إلى حزب البعث العربي الاشتراكي والبعثيين السوريين في ذكرى آذار: ماذا نريد منكم وماذا ننتظر؟

 

محمد الحسن – الكويت

في الثامن من آذار عام ١٩٦٣، أسقط البعثيون النظام المتمخض عن انقلاب النحلاوي المدعوم سعودياً وغربياً. اليوم في الذكرى الحادية والخمسين لثورة آذار، نفس البعث يقاتل نفس المعسكر العميل، المدعوم سعودياً وغربياً. ماذا يعني ذلك وكيف نقرأه؟

إن أول حقيقة تتبين لنا هي أن البعث اختار معاداة الاستعمار وأعوانه طواعيةً، ولم تُفرض عليه المعركة، فبعض الأنظمة يعاديها الاستعمار رغم أنها لا تعاديه ورغم استعادها للعمالة (كنورييغا في بنما مثلا). هذا الخيار ينقلنا إلى حقيقة أخرى وهي أن البعث يحمل مشروعاً هو النقيض التام للمشاريع الاستعمارية والرجعية، وأنه لا مجال للتعايش بين مشروع البعث وتلك المشاريع ويشهد على ذلك التآمر الذي لم يتوقف أبداً على سورية ( الانفصال ١٩٦١، حماة ١٩٦٥، حرب حزيران ١٩٦٧، تآمر الاخوان المسلمين ١٩٧٨، حماة ١٩٨٢، تآمر العراق منتصف الثمانينات….الخ وصولاً الى المؤامرة الحالية). إن مقاومة المشاريع الاستعمارية تنبع من الشعار المثلث لحزب البعث العربي الاشتراكي : وحدة – حرية – اشتراكية، فهي – اي مقاومة الاستعمار – تشكل ضلع “الحرية” في هذا الشعار.

من المعروف أن أول خطوة اتخذها نظام آذار ١٩٦٣ هي التوجه الى القاهرة طلباً للوحدة مرة أخرى، ما معنى ذلك وكيف يجب أن نقرأه؟

لابد كي نفهم هذه الخطوة ومعانيها أن نشدد على أن البعث كان أكثر القوى السياسية شعوراً بالمرارة والمهانة في نظام الوحدة، فقد هُمّش الحزب، بل تم حله، ونفي ضباطه بصورة مهذبة (كان ضمنهم قادة البعث اللاحقين أبطال حركة آذار)، وتم ركل أكرم الحوراني إلى الأعلى بجعله نائباً للرئيس – ضمن مجموعة من نواب الرئيس – وتنصيب عبد الحكيم عامر حاكما لسورية بوجود عمالقة سوريين مؤهلين لهذا الدور، وغير ذلك من الممارسات التي اعتبرت مهينة في حق أبطال الوحدة. إن توجه نظام آذار ١٩٦٣ للقاهرة طلباً للوحدة دليل على أنها – الوحدة – مبدأ وإيمان صادقان وليست شعاراً “للاستهلاك المحلي”، فقد تسامى الحزب على جراحه وشعوره بالمرارة مؤثراً الوحدة. هذا التسامي سيتكرر مع الراحل حافظ الأسد تجاه العراق عامي ١٩٧٨ و١٩٧٩ في محادثات الوحدة العراقية السورية. إن الوحدة التي هي الضلع الأول من شعار البعث تشكل لب المشروع البعثي والنقيض التام لمشروع الاستعمار : الوحدة في مقابل التجزئة والتفتيت.

لقد اختار البعث السوري أن يكون الطليعة المقاتلة للمشروع الوحدوي، وليس فقط عامل إسناد، ولطالما تصرف صناع القرار في سورية على هذا الأساس. إن صفة الطليعة الوحدوية المقاتلة ليست جزءا من مشروع البعث فحسب، إنها ببساطة: هويته!

البعث السوري كيسار الحركة القومية العربية – حركتا شباط ١٩٦٦ والحركة التصحيحية 

لابد من الإشارة إلى أن هذه السطور ليست المكان المناسب لتقييم التجربة وتحليل الأحداث بإسهاب، فهذا مشروع كبير، وسأكتفي هنا ببعض الإضاءات لغرض محدد.

من المعروف أن حركة ٢٣ شباط ١٩٦٦ حملت أحد أكثر المشاريع جذرية وطموحاً في الوطن العربي، فقد كان الفريق البعثي الذي قام بها من أشد القوميين يساريةً، بما في ذلك الراحل حافظ الاسد. لقد كان مشروعاً جذرياً على كافة الأصعدة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية جاء كتعبير حقيقي عن مقررات المؤتمر السادس (تشرين – أكتوبر ١٩٦٣) التي تمثلت في “التقرير العقائدي” (لاحظوا معي التاريخ: تشرين من نفس العام! لقد كان التوجه يسارا مبكرا جداً). ومرة أخرى نسأل: ما معنى ذلك وكيف يجب أن نقرأه؟

لقد أدرك البعثيون أن مشروعهم في تحرر الأمة ووحدتها غير ممكن دون بناء مجتمعات قوية قادرة على مواجهة الاستعمار ومؤامراته، وأدركوا أن هذا البناء غير ممكن دون الاشتراكية، الطريق الوحيد في حالة بلداننا. إن التوجه الاشتراكي البارز في تجربة شباط يشدد على الضلع الثالث من شعار البعث.

الحركة التصحيحية

 

مرة أخرى، لست هنا بصدد ما جرى بالتفصيل وسأكتفي بما يحقق الغرض من هذا المقال، رغم أن السنوات الأربع من عمر نظام شباط هي من أهم تجارب الأمة وتتطلب دراسة وافية.

لا داعي للتأكيد على حقيقة أن الراحل حافظ الأسد كان عموداً من أعمدة حركة شباط، وحاملاً كبيراً لمشروعها، فهذا معروف. لكنه تميز عن القادة الآخرين (الراحلان صلاح جديد ونور الدين الأتاسي بالأخص) بأنه أدرك أن المشروع أكثر جذرية مما يتحمل الواقعان السوري والعربي وأن أداء النظام الشباطي قد أدى إلى عزلة أضعفت سورية في مواجهتها للاستعمار وأذنابه، ولذا فإن المشروع – كي يمكن تحقيقه – يحتاج إلى قدر من العقلنة. هكذا جاءت الحركة التصحيحية – رغم أنها خطوة نحو اليمين – لتعقلن المشروع الطموح جداً ولتنطلق مما “يمكن تحقيقه” نحو ما “يجب تحقيقه”، لا أن تنطلق مما “يجب تحقيقه” بغض النظر عن الواقع السوري البائس حينذاك.

لقد بنت الحركة التصحيحية دولة قادرة ذات سيادة، نعم بعيدة عن المثالية، لكنها بالمقارنة بالإمكانات المتواضعة والتآمر المتواصل تعبر عن أداء مميز، ولو أن الظروف السورية والعربية كانت أفضل لكان الأداء افضل بكثير.

كما كانت أولى خطوات النظام الجديد هو تحقيق مصالحة بين البعثيين المتخاصمين، وبين البعثيين وباقي تيارات الحركة الوطنية، ما شكل خطوة نوعية غير مسبوقة.

لكن بما أن الحركة التصحيحية كانت خطوةً الى اليمين (خطوةً ما كان من مفر منها في رأيي المتواضع) فقد ترتب عليها العديد من المشاكل والمفاسد التي ستثقل كاهل البعث. فمن المعروف أن يساريي شباط (تيار الراحل صلاح جديد) قد رفعوا شعار “إغلاق الحزب”، أي جعل الانتساب صعباً بوجه الراغبين فيه ورفع المعايير الواجب توفرها في المترشحين، والسبب ببساطة أن الحزب هو حزب حاكم وستكون العضوية فيه هدفاً للوصوليين والانتهازيين. بينما فتحت الحركة التصحيحية أبواب الحزب للجميع بغية تحويله إلى حزبٍ جماهيري كبير بما يؤهله للعب دور الحزب القائد. بالمحصلة، أغرق الانتهازيون واللصوص والمنافقون الحزب، ومارسوا سلطاتهم بأبشع صورة وشكلوا العبئ الأثقل على كاهل الحزب وسمعته، وواصلوا دفعه – وهو الحزب اليساري – نحو اليمين باطراد مبتعدين به عن شعاره (الاشتراكية). لقد كان فساد هؤلاء الخطوة الأولى الممهدة للمؤامرة التي نعيش فصولها الدامية اليوم.

ماذا نريد؟ وماذا ننتظر؟

ما ورد في السطور السابقة يبين لنا أن هوية البعث بالفعل تتلخص في شعاره (العبقري) المثلث الأضلاع: وحدة – حرية – اشتراكية. اليوم تدفع سورية بقيادة البعث ثمناً لحريتها وسيادتها الوطنية مؤكدة مكون “الحرية”. إلا أن هول ما يُرتكب في سورية دفع الكثيرين إلى الكفر بالعروبة وبوحدة الأمة ووصل ذلك إلى بعض البعثيين (!)، فبتنا نسمع “سورية أولاً” و “شو بدنا بالعرب” و”بلا قومية بلا حكي فاضي” وغير ذلك من تعبيرات تنم عن الكفر بالعروبة. إن مرددي هذه الجمل لا يدركون أن  سورية بقيادتها وما تمثله من طليعة مقاتلة تأتي بالضرورة أولا – رغم أنف الجميع – في مشروع وحدة الأمة. أما الاشتراكية فإن المنتفعين واللصوص وتجار الأزمات يسعون للحفاظ عليها كشعار فارغ دون أي مضمون، شعارا لا واقعا. إن الابتعاد عن الاشتراكية يترتب عليه إفقار عموم الشعب وتقوية هؤلاء الانتهازيين، الذين سيواصلون اندفاعهم نحو السوق الليبرالية العالمية ما سيهدد آخر مكونات الهوية البعثية: الحرية وذلك بإخضاع السيادة الوطنية السورية لمنطق المصالح التجارية ومنطق الربح والخسارة، منطق الدولار!

إن الابتعاد عن الاشتراكية والتخلي عن الوحدة العربية لا يُفقد البعث هويته فحسب، بل وببساطة يفقده سبب وجوده! فلماذا يدافع العرب عن البعث إن لم يكن وحدوياً؟ ولماذا يدافع التقدميون عن البعث إن لم يكن اشتراكيا؟

إن ما ننتظره من حزب البعث العربي الاشتراكي في سورية (بل وفي كل فروع الحزب) هو تطهير الحزب من الانتهازيين والوصوليين والفاسدين، ننتظر من البعث التأكيد على شعاره التاريخي وإعادة العمل به كاملاً غير منقوص، تنتظر مزيدا من التمسك بمشروع الوحدة العربية ومزيدا من التجذير اليساري، فالبعث – اليساري الوحدوي – هو الذي بنى سورية الحديثة وبنى الجبهة الدبلوماسية التي رأينا أداءها في جنيف، هذا البعث اليساري الوحدوي هو الذي بنى الجيش العقائدي الذي يسطر البطولات اليوم ويذود عن كرامة سورية وكرامة الأمة. وعندما نتحدث عن الجيش العقائدي فعن أي عقيدة نتكلم ؟ إننا نتكلم عن هوية البعث اليسارية الوحدوية وليس أي شيء آخر. هذا البعث بهويته هو الذي بنى الجامعات ومكن المرأة وعزز الثقافة. في المقابل، فإن دعاة الكفر بالعروبة ودعاة اقتصاد السوق الذين فضلوا الاستثمارات الخليجية على المعارضات الخليجية القومية والتقدمية كانوا الممهدين لتجرؤ أنظمة تلك الدول على سورية، لقد كانوا بفسادهم البوابة الواسعة التي دخلت المؤامرة منها لتحرق سورية.

إن بعثا غير وحدوي وغير اشتراكي ليس بعثا وإن احتفظ بالاسم، إنه بعث ينتحر ويتخلى عن سبب وجوده!

في أحد خطاباته (ربما الأول أو الثاني بعد اندلاع الأحداث الدامية في سورية) أشار الرئيس بشار الأسد إلى أن الاهتمام في المرحلة القادمة سينصب على الحرفيين وصغار الكسبة، ونتمنى أن يكون ذلك مقدمة للعودة إلى المعادلة التي تبناها الراحل حافظ الأسد: العمال والفلاحون والمثقفون الثوريون والجنود العقائديون. هكذا عرفنا حزب البعث العربي الاشتراكي في سورية وهكذا يجب أن يكون، وإلا فإن القادم أسوء بكثير!