فصل الكلام في الربيع العربي

محمود فنون

يكون اليوم قد مضى ما يزيد على خمس سنوات على ظاهرة الربيع العربي كما سمتها وسائل الإعلام .

وبهذا أصبح من الممكن دراسة هذه الظاهرة من كل جوانبها بالإستناد إلى الوقائع التي وقعت فعلا واستكملت وقوعها، وتشخيص الظاهرة ارتباطا بأسباب ظهورها وصيرورتها ومآلها أي دراسة النتائج المتحصلة حاليا وتحديد الموقف منها ارتباطا بهذه النتائج وليس ارتباطا بالشعارات التي رفعت  والتقديرات التي يمكن ان يطرحها المحللون والمعلقون .

لقد اثارت هذه الظاهرة نوازع كثيرة وحركت أشجان ورغبات وطموحات ودوافع كامنة من كل شاكلة وطراز . ولكن من البداية ظهر فيها من الإلتباسات التي جعلت المتتبع الموضوعي يشهد التناقض والتضاد الداخلى في هذه الظاهرة : فمن جهة هناك الحراك الشعبي واغلبه لم يكن منظما تحت لواء قيادات التغيير الثوري ، وعلى الفور أطلت الثورة المضادة التي استفادت من حالة الغليان الشعبي واسبابه وتلفعت بعباءة التغيير واستولت على الحراك وانقلبت عليه.

ومن البداية تم حصر الشعارات في حدود ” الشعب يريد إسقاط النظام ” على عموميته وضبابيته ، دون ان تتقدم قوى ثورية تمثل قطاعات الشعب المغلوب بمطاليبها وترفع راية التغيير الثوري للتقدم إلى الأمام.

لقد عرفت الشعوب الثورات والنضالات ضد الظلم والطغيان  ومن قديم الزمان ، منذ ثورة سبارتاكوس وثورات العبيد في العالم القديم وعرفت ثورات الفلاحين في العهد الإقطاعي وعرفت الثورات البرجوازية ضد الإقطاع وثورات التحرر الوطني ضد الإستعمار بأشكاله  وعرفت الثورات ضد التفرد والإستبداد ومن أجل تحسين شروط الحياة وتخفيف الأعباء عن الطبقات الفقيرة ، وعرفت الهبات والإنتفاضات من أجل إسقاط قرارات أو تغيير حكام مستبدين أو من أجل توسيع قاعدة الحكم أو ضد فرض أنظمة وقوانين معينة أو تعبيرا عن رفض اتفاقيات ومعاهدات مذلة.  والتاريخ مليء بالشواهد على كل هذه التصنيفات الكفاحية  الأساسية منها وغير الأساسية.

 والوطن العربي ليس استثناء من كل هذا فكان له نصيب من كل هذه التصنيفات ابتداء من الثورة على خلافة عثمان بن عفان وما تلاها من فتن وصراعات ،وبعدها  انقلاب العباسيين ضد الأمويين وثورة الزنج ( العبيد ) في عهد خلافة هارون الرشيد العباسي وثورة القرامطة  … وصولا الى محاولات الثورة  على السلطنة العثمانية التي  توجت بما عرفت بالثورة العربية الكبرى   ، وما تلاها من ثورات تحرر وطني ضد الاستعمار البريطاني والفرنسي والبرتغالي والإسباني في القرن العشرين .

هكذا ، فإنه من الممكن واستنادا إلى دراسة التجربة الإنسانية في الثورات والإنقلابات ومختلف أشكال حراك الشعوب والقوى السياسية ، وبالإستناد إلى التجربة المحققة فيما عرف بتجربة الربيع العربي ،فقد أصبح من الممكن تبيان الخطوط الواضحة لصيرورة الربيع العربي ومشاهدة ما آلت إليه النتائج الفعلية والمحققة أو تلك التي لا زالت قيد التحقيق على قاعدة توفر الدلائل والشواهد والخلاصات التي تجعل التحليل علميا وصائبا إلى أبعد الحدود .بمعنى انه لم يعد مجال مؤثر للتضليل أو قبول الضبابية والخضوع للتشويش بفعل الضغط الإعلامي .

مدخل :

 

كان هناك عراقا وكان العراق موحدا وتحت حكم دولة مركزية .

كان في العراق مجتمع انساني مستقر وموحد يعيش بأمن وأمان ويحصل على رزقه وبشكل كريم ووفير نسبيا ( مع الإختلاف بين طبقة وأخرى ) كان الناس معتاشون ومستقرون في بلدهم وكذلك الحال في سوريا .

وكانت النوازع الطائفية مغيبة تحت طائلة القمع والعقاب  والتثقيف بروح المجتمع الواحد ، وتمت معالجة مسألة الأكراد ضمن وحدة العراق

كان للعراق اقتصاد نامي ويوفر العمل بكرامة .

وكانت ثروة العراق للعراقيين وتعود خيراتها على العراق ( مع الإنتباه للواقع الطبقي )

كان العراق يؤمن السكن والتعليم والصحة مجانا وكان يؤمن اساسيات الحياة باسعار بسيطة وفي متناول الطبقات الشعبية بما يشمل المواصلات واسعار الطاقة واساسيات الطعام بما فيها اللحوم وغيرها .

من جهة ثانية كان النظام يحافظ على نفسه ضد أعدائه من الداخل ومن الخارج وفي أحيان كثيرة يلجأ لقمع المعارضين وقمع أعداء النظام بقسوة ويحافظ على الحال الموصوف أعلاه بالخطوط العريضة وبالتوصيف العادي دون الحاجة للغة الأرقام .

لم يكن نظام الحكم ديموقراطيا .بالرغم انه كان قريبا من الشعب فهو نظام البرجوازية الصغيرة  التي تحكم بالحزب الواحد والتي تفتح آفاق التنمية والتواصل مع التقدم والحضارة وقد استدخل العلم والتنمية العلمية كمركب من مركبات الحالة في العراق كما لجأ الى التخطيط والتنمية المجتمعية والإقتصادية وحاول مسايرة ركب التقدم في حدود آفاقه الطبقية تلك .

إن محاكمة النظام العراقي في عهد البعث (وكذلك الحال في سوريا) تأتي من خلال النظر لسياق الحالة المجتمعية في العراق . فهو من هذه الناحية نظام تقدمي وهو مرحلة متطورة عن النظام العراقي في العهد الملكي . هذه هي الحقيقة .

بالنسبة لي ومن منطلق مادي جدلي  فإنني أرى هذه الصيرورة ايجابية وكذلك ومن جهة أخرى أرى الآفاق الطبقية والفكرية التي حكمت مسار النظام وسلوكه وعلاقاته الداخلية والخارجية وهذا لست بصدد تبيانه ونقده الآن .

ويظل من المهم أنه حصلت نقلة نوعية حضارية ومجتمعية ونمو اقتصادي واجتماعي ودرجة عالية من الإستفادة داخليا من الثروة عموما والثروة النفطية خصوصا كما ازيحت الطبقات التقليدية والرجعية من التركيب المجتمعي وحظي الفلاح الصغير بالعناية كما كل طبقة المزارعين وحصلت الطبقة العاملة على حقوق وفرص أفضل ارتباطا بما كان سائدا في عهد الملكية وورثتها .

كل هذا يأتي ضمن محاولة تعزيز الإستقلاال السياسي وبناء اقتصاد وطني مستقل .

إن هذه المحاولات تستدعي عداء الدول الإستعمارية على الفور ويتصاعد هذا العداء بمقدار جدية نظام الحكم الجديد في السير على هذه الطريق والثبات والصمود على هذا النهج .ويزداد العداء أكثر فأكثر مع خطوة تأميم النفط وإخضاعه لسلطة الدولة بدلا من الشركات الأجنبية .

بعد ذلك ننظر ما الذي حصل في العراق وما الذي يحصل اليوم ونرى النتيجة .

أهداف التدخل الأجنبي لجم الثورة

فكما حصل مع إرهاصات الثورة العربية ضد السلطنة العثمانية ، تدخلت بريطانيا بقوة ودهاء وتمكنت من السيطرة على الحراك التحرري وطربشت عليه قيادة الشريف حسين ولجمته خشية من الثورة وبناء الدولة العربية الموحدة،وركبت الحراك واهدافه لتحقيق مصالحها وانقلبت عليه . لقد منعت قيام الثورة العربية الكبرى على ارض الواقع بعد أن حصرت أهدافها قي المشرق العربي . وقامت هي ومعها النظام الإستعماري في حينه ومزقت العالم العربي وأخضعته للإستعمار . هكذا تعمل القوى المضادة والثورة المضادة . وبدلا من الإستقلال عن تركيا وإقامة دولة واحدة للإمة العربية جاءت سايكس بيكو للمشرق العربي وأكملت ما كان قد وقع في المغرب العربي وشمال إفريقيا حيث كانت بريطانيا وفرنسا تسيطران هناك من قبل .

إن هذه النظرة ضرورية لمراقبة الحال في العراق وسوريا ومؤشر قوي لفهم كل تجربة الربيع العربي التي انطلقت عام 2010م في تونس وتبعتها مصر .

القاسم المشترك:

 

ما هو المشترك في كل الحالات منذ احتلال العراق وحتى اليوم ؟

المشترك هو العدوان الإستعماري الغربي والصهيوني  و دور الثورة المضادة في الحرب على الأمة العربية  والأهداف التي تريد منظومة الدول الإستعمارية تحقيقها مباشرة والأهداف اللاحقة المتمثلة بالحصول على الثروة في أوضاع ملائمة للإستغلال والنهب الإستعماريين . البترول ومختلف أشكال المواد الخام وكل طرق الاستغلال الأخرى بحيث تتحول البلاد العربية إلى بحيرة للنفوذ الأمريكي والغربي و تكون منطقة آمنة لإسرائيل ودورها في المنطقة .

إن القتل والتدمير والتهجير وتفتيت البنية المجتمعية والإقتصادية هي من الأهداف المباشرة والتي يجري تحقيقها في السياق ليس كوسيلة للوصول إلى أهداف أخرى بل هي وسيلة بعينها كذلك .

لنرى في العراق :

 لم تعد العراق التي نعرفها. فلا العراق موحدا ولم يبق دولة كما كان الحال في مرحلة البعث والشهيد  صدام ولم تعد ثروات العراق للعراق وليس له اقتصاد مستقل . وبعد أن كان مآلا للباحثين عن العمل ومكان استقرار آمن لسكانه أصبح ما يزيد على خمسة مليون لاجيء خارج العراق  وانتشرت النعرات الطائفية وأخذت عصابات  مسلحة مختلفة الأشكال تتناحر في العراق وتسرب ثرواته المختلفة للعدو الأجنبي .

لقد ركب طلائع الثورة المضادة على الدبابات الأمريكية تحت عنوان إزاحة الديكتاتورية وإقامة الديموقراطية . وقامت دول التحالف بتدمير نسبة عالية من البنية التحتية وخلخلت البنية المجتمعية بالقتل والقمع وإثارة النعرات الطائفية والجهوية  وتسليح المليشيات وإثارة كل أشكال الإحتراب الداخلي .

إن درس العراق يجب أن يكون ماثلا في الذهن بما يساعد على الدراسة العلمية لمجريات الأحداث في بقية أقطار البلاد العربية .

 إنه من السذاجة الحكم على نظام الحكم البعثي  في سوريا بأنه كان ديكتاتوريا مما استدعى حصول كل ما يحصل. فليت نظام صدام بقي على علاته وبقي معه العراق حرا مستقلا آمنا وناميا .

تنبيه :

عندما نتحدث عن تعزيز الإستقلال السياسي والإقتصادي لا بد أن ننتبه أن هذه خطوات معادية للغرب الإستعماري ولا يسكت عليها .هذه الخطوات تعني اصطفافا جديدا وموقعا جديدا وموقفا جديدا مقابل النظام الإستعماري وفي مواجهته .فقد أصبحت هذه الدول إلى درجة كبيرة في إصطفاف القطب الذي كان يتزعمه الإتحاد السوفييتي مقابل الإمبريالية الغربية .

 هذا حصل في مصر إثر الإنقلاب على المَلَكية والإقطاع حيث اشتد الصراع بين الناصرية من جهة والإمبريالية والصهيونية والرجعية العربية من جهة ومعهم الرجعية المحلية المصرية  وفتحت الناصرية علاقات واسعة مع الإتحاد السوفييتي ومنظومة الدول الإشتراكية ودخلت في اصطفاف منظومة دول عدم الإنحياز وبالتالي في مواجهة لا تتوقف مع معسكر الأعداء  وكان الصراع على أشده من الخارج ومن الداخل .

فقد كانت مصر تتزعم الدول العربية التقدمية والتحررية و تدعم الثورات العربية ضد الإستعمار حيث دعمت ثورة الجزائر كما وتدعم الإنقلابات ضد النظم الرجعية كما  في اليمن وليبيا ، بينما كانت السعودية ودول الخليج والملكيات العربية في مجموعة الدول الرجعية المعادية للتقدم والتحرر وضمن معسكر العدو الإمبريالي الصهيوني المعادي للامة العربية  وتضع النظام المصري على قائمة العداء والتآمر الذي لا يتوقف.و حال مصر هو كذلك  حال العراق وسوريا  وليبيا والجزائروغيرها .إن جهل هذا الإمر أو التغاضي عنه يجعل أي تحليل لمجريات الربيع العربي قاصرا ومنافيا للعلمية .

النظام السوري يدافع عن الوطن: 

سوريا تحاول لجم التدخل الأجنبي والثورة المضادة :

فبالنسبة لسوريا فإن نظام البعث جاء بعد مرحلة عدم استقرار من كثرة الإنقلابات بما فيها الإنفصال عن الوحدة مع مصر. وكل الفترة من بعد الإستقلال عام 1946 حتى الستينات كانت مخاضا للإنتقال على الصعد السياسية والإقتصادية والإجتماعية  لتعزيز الإستقلال السياسي والإقتصادي . ثم حصل الثبات والإستقرار في مرحلة البعث التي قادها حافظ الأسد واستمرت سوريا تعزز استقلالها السياسي والإقتصادي وتحقق تنمية بافق النظام  الحاكم مثل العراق وتسمي إصلاحاتها بالإشتراكية أي المستقلة عن الغرب الإستعماري قدر الطاقة .

إن ثروات سوريا ليس كالعراق ولكن الثروة الزراعية كانت نامية والمزارعين يحظون بالتشجيع وأقام النظام جملة كبيرة من المشروعات التنموية  والصناعية ، ومن الممكن القول أن للبلد اقتصاد راسخ مكّن الدولة والمجتمع من البقاء وفي حالة مستقرة نسبيا، ويسود البلد امن اجتماعي بين تراكيبه المتنوعة  بعيد اعن الصراعات الطائفية والمذهبية .

أما اليوم فالبلد يتعرض للدمار والتمزق الإجتماعي والإقتصادي وإلى التفتيت وتثار فيه النوازع الطائفية والجهوية، وقد حصل فيه دمار هائل يقدر بعشرات مليارات الدولارات كما تزعزع الوجود المجتمعي بالهجرة والتقتيل  ، – لا زال الجيسش السوري قويا وموحدا وتحت قيادة النظام السياسي ويدافع عن الوطن  ويحمي الحكومة والرئيس، بخلاف ما حصل في تونس  ومصر حيث تدخل الجيش في إعفاء زين الدين بن علي في تونس والإبقاء على الدولة كما هي وإعفاء مبارك ومن بعده مرسي في مصر مع بقاء نظام الحكم الإقتصادي الإجتماعي  كما هو.

لقد جاء الدعم الروسي  نزيها ومعززا لصمود الجيش والنظام السوري .

ففي معسكر الأعداء الذي تتزعمه وتديره أمريكا  يقف كذلك مجموعة الدول الأوروبية وتركيا ومجموعة دول الخليج  والرجعيات العربية ، ومجموعة قوى الإسلام السياسي محليا وعربيا ودوليا ، كما مجموعة منظمات ال : NGOs وتحت غطاء ضخ إعلامي يضلل ويحرض ويزيف.

لقد جندت الثورة المضادة كل النوازع الطائفية والدينية وثقافة القتل والتدمير  ومعادات كل ما هو آخر .

ورفعت شعارات الإصلاح المزيف في البداية وتحت مسميات نقد النظام ثم جاءت الشعارات الدينية الواعدة بإقامة الإسلام  السني وشريعة الإسلام ، ولكنهم اليوم يكتفون بالتدمير والتفتيت تاركين لداعش مهمات الشعارات الدينية التي تهدف إرهاب الطوائف الأخرى غير السنية.

اليمن :

 

 حال اليمن كما حال البقية فقد انقلب الجيش على حكم آل حميد الدين الرجعي المتخلف والقبلي وهو من مخلفات العصور الوسطى. وكان الإنقلاب بدعن من مصر الناصرية حيث تدخلت الثورة المضادة بدعم  السعودية  واشتد الصراع وارسلت مصر جيشها لدعم الثورة والتغيير ثم حصلت تسويات ولكن فقد تم القضاء على الرجعية الحاكمة والإقطاع بدرجة كبيرة وعلى العموم دخلت اليمن بداية التطور والتقدم ولم تبق في إطار منظومة الدول الرجعية كما كانت .

واليوم تمزقها الصراعات  وتشتد فيها التدخلات المعادية والثورة المضادة من نفس الحلف المعادي وبمساعدة السعودية ودول الخليج .

إن اليمن يتعرض للدمار والتمزيق .

تونس ومصر:

إن الحرب العدوانية والثورة المضادة قد تدخلت بكل عناوينها للجم أية اهداف إصلاحية لحراك الربيع العربي بل استولت على الحراك وتماهت معه . وفي تونس ومصر أبقت على نظام الحكم بكل تراكيبه ومواقفه  السياسية .وقد استمعت إلىى تقارير وإحصائيات تفيد بأن الحال في تونس تراجع عما كان عليه قبل انقلاب علىى زين العابدين وأن أرقام البطالة مرتفعة كثيرا ولم تحصل أية تنمية رغم تعدد الحكومات ، وإنه من الممكن ان تنطلق الحركة الشعبية المتذمرة في أقرب الأوقات . كما أن التيارات الإسلامية قاب قوسين أو أدنى من تفجير البلد .

وفي مصر أبقت الحكومات الجديدة  على معاهدات كامب ديفد وعلى حالة خضوع سيناء منقوصة السيادة  للرقابة الأجنبية بإدارة إسرائيل تحت عنوان الإنذار المبكر . بل أن الحراك أصلا لم يرفع شعار تحرير مصر من كامب ديفد وإعادة سيناء للسيادة المصرية.

ويتفجر الوضع في سيناء  وتزداد مديونية البلد وتزداد الأوضاع الإقتصادية تدهورا في ظل حكم العسكر .

ليبيا هي التي سقطت :

 

كان هناك بلد اسمه ليبيا يحكمه القذافي بطريقة مثيرة لكل نقد .ولكن قبل ذلك لا بد من القول أن انقلاب القذافي قد قضى على المَلَكية ومخلفات الإقطاع والنفوذ الإستعماري في البلد .  هذا هو بداية السياق الذي يتوجب ملاحظته بل الإبتداء من هنا وليس من شخص القذافي الذي يمكن ان يثير النقد والجدل .

 ان ليبيا قد دخلت مرحة الحداثة والتنوير  وقد أممت النفط ودخلت مرحلة تنموية تستهدف تعزيز الإستقلال السياسي والإقتصادي .وكل ما ذكرنا عن تعزيز الإستقلال السياسي والإقتصادي. لقد تغير اصطفاف ليبيا من معسكر أعداء الأمة العربية إلى مواجهة هذا المعسكر .وأصبحت مع مصر وسوريا والعراق والجزائر  والتي عرفت بالدول التقدمية العربية .

وما ان انطلق الحراك الشبابي فيها حتى سارعت الدول الرجعية بالدفع لتشكيل ما عرف بالمجلس الوطني الليبي من صنائع وشخوص على مقاسهم وتسنموا فورا وبمساعدة الإعلام وسيل المال والسلاح ، تسنموا زمام الأمر وشكلوا حالة الثورة المضادة وسارعوا على الفور بطلب التدخل الإستعماري  وجندوا الفصائل العسكرية التي حاربت على الأرض مدعومة بالقصف من الجو حتى أجهزوا على البلد ومؤسساته وعلى المبنى الإجتماعي الإقتصادي .

لقد قتلوا القذافي وربما سارع المتسرعون إلى فرك أياديهم فرحا وابتهاجا بسقوط الرئيس وفي الحقيقة ليبيا هي التي سقطت  ولم تنتصر ليبيا.

إن أعداء الأمة العربية أنصار الإمبريالية هم الذين استبشروا وفرحوا لنصر العدو .

فليبيا اليوم ممزقة بلا دولة ولا جيش موحد ولا اقتصاد موحد وتتقاسم المليشيات السلطة والنفوذ والثروة بل تبدد الثروة  وتتبع ولاءات متعددة .والثورة المضادة هي التي تحقق أهدافها . فالإقتتال الداخلي يمزق البلد ،والتفتيت والتقسيم يهدد مستقبل الدولة التي كانت موحدة . وليس من مكان لقوى تقدمية تدفع البلد نحو  الإستقرار والتقدم ورفع شعارات الوحدة العربية والإشتراكية .

لماذا كل هذا ؟

عبر سنوات طيلة تمكنت أجهزة النظام العربي من قمع وتبديد القوى الثورية والتقدمية . فمنذ انقلاب السادات  على الناصرية عام 1971م بدأت ملاحقة القوى التقدمية في مصر وزجها في السجون  وفتح السادات الباب للقوى المطرودة والتي انقلبت عليها الناصرية  وطهرت مصر نتها ، كما فتح الباب لتيار افخوان المسلمين وترك لهم باب التواصل مع الجماهير وتثقيفها بثقافتهم  وسلمهم اماكن التأثير والتركيم اليومي ، وخسر التقدميين العرب نظام مصر بثقله وثقل عبد الناصر وأخذ الفكر التقدمي يتراجع ودخلت أموال النفط لخرف القوى والأفراد كما فعلت السجون فعلها في القمع والضغط على الضعفاء لسنوات وراء ستوات وعقود . لقد تم فعليا خصي قوى اليسار العربي ، ومن تبقى حرم من الدعم وجاء سقوط السوفييت ليشكل ضربة شدسدة التأثير استفادت منها كذلك الأنظمة الرجعية التي شددت هجمتها على الأفراد وشراء الذمم وحرمان الصامدين وتقديم العصا والجزرة .

لقد أصبحت قوى التقدم منهكة وتحاول قدر طاقتها بالكاد أن تلعب دور المعارضة المحجمة .

وانطلقت إلى جانبها منظمات المجتمع المدني في مصر وكثير من الدول العربية التي امتصت النابهين والتقدممين وسحقتهم تحت بسطارها وإعراءاتها الاضخم وتكون بهذا مع الزمن جيش من جنود ال :NGOs

الذين بيسر ونعومة نشروا ثقافة الغرب الإستعماري واستدخلوا شعارات زائفة لشباب المة وقواها الحية .

وجاءت الفضائيات كجيش قوي يجتذب ملايين البشر لدعايته ولنماذج الثقافة الغربية وكانت الفضائيات تستثير التحريض الديماغوجي وتؤلب على النظم الحاكمة جميعها مع انها مجندة من قبل السعودية وقطر والبلدان الرجعية . كانت الجزيرة جيشا بحاله اندست في البداية تحت  غطاء الجماهير وتوعية الجماهير  والتظاهر بالحرية إلى ان جاء الربيع العربي واندست فيه مع الثورة المضادة .

إلى جانب هذا الفعل الواعي والهادف للقوى الفاعلة ، كان هناك أمر آخر ينضج موضوعيا.

الظرف الموضوعي الذي يشكل السبب الرئيسي للثورة والفعل الثوري ,

كانت الحالة العربية تزداد سوءا على كل الصعد المعنوية والسياسية والإقتصادية . وكان هذا مرئيا للجماهير الشعبية التي تفتقر إلى القوى الطليعية لقيادتها وتوجيهها .

وبدون توصيف الحالة بالتفاصيل في تونس مثلا أو مصر ، فإن الأوضاع كانت حبلى بالثورة ،وتستدعي الإنقلاب بهدف التحرر الوطني والإجتماعي معا .

فمصر مكبلة بمعاهدة كامب ديفد وسيناء منتزعة من السيادة المصرية الكاملة ومواقف النظام مع امريكا  في حفر الباطن ومع السياسة الأمريكية بينما الجماهير في الاصف المقابل وتتحرك في الشوارع ،وقامت اسرائيل بقصف قطاع غزة المجاور لمصر والذي تتحمل مصر مسؤولية وقوعه في براثن الاحتلال الصهيوني  والنظام لم يحرك ساكنا واستمر يغلق معبر رفح مساهمة مع إسرائيل في حصار قطاع غزة .. إن النظام قد امتهن كرامة الشعب وتفرج على امتهان كرامة الأمة العربية بل وساهم مع الممتهنين . إن هذا يراكم احتقانات لا حدود لها .

كما ان الفساد يعم جهاز الدولة .

والإقتصاد يسير وفق نصائح وإملاءات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ، والنظام باع القطاع العام وتخلى عن خطط التنمية افقتصادية والمجتمعية ويعتمد على الديون والهبات من الأجنبي لتسديد التزاماته  وعاءدات الديون تثقل كاهل الجماهير .

إن مصر حلاى بالثورة وهي حبلى بالثورة منذ ارتداد السادات على الإصلاحات التي أدخلتها الناصرية .

لقد مثلت فترة السادات حالة الردة عن المسار التقدمي وساهمت في إدخال البلاد العربية كلها في مرحلة تراجع وأصبحت السعودية قائدا وموجها ودخلنا بعد خرب تشرين مرحلة السعودية وسيادة الرجعية العربية .

كل هذا جعل مصر موضوعيا ومثلها معظم البلدان العربية ناضجة موضوعيا للثورة والتغيير التقدمي . ولا بد ان يكون التغيير حالة تقدم على ما كان الحال عليه في مرحلة الناصرية  وعلى كل الصعد .

ولكن العامل الذاتي كان متخلفا . العامل الذاتي المتمثل يقوى الثورة قوى الطبقة العاملة المتحالفة مع قوى الفلاحين والطبقات الشعبية صاحبة المصلحة في التغيير الثوري والتقدم .

لم تكن هذه القوى فاعلة في تونس ولا في مصر ولا في ليبيا مما سهل على قوى الثورة المضادة امتطاء صهوة الحراك الشعبي والإمساك باللجام وتوجيه الحراك حيث التخريب والتدمير وتعميق حالة السوء وتحضير البلد للإنقسامات متعددة الأشكال وتعميق الصراعات وانعدام الأمن والإستقرار وتفتيت المجتمع وتخريب بنيته .

في مصر تولى المجلس العسكري بعد مبارك  وحافظ على نظام الحكم وجهاز الدولة والبنية الطبقية ظلت كما هي وظلت علاقات مصر والتزاماتها مع الإمبريالية والصهيونية كما هي  ،ووسع  الجيش الباب لصعود الإخوان المسلمين وتمكينهم من سدة النظام الطبقي الإستغلالي الفاسد  ثم عاد الجيش وانقلب عليهم إثر اشتداد الخراك الشعبي بالملايين في الشوارع ، لتدخل مصر في مرحلة جديدة من الصراعات المريرة  ولا زال مستقبلها على كف عفريت ولا زال نظام الحكم تابعا ذليلا لأمريكا ويتعيش من هباتها .

أما سوريا فإن الوضع مختلف من بعض النواحي : فسوريا تتعرض لهجمة رجعية شرسة تستهدف تدميرها وتفتيتها .

لم تكن القوى المعارضة  الفاعلة  في سوريا  تستهدف التقدم على النظام ورفع مسار المجتمع السوري درجة أخرى ولا حتى تستهدف تعزيز المستوى الإقتصادي الإجتماعب القائم وتخبسصه من الفساد وإدخال الإصرحات عليه . هي تساهم في تمزيق سوريا لتقديمها لقمة سائغة للتدخل الغربي والسيطرة الإستعمارية ، ذلك انها قوى يمينية يتزعمها حركة الإخوان المسلمين وتيارات إسلامية أخرى وشظايا منشقة عن الجيش نتاج الدعم الرجعي العربي .

سوريا من البداية واجهت مصيرا أسودا .

فبعد بضعة شهور تصدر المشهد قوى صنيعة نظمت نفسها في ما سمي المجلس الوطني السوري وهو صناعة أمريكية أوروبية تمت في اسطانبول  ، علما أن اسطانبول ليست سنيدا لثورات التحرر الوطني ولا الثورات الإستراكية ولا الثورات الديموقراطية مثلها مثل قطر والسعودية وبقية الحلف الرجعي العربي .

كما تمت صياغة ما سمي بالإئتلاف السوري بحضور مباشر لشخصيات أمريكية في قطر وهذا المجلس وأخوه تشكلا لقيادة الثورة المضادة وبدعم من القوى المعادية .

لقد توضحت الصورة بهذا الشكل في سوريا وكان كل ذي عينين يستطيع ان يرى ليس أصابع أمريكا بل كل اياديها وأيادي صنائعها في الحرب على سوريا وبواسطة قوى الإسلام السياسي وعدد من متمولي الدول الرجعية وبعض مخلفات اليسار والأحزاب الأخرى الذين تم تجنيدهم لصالح السيناريو الأمريكي الرجعي الصهيوني .

يختلف الوضع في سوريا من ناحية أخرى . فسوريا تساند حزب الله تسليحا وتدريبا وتعزز علاقاتها بإيران . ومن هذه الناحية  فرأس سوريا مطلوب امريكيا وإسرائيليا مع العلم كذلك ان المرور إلى حزب الله لا يكون إلى على الجسد السوري .

لا شك أن سوريا كذلك تحتاج إلى إصلاحات تعزز وحدتها الجغرافية ومبناها الإقتصادي الإجتماعي وتعزز تحررها من أية وصفات لصتدوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية . وتكريس  وتطوير الخدمات المقدمة لجمهور الكادحين وتحسين معيشتهم  والحفاظ على المكتسبات التطويرية والتنموية بدلا من الإنقلاب عليها . ولكن المسار  الحالي لما يسمى بالثورة ليس في هذا الإتجاه بل هو في اتجاه تدمير الدولة وتفتيت المجتمع والجغرافيا وخلق واقع جديد من الصراعات المستمرة بل والرجوع عن الإصلاحات الإقتصادية والإجتماعية  التي انجزت في مرحلة حكم البعث .

ولا زال العراق تحت التدمير ولا زال اليمن تحت التدمير .

هذه هي حقيقة الربيع العربي  وهذا هو القول الفصل فيه.