لماذا رفضنا قرار تقسيم فلسطين

رقم 181 الصادر عن الهيئة العامة للأمم المتحدة في 29/11/1947

بهجت أبو غربية

في مناسبة مرور 60 عاما على قيام دولة العدو تحدث كثيرون من المحاضرين وصدرت عدة مقالات تتعلق بقيام دولة العدو الصهيوني والقليل منهم تحدثوا أو كتبوا عن مرحلة ما قبل عام 1948 – مرحلة الانتداب البريطاني على فلسطين – مع أن هذه المرحلة كانت هامة جدا أنشأت بريطانية خلالها وبوجودها دولة العدو الصهيوني. ولذا رأيت من المفيد أن أتعرض لمرحلة الإنتداب البريطاني على فلسطين من خلال نقطة مفصلية تاريخية وهي (لماذا رفضنا عام 1947 قيام دولة يهودية). ففي عام 1947 كانت بريطانية قد أنجزت قيام هذه الدولة ولم يبق إلا تسليمها لليهود، كمثل المقاول الذي تعهد بإقامة بناء وبعد إكماله سلمه إلى (أصحابه).

ولا بد لي أن أشير إلى أن عبارة (تقسيم فلسطين) من المفردات والاصطلاحات المظلة التي يستعملها المستعمرون عادة وكان الاسم الصحيح للقرار (قرار إقامة دولة يهودية على أرض فلسطين)، وعلى من يسأل (لماذا رفضنا قرار التقسيم سنة 1947) أن يسأل لماذا رفضنا قيام دولة يهودية على أرض فلسطين.

وفيما يتعلق بأسباب الرفض وهي كثيرة أذكر ما يلي:

1) الأسباب المبدئية:- من المتفق عليه عرفا وقانونيا أن أرض الوطن لا يجوز التنازل عنها أو عن أي جزء منها ولا يملك أي حاكم أو قائد أو زعيم حق التنازل عن أي جزء من أرض الوطن، وأرض فلسطين عام 1947 كانت مملوكة بالكامل للفلسطينيين حيث كان اليهود لا يملكون من أرض فلسطين عام 1947 سوى 5.6%. وكان قرار التقسيم يخصص لليهود 51% من أرض فلسطين فالذي يقبل بقرار التقسيم يتنازل عن أكثر من نصف أرض فلسطين للعدو الصهيوني.

2) الأخطار المترتبة على القرار:- قيام دولة يهودية على أرض فلسطين كان يعني بالضرورة ترحيل أكثر من نصف سكان فلسطين عن أرضهم ومنازلهم، عن مدنهم وقراهم، وكان يعني أن يجري الترحيل قسرا بالمذابح والقوة العسكرية. ولا أقول هذا جزافا فتصريحات زعماء الصهيونية بمن فيهم ثيودور هرتزل وجابوتنسكي وغيرهما كانت تؤكد على الترحيل والمذابح، فقد جاء في كتاب (دولة اليهود) لهرتزل، الصادر قبيل مؤتمر بال عام 1897، قوله “عندما سنقيم دولتنا لن نلجأ إلى ما قام به الأوروبيون عندما أقاموا دولهم، فلن يحمل أحد منا رمحا أو سيفا ليطارد (الدببة)، علينا أن ننشئ جهازا كفؤا يجمع جميع الحيوانات وبضربة واحدة يقضي على جميع هذه الوحوش”. وجاء في كتاب جابوتنسكي (جدار الفولاذ) الصادر عام 1922 قوله: ” نحن مستعمرون والعرب يفهمون معنى الاستعمار، أروني شعبا استعمر ولم يقاوم المستعمرين لذلك فإن العرب سيقاومونا ونحن نريد فلسطين ولهذا فإن الحل هو أن نحيطهم بجدار من الفولاذ ونظل نضربهم حتي يقبلوا ما نريد ولا مانع أن يقوم جدار الفولاذ في البداية من قبل غيرنا”، ومع ذلك فقد ملأ اليهود العالم دعاية بأن أرض فلسطين خالية من السكان (أرض بلا شعب يجب أن تعطى لشعب بلا أرض)

وقيام دولة يهودية على أرض فلسطين يؤدي إلى عزل المشرق العربي عن مصر وسائر بلاد المغرب وبذلك يقطع التواصل الجغرافي ويعرقل قيام دولة الوحدة العربية الشاملة. ومن ناحية أخرى، يهدد البلاد العربية بفرض السيطرة الاقتصادية عليها والهيمنة والتوسع الجغرافي، وأخيرا تصبح دولة اليهود قاعدة للاستعمار الغربي. فعندما جرى كتابة وعد بلفور قال الزعيم الصهيوني (ماكس نورد) لبلفور بحضور رئيس وزراء بريطانية “نحن نعرف ما تريدونه منا، تريدون أن نكون حراس مصالحكم عند قناة السويس، نحن على استعداد للقيام بهذه المهمة العسكرية، ولكن حتى نستطيع ذلك عليكم أن تجعلونا أقوياء” وبذلك لخص العلاقة العضوية بين الاستعمار والصهيونية، بحيث يصبح قيام الدولة ضمانة للمصالح الاستعمارية في المنطقة.

3) الجوانب الدولية:- بتاريخ 28/4/1947 أعلنت بريطانية أنها ستتخلى عن الانتداب على فلسطين وأنها لذلك ستعيد القضية إلى الأمم المتحدة وشكلت الأمم المتحدة (لجنة التحقيق في قضية فلسطين) من مندوبي 11 دولة لبحث القضية الفلسطينية وتقديم اقتراح حول مصير فلسطين، وبنتيجة المشاورات بين أعضاء هذه اللجنة كان أمامها مشروعي قرار، الأول وهو قرار الأغلبية يقضي بتقسيم فلسطين الى دولتين، والثاني يقضي باستقلال فلسطين وقيام دولة فلسطينية واحدة مستقلة بمن فيها من السكان، وكنا بطبيعة الحال نوافق ونطالب بقيام دولة واحدة مستقلة. ولما عرضت اللجنة قرار الأكثرية على الهيئة العامة للأمم المتحدة كاد قرار التقسيم أن يسقط لأنه لم يحصل على الأغلبية اللازمة فعمد الرئيس الأمريكي ترومن الى تأجيل التصويت على القرار بضعة أيام ومارس ضغطا على عدد من الدول لتغيير موقفها. وفي 29/11/1947 نجحت الولايات المتحدة والحركة الصهيونية في الحصول على موافقة أغلبية الهيئة العامة على قرار التقسيم رقم 181 وكانت بريطانيا قد أعلنت بتاريخ 13/11/ 1947 أنها ستنسحب من فلسطين بتاريخ 15/5/1948.

4) تفاصيل القرار:- بالإضافة إلى ما ذكرناه فإن الكثير من التفاصيل كانت تدعونا لرفض هذا القرار، فقد كانت النوايا المعلنة للحركة الصهيونية أنها بعد قيام الدولة ستعمل على تهجير جميع يهود العالم إلى فلسطين وكان ذلك يعني بالضرورة التوسع الجغرافي وكما أشرنا سابقا كان اليهود لا يملكون سوى 5.6% من أرض فلسطين والقرار يخصص لهم 51% وكان اليهود في القسم المخصص للدولة اليهودية أقلية وعرب فلسطين أكثرية وهذا يؤكد على ضرورة الترحيل.

5) الاعتماد على المقاومة:- سبق لشعبنا العربي في فلسطين أن واجه موقفا مماثلا أثناء ثورة فلسطين الكبرى 1936-1939، ففي سنة 1937 أصدرت الحكومة البريطانية قرارا بالموافقة على توصية اللجنة الملكية لفلسطين (لجنة بيل) يقضي بتقسيم فلسطين إلى دولتين وقيام دولة يهودية على أرض فلسطين، وقد رفض شعبنا حينها ذلك القرار واشتدت ثورة فلسطين عنفا مما اضطر بريطانية إلى إرسال لجنة جديدة للتحقيق، قررت هذه اللجنة عام 1938 (إن قرار التقسيم لا يمكن تنفيذه بسبب رفض العرب له) وبناءا على ذلك قررت بريطانية إلغاء قرار التقسيم الصادر سنة 1937، ونجحت الثورة على الأقل في تأجيل قيام الدولة اليهودية عشر سنوات.

كان واجبنا أن نقاوم، وكانت هذه التجربة تشجعنا على المقاومة وكنا على قناعة كاملة بناءا على معطيات عديدة أن الحركة الصهيونية لن توافق على أي حل وسط وأن ليس أمامنا أي خيار سوى المقاومة. وبمجرد صدور قرار التقسيم بدأ اليهود في فلسطين عملياتهم العسكرية، وعلى مرأى من حكومة الانتداب البريطاني وجيشها بدأ اليهود يستولون على القرى والمدن الفلسطينية، وكانت بريطانية تقف إلى جانبهم مع أنها كانت قد زودتهم بكل ما يلزمهم من سلاح وعتاد لخوض الحرب ضد شعبنا، وكانت تتعامل مع جيش الهاجانا كجيش دولة مستقلة وفي الوقت نفسه كانت تمنع شعبنا العربي من تنظيم صفوفه ومن التدريب العسكري وحيازة السلاح والعتاد، وبذلك كان ميزان القوى العسكري مختلا لصالح العدو ومع ذلك اخترنا المقاومة مصممين على إلغاء قرار التقسيم مهما كلفنا من تضحيات، فخاض شعبنا القتال عام 1948 بكل بسالة وتصميم وعوض باستبساله وجرأته إلى حد كبير عن نقص السلاح والعتاد. وقد يبدو غريبا إذا قلت أنه، حتى شهر آذار عام 1948 كانت كفتنا في المقاومة راجحة وأوضح دليل على ذلك الواقعة التالية التي تؤكد رجحان موقفنا العسكري: ففي 19/3/1948 أعلن (السناتور وارن أوستن) ممثل الولايات المتحدة في الأمم المتحدة أن حكومة الولايات المتحدة لم تعد متمسكة بقرار التقسيم وتقترح على الأمم المتحدة وضع فلسطين تحت الوصاية المؤقتة للأمم المتحدة ووافقت على هذا الاقتراح فرنسا وبريطانيا والصين، وكاد قرار التقسيم أن يسقط مرة ثانية ولم يكن من تفسير لتغيير موقف الولايات المتحدة التي سبق أن استماتت في إصدار هذا القرار سوى الشعور بأن المقاومة لا تسمح بإقامة الدولة اليهودية. إلا أن اليهود استعملوا نفوذهم في الولايات المتحدة مما أدى إلى سحب هذه الاقتراح وتزويد اليهود بمقادير كبيرة من السلاح والعتاد مما جعل موقفهم العسكري هو الراجح ابتداء من شهر نيسان 1948 ومع ذلك استمرت مقاومة شعبنا وعجزت دولة العدو عن تحقيق أهدافها العسكرية والأمثلة على ذلك كثيرة في القدس واللد ومنطقة حيفا (الطيرة، اجزم، عين غزال، عتليت).

وعلى الرغم من إطلاعنا على الموقف الرسمي للحكومات العربية الذي لم يكن مشجعا، كان يراودنا بعض الأمل في أن نتلقى دعما عربيا عسكريا يساعد على الصمود والانتصار.

وأخيرا أشير إلى واقعة تلخص أسباب رفضنا واستماتتنا في المقاومة، ففي جلسة لبعض قادة جيش الجهاد المقدس بقيادة الشهيد عبد القادر الحسيني جرى استعراض الموقف السياسي والعسكري عبر فيه الشهيد عبد القادر الحسيني عن ضرورة المقاومة وجدوى المقاومة، حيث قال: “معظم دول العالم موافقة على قرار التقسيم ومعظم الدول العربية أيضا موافقة سرا أو علنا ولذا قد ينجح هذا القرار، مع إدراكنا لذلك فإن المقاومة تبقى ضرورية وهي الوسيلة للحفاظ على حقوقنا في وطننا، والفارق كبير جدا بين أن يفرض علينا قرار التقسيم بالقوة وبين أن نقبل به باختيارنا، وعلى أية حال علينا أن نستميت في المقاومة وإذا كان لهذا القرار أن يمر فلن يمر إلا على أجسادنا”

هذا حديث تاريخي وموقف تاريخي أردت التذكير به لأن له صلة قوية بالحاضر، فقد أتاح موقف الرفض للأجيال التي تلت أن تستمر في المقاومة وعدم التفريط بحقوقنا وأوضحت الأيام والأحداث التي تلت أن لا جدوى ولا فائدة من القبول بما يحاول الاستعمار والصهيونية فرضه علينا وأن المقاومة هي الطريق الوحيد للتحرير والعودة، فقد وصل المنادون بالسلام والاستسلام من شعبنا إلى طريق مسدود على الرغم من أنهم وافقوا باتفاق أوسلو على أسوأ شروط للاستسلام دون أن يحصلوا على أية فائدة وحققوا للعدو مكاسب كثيرة وفرضوا على أنفسهم شروطا ومواقف أقل ما يقال فيها أنها مواقف استسلام مشين، فاتفاق أوسلو بني على ما يسمى برسائل الاعتراف المتبادل بين ياسر عرفات ورابين، فقد تضمنت رسالة ياسر عرفات إلى رابين بتاريخ 9/9/1993 التعهدات التالية: تعلن منظمة التحرير عن اعترافها بحق إسرائيل بالوجود وتعلن موافقتها على القرارين 242 و338، وتعلن رفضها للعنف والإرهاب وأنها ستعاقب المخالفين وتعلن أن جميع المشاكل القائمة يجب أن تحل بالمفاوضات والوسائل السلمية، كما تعلن المنظمة أن جميع المواد الواردة في ميثاق منظمة التحرير التي تتعارض مع هذه التعهدات تعتبر لاغية وتتعهد منظمة التحرير بأنها ستتخذ قرارا بذلك من المجلس الوطني الفلسطيني. وفيما بعد عندما دونت تفاصيل الاتفاق جرت الموافقة على أن تكون قضايا القدس وعودة اللاجئين والحدود والمياه مؤجلة.

فماذا جنى الفلسطينيون من هذه التنازلات التي أتاحت للعدو أن يستمر في تنفيذ برنامجه الصهيوني بالاستيلاء على الأرض وبناء المستوطنات وجلب المهاجرين والتضييق على الفلسطينيين وكل وسائل العنف لإجبارهم على الرحيل. وأرى أن ما تقدم يؤكد على صحة موقف شعبنا في رفض قرار التقسيم وفي رفض اتفاق أوسلو وأن يستمر في المقاومة حتى التحرير والعودة.