لماذا لم يزرعوا الكيان في مكة؟

عادل سمارة

ليس هذا السؤال للاستفزاز، بل هو للتفكير الهادىء والدقيق. فالمعروف أن اليهود يعشقون المال بانواعه من البرونزي إلى الفضي فالذهبي  وحتى الأموال المتنقلىة اليوم على الشبكات العنكبوتية، المال الافتراضي. وهم لا ينكرون ذلك بل يفتخرون بتاريخ من الربا والسمسرة وحتى النهب العلني المضارباتي كما حصل في الأزمة المالية الاقتصادية الأخيرة في المركز الراسمالي بطوله وعرضه.

كما أن لا أحد ينكر أن الخليج العربي تم تشكيل انظمته على يد نفس الراسمالية الغربية التي خلقت الكيان الصهيوني. أي كان بوسعهم زرعه في مكة المكرمة، ولن يغضب  حكام السعودية لذلك لأنهم حتى لو فُرض عليهم، فهم لا يجرؤون على رفض مخطط السيد الأبيض. هذا إن لم نقل بان الوهابية بل وجميع قوى وأنظمة الدين السياسي في الوطن العربي لا تؤمن بالوطن. وحبذا لو يُبرز لنا من يعترض وثائق لهم او حتى تصريحات سياسية تنقض قولي هذا.

فهذه الأنظمة والقوى ورغم الاستعمار العثماني للوطن العربي لأربعة قرون لا تزال تتمناه. وهي كذلك تعترف بالكيان الصهيوني وخاصة تركيا عاصمة الخلافة بل التي اغتصبت الخلافة. فليس هناك أعمق مع علاقات تركيا بالكيان الصهيوني. ولينقض حديثنا هذا من لديه ما ينقضه به.

عودة للسؤال: لماذا لم يولجوا الكيان هناك في ارض النفط؟ وكان النفط بالطبع مكتشفاً. ولا ننسى أن الصهيونية تحدثت عن عدة خيارات لاغتصاب وطن: ارجنتين، أوغندا، سيناء وأخيرا فلسطين. وكان ستالين قد اقام لهم جمهورية عام 1936 في الاتحاد السوفييتي السابق. ولكنه هو نفسه تورط في الاعتراف بالكيان، فكان ذلك الاعتراف اشد جرائمه.

هل السبب في عدم إيلاج الكيان في الخليج لأن الإمبرياليين أوجدوا حكاما أشد إخلاصا من الصهاينة للسيد الأبيض؟

هذه إجابة معقولة لكنها بسيطة وغير معقدة بما يحل لغز الكيان.

لقد كتبت منذ عام 1985 في اطروحتي للماجستير بأن الكيان الصهيوني هو استثمار استراتيجي للإمبريالية. بمعنى أن إنفاق الإمبريالية على الكيان هو أعلى من المردود الاقتصادي أو حتى المالي للكيان. وهذا يثير التساؤل: لماذا إذن قامت الإمبريالية بذلك؟ حيث كان بوسعها إيلاجه في الجزيرة العربية وهناك سيحتفي به حكامها بما هم مندوبين للاستعمار هناك، وبالتالي كفى الله المؤمنين القتال؟ بل إنهم يحتفون بالكيان اليوم كما  لو كان وجوده بأمر من الله!

قد تكون الإجابة الدقيقة بأن الخليج في أمان تام من حيث كونه مزرعة للإمبريالية، وبالتالي نفطه في امان. وبأن الخطر على ذلك النفط هو في وجود فما بالك بنهوض مصر ومن ثم سوريا والعراق. ولذا، كان يجب ان يكون الكيان بين مصر وسوريا كي يفلق الوطن العربي من منتصفه. وعليه، فإن سيطرة حقيقية على النفط تشترط تدمير مصر وسوريا والعراق. وهذا يستلزم وجود الكيان في فلسطين، وليس بعيدا في الخليج.

وعليه، فإن الكيان كاستثمار استراتيجي يعني بأن تخريبه لمصر وسوريا والعراق هو الضمان للسيطرة على النفط مما يجعل الإنفاق على إيلاجه في فلسطين مجرد فلوس ضئيلة مقارنة مع كون دوره ضامن لتدفق النفط رخيصا إلى المركز الإمبريالي.

من هنا ربما نفهم لماذا يصر حكام الخليج على تدمير مصر وسوريا والعراق، اي القيام بهجوم مضاد على معاقل للقومية العربية حتى بالنيابة الآن عن الكيان نفسه.

ومن هنا نفهم ما هو أشد تعقيدا اي تشكيل تحالف تركي قطري تروتسكي صهيوني امريكي وسعودي بالطبع ضد مصر وسوريا وحتى اليمن.