تشابه مصير الوهابية والصهيونية ورأس المال

عادل سمارة

قد يبدو من الغرابة بمكان عقد مشابهة عن قصد وقناعة بين علاقة كل من كيانيْ الوهابية والصهيونية مع العدو الأميركي. ليس فقط لأن أحد قواسمهما المشتركة كونهما تقفان من العروبة موقف عدو موحد، بل لقواسم مشتركة أخرى بينهما.
وهنا أود التمسك إلى حد التمترس وراء معيار اساسي في التحليل، وفي تقييم الصراع بشكل أخص، بين موقف المواطن المنتمي/ المقاوم وموقف السلطة قومية الاتجاه حتى لو كانا يقفان على أرضية وطنية وقومية وحتى اشتراكية واحدة.

هذا الفصل ضروري في المستوى الفكري النضالي عموماً لأن المثقف المشتبك مطلوب لمطلق سلطة:
مطلوب للسلطة المعادية وطنياً وطبقياً لأنه وطني وطبقي، ولذا يُقمع.
ومطلوب للسلطة الثورية لأن أية سلطة تحاول احتواء المثقف، وهذا يجب ان يرفضه المثقف، فيُعزل أو يُنقد أو ربما يُعتقل.
ذلك الفصل ضروري في اللحظة الدموية الجارية، وأشد ضرورة غداً، أي بعد الانتصار، باي مستوى، على الثورة المضادة، ذلك لأن المؤشرات الدبلوماسية الأخيرة تشير إلى احتمالات تسويات معينة لملفات الوطن العربي. وهي تسويات ليس للعرب الدور الأساس فيها، بما هم مفعول به؟ ستكون لروسيا مساومات من طراز مقايضة ما بين سوريا وأوكرانيا وهي لن تتخلى عن سوريا ولكن قد تقبل بلجم ما لسوريا وبتسهيل للعدو السعودي في اليمن، وهذا لا يصب في صالح المشروع العروبي. وستكون لإيران مساومات، وهي لن تتخلى عن سوريا ولكن ربما تضغط باتجاه «طوفنة» سوريا مما يقلب وجهها الحالي. ولذا، قد تلجأ سوريا إلى مرونات معينة كنظام تم تدمير بلده ولم يحمه سوى صمود الشعب والجيش والقيادة إلى جانب حليفتيه إيران وروسيا.
ولذا، ما يقبل به السوريون عبر السلطة ليس شرطاً ان يقبل به المواطن العربي العروبي وخصوصاً الاشتراكي. بل يجب أن يعود دورنا النقدي إلى ركائزه الأساس.
ليس المال هو أساس تشابه علاقة الكيان والوهابية بالإمبريالية وخصوصاً الأميركية، وإن كان هكذا يبدو على السطح وبخاصة دوره الحالي، وإنما يعود الأساس إلى الإنشاء والوظيفة والتبعية ليكون المال نتاجاً لها. وهذا المألوف التاريخي بأن المال نتاج عمل ما دور ما للإنسان.
فبمعزل عن خرافية رواية التوراة، فإن القراءة الحقيقية للصراع، اي صراع، هي القراءة التاريخية. ولا نقصد هنا العودة للقراءة التاريخية لما قبل آلاف السنين، بل على الأقل للقرون الأخيرة حيث انتقال الغرب إلى الرأسمالية وتبلور مصالحه على صعيد عالمي بما فيها في الوطن العربي.
خلاصة القول، بأن الكيان الصهيوني لم يكن ليُزرع في فلسطين لولا وجود ومصالح ودور وحراب الغرب الأوروبي/ الأميركي بما هو ضروري للغرب كأداة. وهو ما يتضح كل يوم بأننا أمام كيان عميل بسكانه المستوطنين فرداً فرداً.

مشروع لوضع اليمن
كلياً تحت الهيمنة الأميركية بوجه خليجي

كما لم يكن للوهابية مجسدةً في قبيلة بدوية أن تقيم سلطة لها في الجزيرة العربية لولا أنها أداة للاستعمار والإمبريالية منذ لحظة وجودها وذلك من أجل دورها في الوطن العربي كذلك، وهو ما اتضح بأن حكام الخليج من أصغرهم إلى أكبرهم عملاء كذلك للمركز الإمبريالي بدءاً بأميركا نزولاً إلى بريطانيا وفرنسا وغيرهما.
تكمن أهمية الكيانين إذاً في دورهما بما هو استثمار استراتيجي للإمبريالية يحقق بدوره نتائج مصلحية مالية أعلى بكثير من كلفة وجود كل من الكيانين. وهي مصلحة تتجلى في تقويض المشروع القومي العربي بما هو أي التقويض يفتح على النهب العلني لثروات تفيض عن تكاليف إقامة الكيانين بدرجة فلكية.
وهذا يعني أن راس المال اليهودي ولاحقاً السعودي والخليجي ليس أضخم قط من رأس المال المتوفر للمركز الإمبريالي المصرفي والشركاتي، بل هو جزء ضئيل منه.
إن موقع المال اليهودي والخليجي هو في تأثيره في الثقافة والسياسة في كثير من بلدان العالم أكثر مما هو في انظمة والطبقات الحاكمة في المركز الإمبريالي.
إذا اتفقنا على مسألتين:
الأولى: أن أهمية المال ليست في ما هو بيد اليهود (وهو ضخم) وبيد الخليجيين، بل إن الثروة الرئيسية عالمياً بيد الطبقات البرجوازية الغربية وبخاصة مالكة المصارف والشركات الغربية عابرة القارات وربما الكواكب لاحقاً.
والثانية: أن استخدام هذين التابعين للمال هو لإذلال والسيطرة على توابعهما وليس لتتبيع الإمبريالية نفسها لهما؟
إذا اتفقنا على هذين الأمرين، يكون دور مال الكيانين التابعين هو في تجنيد عملاء لهما وإذلال العملاء بالمال من جهة وتخريب المثقفين ومن ثم المجتمعات عبر تجويف الوعي للتمكُّن من تجريف الثروة من جهة ثانية.
من المشترك بين الكيانين العميلين هو شراؤهما للصمت السياسي الدولي على جرائمهما المكشوفة بل والمقصود أن تكون مكشوفة.
لعل مفارقة الدهر أن الكيان الصهيوني حظي بدعم واعتراف كل من المركز الإمبريالي/ الرأسمالي والمعسكر الشيوعي والاشتراكية الدولية. اي حظي بإجماع عالمي على جريمة معولمة ومكشوفة. وبالطبع حظي بإقرار رسمي عربي وإن لا مباشرة إلى درجة أعتقد معها أن للعرب دوراً في إقامة الكيان، أقصد الصهيونية العربية (أنظمة وقوى سياسية).
وهذا ما تحظى به السعودية ومعظم الخليجيين في العدوان المكشوف على اليمن. فهو عدوان تم شراؤه بالضغط الأميركي ورشى مثقفين وأنظمة سياسية. عدوان لا يختلف عن اغتصاب فلسطين بما هو مشروع لوضع اليمن وموقع اليمن كلياً تحت الهيمنة الأميركية بوجه خليجي. فليس الاستيطان وحده الذي يسلب سيادة الشعوب وثرواتها.
وإذا كان لا يزال هناك وهم بين عرب وغير عرب، بان اليهود يتحكمون بالسياسة الأميركية والرأسمالية الغربية بما لديهم من مال، فهل تتحكم السعودية والخليجيون باميركا كذلك وبسبب ما لديهم من مال؟ ألا يقود هذا الهبل إلى استنتاج ساذج بان اميركا أصبحت «ذيلاً لهذين الكيانين التابعين»! وماذا عن الصين، هل ستصبح أميركا ذات وقت قريب ذيلاً للصين؟
يفتح هذا الحديث على أُكذوبة اللاسامية بمعنى، هل سبب الاحتضان الغربي للكيان الصهيوني رفضاً لِـ اللاسامية؟ وهذا الزعم الاستخفافي بعقول البشر يمكن أن نسحبه، وبنفس المعيار الاستخفافي، بان السعودية مدعومة من أميركا لأن الخليجيين ساميين ايضاً، وبأن اميركا والغرب حُماة السامية. وبهذا تكتمل عملية تقزيم الوعي الإنساني وتسخيفه.
بل إن أحد المشتركات الحقيقية بين الكيانين هو العنصرية التي تغض الإمبريالية الطرف عنها والموجودة في الكيانين بمعنى تشابه الموقف العنصري واختلاف الكفاءة العنصرية في آن.
فالكيان الصهيوني استثنائي إقصائي رافض لمختلف الأعراق وخصوصاً أهل البلاد، وهذا موقف وعقيدة المستوطنات الراسمالية البيضاء (الولايات المتحدة وكندا، واستراليا ونيوزيلندة وجنوب أفريقيا سابقاً، وكذلك مخلفات الإسبان والبرتغال في اميركا الجنوبية بغض النظر عن القدرة على ممارسة التمييز العنصري سياسياً، لكنه هناك ثقافياً واقتصادياً).
وكيانات الخليج رافضة لأي عربي حتى لو عاش وعمل هناك عقوداً، كما ان غير العرب هناك ليسوا سوى قوة عمل راحلة مرتحلة تحت استغلال مكثّف ومتعدد أو مجندين لخدمة السلطات هناك.
وهنا نجد ظاهرتين من الاستيطان:
الاستيطان الصهيوني الموطَّن والجاذب للدين وحتى للعرق المسمى يهودي، وهذا عرق غير مؤكد. والاستيطان العابر في الخليج، والذي يمكن أن يتحول إلى سيد بما هو الأكثرية، وهذا خاضع لما تراه الإمبريالية ذات يوم حسب مصالحها.
وعليه، فالاستيطان الصهيوني مخلص لمشروعه بينما في الخليج، أنظمة خائنة للوطن والأمة ترى الوطن مكاناً للكلأ (النفطي) إن انتهى الكلأ ينتهي الانتماء. بكلام آخر، تحول اليهودي من الحالة المنفوية المزعومة تاريخياً كمرتحل بلا وطن، تحول إلى مستولٍ على وطن الآخر ليحوله زوراً إلى وطن له، بينما بقي البدوي على تاريخه بأن الوطن مجرد مكان.
صحيح أن «الأفريكانز» في جنوب افريقيا، والأوروبيين الآخرين الذين استوطنوا اميركا الشمالية قد استخدموا نفس الفكر التوراتي العنصري الإبادي للشعوب الأصلية لتثبيت انفسهم، وصحيح في المقابل أن الخليجيين يستخدمون الوهابية لرفض الآخر اي آخر، اي إنتاج غوييم آخر. لعل من الطرافة بمكان أن اليهودي والبدوي الوهابي أنتجا «غوييم» كل على طريقته.
العدوان السعودي الخليجي على اليمن، يتشابه تبريره مع تبرير اليهود لاحتلال فلسطين. فالزعم اليهودي بأرض الميعاد ليس سوى صياغة يهودية لله كما يريدون هم وليس كما هو. فالبشر وحدهم الذين ينتزعون أرض قوم لصالح قوم آخرين كما فعلت بريطانيا في فلسطين ولا يقدمون على الأقل وطناً بديلاً للمطرودين. بينما يُفترض ان الألوهية لا تعطي حق قوم لآخرين، وإن حصل تُعطيهم وطنا آخر!
العدوان السعودي على اليمن لإعادة رئيس منتهية ولايته ومستقيل، يشبه قرار التوراة إعطاء فلسطين لليهود. والصمت الدولي في الحالتين متشابه ايضاً بل لم يحصل أن قام ما يسمى المجتمع الدولي وهو اسير للإمبريالية بإعادة حكام خُلعوا سواء بالثورات او الانقلابات في منطقتنا على الأقل:
فحتى لو قام الحوثيون وحزب المؤتمر بانقلاب عسكري، فليس من حق السعودية التدخل، شأن داخلي. لم يتدخل احد لإعادة الملك فاروق او مبارك إلى مصر ولا بن علي إلى تونس، وبالطبع لم يُعد مصدق إلى إيران! ولا حتى الشاه! هذا ناهيك عن الفحش في أن تتدخل أنظمة بدوية تابعة باسم الديمقراطية في جمهورية بها أحزاب وتُجرى فيها انتخابات!
العدوان الذي قامت به السعودية ومعظم الخليجيين ضد اليمن، يتشابه مع عدوان الكيان على الجنوب اللبناني وغزة من حيث القصف الجوي والحريق قبل محاولة التقدم البري ويتشابه كذلك مع عدوان الناتو على ليبيا، وسابقاً قصف نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا للدول اليسارية المحيطة بها. نلاحظ هنا المشترك: قرار الإمبريالية الأميركية العدوان من الجو وتوليد محليين لتنفيذ العدوان على الأرض (أي الاستشراق الإرهابي الذي خلق القاعدة وداعش والنصرة…) ونقل أدواتها لسياستها هذه واستخدام أسلحتها وعنصريتها معاً.
يجمع الكيانين كذلك دور الأنظمة الراسمالية والعنصرية والرجعية المعادية للبشرية وأقصد هنا الدعم القتالي العدواني. هذا وإن اختلف مستوى الدعم. ففي حرب 1948 واغتصاب فلسطين شارك آلاف من مختلف الدول الغربية الراسمالية البيضاء كمتطوعين وكانوا قادة الطائرات المقاتلة والمدفعية واللوجست وأطباء العيون…الخ كانوا في مقدمة العدو الصهيوني ضد الفلسطينيين وأُطلق عليهم اسم «الماخال». كما قامت السعودية بالتجميع نفسه. حتى الآن ليس المعلن سوى جنود السنغال والإمارات ولكن الزمن سوف يكشف عن مرتزقة آخرين. صحيح ان باكستان رفضت رسمياً، وبان مصر تمنعت شكلياً.
كل هذا يقنعنا بالقول بتشابهات عديدة بين الكيانين «الساميين» – إن صحت الأكذوبة. تشابه البدوية والمنفوية اليهودية، تشابه صناعة الـ»غوييم اليهودي وغوييم اخترعه البدوي النفطي»، ويجمعهما موقف «الأسرة» الدولية الخائن والمخادع، واحتضان الإمبريالية للكيانين، وشراء الكيانين للإعلام والمثقفين وحتى الساسة بالمال، واعتماد تاريخي لليهودي على الربا واعتماد البدوي الخليجي على الريع.
ويكون التشابه حتى بين: ذكورية وفحش الحاكم الخليجي الرسمي تجاه المرأة والغلمان، مقابل تركيز الصهيونية على نشر الإباحية لخلخلة المجتمعات الإنسانية من داخل النفس الشبرية. وهنا يسقط الغطاء الشكلاني عن تحرر المرأة لدى الكيان الصهيوني مقارنة بعبوديتها المطلقة لدى الكيان الخليجي، يسقط ذلك لأن نشر الإباحية ولو من تحت ستار هو الاضطهاد الأشد اذى للمرأة لأنه ينشر نخاسة النساء على صعيد عالمي وبغطاء ما بعد ما بعد حداثي. وحتى تاريخياً، يكون التشابه بأن اليهود تاريخياً رُعاة والبدو كذلك، أي ليسا زراعيَّيْن.
بقي ان نشير مرة أخرى إلى المشترك في استخدام الدين. فالإرهابيون يدخلون سوريا بحق الإسلام وتمويل سعودي وغطاء اميركي، أما الكيان فيغتصب فلسطين باسم الدين ولكن عملياً بغطاء أميركي.

ماذا عن تشابه المصير؟

بالدعم الهائل للكيان الصهيوني قبل وحتى عدوان 1948 واليوم، فقد انتقل من اغتصاب لكامل فلسطين 1967 إلى عجز عن احتلال جنوب لبنان 2006 وعن اقتلاع المقاومة في غزة 2014.
وعلى مدار خمسة اشهر من القصف الجوي السعودي وحلفائها العرب وغير العرب والصهاينة ضد اليمن ولم يستسلم. وهذا يبين محدودية القوة البحتة مهما كبُرت.
هذه الجرائم تُغير، وإن تدريجياً، في موقف الشعوب من هذين الكيانين، بل وتؤثر كذلك في موقفها من وحشية راس المال والحروب وشراء ذمم الشعوب بالمال. ورغم هشاشة اليسار في اوروبا، فقد بدأت الشعوب في الدول الرأسمالية المتقدمة بالنظر الى الاشتراكية على أنها الحل وتؤيد القادة اليساريين مثل تسيبراس وكوربين وساندرز وايجليسياس، وتؤمن فعلاً بقول كوربين «إن هدفنا ليس إصلاح الرأسمالية بل إنهاء الرأسمالية». لكن هذا قيد الاختبار لا سيما وأنه يسار غير شيوعي.
ولعل موقف الشعب الباكستاني الرافض للمشاركة ضد اليمن مثال واضح على رفض الرشى السعودية. كما ان توسع مقاطعة الكيان الصهيوني هو مؤشر آخر.
اضف إلى أن تبلور كتلة البريكس اقتصادياً وسياسياً على صعيد عالمي، وتطور موقفي روسيا والصين في الأمم المتحدة باستخدام الفيتو هي مؤشرات تغير إيجابي وإن لم يكن كافيا.
ليس البريكس وحده في مواجهة الثورة المضادة ممثلة في الإمبريالية والصهيونية والوهابية وسائر التوابع، بل إن معسكر المقاومة يشتد في مواجهة الثورة المضادة.
بل إن المؤشر الأكثر إيجابية هو في اقتناع وتوجه قوى شعبية عربية كثيرة بان المشروع العروبي ببعديه القومي والاشتراكي هو البديل ليس فقط لمواجهة التحالف الوهابي الصهيوني بل لمستقبل كل العرب.
* كاتب عربي ــ فلسطين

::::

“الأخبار”