الإستعمار يكرر التجربة ويغير الأدوات

محمود فنون

أمريكا تهيمن على المنطقة العربية وتسعى لاستكمال وبسط نفوذها بطرائق جديدة .

وهي اليوم تستخدم الدين السياسي  ومنظمات المجتمع المدني وفريق من المثقفين ودول الخليج لتنفيذ غاياتها

وهي وريثة بريطانيا العظمى وسياساتها

الجولة الأولى:

عندما قدمت امريكا وبريطانيا للبلاد العربية في القرن التاسع عشر أي في العهد العثماني البغيض ، استخدموا الأدلاء ومنهم إلى شيوخ القبائل والقبائل لتكون أدواتهم في التغلغل في البلاد واستعمارها .وفي بداية القرن العشرين وصلت بريطانيا على سبيل المثال إلى الحراك العربي القومي بل وتمكنت من التدخل في صياغة القيادة  العربية العليا  للثورة العربية الكبرى الشريف حسين واولاده  ومن خلالها تمكنت من الحراك العربي وجيرته وفق رغباتها ، وقطعت سياق تجربة الحراك نحو الوحدة والتحرر لتكون النتيجة  تقاسم المشرق العربي وتفتيته بدلا من اقامة الدولة العربية الموحدة في المشرق لتستكمل يريطانيا سيطرتها على الجزيرة العربية وإمارات الخليج وترتيبه مجزأة وفقا لارادتها . لقد شكلت بالتالي نظما ضعيفة تابعة لها إلى جانب الإستعمار الفرنسي في سوريا ولبنان . وكانت بريطانيا قد استعمرت مصر والسودان بينما حصلت فرنسا على تونس والجزائر وجزء من المغرب وتبعت ليبيا وجزء من المغرب لإيطاليا . وهكذا منذ ان وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها حتى كان الوطن العربي مقسما وخاضعا وغارقا في بحر جديد من الظلام الإستعماري بعد أن فشل طموحه في التحرر من النير العثماني والإستقلال في دولة عربية واحدة .

كان للغرب الإستعماري أدواته إذن ، كما كان له شعاراته وهذه هي خبرة الإستعمار .

أدواته من العرابين والمستشرقين ومن رجالات القبائل والعشائر ومن ثم القبائل ذاتها . ثم وصل إلى النسيج الإجتماعي الطبقي والزعامي وسخره في كل مكان لغاياته التي لم يكن يفصح عنها ، وكان يدفع المال لإغراء القابلين لللإغراء ويزيح العقبات من طريقه .

بعد دراسة التجربة في تلك المرحلة ، وبعد مقارنة الأهداف العدوانية الإستعمارية مع ما كان يطمح له الزعماء  الحقيقيون لللثورة العربية الكبرى ، وبعد دراسة الوسائل والأساليب الإستعمارية الخبيثة تبين أن التجربة تتكرر اليوم .

العقلية الإستعمارية وجدت لنفسها مسوغات للتغلغل في الوطن العربي كما وجدت أدواتها المحلية .

هناك فارق بسيط لا بد أن نراه وجوبا :

نتاج دراستنا للتجربة الماضية ، خلصنا إلى أن العقلية الغربية كانت متفوقة في الرؤيا والمناهج على مثيلتها عند العربان كما كان الغرب متفوقا حضاريا بما مكنه من استخدام ذلك على الزعامات والأدوات التي استخدمها وخلب لبها بالمال والسلاح والتفوق والمنح والعطايا … وقال الكثير من الباحثين بأن بريطانيا خدعت الشريف حسين ! بينما هي استخدمته لخديعة الأحرار العرب بالإستناد إلى منزلته ذات الوزن  الموروث من العقلية الإقطاعية والدينية في ذلك الوقت وظهوره بمظهر الثائر على العثمانيين ودفاعه عن أمة العرب .

لقد وعدوه بالملك على المشرق العربي وانتهوا به منفيا في جزيرة قبرص ويتعرض للهوان بينما يخاطبه المخاطبون بأرفع الألقاب الملكية . وهذا يتكرر ولكن هذه المرة ” وأنتم تنظرون “

حصل هو على الألقاب وحصلت البلاد العربية على الإستعمار .

الجولة الثانية :

الجولة الثانية هذه المرة بزعامة أمريكا ومعها الدول الأوروبية وحلف من الدول العربية وتركيا ، والمستهدف الوطن العربي كذلك والهدف استحلابه والسيطرة على ثرواته وإضعافه وتقسيمه وانهاكه ومن الأهداف كذلك تمرير تهويد فلسطين وجعل الأمر مقبولا وطبيعيا .

الأهداف الأمريكية والغربية ليست سرية بل هي معلنة ومنشورة في الكتب والجرائد وكل وسائل الإعلام والنشر . كما أنها منشورة بلغات متعددة وبشكل متكرر .. شرق أوسط جديد … نشر الديموقراطية في البلدان العربية ..

أما الأدوات فهي أدوات محلية تم تربيتها وتسمينها وإعدادها للأيام الموعودة .

بدلا من القبائل سابقا يستخدمون الأحزاب السياسية بعد أن حولوا ولائها ولاء قبليا  والأقليات العرقية والطوائف الدينية وخاصة الإسلامية ، وصنائعهم من دول الخليج وأحزاب الإسلام السياسي . وقد تغلغلوا في الأحزاب المختلفة ومؤسسات المجتمع المدني ووصلوا إلى كتاب وصحفيين وإعلاميين ودارسين وشتى أنواع العاملين في حقل الثقافة والحقل الإجتماعي ، وكان معهم :الوقت الكافي ،وعسف الحكومات الصنيعة والتابعة، والمال وكل وسائل الترغيب والترهيب . وأطلقوا كل شيء ليعمل ويفعل فعله تحت عنوان الفوضى الخلاقة . خلاقة لمصلحتهم ومدمرة للأمة العربية وثرواتها . خلاقة بمعنى ينشأ عنها وضع جديد يستهدفونه من الأساس .وضع معروف للجميع ولكن تتجاهله أدةات تنفيذه وفق إرادة السيد .

صاحت أمريكا بأعلى الصوت وبلغتها الخاصة ، فترجمت الأحزاب الدينية كلمتها بأنها تدعم نشر الإسلام في البلاد العربية ، وأنها تدعم إقامة الدولة الإسلامية والخلافة الإسلامية وتطبيق شرع الله . أمريكا لم تقل ذلك حقا ، صنائعها هم الذين يقولون على لسانها .. أمريكا تقاتل الظلم في بلادنا وقد يسرها الله لنصرة المظلومين بكلمة منه ولهذا قضت على ليبيا وقبلها قضت على العراق وهاهي تفعل فعلها في سوريا ” تقديرا من الله العزيز الحكيم ” و”لا راد لقدر الله “

بالمناسبة كانت مجموعة من الدول العربية مشاكسة ودخل بعضها  في علاقات وأحلاف لا ترضى عنها امريكا وكانت تشكل إصطفافات مقابل النظم الرجعية العربية . مصر الناصرية وقد شكلت حالة تفاعلت فيها كل من سوريا والعراق وليبيا  والجزائر، كما ان هذه الدول نسجت أفضل العلاقات مع الإتحاد السوفييتي سابقا .

أمريكا ومنذ السبعينات تنشط لتحويل المنطقة العربية إلىى بحيرة أمريكية . وكان سقوط الإتحاد السوفييتي وحرب الخليج مناسبة لقفزة جديدة في هذا السياق ، وكان الكتاب العرب يدبجون المقالات وينشرون الأخبار تباع عن أهداف امريكا البائنة .نقصد من هذا القول بأن ما درجنا عليه في تفسيرنا لظاهرة التغلغل الإستعماري في الجولة الأولى لا يصلح اليوم . سابقا كان الإدعاء بالجهل وسذاجة القادة والنافذين والزعامات وتخلفهم عن فهم العصر ومجرياته . هذا اليوم لا يصح أبدا .

إن الذين يسيرون في ركب أمريكا هم على معرفة ودراية بأهدافها ، بل هم يعلمون بأن أمريكا ماضية في تنفيذ أهدافها وعلى رقاب أدواتها وخدمها بل وهي تستخدمهم ضد الواقع الذي تسعى للسيطرة عليه ثم تستخدمهم جهارا نهارا ضد بعضهم البعض ثم تقاتلهم بواسطة النظم العميلة وبقيادتها المباشرة .

لا يستطيع الساسة العاملون في إطار الحلف الأمريكي أن يدعو بأن أمريكا تخدعهم . هم معها كما هي ويعرفون تصرفها وأهدافها ويخنعون لها قادة ومريدين .

تيارات الحركة الإسلامية هم أكثر الخدم إخلاصا وأكثرهم استعدادا للتفاني في تنفيذ هذه السياسات ، ما يعرفونه منها وما لم يعرفوه بعد .

مثلا : تقسيم العراق طائفيا وأقليات وقبائل ، هذا يسير على قدم وساق وشبه منجز حاليا . العراق  مفكك وعناصر وحدة الدولة العراقية متمثلة في وحدة الأرض ووحدة جهاز الدولة ووحدة الجيش والحكومة وسيادة كل هذا على ما عداه  غير موجودة . وهكذا تسير الأمور في ليبيا وسوريا   .. نحو التجزئة . بينما يدعي المدعين كذبا بأن النتيجة ستكون وحدة العراق والشام تحت راية الخليفة ومعها بقية الدول العربية والإسلامية ..

تيارات دينية متعددة توزع ولائاتها على مجموعة من الدول التابعة والصنيعة للإستعمار ، وتتصارع فيما بينها وتصارع الدول القائمة بينما الأوطان تنزف من دماء الناس والثروات والمؤسسات .. كل شيء للتدمير  وكل شيء مباح بما في ذلك الناس والقيم والمؤسسات والثروات …

داعش عبارة عن حصان طروادة الذي استعمل لدخول طروادة كخدعة . وتمكين الدين وقوى الدين بمثابة الخدعة الأكبر وقوى الدين هي الخادعة ومريديها المخدوعين .

وخلق فزاعة السني والشيعي هي من وسائل خداع وجرجرة الجماهير المخدوعة بقياداتها الدينية .

اليسار المنهك والمدجن بأدواته الصغيرة خادعين ومخدوعين

وحتى القوى البرجوازية كالكومبرادور وأصحاب بيوتات المال ورجال الأعمال كل هؤلاء يلهثون ركضا في الإتجاهات الخاطئة وضد أوطانهم ..

لا أحد ممن ذكر أعلاه يستطيع أن يدعي أنه متحرر في توجهاته بل جميعهم تابعون وينفذون أجندة الأجنبي . والأجنبي يستخدمهم لغاياته ومبرراته، ويقتلون ويسحلون شعوبهم ويقفون في مواجهة بلادهم .