محاورات في الاقتصاد السياسي 11

الفقاعة من انفجار مالي إلى حربي

د. عادل سمارة

ليست ظاهرة الفقاعات المالية  جديدة على الاقتصادات الرأسمالية، فالأزمة المالية  جزء من الراسمالية. لكن الاختلاف هو في الدرجة الهائلة للتوسع المالي وسيطرة طابعه الطفيلي مقابل التقزم في الاقتصاد الحقيقي وعجز النظام عن إعادة الاستثمار في إنتاج السلع والخدمات التي يحتاجها الشعب.  ما يلي يركز على رأسمالية الولايات المتحدة بما كان يسمى اقتصادها “اقتصاد الملاذ الأخير” بينما لم يعد اليوم قاطرة لنفسه، ويفرض على الآخرين أن يقطروه عنوة!

وعليه، تكاد تكون أزمة المولنة بطابعها الحالي والجاري معاُ من تمظهرات حقبة العولمة التي يمكن التأريخ التقديري لها بالعقود الثلاث الأخيرة. وهي بالطبع لصيقة بالراسمالية الاحتكارية التي أزاحت الراسمالية التنافسية. فلعل السمة العامة اليوم لهذه المرحلة هي نمو المال كمتفوق على نمو الإنتاج، وقوة الاحتكار كمتجاوز للمنافسة. وهذا يشي بأن العالم في قبضة قوية لطبقة   تبتعد تدريجيا عن الإنتاج الحقيقي محفوزة بالبحث عن ربح مالي لا محدود ومحمية بسيطرتها الاحتكارية على القطاع المالي والإنتاجي وهي إما مشتركة مع الدولة أو جزء من الدولة أو مسيطرة على الدولة في صياغة قوانين تسمح لها بذلك وهذا تحديدا ما تمظهر في القروض بلا ضمانات حقيقية.

نتحدث إذن عن ذلك التباري أو التناقض في مسألة ايها المقرر وليس حتى ايها الحقيقي في الاقتصاد: القيمة الإنتاجية المادية أم القيمة الإسمية على شكل مال، ليس شرطا بالطبع ان يكون مالا ورقياً. مجمل النقاش في العلاقة التناقضية في مسألة القيمة تحديداً.

ففي عام 1980، اي في بداية حقبة العولمة، بناء على افتراضنا،  كانت القيمة الإسمية للموجودات المالية عولميا تساوي تقريبا الانتاج الأهلي الإجمالي عالميا وكان هذا مدعاة لاستقرار مالي ما. بينما في عام 2005، تفوقت القيمة الإسمية على الإنتاج الأهلي الإجمالي  بثلاثة اضعاف (2).

كما زادت القيمة الإسمية لتبادل المتاجر ة الخارجية من 11 ضعف قيمة المتاجرة العالمية عام 1980 الى 73 ضعفا عام 2009 (3). وبالطبع ليس مؤكدا ماذا تعني هذه الزيادة، حيث ان هذه القيم الإسمية يمكن ان تتذبذب بشكل واسع كما رأينا في الأزمة المولانية الكبرى 2007-2008. فهي لا يمكن مقارنتها مباشرة وبدون مختلف انواع المقومات مع القيمة المضافة في الاقتصاد الحقيقي. ولكنها تعطي انطباعا  او شعورا  غير دقيق بسبب الكم الهائل الذي به ينمو التمول ويسيطر على الاقتصاد.

فما بين 1980 و 2007، توسعت عقود المشتقات  من مختلف الأنواع من 1 تريليون على صعيد العالم إلى 600 تريليون.(4).

وهكذا،  قامت صناديق التحوط ومجموعات الأسهم الخاصة، وآليات الاستثمار الخاص، والشركات  القابضة للبنوك الكبرى بتغيير وجه الرأسمالية الغربية. ولكن، رغم هذه السيطرة الهائلة، فإن الناس:

تفهم من جهة ذلك ببساطة بأن هذه المولنة تقزم الإنتاج.

لكنها لا تربط هذا التقزيم بالمستوى الاجتماعي الطبقي بما هو على حساب الأكثرية الشعبية مما ويجب عليها الاعتراض والتصدي.

هذا مع ان الواضح واللافت عمليا، أن هذا النمو المالي الهائل للفقاعة والناتج طبعا عن استغلال عميق لم يجلب  معه نمواً للاقتصاد مثلاً بنفس السرعة التي نما بها الاقتصاد بعد الحرب العالمية الثانية حيث حينها كانت تحتفظ الصناعات منتجة السلع بارضيتها بمعنى التشغيل في قطاعات اخرى من الاقتصاد وهو ما اقترن حينها باستخدام الصرف الحكومي بشكل ناشط من اجل  حفز النمو.

لكن هذه المعادلة لم تعد قابلة للتطبيق بمعنى استخراج نمو اقتصادي من خلال الدمج ما بين الإنفاق وتمويل التضخم. فما حدث أن اكواما هائلة من راس المال نمت بشكل متزايد وغير صحي وهو ما انتهى إلى ازمة 2007-2008، والتي كشفت عن أن فائض رأس المال الفيتيشي(الصنمي) هو ديونا مستحقة بمقادير هائلة لا توجد لها نظائر من القيم الحقيقية بنفس القدر إلى جانب عدم نمو ملموس في الاقتصاد نتيجة لهذه الفقاعة المولانية الهائلة.

وعليه، لا تكفي قراءة المقادير المالية الهائلة وتفوقها على الإنتاج الحقيقي لترسيم مخارج من الأزمة، بل لا بد من قراءة أثرها على جسد المجتمع نفسه باعتبار أن الإزمة نتاج فعل إنساني في الاقتصاد وبأن الحل إذن بيد الإنسان لا بيد اليد الخفية (آدم سميث) التي تُعيد،حسب زعم سميث،  للاقتصاد توازنه بعيدا عن الإنسان. بكلام آخر، فإن الإنسان (السلطة) هي التي تبنت السياسات اللبرالية الجديدة وعدم التضبيط  De-regulationوالتي كانت مقدمات لوضع قوانين تضمنت تسهيلات للمضاربين والمافيا في نهب المجتمع.

ما فتح الباب عمليا للمولنة أن تزايد قوة الشركات متعدية القومية التي صار مشروعها معولما لا قومياً وحسب، إضافة إلى وهم ما اسمي بالاقتصاد الجديد  المقترن باستخدام الكمبيوتر والفائدة، والروبوط  ان انتهى إلى خسران الطبقة الوسطى لوظائفها في الولايات المتحدة، ومن ثم التورط في سباق قاع على الوظائف على صعيد عالمي. وهذا تجسيد لإحدى سمات الراسمالية أي راسمالية الأجور الأدنى. والمهم هنا أن الطبقة الوسطى هي رافعة القدرة الاستهلاكية للاقتصاد، وحينما تنكمش وتهبط لتنافس الطبقات الشعبية على الأجور الأدنى يزداد انكماش السوق اكثر. وبالطبع اقترن هذا بقيام الشركات الكبرى بخطوتين خطيرتين هما طبقيتين لا قوميتين :

– نقل الكثير من صناعاتها التي تعمل في الإنتاج الحقيقي إلى بلدان الأجور الأدنى الأمر الذي خلق بطالة وتدني اجور ومن ثم عجز استهلاك وتقصير في تسديد اقساط القروض العقارية…الخ

– والتهرب الضريبي محلياً.

فيما يخص المسألة الضريبية. فبما ان  السلطة السياسية هي بيد الأكثر غنى في امريكا فقد  تزايد الخرق الضريبي  وتمظهر في زيادة تهربهم من الضرائب، وهو ما أتيح لكبرى الشركات  التي تودع كميات معتبرة من الدخول النقودية في مناطق الإعفاء الضريبي وتحرك الأرباح التي تحصل عليها  الى مثل هذه المناطق التي فيها قوانين الضريبة منحفضة.

كان المصدر الأساسي للنمو الممولن هو الإقراض الاستهلاكي، وخاصة الإقراض العقاري، وطبقا ل لصندوق النقد، فإن الاقتصادات المتقدمة خلال السنوات الخمس السابقةعلى 2007 كان معدل دين المساكن الى الدخل قد ارتفع من 39 بالمئة، الى 138%. وحينما ينفجر هذا الازدهار البالوني تكون النتيجة التدهورية طويلة ومؤلمة.

ادى توسع فجوة المداخيل الى توسع الفجوة الاجتماعية، وطبعا صعوبة في استعادة النمو الاقتصادي حيث لم تعد لدى الأكثرية الشعبية مقادير مالية كافية لإنفاقها  ولذا لم ينهض الطلب. فقد حصل الأغنياء على كثير من الفائض وهو الذي يغذي نلك المضاربات  ويهدد بانهيار جديد. فالكثير من الفائض الذي تحصل عليه فئة أل 1 بالمئة لا يمكن له ان يحقق بيعا متسع للمخرجات ولذا يبقى مترسبا في نطاق المضاربة المالية (بما فيها قروض الطلبة، بطاقات الاعتماد، قروض العقار…) والتي عجز أصحابها عن السداد  وفي النهاية كانت مثابة اهرام مالية انهارت.

من المهم ان نفهم  ان مختلف فئات فوائد الفقاعات في السنوات الأخيرة قد زاد  في قسم كبير منها من الكميات الكبيرة من ارصدة الفائض  التي لم تجد استثمارا رابحا، في الاقتصاد الحقيقي الذي افتقر الى رافعته الاستهلاكية مما حول هذه الأهرام المالية إلى اموال كسولة. وذك ناتج عن انه منذ 1980 أي لثلاثة عقود متواصلة تتعرض مداخيل الطبقة العاملة للتآكل، وهو ما تمظهرفي ان كل المكتسبات من نمو الإنتاجية ذهبت لصالح رأ س المال وهوما اتضح قي زيادة كبيرة في عدم المساواة.

هل من علاج؟

 

 حولت كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عدة علاجات، ولكنها لا تزال تدور ضمن ما يخدم مصالح النخب الحالكمة/المالكة مما يسمح بإدراجها ضمن سياسة (اقتصاد التساقط  Trickle-down Economy  مما أعاق أي تقدم يذكر وأكد استحكام الأزمة حيث بقيت من مكونات النظام الاقتصادي نفسه مما يطرح السؤال حول إمكانية إصلاحه أم لا  بل مما يزكي استسلام مختلف دول المركز وخاصة الولايات المتحدة بأن الممكن هو إدارة الأزمة.

كان العلاج الرئيس الذي تبنته الإدارة الأمريكية من صنف المرض، بمعنى ان السلطة السياسية التي على يدها حصلت الأزمة  قامت هي نفسها بصياغة الحلول عبر تحالفها الطبقي نفسه، اي إنقاذ المصارف بغية قيام المصارف بتوسيع الطلب ومن ثم إنقاذ الاستهلاك وهو ما لم يحصل حيث احتفظت المصارف بالحقن المالية حتى عن بعضها عبر عدم ثقة كل مصرف بصمود الآخر الذي قد يعلن إفلاسه  صباح اليوم التالي. ومع ذلك هذا ما تقوم به  المجموعة الأوروبية حتى حينه!

فالكثير من المساعدات التي قدمت إلى مصارف وول ستريت قد تمددت لها من الاحتياط الفدرالي. للمفارقة، فإنه في الوقت الذي كان يراسه تيموثي جيثنر تم توجيه سؤال إلى احد اعضاء مجلس نيويورك  مدير جي ام مورجان حيث سأله عضو مجلس شيوخ: “كيف حصل ان تبقى في مجلس وافق على اعطاء نفسه فائدة اقل؟”

أن المدى الذي تدعم به المصارف المركزية المؤسسات المالية قد نمى بشكل هائل. فما بين 2007 و 2012 هدرت المصارف المركزية إلى العالم  تريليونات الدولارات كسيولة دعم لصالح الأسواق ولتحافظ على المصارف من الإفلاس. هذه العملية تواصلت إلى جانب تسهيلات نوعية  -اساسا طباعة نقود – لتلافي الانهيار ولإبقاء معدلات الفائدة متدنية بشكل تاريخي (فوق الصفر بشحطات، أي اقرب الى صفر.). ومع ذلك تواصل كساد الاقتصاد العالمي. لم يحصل التاثير المرغوب –اي أن تشجيع انفاق اكثر واستثمار حقيقي خارج المال- كان محبطاً. وهذا ليس مدهشا، فالمصارف المركزية هي الأولى التي تقول بأن توسيع عرض النقود  ليست بديلا لسياسة مالية افضل.

إن غياب دور حقيقي للدولة، بدل الاختباء وراء دعم المصارف لم يحل محل الإنفاق الخاص ومن ثم مواجهة مشاكل بنيوية في الاقتصاد مما يؤكد أن للمصارف المركزية قدرة محدودةعلى احداث تاثير ايجابي بمعنى ان الحامل الحقيقي لتجاوز الأزمة يبدأ من ثقة المواطن بالنظام ومن تمكينه من الاستهلاك بأن يتحول قسطا من الفائض إلى يديه على ان يبقى هذا القسط في تزايد بالمستويين النسبي والمطلق، وهذا ما لا تطيقه الطبقة الحاكمة/المالكة.

لعل المساكن نموذجا واضحاً، فهي مثقلة بديون ضخمة لذا لا تميل إلى استدانة اكثر –وفي الحقيقة، فإن دين الزبون يتزايد بشكل زاحف ثانية، والكثير منه ديون طلاب، هو ايضا إشارة على يأس قطاع من الأسر من كل شىء.

إن مختلف الأسباب للحذر متوفرة تجاه محاولة علاج أخرى وهي تاثير تمديد معدلات تخفيض الفائدة الذي بدوره غذى مصدر الفقاعات. كما بوسع المرء ان يشك  فيما يخص كفائة عشرات بليونات الدولارات من الضمانات المالية على الرهونات  التي اشتراها المركزي شهريا كمدخل من مداخل العلاج وبالطبع اتضح ان الكثير منها مزوراً. كما اشترى المركزي الياباني قسما منها.

هناك جدل في الولايات المتحدة يقف في منتصف الحل. يدعو هذا الاتجاه الحكومة إلى استرجاع الشركات التي خرجت إلى بلدان الأجور الأدنى بأن تُعفى من نسبة ضريبية ملموسة على ان تقوم بتشغيل العمال مما يوفر سيولة بيد المستهلك مما يسمح للعجلة الاقتصادية بوقود تحريك. . لكن هذا تفكير مثالي لأن هذه الشركات وصاحب القرار هم فريق واحد يعالج مصالحه لا مصلحة الطبقات الشعبية.

لعل الأمر ابعد، فهناك الكثير من رؤوس الأموال الكسولة التي تهجع في مناطق الإعفاء الضريبي او غسيل الأموال قد أخذت في العقد الأخير تُستثمر في شراء الأرض في بلدان المحيط مما يشكل حالة من الاستعمار الاستيطاني المتملك من جهة ومن جهة ثانية هو يدرك أن الأرض استثمار مربح دائما وخاصة مع ازمة الغذاء العالمي. بيت القصيد هنا ان راس المال يبحث عن حلول له لا للشعب وأن الشعب غائب الوعي.

هذا ما يشي به التطور الأخير في الولايات المتحدة بصعود الجمهوريين للسيطرة على كل من مجلسي الشيوخ والنواب وهم بالطبع مع توسيع الحروب العدوانية ومع السياسات النيولبرالية ومع دعم المصارف ومع التهرب الضريبي…الخ. وهذه السياسة تتقاطع جداً مع الحل المؤقت الوحيد الملموس للولايات المتحدة وهو: تجارة الحروب، اي توسيع الدور الحربي للولايات المتحدة على صعيد عالمي. وهي السياسة التي طبعت إدارة الديمقراطيين فكانت استمرارا لسياسة المحافظين الجدد، وإن بشكل مجددا اي  دعم  حروب داخلية في بلدان كثيرة من العالم لتكون حروبا بالإنابة عنها لأن هذا يشغل المجمع الصناعي العسكري. لعل هذه الحروب كقنوات تصريف للمتقاتلين ولجيرانهم الذين يخشون امتداد القتال هي السبب الأساس للانتعاش البسيط لاقتصاد الولايات المتحدة في الربع الثالث من هذا العام 3.5%. وبالطبع يظل السؤال انتعاش من؟ بمعنى أن الدفوقات المالية بقيت محصورة في اقتصاد التساقط وهذا لا يخلق طلبا جماهيريا واسعا.

حتى الآن، لا يوجد ما يوحي بالخروج من الأزمة، بل هناك مؤشرات واضحة على:

تأزيم العالم بالحروب كآلية نهب ببيع السلاح ، جون ماكين الذي يرجح تبوئه منصب رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، والداعي الى تسليح المعارضة السورية والطاقم الحاكم في اوكرانيا. وسيستغل منصبه الجديد افضل استغلال لتحقيق اجندة معسكر الحرب ومصالح الشركات الكبرى كممثل وفي لها. كما ان من اولويات الجمهوريين “تقليص” العمل ببرنامج الرعاية الصحية الشامل – اوباما كير، الغاء الضريبة المفروضة على المعدات الطبية وايقاف العمل بالزام ارباب العمل توفير التغطية الصحية للعاملين في حده الادنى.

 و احتماء اعمق من التابعين لسياسة الولايات المتحدة وبالطبع مع دفع كلف الحماية!

واضطرار القطبيات الجديدة لمقارعة الولايات المتحدة والغرب اقتصاديا على الأقل (كتلة البريكس صندوق نقد آخر…).

وهذا يعيد شبح الحرب الباردة مما يدفع ضعاف العالم الى البحث عن مخرج خاص بدلا من المخرج الأمري من السبع او العشرين لهم بأن لا يتبنوا حماية اقتصادية بل الإلتزام بتحرير التجارة الدولية أي فتح اسواقهم!

فهل يفعلوا!