من درس غزة المُرْ… إلى العروبة مجدداً


د. عادل سمارة

فلسطين المحتلة

 

هي ظاهرة، وربما لعنة، واكبت القضية الفلسطينية مواكبة سلبية منذ بدء استهداف الوطن العربي عامة وفلسطين خاصة وحتى اليوم. ويبدو أن البدء بها ومنها حتمي لتجليس التضحيات والنضال على الأرضية الحقيقية مهما رافقت ذلك من ملابسات ورمادية:

  • ما السبب أن عام 1916 شهد اتفاق سايكس-بيكو لتقسيم الوطن العربي إلى قطريات تابعة اتضح خلال قرن أنها كدول قطرية معترف معظمها ولو ضمناً بالكيان الصهيوني.
  • ما السبب أن عام 1917 شهد وعد بلفور أي إعطاء الغرب فلسطين وطنا “قوميا” لليهود،وما السبب أن شهد عام 1918 تعهد عرباً، عبد العزيز آل سعود أي مركز الوهابية بإعطاء فلسطين لليهود ك “وطن قومي” وعام 1919 تعهد الهاشميين ايضا بإعطاء فلسطين لليهود ك “وطن قومي”.
  • وما السبب أن كل العالم عام 1947 أقر بتقسيم فلسطين واعترف بالكيان الصهيوني عام 1948 وهذا العالم هو: “المركز الراسمالي الإمبريالي الغربي والكتلة الاشتراكية، وتيار الاشتراكية الدولية ” .
  • وما السبب أن معظم الأحزاب الشيوعية العالمية ومنها معظم الأحزاب الشيوعية العربية بمن فيها الشيوعيين الفلسطينيين قد اعترفت بالكيان الصهيوني عام 1948.
  • وما السبب أن دولا إسلامية اعترفت بالكيان الصهيوني فورا تركيا مركز الخلافة السنية(1950) وحينما وصل الإسلاميون إلى السلطة منذ قرابة عقدين حافظوا على الاعتراف بالكيان والعلاقة الاستراتيجية معه كما هي اليوم، وبعد تركيا بقليل إعترفت بالكيان إيران الشاه الدولة الشيعية الأكبر.
  • وما السبب أن إيران “الشيعية الجديدة” ما بعد الشاه شطبت الاعتراف بالكيان وأحلت منظمة التحرير الفلسطينية محل سفارة الكيان، بينما تركيا السنية اصرت على تعميق العلاقات الاستراتيجية مع الكيان حتى اليوم؟
  • وما السبب أن النظام المصري بقيادة البرجوازية الكمبرادورية بعد ناصر (السادات ومبارك) حافظا على الاعتراف بالكيان؟
  • وما السبب أن نظام الإخوان المسلمين في عهد مرسي ونظام “الربيع العربي” السيسي تمسكا بالاعتراف بالكيان؟

 وحتى الكثير من بلدان المحيط. اي فقراء العالم وأغنياؤه، السادة والتابعين!

لا يمكن وضع اسباب كل هذا الكم الهائل في سلة واحدة وإن كانت غالباً هي المصالح ومن ثم تقاطع الإيديولوجيا معها. هذا وإن كان بوسعنا تصنيفهم في خانات :

الأولى: مصالح الدول الكبرى الراسمالية الإمبريالية في إقامة مخلب قط لها في الوطن العربي، وهذا يعود إلى حقبة الراسمالية التجارية )الميركنتيلية merchantilism).

والثانية: مصالح دول الاشتراكية المحققة مأخوذة بوهم إيديولوجي بأن الكيان الاستيطاني الصهيوني الأبيض سيصبح “قلعة”اشتراكية في شرق متخلف.

والثالثة: عداء القومية العربية وبشكل خاص من الطورانية التركية ومن نظام الشاه في إيران. وإن كان هناك عامل المصلحة وراء العداء القومي.

والرابعة: تبعية العرب الذين اعترفوا بمشروع الكيان ومن ثم بتجسيده عبر ارتباطهم التابع بالمركز الراسمالي الغربي اساس وحامي أنظمتهم.

وإذا كانت المسببات المطروحة أعلاه هي بحكم واقع ومصالح وخواء إيديولوجي، وكل هذا يمكن تفسيره، فإن ما يلي هو أكثر اختلاطاً، وقد يبدو تفسيره صعباً مما يوحي بأنه كان لعنة. ولكن اللعنات توجد في الأساطير وليس في القراءة العلمية للتاريخ بما هو مصالح وصراع طبقي كثيرا ما يأخذ حالة تراكب القومي والطبقي في البلد وفي خارج البلد اي بين بلدان.

  • ما السبب بأن ولادة الحركة الوطنية الفلسطينية الجديدة (منظمة التحرير) بشكلها الحالي حصل في لحظة رحيل حاضنتها وأمها (1967)  اي النهوض القومي العربي.
  • ما السبب أن الإنتفاضة الأولى ترافق حصولها مع تفكك المعسكر الاشتراكي الذي كان على الأقل صديقا للفلسطينيين؟ وانتهت باتفاق أوسلو أي الاعتراف بالكيان وقيام قادة م.ت.ف بتقاسم الوطن مع العدو؟
  • وما السبب أن الانتفاضة الثانية قوبلت باللعنات لأنها مسلحة، وتمت تصفيتها بالمبادرة العربية.
  • ما السبب أن الأنظمة العربية بدأت بخليط من المواقف من فلسطين : بين من يهديها لليهود منذ 1918 (السعوديون والهاشميون) وبين من حاول القتال الضعيف 1948، وبين من قرر الاعتراف بالكيان بعد 1967، وبين من وقف اليوم وكأن لا حرب على غزة. قطر (وهذا موثقاً) في اجتماع باريس بحضور تركيا والمانيا وفرنسا وبريطانيا وافقت في الأيام الأولى للعدوان على نزع سلاح المقاومة والإمارات (ليس مؤكداً) تعهدت بتمويل الغزو الصهيوني.
  • وما السبب أن تركيا كانت أول دولة إسلامية تعترف بالكيان وتتحالف معه استرتيجيا وعسكريا سواء بقيادتها القومية او قوى الدين السياسي؟
  • وما السبب أن جامعة الدول العربية بقي مركزها هو النظام المصري الذي عقد اتفاقية الخضوع للصهيونية  اي كامب ديفيد.
  • وما السبب أن عدد الفصائل الفلسطينية اكثر من عدد القطريات العربية، اي بعد قرن من الصراع والمعاناة والتشرد لم يفلح الفلسطينيون في تكوين جبهة وطنية بل أنشأوا نموذجا على الجامعة العربية؟
  • وأخيراً ما السبب أن معظم الفلسطينيين يتهربون من قراءة كل هذا؟

هل السبب الكامن وراء كل هذا هو الحظ العاثر لفلسطين؟ أم الاستهداف الدولي لأمة تحت الاستهداف؟ وتحديداً لأن كل هذه الأمم موحدة وراء وطنها. أما  الدين لديها فهو ثقافة ومبنى أخلاقي وعلاقة غير رهبانية، بينما العرب بلا وطن وبلا مشروع قومي و مجزئين حول انظمة قطرية لم يلدها الشعب فلم تُخلص للوطن وحولته إلى مكان وحولت الدين إلى أداة للسياسة عبر أنظمة وقوى الدين السياسي؟ هو سؤال حارق ويستفز كثيرين/ات. فليكن.

انكشاف وهمَيْ “الأمة” القُطْرية و “الأمة” الإسلامية

هل يزعج الكثيرين القول بان موقف العرب والمسلمين من فلسطين في تجربة المسلخ الصهيوني لغزة موقف بالمفهوم التاريخي وضيعاً! قد يزعجهم لكنه لا يؤلمهم، لأن ما يهمهم هو انتفاخهم الإيديولوجي وكبريائهم وليست مواقفهم/ن، لأنهم يكرهون النقد ولكنهم يمارسونه ضد الغير بلا حواف ولا حدود! لكن ما سوف أتقوَّل به هو تحطيم اصنام عبدها أكثرنا سواء في البعدين العربي والإسلامي.

 واحد وخمسون يوماً من اشد العدوان والتدمير على غزة وذبحها لم تحرك في هؤلاء شعرة. لا الحاكم ولا المحكوم!

ولكن،  حينما شتم فنان هولندي الرسول الكريم، ماج العالم الإسلامي بالصراخ والتظاهرات وشحذ السكاكين. وحين فُتح باب جهنم ضد سوريا تدفق فتية الدين السياسي لذبح سوريا. وحين أعلن الناتو “جهاداً إسلامياً” ضد القذافي هبت إمبراطورية الإمارات وقطر والسعودية لحرق ليبيا. والله أعلم ان قادة الطائرات ليسوا حتى من أهل تلكم البلدان بما هي “مبندقة التركيب الديمغرافي”  يتراوح عربها بين 10-50 بالمئة من السكان بين مشيخة ومشيخة. واليوم تهب الإمارات لضرب تيار الإخوان في ليبيا (تيار قطر) لأنها  اي  ليبيا من تيار الوهابية.ولا شك ان طياريها وهم يخرجون من مصر إلى ليبيا قد سمعوا أنين أطفال غزة بل ربما رُشقت اجنحة طائراتهم بدماء الأطفال التي طاولت عنان السماء وجعاً.

هل قيام عرب بضرب عربٍ هو فقط لأن العدو الإمبريالي عاجز عن ذلك أو متعففاً؟

كلا، بل الهدف هو الإجهاز على اي جذر قومي عربي مهما كان متواضعاً لكي تنتهي مسألة أمة عربية إلى الأبد.

هذه الاحترابات الذاتية وبالنيابة عن الأعداء تذكرني بما يحصل في الأرض المحتلة حيث يقوم العدو بتجنيد عملاء حتى وهو قد لا يحتاجهم، لا يخدمونه، يقدمون معلومات يعرفها أكثر منهم، لكن الهدف هو كسرهم نفسياً وفكَّهم عن شعبهم ووطنهم. وليس هذا إذن من قبيل البطر، بل ضمن معركة ومشروع ممنهجين لأن مجرد الموافقة على اي تعاون مع العدو يعني موت من يوافق وجوداً.

إذن الأساس اقتلاع امة من رحمها، الأمة العربية تحديداً. فليس هذا التفكيك والتفتيت حال إيران ولا تركيا ولا إندونيسيا ولا اي بلد في العالم الإسلامي مما يؤكد أن المسألة استهداف الأمة العربية. والاستهداف هنا اتخذ شكلين بمسارين مختلفين:

  • استهداف الأمة العربية بتصنيع “أممٍ قطرية” تتناسل أميبياً وصولا إلى المستوى الإثني والطائفي والهوياتي حتى الجهوي.
  • واستهداف الإسلام بمستويين:

o      وهم أمة الإسلام لمليار ونصف إنسان.

o      وتصنيع إسلامات عديدة “وهابي، إخواني، طوراني، أمريكي…الخ والمهم ان لا يكون عربياً.

والمثير، ان الشارع العربي والمسلم ينقسم طبقاً لهذا التفكيك التدميري.فهو تفكيك لم يهدف إلى إعادة التركيب، بل إلى تفتيت لا نهائي. إنها حالة غيبوبة الوعي تماماً كما تركض الفريسة وراء الضبع.

صحوة…على ماذا؟

 

منذ اليوم الأول للعدوان، ولأن الشارع العربي والإسلامي لم ينفجر، منذ اليوم الأول أو بعد مغيب شمسه شعرت بهول فاجعة مفادها أن هذا الواقع العربي والإسلامي مريض ووضيع وأن ما تسمى الصحوةالإسلامية هي أسطورة هائلة تضج بفراغها من محتوى حقيقي وبالتفريط في ألأرض لأجل السلطة. أما النظام العربي المريض فأتت “الصحوة” الإسلامية ومن ثم “الربيعية” بزعم تصحيحه، فإذا بها أخطر منه.

السلطة في واقع هذه الصحوات ليست بمضمون مفاهيم السلطة لدى الأمم الحقيقية في العالم، أمم الإنتاج والعمل وبالتالي وصول السلطة على الأقل بالتحكم الطبقي بإنتاج ما، مما يدفع للدفاع عن وطن ما لأن فيه قوة عمل تنتج معيشتها.

في عالم غير منتج، الوطن مجرد مكان، مكان كان في الماضي صحراء يتنقل فيها الرعاة دون ولاء للمكان سوى في تذكر الحب العذري، واليوم صار الوطن مصدرا للريع الذي صار هو الوطن، فلا ولاء سوى للريع او لحامل الريع بل للغربي الذي ضرب بقدمه الصحراء ففارت نفطا تولد منه ريعاً.

تحضرني هنا اقوال أحد قادة الإخوان في مصر في عام مرسي اليتيم “طز في مصر” . نعم لأن الوطن بالنسبة له هو السلطة والثروة وليس الأرض.

 

ما الفارق بين هذا الرجل وبين حكام الدول القطرية الذين يعترفون بالكيان الصهيوني باسم العروبة؟ هذا تحكمه الإيديولوجيا وليس الدين ليصل السلطة بل كان فيها، وهؤلاء تحكمهم السلطة وليس الوطنية.

لكن الحكمة ليست هنا، كي نتجنب التعميم المائع. الحكمة في مجال ومكان آخر هو: ما هي الأفكار والنضالات التي تبني موقفاً تاريخياً:

  • هل هي مواقف شعوب وقيادات معظم أمريكا اللاتينية؟
  • أو هل هي الجبن الوحشي لعدوان الكيان الصهيوني الإشكنازي الذي  اختصرت وحشيته على الأطفال والنساء والمقاتلين أدوات الدفن لأنهم عُجنوا برمل غزة .
  • أم هي  الدين السياسي بما فيه من نصال تقطر منها دماء الأطفال والنساء وحتى المقاتلين في العراق وسوريا وليبيا.

لا بأس، كل ما جرى في غزة  ولم تتحركوا قط، ولكن على الأقل هل فكرتم لماذا وكيف كان ذلك التوازي بين

  • مذبحة غزة على يد الصهيوني
  • وسقوط الموصل وذبح العراق العتيق على يد داعش في الأيام نفسها، فهل من قول سوى أن المنهدس نفسه؟

هي حرب عالمية على المقاومة، عبر غزة،  يجري تنفيذها بشكل عملي واختباري.وهي ليست متأتية أو مترتبة على مواقف المركز الإمبريالي بعمالقته وبغاثه مع الكيان وحسب، بل بسبب الانكشاف الرهيب لأوهام إيديولوجية عديدة أغرقنا انفسنا فيها أو أُغرقنا فيها بل كليهما معاً.

  • وهم الدولة القطرية التي صاغها لنا الاستعمار، وحافظت على ولائها المطلق له وحاربت الدولة القومية وعاشت حد الخيانة الحقيقية وانتهت معترفة بالكيان علانية او سراً ضمن تشكيل جبهة صهيونية عربية تقوض بقايا العمق العربي.
  • وهم “أمة الإسلام” التي يقودها التركي تحت راية الناتو أو السعودي تحت راية البيت الأبيض. أليست من عجائب الزمان أن تقتتل الخلافة الوهابية والخلافة التركية في ليبيا وتتحالف في سوريا، ولا ترى كل هذا مئات ملايين العرب التي تهتف لهؤلاء؟

هذا الغوص في وحل القتل والاقتتال البيْني العربي باسم الدين يضعنا أمام قراءة متجددة للهيمنة التي تحدث عنها كثيرون من هيجل إلى ماركس إلى غرامشي. هيمنة فيها درجة هائلة من الجهل والفردية (وليست الطبقية) وتخيل كل فرد أنه وكيل الله حصراً في حين هو مطلق أعمى تقوده بصيرة صهيونية امريكية غربية. فيا لهول المرحلة!

بينما دم الفلسطيني ملائة تغطي الفضاء بإطلاقيته ولا نهائيته، ولحمه على جدران القارات الخمس، ولا من يجرؤ على قول كلمة أو لمس رصاصة او التحديق في بندقية، لا أحد من بين مليار ونصف مسلم ، بينهم ثلاثمئة مليون عربي. لا تظاهرة ذات وزن ولا حجراً على قنصلية، ولا حذاء بوجه رسمي أمريكي!

ليس من معنىً أن نرُدَّ كل هذا إلى القمع وحده. بل هي الهزيمة النفسية التي قاد إليها استدخال الهزيمة. هي هزيمة المشروع القومي بل ومواصلة اجتثاثه. صحيح أن القمع لا انقطاع له، ولكن الأمر أعمق بمعنى إنها محاولة الإجهاز على البنى المجتمعية وصولاً إلى إيصالها موقع القطيع لا أرقى. وخلال ذلك ليمت كل من  يربأ بنفسه عن ذلك، كل من يقاوم.

لا يمكن لقراءة المشهد والوقوف ضده لتخطيه وتجاوزه، لا بد من قراءة التواكب بين مذبحة غزة وبين مذبحة سوريا والعراق ناهيك عن المذابح الأخرى في ليبيا واليمن وبداياتها على حدود الجزائر وحتى شمال لبنان.

الاقتران بين غزة والموصل والشام ليس في التوقيت وحسب، وليس في وضوح داعش  بل والنصرة وجميع هؤلاء في استثنائهم العلني للكيان، بل في الأداء الدموي بلا حدود كل طرف بمستوى ثقافته وسيطرته على أداة القتل:

  • الكيان الصهيوني بطائرات أف 16، (الأمريكية) وبالطبع بالتدريب والخبرات الأمريكية.
  • وداعش والنصرة بالسواطير (ولكن بالتوجيهات الأمريكية والتركية والسعودية والقطرية والإماراتية.)

لا شك أن البغتة التي أُصيب بها الشارع العربي والمسلم هي هائلة حيث الذبح في كل موقع وناح وبوتائر وطرق لا حدود ولا عديد لها. هذه البغتة والدهشة لا يمكن ان تكون من صنع داعش بل من تنفيذ داعش.

بين صحوة وصحوة مسافة

 

التساؤل الذي يلح الآن علينا هو: منذ عدة عقود والإعلام والإيديولوجيا يتحدثان عن الصحوة الإسلامية. صحوة خلائط آن الأوان للتبحُّر فيها بل نفيها بالنقد.

  • هل الصحوة في خلق القاعدة وما تمفصل عنها (النصرة وداعش والجبهة الإسلامية…) على يد الولايات المتحدة والغرب وعلى حساب المال وبالبشر الخليجيين وخاصة السعودية.
  • أم هي الثورة الإسلامية في إيران التي هي موقف قومي اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وموقف عقيدي وثقافي دينياً؟

من منهما الصحوة الحقيقية؟ وإذا كانتا الصحوتين إسلاميتين، فلا بد لنا من سؤال: من منهما هو الإسلام؟

وإذا افترضنا ان الصحوة الإيرانية هي صحوة حقيقية بمعنى حق الأمة الفارسية في النهوض وتجديد إسلامها، فلماذا تقف الكثير من جماهير السنة ضدها، أو على الأقل ليس معها؟ هل ذلك خشية ان تكون هناك صحوة عربية؟ علماً بأن المفترض في تناقس او تصارع الأمم أن تبني كل أمة نفسها. وهذا هو التحدي الذي ترفضه الأنظمة العربية القُطرية، فهي تصر على الاستنامة للتبعية للاستعمار في حقبة العولمة من جهة، وتنجح في تاليب المواطن العربي ضد إيران بإثارة النعرات المذهبية ليتحول من ثوري مُحتمل إلى إرهابي فاعل.

وإذا كانت جماهير السنة غارقة في وحل الحقد الطائفي المتخلف على الشيعة، فما بال غزة؟ بل وما بال الموصل ونينوى ناهيك عن اليزيديية والشبك وبالطبع قدامى آشور وكلدان وسومر وأكد؟ بل كل نصارى العراق؟

ما أود المحاججة ضده بوضوح هذه المرة بأن ذلك الضخ الإعلامي الهائل عن صحوة الإسلام في المستوى السني هو تعمية لوعي الفقراء وهم الأكثرية الساحقة والمسحوقة كي يُنقلوا من الدين الفردي الإيماني إلى الدين السياسي وخاصة في المستوى السني حيث أنظمة وقوى الدين السياسي تتمتع بريع هائل من النفط وتسخره لأمرين متكاملين:

  • محاصرة وتقويض المشروع القومي العربي بحرب لا هوادة فيها
  • ومزيداً من الإرتباط والتبعية للمركز الراسمالي الغربي وخاصة الولايات المتحدة حيث ينتهي كل ما يقوم به هؤلاء إلى ربح صاف للكيان الصهيوني.

وهذا ينفي مزاعم وجود أمة إسلامية بالمعنى العلمي للأمة، بل هناك ثقافة إسلامية تتخذ شكلا في كل بلد وقومية متلائماً ومتكيفاً مع البلد نفسه. فالدين الحقيقي هو مكون من مكونات الحضارة لهذه الأمم ولكنه لا يشكل هو نفسه تلك الأمم. أي لا يخترق او يلغي جغرافيتها ولا تاريخها ولا ثقافتها،ولا علاقة له بعرقها وليس شرطا لتنميتها، وبالطبع ليس هو سبب تخلفها او المتخلف منها. فالثقافة والحضارة نتاج شغل الأمم شغل الإنسان في الحيز الجغرافي عبر نمط الإنتاج وليست الأمم نتاج الثقافة والحضارة. والأديان السماوية نزلت لكل الأمم ولم تنص على دمج الأمم في أمة واحدة ربما نظرا للتنوع الجغرافي والتاريخي واللغوي والثقافي والاقتصادي…الخ.

لكن قوى وأنظمة الدين السياسي في مهمتها المعادية للقومية العربية تتلطى وراء ما تسميه “أمة الإسلام” بالمعنى السياسي وحتى القومي وليس بالمعنى الثقافي والحضاري مهملة البعد الجغرافي والاجتماعي والتاريخي وبالطبع الاقتصادي. وهي في هذا تعقد لواء الخلافة للأتراك كقومية طورانية عنصرية استعمرت العرب اربعة قرون وتلعب اليوم دور أداة الغرب ضد الأمة العربية وتقيم تحالفا استراتيجيا مع الكيان الصهيوني. فهل ما حكم مواقف تركيا هو: الدين أم المصالح الاقتصادية للبرجوازية التركية؟. والطريف أن اتباع دعاة الخلافة التركية من البسطاء لا يفكرون في كل هذا!

وربما يليق هنا التذكير في تشابهات كثيرة بين الطورانية والنازية والصهيونية. فالطورانيون هم الذين قبل قرن ذبحوا مليون ارمني مسيحي، وقد تكون هذه المذبحة هي ما استأنس به هتلر فاستسهل ذبح اليهود، وكلا الطورانية والنازية محفزات الكيان الصهيوني على المذبحة الممتدة ضد الشعب الفلسطيني.

إذن، فالدين السياسي مطلوب له ومنه أن يفكك العرب! لماذا؟ فما من  أمة مفككة غير الأمة العربية وها هي الصحوات تكرس ذلك بالسواطير. وإذا كانت هناك أمة إسلامية، فلماذا يجب توحيدها بتفتيت العرب؟ اليست مختلف الأمم الإسلامية مستقلة وبيدها مصيرها، فلماذا لا تتوحد امة مع أخرى كي يأخذها العرب مثالاً؟ لتتحد أمم الطائفة السنية مثلا !

أليس ما تبلور عنها هو بؤس حقيقي ؟ ما معنى جامعة الدول العربية؟ وما معنى مؤتمر علماء المسلمين؟ لا بد لمواجهة كل هذا، لا بد من عقل جريء لا بد من مثقف مشتبك.

الصحوة الإيرانية مختلفة

 

وهذا يفتح على الحديث عن الصحوة الإسلامية الإيرانية. فالإيرانيون قلما يتحدثون، على المستوى العلني والإعلامي ، عن القومية الفارسية أو الثورة الإيرانية…الخ مع ان الثورة في إيران لم تكن إسلامية ضد عدو ليس مسلماً. هي ثورة او صحوة او ثورة تصحيحية على الصعيد القومي للبلد لها مضامين عدة منها المضمون الثقافي الديني الاستقلالي والرافض للتبعية.

ولكن لها مضمون تنموي واجتماعي وطبقي ايضاً. هي مشروع تجديد دولة/أمة بتوجهات ثلاثة:

  • توجه جُوَّاني
  • وتوجه إقليمي
  • وتوجه عالمي

وهي في هذا على قدر من التشابه مع الثورة البلشفية في روسيا القيصرية 1917 من حيث أن التحدي الخارجي لعب دورا كبيرا في تجذيرها. فبقدر ما هوجمت الثورة البلشفية من النظام الرأسمالي العالمي بقدر ما وجدت ملاذها في استثمار العدوان والحصار في فك الارتباط النسبي بالسوق الراسمالي العالمي ومن ثم تنمية البلد. وبقدرما هوجمت الثورة الإيرانية بنفس النهج وإن لم يكن بنفس العُنف والقدْر. فالمهم أنها نوصبت العداء من النظام الرأسمالي العالمي ومن توابعه في الإقليم.

ولم يكن سبب هذا العداء المستديم هو كونها ذات توجه ديني ولا لأنها فارسية قومياً، ولا لأنها لا تسمح لأي حزب غير ديني، بل لأن المركز الرأسمالي الإمبريالي العالمي يرفض وجود اية دولة ذات مشروع نهضوي تنموي لأن هذا النهوض يغلق سوق ذلك البلد أمام منتجاته، ويعمل على منافسة المركز في أسواق الإقليم. فليست المشكلة مع الدين الصحيح ولا مع الدين السياسي، المشكلة مع الاقتصاد والمال والربح، مع التجارة مع تحرير التجارة الدولية مع فتح الأسواق مع احتجاز تطور دول المحيط. المشكلة ليست مع الكعبة ولا الأقصى بل مع النفط والسوق.

من هنا ركزت الثورة الإيرانية على عاملين هما من كلاسيكيات التنمية والنهوض:

  • العامل التنموي بالاعتماد على الذات وعلى الدول الصديقة و/أو المنافسة للإمبريالية لاستغلال ناجع للإمكانات المتوفرة في البلد.
  • وعلى العامل الديني ثقافيا في تعبئة الشارع وفي  التاثير في دول أو أمم الإقليم.

وعليه، فإن إيران قد اكتسبت خلال هذا الصراع خبرة كبيرة في التنمية الذاتية والتي ارتكزت على الشرطين المتلازمين للبقاء:

  • التنمية في قطاعات الإنتاج عبر استثمار الفائض وعدم نزيفه للخارج
  • وتنمية القدرة التسليحية للدفاع عن التنمية الاقتصادية والوطن.

هذا النهج الإيراني دفع الدول القطرية العربية التابعة للإمبريالية للوقوف عدائياً ضد إيران، ليس من باب حدود أو محدودية الدمقرطة والتعددية الحزبية في إيران، بل من باب عداء الإمبريالية وتوظيقها لتوابعها لمعاداة أية تنمية معتمدة على الذات حتى لو في مستوى تقنين فك الارتباط ناهيك عن فك الارتباط نفسه. طبعاً الديمقراطيات الشعبية في الخليج “تناضل” لدمقرطة سوريا!!!

دعهم يكذبون بصلافة، ولكن العيب في الجماهير التي تتبعهم ب في القوى التقدمية التي خسرت هذه الجماهير فراحت تنشد البكائيات. اليس الاصطفاف وراء قطر والسعودية والإمارات كارثة العصر؟

خلاصة القول في هذا المستوى هو أن الصحوة الحقيقية هي في إيران، وهي قومية جوهريا ودينية ثقافيا. وهذا يفتح على الموات العربي رسميا وشعبيا

العروبة…من الهزيمة للميدان الحتمي

 

قد، بل يجب، أن يسألني البعض بنقد أو استهزاء بما كتبت: وماذا عن الأمة الثالثة  أمة العرب؟ اين هي في مذبحة غزة؟

ولا اقصد هنا الأنظمة القطرية العربية، فهي في المعسكر الآخر، باستثناء المقاومة والممانعة (عرب سوريا وفرس إيران) وكليهما مسلمين. اقصد الأنظمة القطرية المرتبطة بالإمبريالية والصهيونية أي الثورة المضادة، اقصد الصهيونية الرسمية والثقافوية العربيةلأنها في معسكر الثورة المضادة ودورها تصفية القومية العربية، بل وظيفتها. وإلا، ما معنى ان يكون الأردن قاعدة تدريب كافة منظمات الإرهاب التي تجندها امريكا ضد الوطن من المحيط إلى الخليج؟ ليس الأردن وحده بل نأخذه كمثال: لنتذكر، في عام 1941 أخذ الأنجليز الجيش الأردني لقمع ثورة رشيد عالي الكيلاني في العراق، وعام 1958 ساهم الأردن في إنقاذ كميل شمعون   المحمي من الإنجليز والفرنسيين والأمريكان، وعام 1973 حمل الإنجليز الجيش الأردني والإيراني (الشاه طبعا) لذبح الثورة الشيوعية في عُمان…يكفي هذا. وما معنى تنازل عمر البشير عن جنوب السودان ليبقى رئيساً، هل السبب الدمقرطة أم ان الوطن مجرد مكان في عرف أنظمة وقوى الدين السياسي ؟ لأن الأساس السلطان؟؟؟ وما معنى ان قطر والإمارات شاركتا تحت قيادة (الناتو) في تدمير ليبيا القذافي والآن تحاربان بعضهما في ليبيا؟ هل اصبحتا دولتين أمبريالتين؟؟ وما معنى وقوف مصر وسيطا لا مقاتلا مع غزة؟ وما معنى ان السعودية هي قائدة الحرب منذ مئة سنة ضد العروبة…الخ

ردي على السؤال هو أن الحركة القومية العربية هي التي جرت تصفيتها على ثلاثة مراحل فخرجت مؤقتاً من الساحة:

  • مرحلة التأسيس: أي بعد هزيمة الاستعمار التركي ذي أل 400 سنة، تم تقسيم الوطن العربي باتفاقية سايكس-بيكو منذ 1916 حيث تشكلت القطريات العربية المتآخية مع الصهيونية إسرائيل. تشكلت معا وعلى يد العدو نفسه وحتى الآن. لاحظوا تركيا والقطريات العربية على وئام مع الكيان. الأمة الكبرى ممثلة في وارثي الخلافة والأمم الصغرى القطرية العربية. أعلم ان هذا يستفز المبهوتين في الخلافة، ويستفز مختبرات القطريات، ولكن أليس قول نبي العرب: :الرائد لا يكذب أهله”؟
  • مرحلة تصفية الأنظمة القومية الاتجاه قطرية البنية في مصر اساساً إلى أن صارت مصر جملا يجره قطاً: قطر، الإمارات، السعودية ويتصالح مع الكيان الصهيوني. في هذه المرحلةأدى استهداف الإنظمة قومية الاتجاه إلى جزع بعضها والوقوع في ممالئة الإمبريالية، فسلم القذافي اسلحة الدمار الشامل لأمريكا كي ترضى ولم ترضى. حاول ان يغدو لبراليا فبدل أن يفتح فُرجة للقوميين واليساريين فتح الباب لأمثال بلحاج  فكان له ما كان! مرحلة تصفية الثقافة والانتماء القومي والاشتراكي في حركة التحرر الوطني العربية وإحلال ثقافة الوهابية والدين السياسي معجونة بالنفط لتحل محل العروبة والاشتراكية, انظروا الآن آلاف القادة والمفكرين من القوميين والشيوعيين الذن تحولوا إلى أوغاد في الثورة المضادة ضمن الطابور السادس الثقافي.

لذا، حين بدأت مذبحة غزة كان البعد الشعبي العربي مأخوذا بالصحوتين الإسلامية والقطرية “وهْم الأمة الكبرى ووهْم الأمم الصغرى” اللتين تحالفتا ضمن مخطط الإمبريالية والصهيونية في تصفية القومية العربية. وهما مدعومتين بمثقفيهن العضويين اي الطابور السادس الثقافي. لقد صيغت هذه كلها لتكون مقتلا للعروبة وهذا ما حصل.

إذن، فالمعركة هنا، إنها على ابواب الشعب العربي. فالعروبة اليوم أمام خيارين:

  • إما المذبحة النهائية
  • أو استغلال شدة المذبحة للنهوض الجريء.

ولهذا بالتحديد وبالضبط، يصبح سؤال التحدي أمامنا: ما العمل؟

وليس المقصود هنا اختياراً بين وهم الأمة الكبرى “أممية الدين السياسي” ووهْم الأمم الصغرى “انحصارية الأمة والهوية في حارة او زاروب أو زنجة-القذافي”، بل وجوب العودة للعروبة. وهي عودة تشترط الاشتباك المعمم والمديد مع الثورة المضادة بحضورها المتعدد: الإمبريالية والصهيونية والقطريات العربية بما فيها انظمة وقوى الدين السياسي والطابور السادس الثقافي.

ما يمكن قوله في اللحظة للقوميين العرب ولغير العرب من القوميين وبالطبع الشيوعيين والمؤمنين بالوطن من جميع القوى، بأن هذه اللحظة تقتضي الارتفاع من أجل المروع العروبي والجماعي ، الارتفاع عن التوترات والثأر. فالمتخلفين وحدهم الذين يعجزون عن التصالح النظيف وخاصة حين يكون الجميع في خط الجبهة والمواجهة.

وأية جبهة؟ لنتذكر جميعا بأن الإمبريالية والصهيونية يخططون ويتعاملون مع العرب كوحدة واحدة ومن ثم يذهبون إلى التفاصيل.  بينما الكثير من القوى التقدمية غارقة في الانحصارية القطرية والفئوية والمذهبية!

طالما نحن أمام استهداف دائم، فالحرب المقبلة متعددة الوجوه والأسلحة والقوى. فالعدوان لم يصل قمة ما يريد بعد رغم كل ما حصل، وهذا يشترط توجه ووعي وحدوي لا مفر منه لمن يؤمن بالبقاء. وربما في هذا السياق نأخذ على سوريا والعراق عدم الشروع في وحدة ما.

لن يكون النهوض العربي اليوم حربا جبهية مع العديد من الأعداء، بل حروب الشعب على شكل استنزاف. وليكن درس غزة واضحاً. غزة على جوعها وفقرها وقلة سلاحها أعيت لعدو بالاستنزاف. ولا شك بأنه يخطط لمواجهة ذلك.

لذا، يمكننا البدء  بالكثير ومنه تفكيك مفاصل الدولة القطرية المشبوهة المنخرطة في الثورة المضادة.

وطالما نحن في غزة، تحضرني ملاحظة تنمُّ عن مواقف الأمتين اللتين خذلتا غزة اليوم:

يضج الإعلام المقاوم والمشبوه معاً، بأن على الضفة الغربية أن تثور. ويتم تضخيم الأمر وكأن ثورة الضفة سوف تقتلع الكيان. وهؤلاء انفسهم الذين سوَّروا بلدانهم كي لا يصلها وهج الانتفاضة الأولى التي كانت شرارة ربيع عربي حقيقي، فتم الغدر بها. وتم الغدر بالانتفاضة الثانية. ونخشى بعد انتصار غزة  أن يتم استثمار ذلك على النهج نفسه. وإلا، ما معنى مؤتمر باريس في الأيام الأولى لحرب غزة والذي شاركت فيه امريكا وفرنسا وبريطانيا وألمانيا وتركيا وقطر وخرج بنزع سلاح المقاومة! ترى هل فكر البسطاء من قوى الدين السياسي كم هما خطيرتين قطر وتركيا؟

يجب ان تثور الضفة. نعم كبيرة. ولكن ماذا تفعلون أيها ال 300 مليون و 1500 مليون شخص؟ هل ستهتفوا تشجيعاً؟

أليست الدعوة لثورة الضفة من بعيد وبلا مشاركة او دور، أليست تعني  بانكم ترفضون التضحية ؟ هل تخافون القصف؟ جيد. ولكن أليست لديكم جيوشاً أكثر من جيوش القاعدة وداعش التي ترمون بها لتحويل الشام وبغداد إلى جحيم؟ أليست لديكم الصواريخ والطائرات؟ كيف لا، اليست قطر والإمارات والسعودية هن اللواتي دمرن ليبيا؟ أليست فلسطين اقرب.! أم أن ما يمنعكم هي “الأخوَّة الصهيونية” التي تخترق الأديان؟