المشروع العروبي

(1) التشكيك في القومية العربية

عادل سمارة

أما وأن المشروع العروبي، كما نأمل جميعا، ينتقل إلى وضعية الهم العام والعاجل، أود ملامسة مسألة هامة تتعلق بالخطاب المضاد. ذلك من أجل الصد والرد والضد باكراً.

هناك تاريخ طويل من النقاش الخلافي وبشكل حاد حول المسألة القومية عامة والمسألة القومية العربية خاصة.

ولعل اللافت أن أعداء الأمة العربية يتعاطون مع الأمة العربية/ الوطن العربي كوحدة، بينما يتعاطى كثير من العرب مع مسألة الأمة والقومية العربية بمنظور قطري ويتورطون في تناسل لا يتوقف من الهويات هروبا من الهوية العروبية.

 ملاحظتي الأولى : وهي ان السياسة والأكاديميا وخاصة الأنثروبولوجيا ومراكز البحث في المركز الراسمالي الغربي ومن ضمنه الصهيوني، تبذل جهودا هائلة لوصف الوطن العربي بالفسيفسائية بدل التنوع. وتركز على الطوائف والمذاهب والإثنيات كمكونات متعادية متخاصمة بشكل لا يقبل المصالحة. وهي الطروحات التي تجلت في علاقات بين الشرائح البرجوازية والكمبرادورية ورجال المؤسسات الدينية وبين الإمبريالية لكي تنتج ما رايناه في لبنان في الربع الأخير من القرن العشرين وما نراه اليوم في أكثر من قطر عربي. طبعا هذا لا ينفي وجود بيئة حاضنة من البسطاء لمخططات ومخاطر هذا الحلف الإمبريالي/ البرجوازي المحلي. ولكن أود التذكير بأن هذه الطائفية والمذهبية وحتى القطرية حينما كانت الدولة المركزية قوية في مصر ناصر لم يكن لهذه القوى تأثيرا، اي ان هذه الأمراض يترافق انتعاشها مع شروط التدهور والأزمات.

وملاحظتي الثانية: هي أن كثيرا من المنظرين السوفييت حصروا وجود الأمة في التطور او الانتقال الراسمالي الصناعي وصولا إلى سوق قومية، ولذا اعتبروا أن الأمة العربية أمة في طور التكوين. وهو ما اثر على كثير من الشيوعين العرب فنادوا من أجل التحول إلى الاشتراكية، قفزا على القومية واعتمادا في تشكيلات شبه راسمالية وبدون طبقة عاملة فعلية الوجود فما بالك بالحضور، ولكن طبعا حاولوا ذلك بإخلاص، ولكنهم لم يتمكنوا من فهم ما جاء  حتى في البيان الشيوعي بان المرحلة والدولة القومية اساسية للبروليتاريا كقاعدة للعبور إلى الاشتراكية. وبالطبع كانت لهذا تداعياته التي دفعت الحركة الشيوعية ثمنها على حساب شعبيتها ونضالاتها.

وملاحظتي الثالثة : أن القوى السياسية الرجعية في الوطن العربي وخاصة أنظمة توليدات سايكس-بيكو  هي الحليف الطبيعي للثورة المضادة، وهي تعرف تماما بأن وجودها ووجود وبقاء الكيان الصهيوني مترابطان. ولذا، فإن مشروعهما هو تقويض القومية العربية بلا مواربة ولا سيما حكام النفط الذين ينهبون ثروة الأمة ويحولونها إلى سلاح لتصفية كل ما هو تقدمي في الوطن.

من جهة أخرى، هناك الكثير من اليسار في العالم مفطور على موقف مضاد للقومية باعتبارها شوفينية. وهم إذ يتمترسون وراء هذه المقولة التعميمية والتي تقود إلى العماء يعتقدون بأنهم حداثيون. تجد هؤلاء في الجامعات الغربية وخاصة المجموعات التروتسكية. ولذا، تجد برامجهم تركز على المثليين، والمضيعين طبقيا ، قبل التركيز على الطبقات العاملة والشعبية، وتهاجم القومية بشراسة. ولكنهم في الوقت نفسه يدعمون وجود الكيان الصهيوني وحين ينقدونه فذلك محصور في نقد سياساته في الأرض المحتلة 1967 (الاحتلال الثاني).

ما يرفض الغربيون من هؤلاء فهمه، أو يفهمونه ويتلاعبون بخبث هو أن الدول الغربية التي يعيشون فيها هي لا تزال الدولة القومية بوضوح، وبأنها حققت ما فوق/فوق/فوق تقرير المصير بمعنى أنها دول فرضت مصالحها الاستعمارية في كل العالم وهو  ما يتجلى اليوم في حكم الشركات عالمياً وقوميا . ففي حين أن اذرع الشركات عابرة القوميات منتشرة على جسد مختلف أمم المحيط، فإن ما تنهبه من أرباح أو حتى ريوع تعود إلى المصارف الغربية بمعنى أن الغرب هو موطنها كمنطلق وكمركز تراكم ومركز إداري.

وبالمقابل، فإن العديد من أمم العالم وخاصة الأمة العربية لا تزال في مرحلة التحرر الوطني مما يجعل القومية قومية تحررية دفاعية مقاوِمة. وهذا ينفي تماما مزاعم ما تسمى مرحلة “ما بعد الاستعمار” Post-colonial .

إن الخطورة الحقيقية ليست في أطروحات يسار ويمين الغرب الرأسمالي عن الأمة العربية أو عن المسألة القومية عموما، بل الخطورة في صدى هؤلاء في أوساط المثقفين العرب وتحديداً، الطابور السادس الثقافي الذي انتقل من كونه متخارج ثقافيا وفكرياً إلى أداة مضادة للوطن والأمة.

كانت مواقف هذا الطابور قد أعلنت عن نفسها بشدة سوداء منذ العدوان الأمريكي على العراق 1991 ومن ثم احتلال العراق 2003. كان هؤلاء في وضعية تشفي!!! لم يكن من المتخيل أن يقف مثقفون/ات عرب ويهللون لهذا الاحتلال.

أما تدمير ليبيا ومحاولات احتلال وتدمير سوريا ومن ثم اليمن وإلى حد ما مصر، واحتلال البحرين، فقد وثَّقت اصطفاف هؤلاء في معسكر الثورة المضادة مع الإمبريالية والصهيونية والأنظمة الكمبرادورية وخاصة النفطية.

وعليه، تورط هؤلاء في البحث والانتماء لهويات اقل من قطرية اي طائفية ومذهبية وجهوية تتناسل تصاغرا إلى حد قد يجعل من كل قرية “أمة” بذاتها.

لن أتعرض بعد للإشكالية مع أنظمة وقوى الدين السياسي وموقفها المضاد للقومية العربية بل ومشروعها القائم عمليا الآن لتصفية مختلف البؤر والأنظمة الجمهورية كتعبير بدرجة ما عن العروبة. أي هي تخوض حرب تصفية الأمة العربية بلا مواربة.

وفي هذا الصدد تحضرني ملاحظة هامة وهي ان بعض الماركسيين العرب يربطون الوجود العربي بالإسلام، فيكتبون: “الحضارة الإسلامية العربية”! وهم بهذا يغتالون التاريخ. ومن خلال معرفتي بتأثير الأكاديميا وأحزاب اليسار الغربي على هؤلاء، وخاصة اليسار التروتسكي، ومن خلال  حرص هؤلاء العرب على أن يبقوا مقبولين في دوائر الأكاديميا واليسار الغربي، فإنهم يفتئتون على الأمة والقومية العربية كجائزة ترضية وليس كمساهمة نظرية. وهم بهذا ، اي بتسبيق الدين على التاريخ وعلى الأمة، إنما يقومون بتقديم رواية شبيهة بالرواية التوراتية وليس التاريخية، اي اعتماد الرواية التوراتية وليس الرواية التاريخية،  وهذه خدمة شاؤوا أم ابوا لأنظمة وقوى الدين السياسي بدءا من السعودية والإمارات وقطر وصولا إلى كل الوهابية والسلفية والإخوان المسلمين ومن ثم القاعدة والنصرة وداعش. فاية مفارقة هذه؟

أثرت هذه الإشكالات، وهي ليست الوحيدة، ولكن إثارتها نظرا لخطورتها لأنها مصمَّمة، وأهلها مصمِّمون على التشكيك في الخطاب العروبي بشقيه القومي والاشتراكي، وبالطبع سيقاوموا الطرح النظري الذي سنناقشه ونقدمه جميعاً، وبالطبع سيقفوا حتى بالسلاح ضد اي تبلور لحركة شعبية عربية حاضنة للمقاومة.