محاورة في قصيدة إبن سينا في النفس

سناء  تحاور عادل سمارة

 في حديث عن الشعر والفلسفة، تداخلهما، أو تباعدهما من حيث علمية وصرامة الفلسفة، وجموح الشعر واسترخائه، اقترحت سناء ان نعيد التفكير في قصيدة إبن سينا في النفس، حيث هي برأيها جمعت بين الشعر والفلسفة.

سناء: بعيداً هذه المرة عن الاقتصاد السياسي، شدتني قصيدة إبن سينا في النفس. قرأنا كثيراً عن العرب في الأندلس سواء من حيث العمران والشعر وزمنهم الممتد هناك، ومأساة خروجهم والاضطهاد الذي عاناه من تبقى منهم إلى درجة تغيير دينه. لكن هذه القصيدة تأخذني إلى عالم الفلسفة. هذا ما اود ان نناقشه.

عادل: كما تعلمين كان ابن سينا طبيبا في الأندلس إلى جانب كونه فيلسوفاً. ويبدو ان رهافة الحس لديه لم تأت فقط من مهنة الطبابة كونها  بالطبيعة والفطرة والتخصص دفاعاعن الإنسانية في مواجهة المرض كمقدمة للموت بل أتت كذلك من ثقافته التي هي مستوحاة من طبيعة الأندلس من جهة والحالة الحضارية التي خلقها العرب هناك من جهة ثانية.

لعل مهنة الطب هي الأكثر استحالة في تاريخ البشرية لأن خصمها هو الموت. ربما هي الأقرب إلى صراع الإنسان مع الطبيعة التي مهما سيطر على جوانب منها يبقى مشروعة الكلي مشروخاً بل مستحيلاً.

سناء: هل تقصد بالحالة الحضارية الاستعمار العربي هناك؟

عادل: نعم و لا،  لا أقوى على تسميته استعماراً. فالاستعمار حالة تدميرية نهبوية كما هو ثابت عالمياً. يذكرني هذا بخطيئة ماركس حين تصور أن بريطانيا سوف تأخذ الهند من يدها إلى “التقدم الراسمالي” كعروسين إلى بيت الزواج”!!! في الحالتين لم يدرك ماركس الاغصاب. كان يمكن لماركس أن يسعف نفسه لو استعاد دور العرب في الأندلس لكان نجا على الأقل من المركزانية الأوروبية، وبقي طبعاً في خانة خطأ الاستنتاج. كما يذكرني الأمر بالتدمير الهائل للاستعمار العثماني في الوطن العربي، فقط تذكرا للمقارنة.

أما عملياً، فالاستعمار  مقرون بمرحلة تكوين السوق العالمي وانتقال أوروبا الغربية إلى الرأسمالية التجارية (الميركنتيلية). الوجود العربي في الأندلس سابق على هذا، بل إن سقوط غرناطة وسقوط القسطنطينية والكشوفات الجغرافية  كانا إيذانا بمرحلة جديدة هي السوق العالمي ومن ثم النظام الرأسمالي العالمي.

سناء: تقصد كان الوجود العربي في الأندلس حالة عمرانية فريدة ارساها الفتح العربي الإسلامي مما يغري بعدم تسميته احتلالا او استعمارا وخاصة في خطاب أهل ذلك الزمان.

عادل: نعم، ما شجعني على هذا الوصف المغامر حادثة هناك. كنت في زيارة للأندلس ومنه في مدينة إشبيلية، أنا وعناية. رافقنا مهندس البلدية ليطلعنا على معالم المدينة (لا زلت احتفظ بصورته). خلال حديثه قال: حينما احتل الإسبان الأندلس وأخرجوا العرب. بدوري لم اتخيل أنني سمعته بشكل جيد، فسألته: هل قلت هكذا؟ قال نعم.

من جهة أخرى، دُعيت عام 1995 لزيارة أرض الباسك، وخلال أحاديثي مع الناس هناك من منظمة هيري بتاسونا قال احدهم بأن شعب الباسك تحالف مع العرب ضد الإسبان .

هناك في الأندلس، تحولت الخشونة البدوية إلى شعر وموسيقى ورقص ومعاقرة بنت الحان فتجلت في عمران جميل حتى أنك تؤخذين به. ليس قصر الحمراء وحده بل المساجد وطبيعة البناء المأخوذ من العمران الدمشقي في العصر الأموي. آه ما أقسى المرحلة الحالية.

سناء: تتجسد أمامي بقسوة معارك التخلف الطائفي المسموم: الشيعة والسنة اليوم. الشيعة يهاجمون معاوية والأمويين مع انهم هم الذين اقاموا الإمبراطورية العربية، والسنة يهاجمون الشيعة وصولا إلى الإمام علي! لم يكن علي شيعيا ولم يكن معاوية سنياً.

عادل: طور العرب هناك ثقافة هيهات لوحشية القرون الوسطى الأوروبية ان تلحق بها. وهذا يعيدنا إلى مقولة ماركس بأن الإنسان يصنع ظروفا إنسانية. إنما لاحظي أنه وهو يصنع هذه الظروف يعيدخلق نفسه. لاحظي الاقتراب هنا من مقولة فانون بأن الغواري المستعمََر  يعيد خلق نفسه وخلق عدوه المستعمِِر يقتلهما ويخلقهما من جديد. هنا العرب أعادوا خلق الأندلس وأنفسهم. فليس هناك أجمل من شعرهم حيث الموشحات تسيل حبا وخمراً الى جانب الإسلام. لاحظي هنا تعانق وليس تفارق الروح  والحياة اليومية المرتوية حتى الرنوخ بالخمر. هنا يتضح الارتواء الروحي، وهذا يذكرنا بما ركز عليه فرويد ولاحقا ماركزوزة عن الارتواء الجنسي. لاحظي فارق الحضارتين.

سناء: لندخل في موضوع القصيدة، هل تقصد تفسير طبيعة المناخ الذي فيه وضع ابن سينا قصيدته عن النفس.

عادل: نعم، ما قلته هو تهيئة لتوضيح الرقي الحياتي الذي كان. الاستقرار والعلاقات بين الرعية والحكم، وبين الطوائف نفسها. رأيت هناك كيف كانت إشبيلية مقسمة إلى ثلاثة أحياء، القصر، قصر عبد الرحمن بن عباد والحي الأقرب إليه الحي اليهودي، ثم الحي المسلم فالمسيحي. اليهودي أقرب لأن اليهود كانوا يملكون المال ويقرضون الحاكم.

قصيدة النفس، تغطي الحياة من عرشها السماوي فهبوطها منه إلى انحطاطها الأرضي ومن ثم عودتها إلى السماء. وفي مسيرتها هذه يتجلى ابن سينا في وصف الصراع النفسي في الإنسان. الصراع داخل الذات بين الروح والمادة. وهو طبعا منحاز روحياً وخاصة في ذلك الزمان. هنا نلاحظ تركيزه على سمو الروح والوهيتها بمعزل عن الأرض. والأرض هنا مقصود بها الناس، علاقاتهم، أنانيتهم، صراعهم، إنجازاتهم…الخ.

يرى ابن سينا ان الروح (روح الإنسان بالعموم) هي من السماء هبطت إلى الأرض فأحيت جسد الإنسان . وبما هي هبطت من المحل الأرفع، فهي فعلت ذلك بدافع عشق ما. وإلا لماذا نزلت. لاحظي انه لم يقل “أُنزلت، أو أُمرت”. هذا مع انه ينتهي بنا في قصيدته إلى طلسم حاول حله لكنه يعلن عدم تمكنه حيث يختم القصيدة بالتساؤل عن لماذا هبطت ومن ثم عادت. فطالما عادت لماذا هبطت وواجهت كل تلك المًُقاساة والمعاناة؟

سناء: لو وضعنا مكان النفس، المرأة، هل توافقني بأنها أُنزلت من السماء إلى الشقاء؟ ألا تمثل النفس لدى ابن سينا المرأة بكل ما تعانيه من الذكورة والسلطة والبطريركية؟

عادل: نعم، ولولا أن المحاورة في القصيدة وكما أرادها ابن سينا، لطلبت توجيه الحوار إلى وجع المرأة، الوجع الواقعي أو لفرضت قسرا على ابن سينا وضع المرأة مكان النفس.

سناء: بأي معنى؟ هل تقصد لأن المرأة هي النفس أو الروح بمعنى دورها في إعادة إنتاج المجتمع بيولوجياً.

عادل: نعم، وهذا ما يؤهلها كي تكون الروح لا الجسد.

عادل: لنعود لإبن سينا، ابن سينا في هذه القصيدة يرسي نواة أولى لعلم النفس بل هو من مؤسسي مدرسة المثالية الذاتية ولكن المتأرجحة بين الإيمان وعدم الإيمان.

سناء: جميل، هل تراه اقرب إلى سارتر أم إلى سيرين كيركجارد المثالي جداً؟

عادل: قصدك اقتراب سارتر منه بما هو أي ابن سينا هو الأسبق زمنيا بعدة قرون؟

سناء: نعم هذا ما قصدته.

عادل: تذكرينني هنا بما قصده الراحل د. عبد الرحمن بدوي عن تأثر سارتر بإبن سينا. طبعاً هذا قرأته عام 1969 في سجن رام الله في كتاب لعبد الرحمن بدوي (لا أدري كيف وُجد حينها في السجن، لم تكن الكتب قد سُمح بها بعد) ، ولم أعد أذكر أكثر, كان قد مضى على اعتقالي حولي ستة عشر شهرا (اعتقلت يوم 15 ديسمير 1967)، حيث اعتقلت مجموعة جديدة للجبهة الشعبية وورد اسمي مجدداً، فنُقلت من سجن بيت ليد إلى التحقيق مجدداً في سجن المسكوبية بالقدس ومن ثم إلى سجن رام الله. كان الجو شديد البرودة كنت اقرأ صفحات الكتاب  ويدي ترتعشان ولكنني كنت عميق المتعة. هناك ايضا سمعت لأول  مرة عن ثورة الطلاب عام 1968،حيث حصلت على مجلة نيوزيك وبها ملفاً عن ثورة الطلاب. فلم نكن نسمع لا مذياع و صحفاً ولا نجد كتباً.

التقارب بين سارتر وإبن سينا هو أن سارتر بدأ كفيلسوف مثالي ذاتي غير مؤمن اي ما بين المادية والمثالية وهي مدرسة ليست مؤمنة ولكنها ليست شيوعية وهي ترى ان الموجودهو ما يمكن أن نعيه، وأن ما لا يُحيط به وعينا، ليس موجوداً، ومن هنا كونها غير مؤمنة. وبالطبع انتقل سارتر منها لاحقاً إلى الماركسية ليزعم أنه اضاف إلى مبنى الماركسية لبنة هامة هي الحرية، لكنه ولحسن حظ الماركسية عاد وتخلى عنها في نهايات حياته.

سناء: طريف ربما كي يضمن الجنة؟

عادل: يعتقد الفيلسوف انه سيخدع الله!.

لم يتحول سارتر الى مادي رغم تبنيه الماركسية لفترة طويلة من حياته، فالوعي الشقي لديه مليىء بالحنين الى الجنة لاستعادتها وهو يعلم أن ذلك ليس ممكنا. هذا ما لمسه عبد الرحمن بدوي في قوله بأن سارتر أخذ هذه المسألة من ابن سينا.

سناء: هل تعتقد بأن هذه الإضافة إن جاز التعبير هي من خلفيته الوجودية؟

عادل: تماماً، هذا صحيح، ولكن سارتر لم يغادر وجوديته حيث في نهاية عمره إطَّرَح الماركسية كما اتفقنا. كأن هذا يشجعني على القول بأن كثيراً من المفكرين يعود إلى منبعه.

سناء: لا تأخذنا بعيداً، هل نسب ابن سينا هبوط النفس هذا إليها كذات مستقلة أم إلى الخالق؟

عادل: اللافت ان ابن سينا لم يقل ، كما قلت، لم يقل انزلها الله، بل نزلت. وهذا هام.

سناء: هل تعتقد أنه قصد الابتعاد بها عن الله ولكن دون طرح فاقع ومتشنج او حتى دون طرح واضح آخذا بالاعتبار طبيعة السلطة هناك.

عادل: نعم أعتقد هكذا. وكأنه يرى ان الروح ذات واعية مستقلة بذاتها  لا نهائية القدرة والحضور حاولت إنقاذ الجسد من ضنك العيش في الأرض فحلت فيه وهناك كان عذابها.

هنا نلاحظ الحب والتضحية من أجلة. لذا وصفها ابن سينا بمطلع قصيدته :

1) هَبَطَتْ إِلَيْكَ مِنَ المَحَلِّ الأَرْفَعِ
وَرْقَاءُ ذَاتُ تَعَزُّزٍ وَتَمَنُّـــعِ
ملاحظة: القصيدة منشورة في الحوار المتمدن،

الحوار المتمدن-العدد: 3987 – 2013 / 1 / 29 – 23:59 
المحور: الادب والفن 

وقد استفدت كثيرا من تفسير لطفي خير الله للمعاني.

“هبطت إليك من المحل الأرفعِ” اي من السماء، فالروح هي في العُلا، وما دفعها إلى العالم الأرضي هو الحب. الحب في الأعالي ايضا. صحيح  أنها كما كتب: “ورقاء ذات تعزز وتمنع”. فهو يرى أنها لم تقم بذلك دون معاناة بل كانت تتعزز وتتمنع لأن الهبوط من السماوي إلى الأرضي هو تحول هائل. لاحظي أن بوسعنا قراءة الصورة في علاقة المرأة بالرجل، هي الروح وهو الجسد، وهي بالحب غامرت الهبوط إليه فمنحته نفسها. هنا نرى أن المرأة هي الحياة. تمنعت  لكن الحب غلبها فهبطت. المهم أنه لم يعزو أمر هبوطها إلى الله. قد يذكرنا هذا بالمرأة في معابد بابل حيث كان جزء من العبادة ان تمنح نفسها للرجل. هذا هبوط للورقاء كذلك.

سناء: ولكن،  لماذا اختار ابن سينا الحمامة (الورقاء) لتمثيل النفس.

عادل: اعتقد أن هذه كناية فلسفية عن السلام في حين أن الأرضي مادي وصراع؟

سنرى لاحقاً، أنها اي النفس حاولت مراراً الهروب من الأرضي ولكن كثيراً ما لم ينجح لم ينجح التمنع، فقررت الاستمرار.

سناء: لننتقل إلى البيت الثاني، يقول إبن سينا:

) مَحْجُوبَةٌ عَنْ مُقْلَةِ كُلِّ عَارِفٍ

وَهْيَ الَّتِي سَفَرَتْ وَلَمْ تَتَبَرْقَـعِ2

ألا تلاحظ قدرته في السيطرة على الصورة او خلق الصورة، فهي محجوبة رغم أنها سافرة، كيف هذا؟

عادل: اعتقد ان صدر البيت على حاله هذه مكسور عروضي. لكنه يستقيم إذا قلنا/

“محجوبة عن كل مقلة عارفٍ”….

هنا كما أعتقد التقط عبد الرحمن بدوي تأثر سارتر بإبن سينا. بمعنى أن سارتر كمثالي ذاتي، لا يؤمن سوى بما هو في ذهنه ووعيه اي ان وجودالأشياء هو بمقدار وجودها في ذهننا او وعينا وما هو خارج ذلك ليس موجوداً. لذا، يراها ابن سينا غير محسوسة لدى من لا يعتمدون الروح أو الغيب، رغم انهم علماء وعارفون.بينما هي للذين يتواصلون صوفيا مع الغيب واضحة جلية. وهذا يذكرنا بقول الحلاج في عبارته التي قتلته: ” ما الله إلا في هذه الجبة” اي قوة أو قدرة الكشف لدى الصوفيين. فالحواس الخمس مداخل تعكس أو تنقل الوجود والحضور المادي المؤثر، أي ليست للصوفية الروحية. التي تتمتع بالكشف ولكن لا تطبيق حياتي له. فهي لهؤلاء سافرة لا تتبرقع اي كالمرأة الجميلة التي تبرز مفاتنها لمن تراه حريا بذلك. ألم تقل ولادة بنت المستكفي، وهما أندلسيان ايضاً:

أُمكَّن عاشقي من صحن خدي…وأمنح قبلتي من يسنهيها

سناء: في البيت الثالث يقول:

وَصَلَتْ عَلَى كُرْهٍ إِلَيْكَ وَرُبَّمَا
كَرِهَتْ فِرَاقَكَ وَهْيَ ذَاتُ تَفَجُّعِ

هل ترى أنها تأقلمت، هل وصل إبن سينا إلى رضى منه عن الواقع الأرضي؟ هل غادر تبرمه الفلسفي؟

عادل: يبدو كذلك، هي حواء، طردت من الجنة إلى الأرض، فوصلت على غير رغبة تحدوها أنًفَةً ورفضاً. لكنها تأقلمت مع الإنسان إلى حد البكاء والفجيعة على مفارقته، مفارقة الحياة على الأرض على الرغم من قسوتها. كانت إذن قد تأقلمت. ربما نتوسع هنا للقول، بأنها متعة الإنجاز متمثلة في قدرة النفس على التخطي من السماوي إلى الأرضي وقدرتها على الإنتاج بما فيه من قساوة، ولكنها تمسكت بهذه القساوة لأنها اشتغلت شيئا ما.

هذا يذكرني بما حصل مع إنكيدو في أسطورة جلجامش حيث أغرته الراهبة بعرض مفاتنها على النبع، فترك القطيع الذي كان يعيش معه وضاجعها أسبوعا كاملا حتى خارت قواه الأسطورية التي وهبته إياها الطبيعة، (لاحظي اسبوع في الأسطورة، اي ايام خلق الله العالم في ستة ايام ثم استوى على العرش) بعد سبعة ايام خارت قوى إنكيدو  فأخذته طائعا سهلا إلى جلجامش. وهناك  كانت مبازته القاسية مع جلجامش. ولكن الأسطورة اصرت على أن ينتصر جلجامش الذي يمثل الحضارة (الإنسان) على إنكيدو  الذي يمثل الطبيعة، وإثر ذلك تصاحبا، اي دانت الطبيعة للإنسان، وهذا هو الحلم بالأبدية الذي يمثل فيه جلجامش أمنية كل الناس، كلنا. وهناك تأقلم إنكيدو مع الحياة الإنسانية وعزَّ عليه ترك الحياة الإنسانية إلى أن مات. تماما كما عز على ورقاء ابن سينا مفارقة الحياة.

النفس هنا حين حلت في الجسد رغما عنها عادت وتأقلمت معه إلى حد رفض الموت. وهنا التعبير الأعلى عن رفضنا للموت. هذا بالطبع يبين ان ابن سينا قريب من المثالية غير المؤمنة لأن المؤمنين لا ينقدون الموت بما هو حق إلهي. هذا يبين انه يؤمن بمتعة الدنيا. إنه جدل النفس والجسد.

سناء: هل ترى تناقضاً في البيت التالي؟

5) وَأَظُنُّهَا نَسِيَتْ عُهُودًا بِالحِمَى
وَمَنَازِلاً بِفِرَاقِهَا لَمْ تَقْنـــَعِ

كيف تنسى مرحلة أو حياة هي تحبها ولم تقتنع بفراقها، إن لم تقتنع بالفراق، فلماذا قامت به؟

عادل: أعتقد ان تجلي الفلسفة هنا. بمعنى أن النفس المنطلقة روحياً بلا حدود، أو الروح التي لم يستطع أحد تعريفها. في القرآن الكريم المسألة محسومة:”يسألونك عن الروح/ قل الروح من أمر ربي”. اللغويون، مثل تشومسكي لا يخرج عن التفسير الديني. يرفض التفسير المادي للتاريخ.

فهو يرى ان البراعة اللغوية ، كما يسميها العظم،  لا تقبل اي  نوع من التفسير او التعليلي السببي او ما يشبهه لأنها  من خصائص الروح الإنساني الغامض والخلاق.!

من جانبه يرى ماكس فيبر، ان الماركسية تفتقر الى مفهوم الحافز: يرى ان التغيير يحصل خلال عمل قوى خارجية وغير شخصية والتي معها يصغُر العامل الإنساني الى سلبية تامة. ثم يستدرك ليقول، ولكن التغيير هو دوما تغيير عبر اعمال وكلاء بشريين. فالذوات الإنسانية محفوزة  للعمل بطرق محددة، بأن تقبل او ترفض النظام السائد من الأفكار بأن ترفض الرفاه والاستهلاك المباشر…. انه البنية الحافزية للعمل  التي تشكل روح الراسمالية الروح التي لم توجد في الهند ولا في الصين ولا في فلسطين بل في الإيديولوجيا البروتستانتية.

دعكِ من الاستطراد، فهو يخلص الى القول: ان مصطلح الروح  يفترض تصورا او مفهوما لجوهر خارج التاريخ والمجتمع مفهوم غيبي  وليس مقولة اجتماعية. ثم يعود فيقول بأن الروح هي العامل الفعل النشط لمشهد عالمي والذي في حياته اليومية يصوغ او ينشىء النشاط الإنساني. إلى أن ينتقل لتصالح جزئي غير مباشر مع ماركس ليقول: في مقالته 1895، بان الروح “هي تركيب معقد من عوامل متواشجة مع الواقع التاريخي  الذي نتوحد فيه او يوحدنا  نوحده في مفهوم شامل من مرتكز اهميته الثقافية ويخلص للقول بأن روح الراسمالية هي اخلاق اجتماعية ، بنية مواقف تتماثل كثيرا مع اخلاق البروتستنتية  والدين المصاحب لطوائف دينية  كالبيوريتانيين  والكالفنيين.

Weber M. (1930), The Protestant Ethic and the Spirit of Capitalism (London: Allen & Unwin).   pp. 47-53. Quated in Allan Swingewood, A Short History of Sociological Thought, Macmillan, 1984 p.p.154-155. ,

هذه المداورة سواء من فيبر أو تشومسكي تضعنا أمام فلاسفة يتأرجحون بين الإقرار بالعامل المادي التاريخي وبين مثالية تصل اللجوء إلى الغيب وحين يوخزها الواقع تمارس صحوة مؤقتة ما.

إبن سينا في عصره مفهوم أكثر في ما يخص تردده بين نزول النفس و إنزالها. في تردده يؤكد إيمانه بأن الله خلق النفس وأنزلها إلى الأرض.

سناء: لكن البيت الأول يشي بحيادية ما تجاه نزولها؟

عادل: نعم، وهذا وذلك تعبير عن مراوحة إبن سينا بين المثالية المؤمنة والملحدة. قد نقوم بمحاورة أخرى عن قلق إبن رشد في هذا الأمر.

هنا يؤكد إبن سينا انفصال النفس  عن جمال الحياة في السماء كروح، ويستغرب كيف جذبتها الحياة الأرضية فأنستها عالم النور لتنتمي إلى عالم المادة بعد أن كانت قد هبطت دون اقتناع منها. لعل ابن سينا هنا يدعو إلى الحياة العملية. لاحظي البيت اللاحق:

) حَتَّى إِذَا اتَّصَلَتْ بِهَاءِ هُبُوطِهَا
عَنْ مِيمِ مَرْكَزِهَا بِذَاتِ اُلأَجْرَعِ

هذا البيت وصف لانسجامها مع الأرضي على صعوبته وخشونته، ويجد تفسيره في البيت الذي يليه

7) عَلِقَتْ بِهَا ثَاءُ الثَّقِيلِ فَأَصْبَحَتْ
بَيْنَ المَعَالِمِ وَالطُّلُولِ الخُضَّـعِ

هنا وقعت بين تجاذبين، لقد أخذت في الانسجام مع عالم الأرض، تأسست فيه، وتفجعت على فراقه. هنا يظهر السؤال: هل تثاقلها بالبقاء أو لأجل البقاء في الأرض هي قيود فُرضت عليها؟ أم أنها أنتجت في هذه الأرض ما شدها للحياة فيها واثار شجنها على فراقها. هذا مثلا يذكرنا بآلام الولادة، ألم تم اختياره ولذا هو محبة معاً.  بل هنا نلاحظ حالة حزن عميقة. كيف لا وهي  قد هبطت على غير رغبة منها، اي اتت اضطراراً، ورحلت اضطرارا من النقيض إلى النقيض.

سناء: جميل، كأنه يؤسس هنا لقانون الديالكتيك: وحدة وصراع الأضداد؟ لست أدري.

عادل: بالضبط، وهو ما استعاده بعد قرون عدة مظفر النواب: “إن الواحد منا يحمل في الداخل ضده” نحن نحمل صراعا نفسيا ثقافيا فينا. نحن لا نحمل جسدين في جسد، جسدنا لا يتعدد أما الروح فولادة.

سناء: هل ترى أن البيت التالي، يعني عودتها إلى حيث  أتت؟

8) تَبْكِي إِذَا ذَكَرَتْ عُهُودًا بِالْحِمَى
بِمَدَامِعٍ تَهْمِي وَلَمَّا تُقْلِــعِ

عادل: نعم، هكذا يتخيل إبن سينا، فهو رغم انحيازه للنفس، للروح النقية المرتاحة الهائمة، إلا أنه يعود ليرفع من قيمة الحياة على الأرض. ففيها اشتغلت وأنتجت، ورغم قساوة الحياة، صار يعز عليها تركها. هذا تصوير للصراع النفسي في داخليتنا.  ومع ذلك قساوة الحياة التي تفجعت على فراقها ايضا ذكرتها بما كانت عليه قبل الهبوط. لكن هنا يمكن القول بأن الحمى مقصود به كذلك عالم الأرض الذي تفجعت على فراقه، وكأنها تفجعت على الفراقين.

سناء: يبدو لي أن إبن سينا في البيت التالي قد قرر تقييد جموحها وثوريتها بأن استكانت للقدر؟

9) وَتَظَلُّ سَاجِعَةً عَلَى الدِّمْنِ الَّتِي
دَرَسَتْ بِتِكْرَارِ الرِّيَاحِ الأَرْبَعِ

عادل: نعم، صحيح، هنا يوصلها ابن سينا إلى الرضوخ للواقع القاسي بل عبء الحياة الأرضية. او كما يقول المفسر  (خير الله) ان الرياح الأربع هي  (العناصر الأربعة الّتي تتركّب منها كلّ الموجودات الأرضيّة، أي الماء والهواء والتّراب والنّار). أو  ما يسمى ب مربع ارسطو. ولهذا لا شك علاقة بنقل العرب حضارة اليونان وفلسفتهم وتطويرها.

وهذا الرضوخ وربما التعب يفسره البيت اللاحق:

10) إِذْ عَاقَهَا الشِّرْكُ الكَثِيفُ وَصَدَّهَا
قَفَصٌ عَنِ الأَوْجِ الفَسِيحِ المُرْبِعِ

هل قيدها الواقع الأرضي مجسدا في الجسد، أم انها انتجت فيه فقيدت نفسها إليه على قساوته؟ فلم تصعد مجدداً إلى الأفق الرحب واللانهائي. أحيانا يكون الشرَك بقرار ذاتي.

11) وَغَدَتْ مُفَارِقَةً لِكُلِّ مُخْلِفٍ
عَنْهَا حَلِيفِ التُّرْبِ غَيْرِ مُشَيِّعِ

هنا يركز على تناقض النفس على طهارتها مع الواقع على تعقيداته. وليس صحيحاً أن تناقضها هو مع الجسد بما هو فانٍ، بل المقصود الواقع الاجتماعي العام. وبالطبع هذا التناقض مؤلم للنفس لأن المبدأ أن تكون النفس إنسانية أن يكون الإنسان خيراً.

سناء: هل تعتقد بأن إبن سينا ينسب إلى العالم الأرضي تطوير رؤيتها، بمعنى أنها تأنسنت ورأت بعد ان كانت في عالم الخيال المفتوح؟

12) سَجَعَتْ وَقَدْ كُشِفَ الغِطَاءُ فَأَبْصَرَتْ
مَا لَيْسَ يُدْرَكُ بِالعُيُونِ الهُجَّعِ

عادل: هنا يتحدث ابن سينا عن تطور متفارق في النفس. يقسم الناس إلى فريقين يحشرهما في النفس نفسها. نفوس لاحظت طبيعة العالم بقدرتها العقلية تمكنت من الكشف. فعافت الشهوات، بينما نفوسا أخرى غرقت فيه لعجزها عن الرؤية الكاشفة. لاحظي أن إبن سينا يلعب بالموقف بقدرة المتحكم، فهو بعد أن أتت على غير رغبة، وبعد أن اندمجت بالأرض، وبعد أن تماهت مع الرضي وربما استكانت، أخذ يرفعها إلى السماء تدريجيا، وكأنه يصف لنا الحياة نفسها أي مجييء وتعب ومتعة فخروج الروح من الجسد أخيرا. لذا يقول:

13) وَغَدَتْ تُغَرِّدُ فَوْقَ ذِرْوَةِ شَاهِقٍ
وَالعِلْمُ يَرْفَعُ كُلَّ مَنْ لَمْ يُرْفَعِ

هنا يعزو للنفس قدرة المقاومة، فبما هي تورطت في الأرضي، إلا أنها تمكنت بقدرتها العقلية من الترفع عن سفاسف الحياة بالعلم الذي ابقاها عالية في الأرض كما لو كانت لا تزال في السماء. هي إذن تقترب مجددا من السماء.

سناء: هل البيت التالي اعتراضي على كل الحياة وتساؤل عن الحكمة من إنزالها؟

14) فَلِأَيِّ شَيْءٍ أُهْبِطَتْ مِنْ شَامِخٍ
عَالٍ إِلَى قَعْرِ الحَضِيضَ الأَوْضَعِ

عادل: تماماً، هنا يتجلى الرفض الفلسفي. هنا يشتد الحوار النفسي عند الفيلسوف والطبيب ابن سينا، والذي بهذا التساؤل ربما يقصد ذاته بمعنى، ما الذي أرغمنا على هذا الواقع الخشن؟ لماذا نزلنا بل أُنزلنا من طهارة السماء إلى دنس الأرض. ولكن ربما هو وجوب الوجود بمعنى أن : “لا حَبَلْ بلا دنس. شرط الوجود والإنتاج.

سناء: هل ترى في البيت التالي تشكيكاً في أن الله أنزلها، أم هو السؤال اليقيني بمعنى أن الله قد أنزلها لحكمة ما؟

15) إِنْ كَانَ أَهْبَطَهَا الإِلَهُ لِحِكْمَةٍ
طُوِيَتْ عَنِ الفَطِنِ اللَّبِيبِ الأَرْوَعِ

عادل: أعتقد أنه الجزء الثاني من سؤالك، وهو يعني ان الإنسان مسيَّر لا مخير. فهو يتسائل عن حكمة الله في ذلك ليقول بأن إنزالها  من أجل إعمار الأرض. وهو هنا يرى بأن حكمة إنزالها لا يدركها حتى ربما الحكماء وكأنه يريد القول بان المعرفة موهوبة وليست من فعل البشر. طبعاً هو هنا يرى إعمار الأرض عبر النفس وليس عبر العمل في الوجود المادي بمعنى أن مدخل الاقتصاد السياسي هو أن الوجود المادي الطبيعة موجودة مسبقا، وأن الإنسان يعطيها معناها بالشغل والإنتاج.

سناء: إذن هبوطها هو بمشية الله ولحكمة ما، فهي ليست مستقلة كما قد يبدو في ابيات أخرى من القصيدة؟ وهذا يقرب إبن سينا من المثالية المؤمنة.

16) فَهُبُوطُهَا إِنْ كَانَ ضَرْبَةَ لاَ زِبٍ
لِتَكُونَ سَامِعَةً بِمَا لَمْ تَسْمَعِ

عادل: نعم، ولكن ايضا هنا يقرن ابن سينا المثالي بالمادي بوجوب تكاملهما. هل هي حكمة الله او ضرورة الواقع، هذا بحث آخر. المهم هو اقتران الأمرين معا كضرورة. وهذا يعني أن الحكمة في الحصول.

سناء: هل تعتقد أن البيت التالي يقرب فيه إبن سينا النفس من الله؟

) وَتَعُودَ عَالِمَةً بِكُلِّ حَقِيقَةٍ
فِي العَالَمَيْنِ فَخَرْقُهَا لَمْ يُرْقَعِ17

عادل: نعم و لا. فالنفس رغم معرفتها بالعالمين عالم السماء وعالم الأرض، اي بعد التجرية، إلا أن إبن سينا يعود ليؤكد، قصورها بمعنى ان بها خلل او خرق لا يُرقع فالنزول الأرضي أبقاها بالضرورة دون الله. هنا يكتسب الإنسان المعرفة والتي لا تتأتى إلا بجدل النفس والواقع او الهيولى المادية. هو وصول مؤلم وبعد التورط فيه لا مجال للعودة إلى ما كانت عليه النفس من هدوء . فهو يصر على أن العالم الأرضي قاسٍ والوصول إليه يحول دون الخروج منه والعودة إلى الماضي  الجميل.

لذا يكمل:

18) وَهْيَ الَّتِي قَطَعَ الزَّمَانُ طَرِيقَهَا
حَتَّى لَقَدْ غَربت بِعَيْنِ المَطْلَعِ

في هذا البيت يتحدث عن اندغامها في زمن الفراق، وسير الوقت بها بعيداً عن العلياء. لكنه يعيدنا إلى طبيعة النفس الإنسانية التي بطبيعتها تبحث عن السرمدية والبقاء وفي هذا البحث تصر على محاولة العودة إلى السماء. هذا جدل مقاومة الموت.

سناء: أشعر بأن البيت الأخير فيه حزن ما. فهي اي النفس بعد كل ما جربته وعرفته، تنتهي إلى اللاشيء؟ اليس كذلك.

19) فَكَأَنَّهَا بَرْقٌ تَأَلَّقَ بِالحِمَى
ثُمَّ انْطَوَى فَكأَنَّهُ لَمْ يَلْمَعِ

عادل: قد يكون هذا البيت هو الأكثر حزناً في قصيدة ابن سينا. فهو هنا يتناول النفس الفردية، ربما ذاته بمعنى أن النفس الفردية لا شك زائلة، هبطت ثم عادت للعلى وانتهت وكأنها لم تمر بكل هذه الرحلة الطويلة. وهنا يمكننا قراءة المسألة من منظور مادي تاريخي بمعنى أن موقف ابن سينا مثاليا وليس تاريخيا لأن الإنسانية ووجودها امتداد متواصل.