الاستراتيجية السورية المضادة لحرب الاستنزاف …نجاح متسارع

العميد د. امين محمد حطيط

في حديث له قبل اشهر عدة حدد الرئيس الاسد نهاية العام 2014 موعدا تقريبيا لوضوح الصورة في الميدان السوري بما يحمل الطمأنينة لنتائج  المواجهة الدفاعية التي تخوضها سورية منذ نيف و ثلاث سنين ونصف، و كان تقديره انذاك مبنيا على معطيات الميدان و على المتغيرات في السياسة الدولية ، و بعد اشهر قليلة على هذا الاعلان تجرأ اوباما على الاقرار بان “التفكير باسقاط سورية او اسقاط الرئيس الاسد فيها انما هو ضرب من الخيال”، اقرار اكد حقيقة قائمة و حاكى الواقع الميداني و الاقليمي ان لم نقل الدولي ايضا.

و كان منطقيا بعد هذا الاقرار ان يتطور الموقف الاميركي للاتصال بالمكونات الفاعلة في المشهد السوري بحثا عن حل سلمي منطقي يوقف العدوان المركب على سورية ويكرس نتائج المواجهة ويحفظ لاصحاب الحقوق حقوقهم ، ، لكن السياسة الاميركية التي لا تعترف بمنطق و لا بحق للاخرين ابتعدت عن هذا التصور واختارت الانتقام عبر اعتماد استراتيجية ثأرية تقوم على شن حرب استنزاف في المنطقة عولت عليها لتحقيق اهداف سياسية و اقتصادية و مالية و عسكرية تخدم المصالح الاميركية دون ان تعبأ بالخسائر و الاضرار التي توقعها بحق الشعوب و الدول في الشرق الاوسط .

في مقابل ذلك كان على محور المقاومة ان يحدد الموقف المناسب من القرار العدواني الذي فرض  عليه ان يختار بين المواجهة او الاستسلام ، و في نطاق المواجهة فرض عليه ان يختار بين ان يقوم بردات فعل وفقا لما يخطط له من شن حرب الاستنزاف و ادارتها او يكون له استراتيجية مواجهة تتجه الى تعطيل الاهداف المتوخاة من حرب الاستنزاف ذاتها باعتماد استراتيجية الحسم و التطهير المتدرج ،مع العمل على امتلاك زمام المبادرة في الميدان لقلب الصورة و المواقف اي بدل ان يكون العمل السوري ردة فعل على سلوك المعتدي ،يتحول الى الزام المعتدي باتخاذ مواقف تشكل ردات فعل على مبادرة الخصم و تنفيذ عمليات دفاع تتخذ طابع الهجوم ، ثم مشاغلة اكثر من جهة و جبهة في آن واحد و بالقدر الميداني المتاح لحمل الجماعات المسلحةللتشتت بشكل  يحول دون الاسناد المتبادل و التعزيز و يخفض فرص نجاح الارهابيين في المواجهة.

بين هذا وذاك اختارت سورية استراتيجية الفعل و المبادرة ، و العمل بسياسة التطهير و القضم المتدرج الذي من شأنه ضمان نسب اعلى في النجاح ، و تخفيف الخسائر على القوات المبادرة الى الاشتباك ، و اخيرا ضمان ثبات النتائج دون تعريض الانجاز المتحقق لاي خطر جدي ، استراتيجية وضع لها جدول اولويات تنفيذية و تم اختيار الجبهات فيها من طبيعة الاهداف المولدة لانجازات اخرى لاحقة وبشكل تكون فيه ذات  تأثير اكيد على مسار الحرب كلها و المعارك الدفاعية التي يخطط لها بهذه الذهنية.

اذن وفي مواجهة القرار الاميركي بشن حرب استنزاف طويلة قد تمتد لعشر سنين او تصل الى 30 سنة كما هولوا بها، اعتمدت سورية استراتيجية اجهاض حرب الاستنزاف و الاستنقاذ المتدرج للارض السورية من نيران تلك الحرب. و كان من مقتضيات هذه الاستراتيجية الالغاء المتدرج لخطوط التماس النارية على الجبهات المفتوحة بشكل دائم مع اللارهابيين (و التي من شأن استمرارها ان يجمد القوى العسكرية و يستنزف طاقاتها)  ، ثم الاجهاز على الاوكار الارهابية بعد تحويل المواجهة من مواجهة جبهات الى عمليات جيوب مطوقة ، ثم رسم خط العزل او الفصل بين المناطق المطهرة النظيفة ، و المناطق التي افسد الارهابيون حالها و امنها و استقرارها ، و اخيرا العمل بسياسة الخط المتدحرج باتجاه توسيع المناطق المطهرة و تضييق مناطق الخلل الامني ما يعني بشكل منطقي تضييق فرص نجاح حرب الاستنزاف و سحب البساط تدريجا من تحت اقدام “التحالف الدولي” المشبوه و الذي يدعي سعيه لمحاربة الارهاب و يخفي اهداف لا تمت بصلة لمصالح شعوب المنطقة و دولها .

و بعد اشهر ثلاثة و في تقييم اولي لنتائج العمل باستراتيجية اجهاض حرب الاستنزاف ، نستطيع ان نحصي انجازات ميدانية بالغة التأثير  ذات بعد استراتيجي هام ، حققتها القوات العربية السورية على اكثر من محور و في اكثر من جبهة و ميدان ، انجازات يؤدي  جمعها الى رسم مشهد للميدان السوري يؤكد ان ما تم التخطيط له تم تنفيذه فعليا  بدقة،لا بل ان الانجازات فاقت في بعض الاحيان المتوقع و كانت كلفتها اقل مما هو مقدر، و في هذا المجال نذكر ما يلي:

اولا في محيط مركز الثقل النوعي الاستراتيجي السياسي للدولة اي دمشق و محيطها تم تطهير هذا المحيط وتحقق الاجهازعلى الارهابين في المليحة و عدرا و صولا الى معظم جوبر ما يعني و بعد احكام القبضة الامنية للدولة على القلمون، يعني وضع دمشق خارج دائرة الخطر الارهابي بشكل شبه كلي، بطريقة تضع الامور على عتبة الانجاز الامني الكامل بعد معالجة ما تبقى في المحيط و المتمثل بشكل اساس بدوما التي لن يقوى الارهابيون فيها و في اي حال على الاستمرار في اوكارهم بعد الحصار الذكي و العزل الذي نفذ حولها  حتى الان بشكل متدرج تصاعديا .

ثانيا في المنطقة الوسطى و ما يجاورها حقق الجيش العربي السوري و القوات الرديفة انجازا نوعيا بالسيطرة على بلدة مورك الاستراتيجية ما فتح الطريق الى تطهير كامل منطقة ريف حماه من الارهابيين ما يعني دحرجة خط الفصل بين منطقة الامن و منطقة عبث الارهابيين لمسافة تتجاوز 50 كلم و يشكل هذا الانجاز ضربة نوعية لمنطق حرب الاستنزاف بما يريح القوى و يمكنها من الانصراف الى مهام اخرى في المنطقة خاصة لجهة اقفال ملف وادي ضيف و الحامدية  . و يضاف الى ذلك ما تحقق من سيطرة على مناطق اضافية في منطقة جبل الشاعر و تطهير اكثر من بئر للغاز من الجماعات الارهابية.

ثالثا في الشمال رغم كل الضجيج الذي افتعل شرقي حلب وريفها، فقد استغلت القوات السورية المختصة الظرف المتشكلووجهت ضربات هامة للجماعات الارهابية ما ادى الى اختلال توازنها في اكثر من موقع خاصة في محيط السجن المركزي في حلب و وجهت بذلك رسالة بليغة للارهابيين و لمن يدعمهم مفادها بان معركة تطهير حلب بكاملها باتت قريبة و يعد لها بشكل مضطرد و ما المسألة الا مسألة وقت فقط اما النتيجة فيبدو انها محسومة .

رابعا  على جبهة الجنوب . ظن البعض ان فتح معركة نصيب من قبل الجماعات الارهابية و بدعم مشترك من الاردن و اسرائيل سيكون مدخلا امنا لاقامة المنطقة الامنية العازلة او الحزام الامني الذي تريده اسرائيل معقلا للارهابيين يؤدي الى اسقاط اتفاقية فض الاشتباك و تحرر اسرائيل من مقتضياتها و يؤمن احتلالا اسرائيليا للمنطقة بايدي الارهابيين وفقا لما صنعت في جنوب لبنان قبل ثلاثة عقود ،و تريده الاردن بعد التضليل والاغراءات التي وجهت اليها تريده لابعاد خطر الارهاب عنها ، لكن الجميع فوجئوا بالرد السوري القاسي و المدروس و الذي يشكل في عمقه و جوهره امتدادا لما تقدم من انجازات و الذي يفتح على تطوير الموقف في جبهة الجنوب ليس لاسقاط حلم المنطقة الامنة الاسرائيلية بل ليكون وجها من انجازات استراتيجية اجهاض حرب الاستنزاف التي شاءتها اميركا .

هذه الانجازات و سواها رسمت مشهدا يقود الى القول بان سورية عرفت ان تختار الطريق التي ترد بها على مناورات الغرب المخادعة عندما تم اللجوء الى حرب الاستنزاف ، و اكدت بانها لم تقع في فخ قد يكون ناصبوه ارادوا تحقيق اهدافهم باقل السبل كلفة فجاء الرد السوري منبئا بان حرب الاستنزاف الاميركية ستفشل كما فشلت سابقاتها من الخطط التي عمل بها منذ ان شنت الحرب الكونية على سورية ويؤكد صحة ما كان توقعه الرئيس الاسد سابقا ، علما  بان للانجازات تلك نتائج ايجابية مؤكدة  لصالح سورية اقلها ما يلي:

– دفع الجماعات الارهابية الى دائرة الارباك و التخبط و ادخالها في حالات من الضيق و الحصار الذي يحرمها من فرص الهجوم و الاغارات و الامساك بارض جديدة غرب خط حلب حماه حمص حلب الامر المعاكس لمتطلبات حرب الاستنزاف.

– تخفيف العبء الميداني عن وحدات عسكرية سورية كثيرة ما سيمكن القيادة من استعمالها في اماكن اخرى الامر الذي سيسرع من عمليات التحرير و يضيق من مساحات حرب الاستنزاف.

– تحرير مناطق سورية شاسعة و وضع اخرى على درب التحرير الاكيد و القريب ، ما سيحرم الجماعات الارهابية من الاستفادة من الدروع البشرية والحاضنات الشعبية التي تستغلها لتعزيز وضعها من حيث العديد الامر الذي سينعكس خفضا في قدراتها القتالية و يسرع في انهيارها خلافا لمقتضيات حرب الاستنزاف.

:::::

“الثورة” دمشق