء هاواي، فانها  اعلنت عن عقيدة مونرو القائلة بان “اميريكا للامريكيين”، اي ان عموم القارة شمالا ووسطا وجنوبا، ملك ومشاع لراسماليي الولايات المتحدة.

ولا يخفى على احد الطابع الصهيوني المحض لمثل هذه النظرة: لا تعترف بوجود شعوب اصلانية في القارة، وان وجدت، فلا بد من ابادتها، وهكذا فعلت. وهذه العقيدة التي لا زالت تمجّها الامبريالية الامريكية الى يومنا هذا، على الرغم من الوقائع والحقائع العنيدة التي تفنّدها، تثبت وبالملموس التاريخي ان الامبريالية الامريكية ولدت صهيونية فكرا وممارسة.

في عقد الثلاثينات من القرن التاسع عشر، انتشرت هذه الروح البوليفرية الوحدوية، على الرغم من سياسة القوى الاستعمارية المسيطرة في ذلك العهد، وتشجيعها للتناقضات داخل وبين الجمهوريات الفتية، التي نشات من رحم التحرر من الاستعمار الاسباني، وبالطبع، على الرغم من العقيدة الامريكية المشار اليها سابقا، وردّا عليها.

ظهرت عدة محاولات وحدوية لكنها باءت بالفشل جميعا: مشروع فيدرالية امريكا الوسطى (1830)؛ نداء المكسيك (1831)؛ كونفيدرالية البيرو ـ بوليفيا (1836)؛ مؤتمر ليما (1847)؛ مؤتمر سانتياغو دي تشيلي (1856) ومؤتمر ليما الثاني (1864).

 

الكابوس الكبير (1891 ـ 1945)

 

في نهايات القرن التاسع عشر كانت الولايات المتحدة جاهزة للتوسع نحو الجنوب، ونصّبت نفسها “حكما للعلاقات الامريكية البينية”. هذه العقيدة جاءت كمشروع مضاد ينفي وينسف المشروع البوليفري الوحدوي، ولذلك نظمت واشنطن المؤتمر الدولي الاول للدول الامريكية (1889 ـ 1890) والمؤتمر النقدي الدولي الامريكي (1891)، في محاولة منها لتفرض على الحكومات الامريكية اللاتينية، اتحادا جمركيا، وخطة للتحكيم الاجباري، في حالات النزاع على الاراضي بين دول القارة، واصدار عملة موحدة، تتيح لها التسيّد على التجارة، وفي دوران النقد الاقليمي. وعلى الرغم من فشل الولايات المتحدة في كلا المشروعين، الا انه استطاعت انشاء “الاتحاد الدولي للدول الامريكية”، ومقره الدائم في واشنطن.

“ان وحدة شعوبنا ليست مجرد معجزة يحققها البشر بل انها مشيئة القدر الحتمية. فلنتحد وسنغدو قاهرين”. سيمون بوليفر

 

لقد شهد بطل الاستقلال الكوبي خوسيه مارتي JOSE MARTI  كلا المؤتمرين ونبّه الى الخطر المحيط بالمنطقة، امام نوايا الامبراطورية الامريكية الناشئة بالسيطرة عليها. وقد طرح على المندوبين الامريكيين اللاتينيين هذين السؤالين: هل يمكن للولايات المتحدة ان تدعو اميريكا الاسبانية الى وحدة صادقة ومفيدة لاميريكا الاسبانية؟ هل تفيد اميريكا الاسبانية الوحدة السياسية والاقتصادية مع الولايات المتحدة الامريكية؟

انصافا للحقيقة التاريخية، ناضل خوسيه مارتي الى حين استشهاده على ارض المعركة ضد امكانية تغلغل الولايات المتحدة وسيطرتها على كوبا وبويرتو ريكو (كانتا مستعمرتين اسبانيتين  لغاية عام 1898) وعلى بقية الجمهوريات الفتية والتي اطلق عليها بمجملها اسم “امريكتنا” تمييزا لها عن اميركا الانغلوساكسونية في الشمال. وكان يلفت الانتباه دائما الى ان ما لم يقم به بوليفر لا زال ينتظر من ينجزه (في اشارة الى وحدة امريكتنا).

غير ان واشنطن استطاعت في اعقاب الحرب الامبريالية الثانية ان تعزز “مذهب الجامعة الاميريكية Panamericanism” من خلال انشاء “رابطة الدفاع الاميريكية البينية”JID (1942) و ” الاتفاقية الاميريكية البينية للتعاضد المتبادل” TIAR (1947)  و “منظمة الدول الاميريكية” OEA  (1948). 

 

قامت الولايات المتحدة الامريكية عمليا وعلى امتداد حوالي قرن من الزمان (منذ مؤتمر ليما 1864 ولغاية انتصار الثورة الكوبية 1959) بانتهاج سياسة تدخلية، عسكريا بشكل رئيسى، في معظم بلدان امريكا اللاتينية والكاريبي، مما حال دون التقدم في المسعى البوليفري التاريخي، اي تكامل ووحدة المنطقة. وتجدر الاشارة الى ان بعض حكام امريكا اللاتينية، في لحظات معينة، مهدوا الطريق امام الفكرة البوليفرية، لكن دون بلورة برامج محددة المعالم للتنفيذ العملي. وفي هذا السياق نشير الى العبارة الشهيرة التي طلقها الجنرال الارجنتيني (قومي) إخوان دومينغو بيرون Juan Domingo Perón، “سيجدنا القرن الحادي والعشرون اما متّحدين واما خانعين”.

فجر جديد ( 1959 ـ 2008)

 

بدات مرحلة جديدة في تاريخ عملية تكامل وتوحيد امريكا اللاتينية والكاريبي بانتصار الثورة الكوبية المعاصرة (1959). قائد الثورة فيديل كاسترو، الذي يسير على هدى الفكر البوليفري والمارتيني، ادرك منذ البداية، انه كان من الضروري بناء تحالف مشترك في القارة، من اجل التصدي للامبريالية الامريكية. واول زيارة قام بها الى الخارج كانت وجهته فنزويلا يوم 23 يناير 1959، لكي يقدّم شخصيا وباسم شعب كوبا، الذي كنس لتوّه دكتاتورية دموية ، الشكر والامتنان للشعب الفنزويلي على مساعدته للثوار بامدادهم بالسلاح. وهناك في “ميدان الصّمت” في كاراكاس تساءل القائد الثوري: “الى متى سنبقى منقسمين على انفسنا؟ الى متى سنبقى ضحايا لمصالح جبارة، تنقضّ على كل شعب من شعوبنا وتستفرد به؟ متى سنطلق شعار الوحدة الكبيرة؟”.

وفي نفس الخطاب اشار فيديل الى الدور القيادي المنتظر من فنزويلا في عملية توحيد القارة، اذا انه كان يرى فيها بلدا مؤهلا تاريخيا وجغرافيا للاضطلاع بهذه الماثرة! كم كان فيديل بعيد النظر، فجاء هوغو تشافيس HUGO CHAVEZ لينصفه ويؤكد على صواب رؤيته بالافعال قبل الاقوال! فنزويلا كانت مهد ولادة مشروع بوليفر، وبعد 200 عام جاء فنزويلي ثالث “تشافيس” واستعاد الفكرة، حمل لواءها بقوة كما لم يفعل احد مثله في التاريخ، وقدم الغالي والنفيس في سبيلها ودفع حياته ثمنا لها.

“فلا تبقينّ قرية في اميريكا الا وتستيقظ! هذا الزمان ليس زمان الخلود الى النوم ولفّ الراس بالكوفيّة، بل وضع السلاح على المخدّة […] اسلحة العقل التي تتغلب على غيرها من الاسلحة. خنادق الفكر اغلى واثمن من خنادق الحجارة”. خوسيه مارتي

بهذا الصدد وكتطوير لهذه الفكرة قال فيديل في معرض رده على المخططات الامبريالية الامريكية لغزو كوبا خلال عقد التسعينات محذرا من مغبة تلك النوايا :

 ” …ونحن لدينا خنادق الفكر وخنادق الحجارة”.

لم يتاخر رد فعل الامبريالية الامريكية على انتصار الثورة الكوبية وكانت منظمة الدول الامريكية الاداة التي استعملتها من اجل محاولة سحق الثورة الفتيّة، وايجاد الذرائع لتبرير سياساتها العدوانية، في صيرورة تدرجيّة انتقلت من اعطاء الشرعية لغزو المرتزقة في خليج الخنازير عام 1961، وصولا الى طرد كوبا من تلك المنظمة الاقليمية عام 1962.

جاء السلوك الامبريالي الامريكي الغربي الصهيوني الرجعي العربي،المتلفّع بالدّين السياسي (مسيحيا واسلاميا ويهوديا وتروتسكيا) مطابقا تماما للحالة السورية منذ عام 2011: جامعة الدول العربية، منحت الشرعية لغزو المرتزقة: اكثر من مئة الف من اكثر من 80 دولة؛ ولفقت كل الذرائع صحيحها وسقيمها من نشر الديموقراطية وحقوق الانسان والسلاح الكيماوي ووو؛ وصولا الى التآمر ماليا وتسليحيا ودبلوماسيا وطرد سوريا من صفوفها؛ كل ذلك من اجل اجتثاث الفكر القومي العروبي وروحه من آخر معاقله، وسحق الجيش العربي السوري والمقاومة العربية والحليفة، تمهيدا لخلق فضاء عربي يسوده صهاينة العرب والاسلام والردة، كمطية للكيان الصهيوني، والجميع تحت الحذاء الامريكي. ما جرّبوه مع كوبا الثورة يجربونه مع سوريا العروبة والمقاومة، وآمل ان يكون المصير واحد: انتصار كوبا على الامبريالية وانتصار العروبة على الاعراب والمستعربين.

في اعوام السبعينات والثمانينات، ظهرت مبادرات ترمي الى اعادة كوبا الى منظمة الدول الامريكية، الا ان الحكومة الثورية رفضت بتاتا الانتماء الى تلك المؤسسة التي كانت منذ تاسيسها، بمثابة راس حربة للتدخل الامبريالي ضد اليسار الثوري في القارة. بالمقابل اعربت كوبا عن استعدادها المطلق للانتماء الى منظمة اقليمية لا يكون مقرها في واشنطن، بل في اي بلد امريكي لاتيني! بغض النظر عن النظام السياسي القائم فيه: انه تعبير عن الروح القومية الكوبية في مواجهة الامبريالية[2].

هل يوجد تماثل او تشابه بين منظمة الدول الامريكية وجامعة الدول العربية من حيث النشاة، القائمين على اختلاقهما، الدور التاريخي لكل منهما، الهدف الدائم لهما، الاداء السلوكي لكليهما في اطار مشروع الهيمنة الامبريالية الامريكية على العالم، والمصير المشترك؟ “الكلب واحد وان تغيّر طوق رقبته” هذا هو راي امريكا اللاتينية والكاريبي.

[الجامعة العربية هي الاطار الذي ابتدعته الامبريالية البريطانية من اجل تجميع سلطات اقطار سايكس بيكو الاول، والسيطرة عليها، وعلى شعوبها ومقدراتها. وقد استنسختها الامبريالية الامريكية في الامريكتين بانشاء “منظمة الدول الامريكية التي تضم امريكا وكندا ودول امريكا الوسطى والجنوبية” ولنفس الغاية، فلا يجب ان ننتظر الكمثرى من العُلّيق (مثل لاتيني).

[تاريخيا قام صراع بين تيارين في جامعة الدول العربية ، بين القوى الوطنية و/ او القومية، والقوى الرجعية المحافظة على زواج كاثوليكي مع اسيادها الامبرياليين؛   وراهنا هناك تردي وتدهور في مضمونها ودورها ووظيفتها، اي ان اداءها لصالح اعداء الامة العربية. لكن هذا لا يضير سوريا الصامدة المقاتلة في شيء. وقرار طرد سوريا شرف لها وليس ادانة. فلنأخذ تجربة كوبا مع منظمة الدول الامريكية التي طردتها منذ عام 1962 وحتى الان، وقد رفضت كوبا مرارا وتكرارا العودة اليها، رغم مطالبة كافة الدول الامريكية اللاتينية بذلك! والان وبعد الانتصارات التي حققتها القوى الوطنية والقومية والثورية لا سيما في فنزويلا، تم تاسيس “منظومة دول امريكا اللاتينية والكاريبي ( سيلاك)، التي تضم كافة الاقطار اللاتينية الاعضاء في “منظمة الدول الامريكية” وتستبعد الامبريالية الامريكية ودميتها كندا من هذا الاطار القومي الصاعد، وتحتل كوبا رئاسة هذه المنظومة! ولا زالت “منظمة الدول الامريكية” تندب حظها وتبكي على ماض توّلى، وتمتثل كرها وعلى مضض لما تريده “سيلاك”. سوريا الغد، وبعد ترسيخ الانتصار الداخلي والخارجي الحقيقي، يجب ان تكون قوة جاذبة ومركز استقطاب لما في الامة العربية واقطارها من قوى وطنية وقومية وثورية، مناهضة قطعا للامبريالية الصهيونية. وبغير ذلك لا معنى للانتصار][3].

عقد التسعينات شهد مرحلة جديدة في امريكا اللاتينية تمثلت في سقوط الدكتاتوريات العسكرية في القارة (من الحكومات وليس من سلطان الدولة) تحت ضغط النضالات الجماهيرية، والرغبة الامبريالية الامريكية في احداث تغيير في شكل الحكومات، والاحتفاظ بجوهر الانظمة البرجوازية، في اطار التبعية الاقتصادية تحديدا، للاقتصاد المركزي الراسمالي؛ وفشل السياسة الامريكية في فرض العزلة على كوبا في القارة، مما افضى الى  نشوء اطار سياسي عابر للاطلسي يستثني الولايات المتحدة وكندا : القمم الايبروامريكية : التي تضم بلدان امريكا اللاتينية والكاريبي بالاضافة الى اسبانيا والبرتغال، وهما الامبراطوريتان اللتان كانتا تسيطران على معظم اراضي وشعوب القارة، الى ان تبلورت الامبراطورية الامريكية وازاحتها بالمال والسلاح. هذا الحدث المؤسساتي اتاح لكوبا المشاركة في تلك القمم، التي شكلت منبرا للقائد التاريخي للثورة الكوبية فيديل كاسترو، لكي يستأنف علنا وفاء بلاده الثابت لمباديء وحدة وتكامل امريكا اللاتينية والكاريبي.

فجاء الرد الامبريالي الامريكي سريعا باستحداث قمم الامريكتين (دون كوبا واسبانيا والبرتغال) في محاولة منها لاحياء منظمة الدول الامريكية سيئة السمعة والصيت. وانطلاقا من هذه القمم حاولت الامبريالية الامريكية فرض اقامة “منطقة التجارة الحرة للامريكيتين” (آلكا). غير ان مخططات واشنطن ليست قدرا محتوما على رقاب بلدان القارة، وتعرضت للانتكاس على اثر حدوث وقائع هامة، اتاحت السير في مشروع تكاملي مناقض لآلكا.

ومن هذه لوقائع : نضال الشعوب الامريكية اللاتينية والكاريبية ضد السياسات النيوليبرالية، والتي اسست لانتصار القائد لثوري هوغو تشافيس في فنزويلا عبر صناديق الانتخابات عام 1998؛ ولاحقا انتصار شخصيات تقدمية ووصولها الى سلطان الدولة في كل من البرازيل IGNACIO DA SILVA LULA ، الارجنتين NESTOR KIRCHNER ، بوليفيا EVO MORALES ، الاكوادور [4]RAFAEL CORREA ، الاوروغاي PEPE MUJICA ونيكاراغوا DANIEL ORTEGAوغيرها[5].

ان هذا التغير في لوحة شطرنج المنطقة قد افضى الى تغيرات في موازين القوى المحلية، مما اتاح بناء بنية تحتية مؤسساتية، لاسناد الوحدة والتكامل الاقليمي، مدعوما بتغير هام في موازين القوى الدولية، على اثر نهوض دول بريكس BRICS.

شكل العهد الرئاسي الاول لتشافيس (1999) بداية للتغير الجذري في موازين القوى السياسية في امريكا اللاتينية، التي كانت تئنّ، حتى ذلك الحين، تحت وطأة  المصالح الطبقية لليمين المحلي، وتشابكاتها مع مصالح الاوليغارشية الامبريالية الامريكية.

وجاءت متوالية الرؤساء الوطنيين والقوميين التي شهدها العقد الاول من القرن الحادي والعشرين، لكي تساهم في تشكيل وتعزيز العملية التي اطلق عليها الرئيس الاكوادوري رافائيل كورّييا اسم “نهاية الليلة النيوليبرالية الطويلة” في امريكا اللاتينية.

وفي الذكرى العاشرة لزيارة هوغو شافيس الى كوبا، وتعرفه شخصيا على فيديل كاسترو (14 ديسمبر 1994ـ 14 ديسمبر2004) ، وبعد ان اصبح الثنائي كاسترو ـ تشافيس المحرك الرئيسي لعملية التكامل الاقليمي، اسسا “البديل البوليفري لشعوب امريكتنا” (آلبا)، القائمة على مباديء السيادة والاحترام والتضامن بين الدول، بينما كانت الامبريالية الامريكية تستعد لفرض اتفاقيات التجارة الحرة على بلدان القارة “آلكا”.

وعلى ضوء هذه الخطوات التكاملية دبّت الحياة مجددا في آليات تحالفات اخرى في المنطقة مثل كاريكوم (منظومة دول الكاريبي)، مجموعة ريو، ميركوسور (سوق الجنوب المشترك: البرازيل، الارجنتين، الاوروغاي، الباراغواي سابقا وانضمت اليه مؤخرا فنزويلا ومن المنتظر ان تلتحق به بوليفيا ايضا)،. كما نشات اطر جديدة مثل “أوناسور”  مايو 2008(UNASUR)[6] (وحدة بلدان امريكا الجنوبية، كفضاء للمناقشات السياسية متعددة الاطراف، ترمي جهوده الى تحقيق وحدة شعوب امريكا الجنوبية استنادا الى الاقرار باهدافها الاقليمية، ومكامن قوتها الاجتماعية ومواردها الطاقوية)، مجلس الدفاع الامريكي اللاتيني[7] ،وبيتروكاريبي (اتفاقية ايثارية فنزويلية من صنع تشافيس، ترمي الى بيع النفط الى بلدان الكاريبي الصغيرة ذات الاقتصادات الهشة، باسعار تفضييلية وتسهيلات في الدفع).

وفي عام 2005 خلال قمة الامريكتين الرابعة، التي عقدت في مدينة مار ديل بلاتا MAR DEL PLATA(الارجنتين)، مني مشروع الهيمنة النيوليبرالية الامريكية “آلكا” بهزيمة ماحقة، امام الموقف الوطني والقومي الامريكي اللاتيني الموحد، اذ ان القمة اتخذت موقفا صلبا، ادى الى دفن المشروع الامبريالي، الرامي الى ابتلاع الاقتصاديات الجنوبية، والسيطرة على ثرواتها واسواقها، وغزوها ثقافيا استهلاكيا، بما يجعلها اسيرة مستعبدة لنمط الحياة الامريكية. وكان لتشافيس دور حاسم في ذلك، ومعه رؤساء دول سوق الجنوب المشترك “ميركوسور”. في تلك القمة تجلى الصدام الحاسم بين المشروع الامبريالي والمشروع القومي، وسطع نجم تشافيس في سماء القارة، بالتزامن مع افول نجم الامبراطور جورج بوش الابن[8] الذي حضر القمة وخرج منها خالي الوفاض، ولم تشفع له حاملة الطائرات التي جاءت لحمايته!

اعتبارا من عام 2006 انضمت الى آلبا تباعا: بوليفيا Bolivia ، نيكاراغوا Nicaragua ، دوميناكا Dominica ، الاكوادور Ecuador ، سان فيسينتي ـ لاس غراناديناس San Vicente y las Granadinas ، أنتيغوا ـ باربودا Antigua y Barbuda ، والهندوراس Honduras (التي تخلّت عن عضويتها عام 2009، في اعقاب الانقلاب الذي قامت به الاوليغارشية المحلية والجيشن والسفارة الامريكية وقواعدها العسكرية في البلد، ضد الرئيس الدستوري مانويل زيلايا Manuel Zelaya[9]   . وفي عام 2012، اصبحت سانتا لوسيا وسورينام  Santa Lucía ، Surinam عضوين في هذه المنظمة.

 

نشاة منظومة دول امريكا اللاتينية والكاريبية “سيلاك”

“هذه البشرية العظيمة قالت كفى، وانطلقت“.

إيرنيستو تشي غيفارا

 

تجسيد الحلم البوليفري (2008 ـ 2014)

 

“الى متى سنبقى نحن المحيط المتخلف والمهان؟ ها نحن نضع حجر الاساس للوحدة والاستقلال والتنمية لامريكا الجنوبية. التردد يعني الضّياع. فلنتقدم دون تردد هذا هو الطريق الصحيح. الوحدة، الوحدة، الوحدة. فقط الوحدة هي التي تجعلنا احرارا ومستقلين”                                                        هوغو تشافيس

“حانت ساعة الافعال لا الاقوال لكي نجسّد ارادة الذين حلموا لنا يوما ما بوطن كبير مشترك جدير باحترام واعتراف العالم”

 فيديل كاسترو

 

في هذا السياق التكاملي والوحدوي، استعاد بعض الرؤساء مبادرة الدعوة الى انضمام كوبا الى منظمة الدول الامريكية، وبكل احترام ولياقة كانت كوبا تؤكد دوما  انها ترفض الانتماء الى تلك المنظمة الاقليمية، استنادا الى قرارها الثابت بالدفاع عن سيادة امريكا اللاتينية والكاريبي امام الهيمنة الامريكية، وفاء لتراثها القومي المارتيني.

 

منعطفات تاريخية مهدت لبزوغ المنظومة

 

على الرغم من موقفها التاريخي المشرف ، دعمت كوبا انعقاد “القمة الامريكية اللاتينية والكاريبية للتكامل والتنمية” (15 و 16ديسمبر 2008، سلفادور دي باهيّا /البرازيل)، التي نظرت اليها كأول محاولة لتجميع رؤساء دول المنطقة دون مشاركة الولايات المتحدة الامريكية.

الوطن الامريكي اللاتيني الكاريبي الكبير

في تلك المناسبة تراس الوفد الكوبي جنرال الجيش ورئيس الجمهورية راؤول كاسترو الذي وصف انضمام كوبا الى مجموعة ريو RIO ، بانه حدث بالغ الاهمية، واكد مجددا على موقف بلاده برفض الانضمام الى منظمة الدول الامريكية فقال “لقد صمدنا واعتقد ان الصمود يشكل الماثرة الكبرى لشعبنا، صمدنا وها نحن هنا […] قبل ان تدخل كوبا الى منظمة الدول الامريكية، اقول ما قاله خوسيه مارتي  (منذ اكثر من مائة عام) : “يتّحد بحر الشمال مع بحر الجنوب، ويولد نسر من بيضة افعى”.

    

الرئيس الكوبي راؤول كاسترو   

واستمر صمود كوبا التاريخي ورفضها المطلق للمنظمة الاقليمية اداة الامبريالية الامريكية لتركيع شعوب القارة “قانونيا ودستوريا”. وفي الجمعية العامة 39 للمنظمة التي عقدت في الهندوراس (عام 2009) ، اضطرت المنظمة  الى الغاء قرارها العتيد العائد لعام 1962، الذي اقصى كوبا عن عضويتها، في التفاتة من اجل تصحيح ظلم تاريخي لحق بالجزيرة الثورية، على حد تعبير المطالبين بعودة كوبا، التي لا ولم ولن تلتحق بها ابدا.

دون الصمود والنضال والثبات على المباديء العادلة،لا يمكن تحقيق الانتصار الذي جاء ولو بعد حوالي 50 عاما. لا شك ان الصمود الثوري الكوبي امام العدوان الامبريالي الامريكي لاكثر من نصف قرن من الزمان، قد مهّد الطريق امام التحولات التقدمية الجارية في القارة، والنزعات القومية الرامية الى الخروج من حظيرة التبعية والخنوع لدى معظم دول القارة، والتمتع بالاسيادة والاستقلال والحرية.

 وتمشيا مع هذا التوجه، وفي 23 فبراير 2010، عقدت في المكسيك “قمة الوحدة الامريكية اللاتينية والكاريبة”، بمشاركة 33 دولة مستقلة (فقط لا زالت بويرتوريكو مستعمرة امريكية)  حيث قرر الرؤساء تاسيس اول هيئة للتكامل الامريكي اللاتيني والكاريبي البحت رسميا، وعبّر البيان الختامي عن الرغبة في “بناء فضاء مشترك بغية تعميق التكامل السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي لمنطقتنا، وتحديد التزامات فعلية بالعمل المشترك، من اجل الترويج للتنمية المستدامة في امريكا اللاتينية والكاريبي” في اطار الوحدة والديموقراطية واحترام حقوق الانسان، والتضامن والتعاون والتكامل والتوافق السياسي.

 لقد تجسد هذا الفضاء المشار اليه في “منظومة الدول الامريكية اللاتينية والكاريبية” (سيلاك) ، التي تم ترسيمها يومي 2 و3 ديسمبر 2011 في كاراكاس، فنزويلا في الذكرى المئوية الثانية لاستقلالها عن الاستعمار الاسباني. لقد اصبح هذا الكيان الاقليمي لاعبا دوليا جديدا؛ غيّر الى اجل غير مسمى توازن الخارطة الجيوستراتيجية للمنطقة، انطلاقا من مفهوم تعزيز العلاقات الدولية في ظل نظام متعدد الاقطاب، يحترم السيادة وحق تقرير مصير الشعوب. فهنا على سبيل المثال، لا زالت بويرتو ريكو مستعمرة امريكية تناضل في سبيل الاستقلال والاندماج في بيئتها الطبيعية، الوطن الكبير: امريكا اللاتينية والكاريبي.

اثناء القمة السادسة العادية لدول “آلبا” في الفترة  4 ، 5 فبراير 2012، في كاراكاس، اقترح الرئيس الاكوادوري رافائيل كورييا Rafael Correa، انه اذا لم توجّه دعوة الى كوبا لكي تشارك في قمة الامريكيتين السادسة، يجب ان لا تشارك اية دولة من “آلبا”، وفي حالة المشاركة ، يجب ان يكون الموضوع المحوري في القمة: رفع الحصار الاقتصادي والتجاري والمالي الذي تفرضه الامبريالية الامريكية على الشعب الكوبي منذ ما يزهو على نصف قرن من الزمان!

وهكذا ارتفع صوت المنطقة عاليا دفاعا عن الجزيرة الصامدة في ابريل 2012 اثناء القمة السادسة التي عقدت في كارتاخينا دي إيندياس (كولومبيا) Cartagena de Indias, Colombia). تحوّل غياب كوبا و ضرورة وضع نهاية لاقصائها،الى نقطة مركزية في النقاش، وقررت معظم الدول الامريكية اللاتينية والكاريبية، انها لن تشارك في اية قمة جديدة، ان لم تكن كوبا الثورية والمبدئية حاضرة فيها!

بعد ذلك بمدة قصيرة عقدت القمة الاولى لـ “سيلاك” في ديسمبر 2012، في  تشيلي، وهناك تسلمت كوبا الرئاسة المؤقتة للمنظومة على امتداد عام 2013. في اعقاب نصف قرن من الاقصاء بمرسوم امبريالي امريكي، استطاعت دول المنطقة احلال العدل، بخلق بديل قومي “سيلاك”، يضم كل دول امريكا اللاتينية والكاريبي، ويوجه ضربة قاضية للاختلاق الامبريالي “منظمة الدول الامريكية”، كخطوة اولى تستبعد النفوذ الامبريالي الامريكي، على طريق تجسيد كينونة القومية الامريكية اللاتينية والكاريبية، في مسعاها نحو التحرر والانعتاق.

هذا هو التحدي التاريخي الماثل امام شعوب القارة منذ مائتي عام ويزيد: الاستقلال عن الغول الامريكي الشمالي، والانطلاق نحو الوحدة (في ظل التنوع) والسيادة والاستقلال وتقرير المصير، والاسهام في “توازن العالم” على حد تعبير خوسيه مارتي.

وعليه فان “سيلاك” تشكل الدرجة الاعلى، حتى الان، في البنيان الوحدوي الاقليمي، اذ انها تضم كافة الدول ذات التاريخ المشترك، في تعرضها للاستعمار القديم والجديد، وفي نضالاتها التحررية التي انطلقت مع ثورة هايتي (1791 ـ 1804) رائدة الاستقلال في امريكا اللاتينية عموما. كما انها تشكل محفلا  يتوطد من اجل التوافق والدفاع عن الهوية والطموحات والثقافة في المنطقة، وفقا لرؤية انسانية صرفة.

وقد وصف القائد التاريخي للثورة الكوبية فيديل كاسترو ميلاد سيلاك، بانه الحدث المؤسساتي الاكثر اهمية خلال قرن من تاريخ المنطقة. فهي رمز للوطن الكبير الذي يمتد من النهر الهائج (ريو برافوRIO BRAVOالى “ارض النار” في اقصى جنوب تشيلي والارجنتين، هذا الفضاء الذي اطلق عليه خوسيه مارتي “امريكتنا” التي لا تنتمي اليها الولايات المتحدة وكندا، نظرا لاختلاف وتناقض التاريخ والثقافة والسياسة والبرامج الاجتماعية ـ الاقتصادية بين الامريكتين. الا يشكل الكيان الصهيوني المسمى “دولة اسرائيل” في فلسطين العربية نسخة طبق الاصل عن الولايات المتحدة وكندا، الاكثر صهيونية وجبروتا منه؟ فلماذا يصرّ الاعراب والمستعربون على الاستسلام له، والتطبيع معه، واعلاء شانه، كما لو كان منزلا من السموات العلا؟

ثم جاءت قمة سيلاك الثانية وهذه المرة في هافانا كوبا في الفترة 25  ـ 29 يناير 2014، انصافا تاريخيا واعترافا قاريا بدور كوبا الثورة، واهميتها في عملية تكامل وتوحيد المنطقة، وباسهاماتها المبدئية النابعة من معتقد انساني وطني وقومي وثوري في شؤون وشجون شعوب المنطقة كافة، بغض النظر عن ايديولوجية وسياسة دولها. انه مثال يقتدى، وقد آتى اكله بعد 50 سنة.

من الواضح ان شعوب وبلدان القارة قد تمردت على السيطرة الامبريالية التاريخية في المنطقة، بيسارها ووسطها ويمينها، والا كيف يمكن ان نفسر رئاسة كوبا لسيلاك، وهي دولة ذات ايديولوجية اشتراكية وماركسية، تسعى امريكا في سبيل تدميرها، وعملت كوبا قبل واثناء القمة مع حكومتي تشيلي وكوستاريكا –وهما حكومتان يمينيتان، ولهما علاقات ممتازة مع الشمال المتوحش؟

وفي هذه المرة، جاءت دول القارة، طبعا باستثناء الولايات المتحدة وكندا، الغريبتين عن تراثها وحقوقها وآمالها وتاريخها، لكي تجد سبل مضافرة الجهود المشتركة من اجل النضال ضد الفقر والجوع واللامساواة، والتاكيد على ان المصير المشترك لامريكتنا، ليس الا وحدتها القومية بافق العدالة الاجتماعية او ما يسميه العملاق البوليفري الجديد، هوغو شافيس، “اشتراكية القرن الحادي والعشرين”.

ان هذه الجهود الحثيثة التكاملية والتضامنية والايثارية، ترمي الى تغيير وجه المنطقة، الاكثر تفاوتا بين الناس عالميا، وللمفارقة فانها تمتلك اكبر الاحتياطات الطبيعية في عالم اليوم، وثراء ثقافيا تحسد عليه، مما جعلها لقمة شهية يسيل لها لعاب امم اجنبية، واستعمارا كلّفها 200 عام من الكفاح، لكي تغيّر حاضر ومستقبل 600 مليون انسان امريكي لاتيني وكاريبي، يقطنون مساحة شاسعة تبلغ 20453008 كيلومتر مربع. 

يعتبر اقتصاد منطقة سيلاك ثالث اقتصاد عالميا من حيث الحجم، وفيها 20% من احتياطات النفط، وبيئتها تحتضن اكبر تنوع حيوي في الكرة الارضية. وعلى الرغم من كل هذه الثروات يوجد فيها 164 مليون فقير، منهم 68 مليون انسان يعيشون في فقر مدقع. هذا الواقع المادي شكل ولا زال يشكل الشرط الموضوعي لظهور وضع ثوري وتفجير ثورات متعددة الاشكال، في وجه الظلم التاريخي المتراكم، ومهد لظهور وتطور الصاعق الاجتماعي للثورة، ممثلا بقيادات فريدة من نوعها وجماهير شعبية عريضة آخذة في وعي ذاتها ولذاتها ولكرامتها الآدمية.

وفي خطوة استباقية للمؤامرت الامبريالية الامريكية والاوليغارشيات المحلية، اقرت قمة هافانا باجماع كافة دول سيلاك، على اعلان المنطقة منطقة سلام وخالية من الاسلحة النووية (كافة دول سيلاك ال  33 اعضاء في اتفاقية تلاتيلولكو Tlatelolco التي تحرّم الاسلحة النووية في امريكا اللاتينية والكاريبي)  والتمسك بالحوار والمفاوضات من اجل فض المنازعات سلميا داخل البلدان وما بينها؛ دعم الارجنتين في مطالبتها المشروعة بجزر الملاوين التي تغتصبها بريطانية بالقوة؛ دعم كوبا في نضالها التاريخي ضد الحرب الاقتصادية والتجارية والمالية الامريكية؛ كما اتخذت القمة قرارات اخرى بشان الشركات عابرة الاوطان، واستغلال الموارد الطبيعية في المنطقة؛  والسياسات الثقافية ومكافحة الارهاب.

 

قمة هافانا والسلوك الامبريالي الامريكي

 

كما اسلفت،منذ بداية القرن التاسع عشر يوجد في العالم الجديد، مشروعان تاريخيان يقفان على قطبي نقيض: المشروع الامبريالي الامريكي الشمالي القائل بان اميريكا كاملة للامريكيين “مشروع مونرو” (حظيرة الولايات المتحدة الامريكية)؛ والمشروع القومي البوليفري والمارتيني القائل بان الفضاء الجغرافي الديموغرافي الواقع الى الجنوب من نهر برافو “امريكتنا المارتينية” الذي يجب ان يكون بالضرورة الموضوعية كونفيدرالية جمهوريات (بوليفر) تجمعها عوامل مشتركة تحتم مصيرها الوحدوي القومي.

مشروع “الوطن الكبير” البوليفري ـ المارتيني ـ القومي الحديث، يقض مضاجع الامبريالية الامريكية تاريخيا، وفي الوقت الراهن حاولت بكل الوسائل اجهاض القمة الثانية في هافانا، وحرف انتباه شعوب القارة والعالم عن سيرها ونتائجها.

فاحتضت ميامي وبرعاية واشنطن قمة موازية، شارك فيها مرتزقة وارهابيون معروفون، كانت بمثابة سيرك، وفشلت فشلا ذريعا في تحقيق اية غاية، اللهم الا زوبعة اعلامية لاثارة الضوضاء على قمة هافانا. كما حرصت واشنطن على ممارسة ضغوطاتها متعددة الاشكال، على بعض الحكومات لكي لا تشارك او على الاقل، المشاركة بوفود متدنية المستوى، بغية تقزيم القمة، وتبهيت قراراتها الوحدوية والتضامنية، وامعانا في تشديد الحصار على كوبا، التي ما انفكت تكافح في سبيل الحفاظ على سيادتها واستقالها، وتشكل خط الدفاع الامامي عن عموم امريكتنا، وتشكل قدوة للوطن الكبير.

لم تتمكن الادارة الامريكة الحالية برئاسة اوباما من افشال القمة الثانية، والانكى من ذلك، وباجماع مختلف المحللين السياسيين فقد منيت بهزيمة تاريخية، اذ ان مشاركة كافة الدول (33) وعلى مستويات عالية، ومقابلات اكثريتهم وبطلب منهم مع القائد التاريخي للثورة الكوبية فيديل كاسترو، جاءت بمثابة قمة اضافية (رجحة) وتاكيد منهم على قبول واحتضان كوبا الرسمية وكوبا الثورة في آن واحد.

وتجدر الاشارة الى ان الولايات المتحدة  قد تم اقصاؤها عن قمم سيلاك، نظرا لتاريخها الدموي الحافل بالتدخلات العسكرية، وفرض دكتاتوريات فاشية، واجهاضها للثورات الوطنية والقومية في المنطقة، ومساندتها الفعلية للانتهاكات الجماعية لحقوق الانسان في القارة، كما انها لم تصادق حتى الان على “حلف سان خوسيهSAN JOSE ” اي ” المعاهدة الاميريكة لحقوق الانسان” رغم تشدقها ليل نهار بالديموقراطية والحرية وحقوق الانسان.

وفي هذا السياق اكد الرئيس الاكوادوري رافائيل كورّييا Rafael Correa، انه يجب على سيلاك انشاء مؤسسات خاصة بها، انطلاقا من رؤية وتاريخ وثقافة المنطقة، مما يجنّبها التدخلات الاجنبية (اشارة الى الامبريالية الامريكة) في مواضيع مثل حقوق الانسان وحرية التعبير.

 

خاتمــــــــــــــــــة

 

يشهد التاريخ الامريكي اللاتيني على الغدر الذي تعرض له محرر القارة سيمون بوليفر، على يد الاوليغارشيات المحلية، التي استحوذت بقوة السلاح على ثمار الثورة والاستقلال عن الامبراطورية الاسبانية (الثورة يصنعها الاشراف ويقطف ثمارها الانجاس). فهو كان يريدها وطنا كبيرا للجميع، بينما هم ارادوها قطريات متناثرة واحيانا متناحرة حتى على “مباراة كرة قدم”، واغلب الاحيان متحالفة مع العدو القومي للامة، اي الامبراطورية الامريكية.

البطل القومي الكوبي، خوسيه مارتي الذي جاء بعد بوليفر بنصف قرن من الزمان، تفهم فشل المشروع القومي الجيوسياسي لبوليفر (كونفيدرالية او فيدرالية سياسية) ووصفه بـ “خطأ وفشل”، ونحت مصطلح “اتحاد روحي او افتراضي لامريكتنا”،علما بانه في وقت لاحق من حياته، عاد واكد ان “ما لم يقم به بوليفر في اميريكا لا زال ينتظر من يضطلع به”، اي انه اعترف بضرورة توحيد الامة الامريكية اللاتينية.

ثم جاء هوغو تشافيس في نهاية القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين، ليدفع بمشروع بوليفر الى القمة، وعلى طول القارة وعرضها ، ولقي في فيديل كاسترو سندا ماديا ومعنويا دون اي تحفظ، وانتقلت الامة من طورها الافتراضي الى طور النضوج المؤسساتي الواقعي، كما راينا آنفا. التطورات اللاحقة لهذه الصيرورة القومية الواعدة مرهونة بالمستقبل الكفاحي لشعوب الامة وقواها الفاعلة قبل اي اعتبار آخر.

 في سالف العصور وعشية ظهور الاسلام في القرن السابع، كانت المشاعر واللغة والتاريخ والهوية البشرية للعرب، والتحولات البنيوية اقتصاديا واجتماعيا، تبشر بميلاد “امة العرب” بالمفهوم الجيوسياسي. غير ان الرسول العربي الكريم محمد بن عبدالله عارض المفهوم بمفهوم “امة الاسلام” (امة روحية افتراضية عالمية) من منطلق انساني اممي، تفاديا للعصبيات والنعرات القومية…الخ. ومع مر القرون راينا كيف تآمرت “الامم الاسلامية” على الامة العربية، وكيف تتآمر عليها راهنا مع اوليغارشييها من المتربعين على سلطان القطريات، والكمبرادور الطفيلي، ومشايخ اسلام الريع النفطي والغازي.

الخبير السياسي البولندي كارل فان كلوسفيتز Karl Von Clausewitz، وعلى الرغم من اعترافه، بوجود مستلزمات كافية لوحدة الامة الامريكية اللاتينية ولوحدة الامة العربية، الا انه يشكك بجدوى المشروع القومي الوحدوي، متذرعا بوجود دول قطرية، وكانها قدر ازلي.

الطبقات الشعبية الامريكية اللاتينية وقواها الثورية والقومية اثبتت خطأ تقديره الغربي المركزاني، والعقبى عند الشعوب العربية وقواها الحية!! امريكا اللاتينية تعيش حالة مخاض استراتيجي يتمثل في التخلص من اللبرالية الجديدة وبناء الامة الامريكية اللاتينية والوطن الكبير، وما ينتظر شرفاء العرب هو اعادة توحيد الامة  والوطن العربي الكبير.

 

مراجع

تمت الاستعانة بمساهمات ومقالات ومعلومات واردة في : موقع سيلاك؛ موقع كوباديباتي؛ موقع غرانما؛ بالاضافة الى الارشيف الشخصي للكاتب.

 


[1]  هذه المقتطفات وردت في معرض الدفاع عن رسالة دكتوراة الكاتب بتاريخ 21 يوليو 2010، بعنوان “السياسة الخارجية الامريكية تجاه القضية الفلسطينية”.

[2]  اتذكر الان ان فيديل كاسترو، صرح علنا في بداية يونيو 1982، وضع كافة امكانيات كوبا تحت تصرف الارجنتين عندما حاولت عسكريا استعادة جزر الملاوين من سيطرة بريطانيا العظمى التي تلقت الدعم الكامل من الامبريالية الامريكية. في ذلك الحين كانت الارجنتين مثخنة الجراح داخليا بفعل دكتاتورية خورخي فيديلا JORGE VIDELAومع ذلك لم يحل ذلك دون اصطفاف كوبا مع الحق القومي الامريكي اللاتيني في استعادة الارض السليبة.

[3]   “الانتصار الحقيقي لسوريا: توطيد الواقع الوطني والقومي العربي التقدمي المناهض قطعا للامبريالية الصهيونية”، نورالدين عواد. كنعان الالكترونية العدد 3255، بتاريخ 21 تمّوز (يوليو) 2013. كما يستطيع القاريء الاطلاع على كتابات مجموعة من الرفاق في مجلة كنعان بصدد القومية العربية وخاصة الرفيق عادل سمارة.

[4]  للمزيد يستطيع القاريء الاطلاع على: الاكـــــــوادور: ثورة المواطنة، مدنية سلمية حضارية، نورالدين عواد، كنعان الالكترونية العدد3130، بتاريخ 20 شباط (فبراير) 2013.

[5]  للمزيد يستطيع القاريء الاطلاع علىامريكا اللاتينية: نهوض قومي تقدمي بافق ثوري اممي، نور الدين عواد، كنعان الالكترونية العدد1076، بتاريخ  25 شباط (فبراير) 2007 http://www.kanaanonline.org/articles/01076.pdf

[6]  للمزيد يستطيع القاريء الاطلاع على: اتحاد بلدان امريكا الجنوبية “أوناسور”: خطوة في الاتجاه الصحيح، نورالدين عواد، كنعان الالكترونية العدد 1541، بتاريخ 28 أيّار (مايو) 2008.http://www.kanaanonline.org/articles/01541.pdf

[7]  للمزيد يستطيع القاريء الاطلاع على: مشروع “مجلس الدفاع الامريكي الجنوبي”: ضرورة حيوية استراتيجية، نورالدين عواد، كنعان الالكترونية العدد 1547، بتاريخ 3 حزيران (يونيو) 2008.http://www.kanaanonline.org/articles/01547.pdf

[8]  للمزيد يستطيع القاريء الاطلاع على: امريكا اللاتينية: كلمة حق عند سلطان جائر، نورالدين عواد، كنعان الالكترونية العدد 622، بتاريخ 18 ايار (مايو) 2005. http://www.kanaanonline.org/articles/00622pdf

[9]  للمزيد يستطيع القاريء الاطلاع على: الهندوراس: عودة زيلايا الى ارض الوطن،  كنعان الالكترونية العدد 2073 بتاريخ  13/11/2009

https://kanaanonline.org/?p=qpbolqnlf&paged=402