فتحية العسال.. رحيل امرأة استثنائية

محمد شعير

 

“الإنسان مراحل، كل مرحلة لها طعمها ولها مواصفتها. إن تاريخ الإنسان الحقيقي هو تاريخ وعيه بحريته. إن أجمل الأيام هي التي لم نعشها بعد».

على مقعد متهالك، في وزارة الثقافة قضت فتحية العسال ليالي الاعتصام في وزارة الثقافة، كانت هي الام لكل المعتصمين، تتدخل عندما يحتد النقاش، تقترح افكارا، وتكتب بيانات، وتصريحات للإعلام، تصالح المتخاصمين، تقدم خططا لمواجهة الإخوان حال هجومهم على المعتصمين، يعلو صوتها عندما يتعلق الأمر بالمقاومة.. لم تترك مقعدها وقد قاربت الثمانين، ولم تتخل عن أي مواجهة إذا تطلب الأمر مواجهات.
هكذا كانت فتحية العسال (المولودة عام 1933) والتي غيبها الموت أول أمس بعد رحلة قصيرة مع المرض. وهكذا تقدمت الصفوف في يوم 30 يونيو الماضي.. يدها بأيدي شباب في عمر أحفادها، وكانت رأس حربة قوية لاسقاط مشروع «الإخوان المسلمون» في الهيمنة والسيطرة على الثقافة المصرية. كانت رحلة حياتها باختصار رحلة للوصول إلى المستحيل ومواجهته.
قصة المستحيل سجلتها العسال في واحد من أعذب السير الذاتية العربية: «حضن العمر» في أربعة كتب.. تحولت في ما بعد إلى مسلسل تلفزيوني مصري شهير بعنوان «هي والمستحيل». كانت السيرة جريئة لم تعتدها الثقافة العربية المتحفظة في كل ما يتعلق بالبوح.. تحدثت فيها عن تجربة ختانها، وغراميات والدها الذي يشبه إلى حد كبير «سي السيد أحمد عبد الجواد في ثلاثية نجييب محفوظ»، كان سلطويا في منزله، بينما خارج المنزل يمارس كافة أنواع المتع… سلطويته الذكورية جعلته يرفض أن تخرج ابنته إلى خارج المنزل، بل لا يسمح لها باستكمال تعليمها.. ومثل أبيها وضعها شقيقها الأكبر تحت مراقبته الدائمة حتى أنه قام بقص خصلة من شعرها ذات يوم عقابا لها على الوقوف امام النافذة، كما انها لم تفلت من قبضة يده عندما شاهدها ذات يوم تسير في احدى المظاهرات المناهضة للاستعمار الانكليزي.
لكن الفتاة الصلبة تقرر أن تخوض معركتها بنفسها، علمت نفسها بنفسها، ومحت أميتها، ورفضت كل الشباب الذين تقدموا لها لأن الزواج ليس استرقاقا، حتى وقعت في غرام عبدالله الطوخي الكاتب والأديب الذي روى قصة حبهما في سيرة حياته أيضا «سنين الحب والسجن».. رغم العقبات التي وضعها والدها في طريق اكتمال هذا الزواج.
رضخ الأب في النهاية لرغبة ابنته وعنادها.. وبعد شهور من الزواج اعتقل الزوج، فكان عليها أن تواجه العالم بمفردها، وتبدأ رحلة نضال آخر، نضال من أجل الوطن حتى يمكن أن يتحرر الفرد من داخله، اصبحت مسؤولة عن لجنة العائلات التي تتابع اخبار ذويها المعتقلين، وهي لجنة مكونة في اغلبها من امهات المعتقلين، كما انها اصبحت ايضا حلقة الوصل بين السجن والخارج. وشاركت في المظاهرات التي تنادي بإلغاء الأحكام العرفية، لتجد نفسها في النهاية سجينه في تخشيبة قسم المطرية أربعة عشر يوما بمفردها مع طفلها الرضيع ايهاب.
وعندما شعرت العسال بعد سنوات أن اختلافا بدأ ينشأ بينها وبين زوجها قررت الانفصال عام 1982، أعلنت أن سبب الطلاق هو تأييد الطوخي لمبادرة «كامب ديفيد»، بينما رفضتها هي.. وتسببت هذه التجربة في أن تكتب سيرتها الذاتية التي كانت محاولة منها لفهم أعمق لأسباب الطلاق… سيرتها كانت من الجرأة الصادمة حتى أنها ترددت طويلا في أن تنشرها وفكرت ـ كما قالت في واحد من حواراتها ـ «فكرت ان اكتب عن ذاتي بضمير الغائب وأن استخدم اسماء مستعارة، كنت خائفة لكنني في النهاية اكتشفت انه لا يصلح ان اكتب بغير لساني وبالأسماء الحقيقية. اتخذت في مقابل الخوف قرار الصدق، أن اكتب عن كل الوقائع وكل الاحداث مع مراعاة وجود أبناء لكل هؤلاء الاشخاص. أخذت قرار عدم المس بما يجرح مشاعرهم».
كتبت عن تجربتها السياسية الثرية، والتحاقها بمنظمة «حدتو» السرية وهي تجربة راجعتها في ما بعد: «نرى التجربة بأكملها كيوتوبيا رومانسية، تصورنا أن الشيوعيين ليسوا بشرا بل ملائكة. لكنني ـ مع الاسف ـ دفعت ثمن كوني امرأة، دفعت ثمن اصراري الشديد على أن أظل امرأة وانسانة، رفضت القولبة النمطية التي تفرضها الشيوعيات على أنفسهن كنساء. ما رأيته من سلوكيات سلبية وإهمال للشكل والمظهر وأفكار خاطئة عن النساء يدفعني الى القول أنه اذا أردنا ثورة حقيقية فلا بد من تغيير جذري في التركيبة النفسية». رحلة تمرد لم تتوقف بل استمرت بعد معاهدة السلام مع إسرائيل.. شاركت واسست لجنة الدفاع عن الثقافة الوطنية، التي كان همها الاساسي وقف كافة أشكال التطبيع مع العدو الصهيوني، كما قادت الفنانين والكتاب في مساندة المقاومة أثناء حصار بيروت 1982. حيث حكت عن سفرها أثناء الحروب ومُشاركتها بفعالية وشجاعة في كل أوجه المقاومة. لم تنس الكتابة والإبداع إذ بدأت الكتابة عام 1957 واهتمت بالقضايا الإجتماعية وقضايا المرأة بشكل خاص، وكانت أول أديبة عربية يتم عرض عمل أدبي لها على خشبة المسرح وهي مسرحية «المرجيحة»، وقد قدمت للمسرح بعدها العديد من المسرحيات الناجحة مثل «لام الف همزه لا» و«البين بين» ومسرحية «بلا أقنعة»، التي تم اعتقالها بسببها لانها تتحدث عن رفضها لاتفاقية «كامب دايفد» ومسرحية»سجن النساء» التي كتبتها بين جدران السجن.. انتهت حياتها مؤخرا، لكن تبقى قناعتها ودرسها الأكبر في الحياة: «الإنسان مراحل، كل مرحلة لها طعمها ولها مواصفتها. إن تاريخ الإنسان الحقيقي هو تاريخ وعيه بحريته. إن أجمل الأيام هي التي لم نعشها بعد».. وهي الجملة التي ذكرتها في سيرتها الذاتية.

:::::

“السفير”