الأساس الفلسفي للنازية والجذر التواطئي ما بعد المحرقة

عادل سمارة

 

ليس هذا الحديث لأجل إضافة على ما كُتب في إثبات العلاقة بين قيادات الحركة الصهيونية وبين النظام النازي، والعلاقات التجارية بينهما مما يؤكد أن النازية لم تكن ابداً ضد اغتصاب فلسطين من قبل الصهيونية. وهنا تتلاقى الإمبريالية الألمانية النازية والإمبرياليات الراسمالية الغربية الأخرى. فالصراع بين الإمبرياليات (النازية الألمانية وإمبرياليات الحلفاء) لم يحل دون دعم كلتيهما للصهيونية.

كما ليس هذا الحديث للارتكاز على قول السيدة إنجيلا ميركل بان المحرقة مسؤولية ألمانيا وحدهأ ليس لأنها مسؤولية ألمانيا وحدها وحسب، بل لأن ألمانيا لا تجرؤ على التحلل من تواطئها المستدام لتمويل وتسليح الكيان الصهيوني. ناهيك عن ان السيدة ميركل هي نموذج المرأة (النسذكورية) أي المرأة التي تطبق حرفياً دكتاتورية الذكور ضمن النظام الراسمالي طبعاً.

الحديث هو عن تأصُّل النازية في الثقافة بل الفلسفة الألمانية  قبيل بروز النازية نفسها بأكثر من قرن.

قد يمتعض الكثير من المثقفين العرب نظراً لتابعيتهم للفكر الغربي الراسمالي حين نقول بان الأب الروحي للنازية فلسفياً هو الفيلسوف الكبير جورج ولهلم فريديرك هيجل الذي تعج الكتب الجامعية العربية بمديحه وتغض الطرف عن عنصريته.

هيجل هو صاحب نظرية وجود أمم بلا تاريخ، أنظروا المصطلح، “أمم بلا تاريخ” بدل امم ظلمها تاريخ الآخرين.

إن موقف هيجل العنصري والمركزاني بامتياز واضح في التالي:

“… تعي الأمة المتحضرة بأن حقوق البرابرة غير مساوية لحقوقها، وتعامل استقلالها الذاتي فقط باعتباره مسألة شكلانية (G.W.F.Hegel, The Philosophy of Right (Encyclopaedia Britannica, Chicago, 1971:111 ). وهذا يستثير ويستدعي السؤال: هل هذا التفكير العنصري هو الذي يسمح للغربي الرأسمالي الأبيض أن يستعمر غير البيض، وألا يعتذر مجرد اعتذار عن الاستعمار، وأن يطالبنا بالتطبيع مع التاريخ  وذلك بهدف أن يتواصل تطبيعنا في المستقبل، ويطالبنا بالتطبيع مع الكيان الصهيوني الإشكنازي لأنه أبيض؟

 كل من هو موجود هو بتاريخ، أما ما هو تأثيره في التاريخ، فهذا أمر آخر لا يعود إلى الأعراق بل يعود إلى نتائج الصراعات وإلى مجموع حقب حياة الأمم وليس إلى حقبة واحدة.

إن هذه الاستهانة بالأمم الأخرى هو الأساس القديم والتأسيسي لمحاولات الولايات المتحدة اليوم محو مختلف ثقافات الشعوب ومن ثم حقن البشرية يوحشية ثقافة راس المال بطبعتها الأمريكية.

وإذا كان التواطؤ غير ملحوظ جيدا قيما يخص هيجل، فإنه فاضح ومفضوح من قبل الصهيونية والولايات المتحدة بشكل خاص فيما يخض مارتن هايدجر.

كان الفيلسوف الألماني مارتن هايدجر يقول لطلابه  في مقالته “على طريق اللغة” كيف لم يحقق الإغريق القدماء  العظمة التاريخية التي حققوها إلا عبر  الخروج  عن حدودهم الجغرافية والصدام الخلاق مع الآسيويين  الغرباء  وصعبي المراس” (انظر جلال صادق العظم: دفاعا عن المادية والتاريخ، دار الفكر الجديد، 1990،  ص 224).

كان هيدجر مضاد كليا للحداثة الأوروبية، واعتنق النازية بكل ما فيها من عنصرية ورجعية  وتطرف وظهر مديحه لها في نصوصه. لقد رأى في النازية تباشير حقبة منتظرة وخلاص الإنسان. وتمسك بإيديولوجيا الاشتراكية القومية في موقف مضاد للشيوعية، بل ورأى بان النازية هي القوة الروحية والخصم الفعلي والكفؤ للمادية والضد للماركسية. كما شغل منصب  أول رئيس نازي لجامعة ألمانية.  راى النازية القوة الوحية القادرة على الوقوف في وجه المادية وصعود الماركسية.

بل لم ينقد هايدجر النازية بعد انهيارها ولم يكتب أو  يتراجع عنها.

وأبعد من ذلك، فقد أعاد نشر محاضرته المعروفة عام 1953  “مدخل في الميتافيزيقا”  كرر فيها الكلام ذاته  الذي اشاد فيه بالنازية عام 1935.

فسر تفوق الثقافة الألمانية  بارجاعها الى العلاقة الخاصة  والفريدة التي تربط  “الروح الجرمانية”  ب الروح الإغريقية”  الخلاقة. طبعاً لم يكن برنال قد أصدر كتابه “أثينا السوداء” الذي يثبت بان الحضارة اليونانية هي مشرقية.

حتى الآن لاحظنا المكان المتأصل للعنصرية في فلسفة هيجل مما يجعل منه الأب الروحي للقومية المتعصبة، وهايدجر الوريث الطبيعي ل هيجل.

لكن المفارقة، أنه لا الصهيونية ولا الكيان الصهيوني ولا الولايات المتحدة حاكمت أو سائلت هايدجر؟ بينما لاحقتا أدولف آيخمان واختطفته الصهيونية وأعدمته مع أنه حينما ارسلته النازية إلى فلسطين كتب مادحا الاستيطان اليهودي؟

هل شارك آيخمان في الإبادة ضد اليهود وغيرهم، هذا أمر يعني الباحثين في الأمر لكن ما يهمنا هنا أن تنظير هايدجر للنازية والتزامه بها، يوجب مسائلته على الأقل لا مكافئته.

أليس هذا تواطئا وكيل بمكيالين أو أكثر؟

 لقد كتب كثيرون وبرهنوا أن الحاج أمين الحسيني قد زار المانيا النازية بعد أن قطعت شوطا في التعبئة ضد اليهود وزجهم في المحرقة. وهذا يكشف إفلاس نتنياهو حين اتهم الحسيني بتحريض هتلر ضد اليهود. وبقدر ما أن حديث نتنياهومتهافتا، فإن حديث ميركل بأن النازية وحدها المسؤولة عن المحرقة هو أكثر تفاهة لأنها تواطئت حيث لم تسال نتنياهو عن المحرقة الممتدة التي يمارسها الكيان الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني.

لا غرابة في هذا بالطبع، لأنه لا رعايا للراسمالية، ولا موقف إنساني حقيقي لها، فهي لا تقوم على غير هدف التراكم والربح اللامحدود فكيف حين تكون راسمالية هي وريثة بلد للفاشية حصة كبيرة في ثقافته.